تسييس المُقدّس وتقديس المُسيَّس في التاريخ الإسلامي

فئة :  مقالات

تسييس المُقدّس وتقديس المُسيَّس في التاريخ الإسلامي

كثيرٌ ما يُقدّم التاريخ الإسلامي كتاريخٍ مليء بالصفحات البيضاء التي لا تتناسب مطلقاً مع طبيعة البشر، فيُقدّم على أنّه تاريخ للتسامح تنتفي فيه كلّ إمكانيّة للظلم، تاريخٌ للبرّ وعدم الجور والعفو عند المقدرة، تاريخٌ يرفع في كلّ وقت وحين شعار "اذهبوا فأنتم الطلقاء". مع أنّ صاحب هذه المقولة وهو النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم عندما قالها في فتح مكّة عهد إلى أمرائه من المسلمين في نفرٍ سمَّاهم (بلغ عددهم عشرة من الرجال والنساء) أَمَرَ بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. فتلازم العفو العام مع العقاب لمن أساء الأدب وتجرّأ على الله ورسوله. ولكن هذا لا يُقدّم في كتب التاريخ الإسلامي إلاّ نادراً ولا يُذكر في الغالب الأعم إلاّ مقولة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

وقد شهد التاريخ الإسلامي الكثير من عمليات التزييف التاريخي لكثير من الوقائع؛ حيث إنّ التاريخ تكتبه غالباً الفئة المنتصرة، وكان من أشهر عمليات التزييف والخداع، والتي تملأ صفحات كثيرة حالكة السواد في التاريخ الإسلامي تلك الوقائع الكثيرة التي احتوت على تسييس المقدّس، حيث كان كل شيء قابلا للتسييس: الدين والفنّ والاقتصاد والأخلاق والعلم والعلاقات العائلية والحياة الخاصّة. فإذا قلنا إنّ تسييس الدين يعني تحويل الدين عن أهدافه السامية إلى تحقيق مصالح سياسية ذاتية لفئات بعينها، وجعل الدين وسيلة لتحقيق منافع ومطامع فئوية من شأنها إحراز السلطة والجاه والثروة والنفوذ، فيتمّ رفع الدنيوي إلى مرتبة المقدّس الذي لا يجوز مساءلته، وإلاّ أصبح من يضعه تحت المساءلة خارجاً مارقاً عن الدين.

وعلى ذلك يكون التسييس بحكم اتساع المجال السياسي مفضيا إلى الإعلان العام، أي نقل المشكلة من المجال الفردي إلى مجال الجمهور، وتعبّر عن مسار مصطنع لا يأخذ من السياسي إلاّ جانبه الإشكالي الذي يستغلّ لغايات من شأنها أن تستبعد أحد المتنافسين في النضال السياسي([1]).

وانطلاقاً من هذا المعنى، يمكننا القول بكثير من الطمأنينة إنّ الإسلاميين من أكثر الأمم في التاريخ الذين سيَّسوا المقدّس الديني، وإنّ علاقة المجتمعات الإسلامية - على حد قول أحد الباحثين - "على امتداد أربعة عشر قرناً علاقة نفعية، سواء من الأنظمة الحاكمة أو من الجماعات الدينية المُسيّسة، في توظيف هذا الدين العظيم في غير أهدافه ومقاصده، في سوق السياسة والاقتصاد والصراعات المذهبية والطائفية"([2]).

على الرغم من أنّ القرآن الكريم قد أدان هذه الفئة من الناس التي تسعى لاستخدام الدين استخداماً نفعياً فوصفهم تارة بمحرّفي الكلم عن مواضعه، وتوعّدهم – تارة أخرى- بالويل وشدّة العذاب، فقال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾([3]). ومن هؤلاء الذين يلبّسون على الناس دينهم، ليأخذوا به ما في أيدي الناس من مال أو منصب أو جاه، وهو سبيل من أوَّل آيات الكتاب وصحيح السنّة، على ما أصَّله من البدع الباطلة، لينال به دنيا، وقال إنّه من عند الله، من أجل الظفر بمكاسب دنيوية زائلة.

وقد كانت البدايات الأولى لتسييس المقدّس في صدر الإسلام، والذي تجلّى في مشهد رفع "المصاحف" طلباً للتحكيم في الصراع بين علي ومعاوية، ليتطوّر الأمر بعد ذلك ليرفع الخوارج شعارهم "لا حكم إلا لله" كغطاء شرعي لرفضهم شرعية خلافة الإمام علي، فألبسوا الغرض السياسي المدنّس ثياب الدينيّ المقدّس، ووضعوا الأساس الأوّل لمفهوم "الحاكمية لله" تلك الكلمة التي قال عنها الإمام على بن أبي طالب في حينها "كلمة حقّ أريد بها باطل"، والتي ستعود للظهور في القرن العشرين مع أبي الأعلى المودودي وسيّد قطب لتستخدم نفس الاستخدام.

وبعد أن آل الأمر برمّته إلى الأمويين ووصلوا إلى سدّة الحكم والسلطة بأساليب ووسائل سياسية دنيوية خالصة، كان لزاماً عليهم أن يصوغوا لأنفسهم أيديولوجية سياسية دينية تؤسس مشروعية دينية لسلطتهم([4]) ومن ثمّ أصبح الدين أداة لتحقيق منافع سياسية ومطامع سلطوية في المقام الأول، فكانت صورة خالصة من صور تسييس المقدّس وتقديس المسيّس.

وكان من أبرز صور تسييس المقدّس في الدولة الأموية ما قام به يزيد بن المقفّع في عهد الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان؛ حيث لخّص يزيد هذا التسييس للمقدّس في عبارة موجزة بليغة حيث جمع فأوعى؛ حيث قال: "أمير المؤمنين هذا" وأشار إلى معاوية.."فإن هلك فهذا"، وأشار إلى يزيد .."فمن أبى فهذا"، وأشار إلى سيفه! فقال له معاوية: "اجلس فإنك سيّد الخطباء".! ثم راح يأخذ البيعة ليزيد على مضض من الناس!([5]) وقد أعلن أنّ تولية يزيد قضاءٌ من القضاء، وعلى المسلم الحق ألاّ يعترض على قضاء الله وقدره بل يسلّم تسليما!

ثم تأتي الصورة الثانية على سبيل المثال لا الحصر، لتكون أبشع مثال على تسييس المقدّس في أسوأ صوره، وهو استخدام الدين للتخلّص من المعارضين السياسيين. فما كاد المؤذّن أن يؤذّن لصلاة عيد الأضحى حتى تقدّم جموع المصلين "خالدُ بن عبدالله القسري" والي الكوفة وهو يصطحب معه واحدا من كبار المفكّرين في ذلك العصر، وهو "الجعد بن درهم" صاحب الرأي الحرّ والمعارضة السلميّة ضدّ الأمويين، واعتلى القسري المنبر، وخطب في الناس خطبة جاء في نهايتها "أيها الناس اذهبوا وضحّوا بضحاياكم، تقبّل الله منّا ومنكم، أمّا أنا فإنّي مضحٍّ اليوم بالجعد بن درهم، فإنّه يقول: ما كلّم الله موسى تكليماً، ولا اتخذ خليلا تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً!!"([6]). ثم نزل واستلّ سكيناً وذبح الجعد بيده أسفل المنبر!! ولا شك - كما يكاد يجمع المؤرخون - أنّ ذبح الجعد كان لأسباب سياسية ارتدتْ - كالمعتاد - زي التديّن الزائف.

ومن الدولة الأموية إلى الدولة العباسية ومؤسسها أبي جعفر المنصور الذي أعلن أنّه "سلطان الله في أرضه، وحارسه على ماله" وهنا يبدو هذا الاستخدام تسييسا للمقدّس، حيث نسب نفسه إلى الله وأنه خليفة الله في أرضه، من أجل الوصول إلى السلطة/ سلطان الله، والثروة/ مال الله، ونسي هذا الحاكم البرجماتي أنّ مال الله هو مال المجتمع، لأنّ الله ليس في حاجة إليه، وسلطان الله مفوّض إلى المجتمع الذي يختار من يحقّقه عن طريق الشورى.

تلك الفكرة بعينها التي انتشرت في العصور الوسطى في أوربا وساد بها ومعها الحكم الثيوقراطي. ومن ثم فلم يكن غريباً أن يتخلّص هذا الخليفة من معارضيه بالطريقة نفسها، وكيف قتل أبو جعفر المنصور واحداً من أعظم أدباء عصره، وهو عبدالله بن المقفع؛ لأنه تجرّأ على سلطان الله في الأرض ناصحاً بأن عليه أن يحسن اختيار معاونيه. فما كان من سلطان الله في الأرض أن يرد ذاك التجرؤ بتقطيع أطراف ابن المقفع قطعة قطعة، ثم تشوى على النار أمام عينيه، ثم يأكلها ابن المقفع حتّى يموت!! ولا يجرؤ أحد على مساءلته، فسلطان الله في أرضه لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون!

وتتخذ الدولة العباسية من أبي جعفر المنصور المؤسس لها قدوة في هذا المجال لدرجة أنّها أصبحت سمة مميزة لذلك العصر؛ ففي العهد العباسي تمّ تصفية الكثير من المعارضين السياسيين بحجّة الزندقة وارتباطهم بالمانوية، وأصبحت تهمة اعتناق المانوية تلاحق كل من يرفع سلاح المعارضة ضد الدولة والنظام القائم آنذاك، لدرجة أن أنشأ الخليفة العباسي الهادي ديوان الزنادقة، ليكون واجهة لتصفيات كثيرة بحق بعض الشخصيات المعارضة بحجة مكافحة الزندقة والمانوية.([7])

ويستمّر الأمر في التخلّص باسم الدين بكل الأصوات المناوئة والمعارضة، ليطول علماء العصر الإسلامي الكبار، ولا يخفى ماذا حدث للرازي الطبيب، وهو من هو في تاريخ الطب، نظراً لانتماءاته السياسية المعارضة – ويبدو أنّ المثقف كان دائماً على يسار السلطة في مختلف العصور- فما كان أن عاقبه الحاكم النصف إله بضربه على أمّ رأسه بكتبه التي ألّفها، حتى فقد بصره بتهمة الإلحاد والتطاول على المقدّسات! وهكذا كان يتمّ توظيف النصوص الدينية في تصفية الخصوم السياسيين الذين كانوا يعارضون المبادئ التي تقوم عليها هذه الأنظمة.

وعلى هذا المنوال، تمّت تصفية الكثير من الشخصيات فما كان مصير الحلاج ببعيد الذي قُبض عليه وجيء به، فضُرب ألف سوط وبُترت يداه ورجلاه، وصلب حياً، ثم قُطع رأسه وصُبّ على جذعه الزيت وأحرق بالنار، ثم أُلقي الرماد المتخلّف عن جثته المحروقة من أعلى المئذنة في نهر دجلة. وكان هذا في السادس والعشرين من مارس 309هـ/ 911م. وكما يرى المستشرق نيكلسون وغيره من المؤرخين العرب أنّ الحلاّج راح شهيد أوحال السياسة وأحقادها، وإنّ من أهم أسباب نكبته هي اتهامه بالدعوة سراً إلى مذاهب القرامطة في خراسان والأهواز وإيران والهند والتركستان!([8]).

ومن المنطلق نفسه قُتل السهروردي مؤسس المدرسة الإشراقية في التصوّف، في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي لاقى تعنّتاً شديداً في سحق الدولة الفاطمية التي كانت معقد آمال القرامطة، فكان شديد التخوف من دعاة الباطنية، وأُتهم السهروردي بأنه كان منهم كما أُتهم الحلاج من قبله. ولكنهما لم تتم محاكمتهما على أنهما معارضان سياسيان، وإنما تمت محاكمتها تحت اتهامات بالكفر والزندقة.

وقد عرف تاريخ الإسلاميين عبر مختلف العصور ملوكاً ظالمين حادوا عن تعاليمه، ومع ذلك فقد وظّفوا المقدس في ألقابهم لإضفاء هالة من القداسة على ذواتهم، بعد أن تلقبوا بألقاب المنتصر بالله، المعتضد بالله، والمعتمد على الله، والحاكم بأمر الله، والمتوكل على الله، والناصر لدين الله، والمعز لدين الله، والمنصور بالله، والظاهر بالله، والظافر بالله، وحلّ الدين صريحاً محلّ لفظ الجلالة فصار هناك عماد الدين، ونور الدين، وصلاح الدين، ونجم الدين، عز الدين، وسيف الدين، وحسام الدين وغيرها...وقد عرفت هذه البدعة طريقها إلى العصر الحديث؛ حيث تسمت منظمات ومليشيات مقاتلة بأسماء وظفت لفظ الجلالة بالطريقة ذاتها، مثل: حزب الله وثأر الله، وبقيت الله (تكتب هذه الجماعة اسمها بالتاء المفتوحة على الخط الفارسي؛ لأنها إيرانية المنشأ) وأنصار الله، وجميع هذه الجماعات المذكورة حركات تمارس عملية تسييس واضحة للمقدّس للوصول إلى أهداف سياسية طائفية في مجملها([9]).

ولا يمكن في هذا الإطار، أن نتجاهل نكبات الفلاسفة وكيف جُلد الكندي ولاقى تعنّتاً شديداً، أو كيف تمّ التعامل مع أول فلاسفة الإسلام في الأندلس الفيلسوف الوزير أبي بكر بن الصائغ الشهير بابن باجة، وكيف تمّ قتله بالسم من قِبل منافسيه السياسيين على خلفية دينية. وكيف اُتهم ابن رشد الأندلسي آخر فلاسفة الإسلام وأعظمهم على الإطلاق بالمروق عن الملة، حيث نسبت إليه زوراً وبهتاناً مقولة "إن الزُهَرَة أحد الآلهة" على خلفية الصراع السياسي بين الفقهاء والفلاسفة. فنفي ابن رشد إلى جزيرة الليسانة معقل اليهود آنذاك، وأحرقت كتبه في أشهر ميادين قرطبة.

وفي العصر الحديث، بدا واضحاً تسييس المقدّس في منتصف العقد الثالث من القرن العشرين، وكانت البداية مع كتاب الشيخ على عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" ذلك الكتاب الذي تناول مسألة سياسية بحتة، وهي مسألة "الخلافة" ورأى أنها نظام سياسي يمكن أن يصلح لمكان ما، ولا يصلح لآخر، أو يصلح لزمان ولا يصلح لآخر؛ أي أنه ليست الخلافة هي النظام السياسي الوحيد المأمور به في الإسلام، ولما كان هذا الكلام معارضا لسياسة ومصلحة القصر الذي كان على رأسه حينذاك الملك فؤاد الأول الذي انتهز فرصة سقوط الخلافة العثمانية في تركيا، وأراد أن يجعل من نفسه خليفة للمسلمين، فلما صدر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" تعارض مع المصلحة الملكية، بل إنه – كما يقول جابر عصفور- "نسف الكتاب فكرة الخلافة التي كان يحلم بها الملك فؤاد وأعوانه، ونسف الكتاب الكثير من الرواسب العالقة في أذهان القراء عن الدولة الدينية، ونسف الكتاب السطوة التي يزعمها بعض رجال الدين عندما يتحدثون عن الحكم، وكان الكتاب بمثابة تأكيد من أزهري مستنير لدعائم الدولة المدنية"([10]). فكان لابدّ من التخلّص منه ومن كتابه، فتمّ فصله من عمله كقاض شرعي، وأُخرج من زمرة العلماء، وسُحبت منه شهادة العالمية وتم محو اسمه من سجلاّت الأزهر وطُرد من كل وظيفة دينية أو غير دينية، وبالطبع كل هذا حدث على خلفية تهم دينية وليست سياسية، رغم أنّ المشكلة برمتها سياسية في المقام الأول.

وفي العام الذي يليه أي في عام 1926م، وفي ذروة الصراع بين حزب الأحرار الدستوريين وحزب الوفد، هذا الصراع السياسي الخالص يتمّ تصفيته على أرضية فكرية وحول كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين الذي كان في ذلك الوقت أحد الأعضاء البارزين في الأحرار الدستوريين قبل أن ينتقل إلى الوفد بعد ذلك! فتنقل المعركة من ميدان السياسة إلى ميدان الدين، فيمثل طه حسين أمام النائب العمومي بتهمة الخروج على ثوابت الدين! في صورة مُثلى لتسييس المقدس، ولو كان الأمر كذلك لمثُل للمحاكمة إسماعيل أحمد أدهم الذي كتب في ذلك الحين مقالا مطوّلا تحت عنوان "لماذا أنا ملحد؟" وما كان إلا أن ردّ عليه أحمد حسن الزيات ومحمد فريد وجدي بمقال "لماذا أنا مؤمن؟" وردّ الشيخ عبد المتعال الصعيدي بكتاب "لماذا أنا مسلم؟".

وبعد حركة الجيش في يوليو 1952 تكوّنت علاقة نفعية متبادلة بين منتجي الخطاب الديني وبين رجال الحركة والحكم، فتمّت السيطرة والهيمنة على التفسيرات الدينية التي تساند السلطة وتحارب كل أشكال الاجتهاد التي يُشتمّ فيها معارضة للسلطة أو مقاومة لها، فوضعت بذلك بذور التداخل بين الخطاب الديني والخطاب السياسي، ووضع الدين بقوة داخل الفضاء العام للسياسة. يزاح الدين هنا لتتقدّم السياسة، ويتصدر الدين هنا لتصنع باسمه السياسة. ويتجه شيوخ المؤسسة الدينية (الأزهر) في الغالب الأعم إلى تأييد توجّهات السلطة.

وفي العصر الراهن وبظهور جماعات الإسلام السياسي التي سعت إلى السلطة فامتطت الدين وتاجرت به بهدف كسب الشارع المتدين بطبعه، الأمر الذي يصفه أحد الباحثين العرب بقوله: "إن واحدة من أهم معضلات الدولة العربية توظيفاتها النفعية الميكافيللية للدين، والتي تقوم على أهداف قصيرة وآنية المنفعة، الأمر الذي عمَّق من مأزق شرعية الدولة، فكل محاولات الدولة العربية، الاستقواء بالمعتدلين الإسلاميين لمواجهة جماعات متطرفة، لم يُفرّخ إلاّ المزيد من القيادات المتطرّفة كما في التجربتين المصرية والجزائرية"([11]).

وبالنظر إلى نشأة هذه الجماعات التي استحضرت مفهوم "الحاكمية" الذي يسعي إلى تجهيل المجتمع. وإن كان هذا المفهوم من صنع الخوارج قديما إلاّ أنّ المفكّر الباكستاني أبا الأعلى المودودي قد استعان به لمواجهة الغالبية الهندوسية، عندما كانت باكستان جزءا من شبه القارة الهندية قبل الاستقلال عام 1947م وبعد الاستقلال ترك المودودي مفهوم "الحاكمية"، وانضم إلى أكبر الأحزاب العلمانية في باكستان. إلا أن سيد قطب رأى في هذا المصطلح الوسيلة المثلى لمواجهة شعبية جمال عبد الناصر رفيق الأمس، والذي حاز على كل مغانم الثورة وأودع قطب وإخوانه في غياهب السجون، فكان الدين هو الأداة المناسبة جدا لتقويض شرعيته وشعبيته الجارفة.

واشتدّ ساعد هذه الجماعات أثناء حكم السادات ومبارك، على أنّه في عهد الأخير كان الصراع في الظاهر والتعاون في الباطن من أجل تحقيق المصالح والمنافع. وفي ظل هذه الهيمنة وتقديم الجماعات الدينية فروض الولاء والطاعة للسلطة حرصت ألا يكشف سترها وزيفها طائفة المثقفين والتنويريين، فكانت الاغتيالات والمصادرات والملاحقات القضائية التي طالت العديد من المفكّرين والكتّاب التنويريين من أمثال: فرج فوده، محمد سعيد العشماوي، نصر حامد أبو زيد، فؤاد زكريا، حسن حنفي، سيد القمني، أحمد فؤاد نجم، نوال السعداوي، وغيرهم ممن تطول بذكرهم القائمة.

وكان مبارك يستعمل جماعة الإخوان المسلمين استعمالا سياسيا أيضاً، وتحديداً لضرب القوى المدنية متمثلة في الوفد واليسار، حتى لا تطالبه هذه القوى بالديمقراطية والحرية وتداول السلطة، وكان يستعمل الإخوان أيضاً في تحجيم جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، بنظرية أن نحارب المتطرف بالمعتدل، باختصار أن نحارب الإسلاميين بالإسلاميين([12]).

وبعد ثورة يناير تمّ استغلال الدين على نحو صريح في استفتاء مارس 2012 والمجد لمن قال (نعم) وجهنّم مصير كل من قال (لا) وقويت النغمة، ووصل الإخوان المسلمون إلى سدة الحكم، أكثرية في مجلس الشعب وأغلبية في مجلس الشورى، ثم الهيمنة التامة على كافة المناصب الكبرى والصغرى في الدولة تحت شعار "الإسلام هو الحل"، حتّى تمّ وقف هذه البرجماتية الدينية بتدخل الجيش في الثلاثين من يونيو 2013.

ولا يخفى على الجميع ما شهده القرن الحادي والعشرون من ذروة تسييس المقدّس على يد الجماعات المتأسلمة المتطرّفة، لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية، والتي تمثلت في داعش في العراق والشام وطالبان بباكستان وأفغانستان وأنصار بيت المقدس بسيناء وحركة الشباب الإسلامية بالصومال وجند الخلافة بالجزائر وأنصار الشريعة بليبيا وبوكو حرام بنيجيريا.. وغيرها، كلّ في حيّزه الجغرافي فأحالوا مكان تواجدهم إلى محل للدمار والخراب، بدلا من البناء والحضارة والرقيّ والرحمة التي من أجلها كانت رسالات السماء جميعها.

إنّ أسوأ ما يعرقل نهضة أيّ مجتمع هو أن يتحول علماء الدين فيه إلى علماء في السياسة والاقتصاد والإعلام وهم غير مؤهلين لهذا ولا هو فنّهم، فيأتون بالعجائب، وحين يُسند الأمر إلى غير أهله فلا تنتظر إلاّ الخراب والدمار. وما أسوأ أن يتحوّل الدين إلى بضاعة يتاجر بها السياسي والاقتصادي والإعلامي ورجل الدين على السواء. فما أحوجنا جميعاً إلى التمييز بين ما هو ديني وما هو دنيوي على نحو واضح، لنضع الأمر في مساره الصحيح، وتبدأ نهضتنا المأمولة التي طال انتظارها.


[1] أنطوان نصرى مسره، تسيّس المقدس ونشأة الصراعات الطائفية، ضمن كتاب العنف والمقدس، تحرير مراد وهبة القاهرة، دار الثقافة، 1996، ص 111

[2] عبد الحميد الأنصاري، تسيّس الدين آفة قديمة، صحيفة الجريدة، بتاريخ الاثنين 25 أغسطس 2014، على الموقع الإلكتروني: http://m.aljarida.com/pages/news_more/2012679300

[3] سورة البقرة، الآية 79

[4] نصر حامد أبو زيد: التجديد والتحريم والتأويليين المعرفة العلمية والخوف من التكفير، الدار البيضاء- المغرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2010، ص 80

[5] إمام عبد الفتاح إمام، أفكار ومواقف، الجزء الثالث، القاهرة، دار صبح للطباعة والنشر، د.ت، ص 305

[6] إمام عبد الفتاح إمام، أفكار ومواقف، الجزء الأول، القاهرة، دار صبح للطباعة والنشر، د.ت، ص 85

[7] صالح بن عبد الله البلوشي، نقد التوظيف النفعي للدين، جريدة الدار الكويتية، بتاريخ 9/11/2010، على الموقع الإلكتروني: http://alharah2.net/alharah/showthread.php?t=10000

[8] لمزيد من التفاصيل أنظر: توفيق الطويل، قصة النزاع بين الدين والفلسفة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011، ص 131-133

[9] محمد جميح، تسييس المقدس وتقديس المسيس، موقع صعدة أون لاين بتاريخ 22/3/2014. على الرابط التالي http://m.saadaonline.net/news.php?id=4430%27.

[10] جابر عصفور، هذا الكتاب من وثائق التنوير، مقدمة كتاب "الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1993

[11] عبد الحميد الأنصاري، تسيس الدين آفة قديمة، مرجع سابق.

[12] حلمي النمنم، هل سلم نظام مبارك فرج فودة إلى الإرهابيين، مجلة الثقافة الجديدة، عدد أغسطس (275) القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2015، ص 17