تثوير اللاهوت، أم بحث عن الثورة من داخل الدين: قراءة تحليليَّة في كتاب "الدّين والثورة"

فئة :  قراءات في كتب

تثوير اللاهوت، أم بحث عن الثورة من داخل الدين: قراءة تحليليَّة في كتاب "الدّين والثورة"

تثوير اللاهوت، أم بحث عن الثورة من داخل الدين([1])

قراءة تحليليَّة في كتاب "الدّين والثورة"


لماذا استطاعت المسيحيَّة في أمريكا اللاتينيَّة أن تبتكر لاهوتاً للتحرير، في حين فشل الإسلام، أو بالأحرى الإسلاميون، في تأسيس لاهوت تحرير إسلامي يستطيع أن يستوعب قيم التحرُّر والمساواة والعدل؟ كان هذا هو السؤال المحوري الذي تدور حوله الدراسة المهمَّة التي صدرت حديثاً منذ حوالي عام واحد (2016)، لصاحبها الباحث المصري الدكتور حمدي عبد الحميد الشريف، مدرس الفلسفة السياسيَّة بكليَّة الآداب، جامعة سوهاج، التي جاءت في كتاب يحمل عنوان: "الدّين والثورة بين لاهوت التحرير المسيحي واليسار الإسلامي المعاصر".

يناقش الكتاب بالتفصيل الشديد وبرؤية تحليليَّة نقديَّة مقارنة أهمَّ تيارين نظَّرا للثورة من منطلق ديني أو لاهوتي، ونعني بهما: تيار لاهوت التحرير الذي ظهر في أمريكا اللاتينيَّة في أوائل الستِّينيات من القرن العشرين، وتيار اليسار الإسلامي المعاصر الذي مثله مجموعة من المفكرين الإسلاميين التقدميين في مصر والسودان وتونس وإيران.

يطرح الكتاب مجموعة من التساؤلات الحيَّة والمهمَّة، ومنها: ماذا تعْني الثورة من المنظور الفلسفي؟ وما أهم عناصرها ومقوماتها؟ ما مكانة الثورة في الكتاب المقدَّس، والقرآن الكريم؟ ما حدود تأثير الدّين في الثورة؟ وما حدود أثر الثورة على الدّين؟ وهل كانت محاولة لاهوت التحرير المسيحي واليسار الإسلامي سعياً لتثوير الدّين، أم هي سعي للكشف عن جذور الثورة من داخل الدّين؛ أي الكشف عن بواعث الثورة داخل الدّين؟ وبمعنى آخر: هل كانت محاولتهما اتجاهاً من الدّين إلى الثورة؛ بمعنى أنَّ الدّين باعث على الثورة، لأنَّه يتضمَّن جذوراً ثوريَّة، أم كانت محاولتهما اتجاهاً للبحث في الثورة عن جذور لها في الدّين ذاته؟ ومتى يكون الدّين فعلاً إيجابيَّاً ومقوّماً من مقوّمات التغيير الاجتماعي؟ ومتى يكون تكريساً للاستبداد والخضوع للظلم؟ ومتى يتحوَّل الفكر الدّيني إلى أداة من أدوات التغيير والثورة على الظلم؟ ومتى يُوظَّف كأداة للاستبداد والخضوع والاستغلال؟ ما حدود علاقة الثورات الأوروبيَّة في العصر الحديث باللَّاهوت المسيحي؟ ثمَّ كيف دخل مفهوم الثورة، كمفهوم سياسيّ، إلى صلب اللَّاهوت المسيحي المعاصر، ليكون موضوعاً مستقلاً من موضوعاته؟ وأخيراً، ما محاور الصلة بين المسيحيَّة والثورة عند أنصار لاهوت التحرير المسيحي؟ وكيف ينظر أعلام اليسار الإسلامي إلى الإسلام، وإلى الثورة، وإلى الصلة بينهما؟

إنَّ هذه الإشكاليَّة بين الدّين والثورة تُعَدُّ - كما يقول الباحث بحق - «واحدة من أهمّ الإشكاليَّات وأَعْقدها في الفكر السياسي، وقد تداخلت فيها إشكاليَّات ومسائل أخرى أدَّت - على المستوييَن النظري والتاريخي معاً - إلى زيادة صعوبتها وتعقيدها. وتُعَدُّ هذه الإشكاليَّة جُزَءاً من إشكاليَّة أكبر، وهي إشكاليَّة العَلاَقة بين الدّين والسياسة. وقد كانت هذه الإشكاليَّة الأخيرة - وما تزال - محلَّ اهتمام كثير من المفكرين والفلاسفة منذ أقدم العصور، وهي تُمَثِّل إحدى الإشكاليَّات الفكريَّة الحسَّاسة بسبب كثير من المتغيرات التاريخيَّة، والسياسيَّة، والاجتماعيَّة، والفكريَّة. وتُعْنَى هذه الإشكاليَّة، في الأساس، ببحث أوجه الصلة بين الدّين والثورة، وكذلك حدود تبرير الدّين للتمرُّد والعصيان المدني. كذلك تبدو هذه الإشكاليَّة أكبر وأكثر تعقيداً، حين نقول: جدليَّة العلاقة بين الدّين والثورة، فمن المُسَلَّم به أنَّ العلاقة الجدليَّة تَعْنِي التفاعل الديناميكي بين طرفي هذه العلاقة، وهذا ما يَعْنِي بشكل أو بآخر أنَّ ثِمَة تفاعلاً ما بين الدّين بوصفه عقيدةً إلهيَّة ثابتة، والثورة بوصفها ظاهرةً اجتماعيَّة تَرْمِي إلى التغيير الجذري الشامل للمجتمع. ومن المُسَلَّم به أيضاً أنَّه في كُلّ علاقة جدليَّة، هناك أسبقيَّة معرفيَّة لأحد طرفي هذه العلاقة، تؤسّس دعائم الطرف الآخر، والأسبقيَّة هنا للدّين بطبيعة الحال. وبالإضافة إلى ذلك فإِنَّ العلاقة الجدليَّة تجعل الحديث عن طرف ساكن أمراً متعذراً، إن لم يكن مستحيلاً، اللَّهُمَّ إلا على سبيل التصوُّر الذهني أو الفرض البحثي المبدئي»([2]).

ما يبدو له أهميَّة بالغة عند مناقشة هذه الإشكاليَّات المتعدّدة هو وعي الباحث بدور (الإيديولوجيا) في العلاقة بين الدّين والثورة بصفة خاصَّة، والدّين والسياسة بصفة عامَّة، وكما يلفت الباحث انتباهنا منذ البداية إلى أنَّ «الصراع بين الدّين والسياسة اتخذ أشكالاً وصوراً متباينة عند كلّ الحركات السياسيَّة والدينيَّة، وكان للإيديولوجيا دور كبير في تأجيج هذه الصراع. وقد كان النص الدّيني دائماً عُرْضة لأّي استخدام إيديولوجي مُوَظَّف ومُغْرض»([3]).

أولاً: أهميَّة الكتاب وموضوعاته

بادئ ذي بدء فإنَّ أهميَّة هذا الكتاب تأتي من كونه من المحاولات البحثيَّة الأولى والجادَّة من جانب الباحث لدراسة واحدة من أهمّ الإشكاليَّات الفلسفيَّة والسياسيَّة والتاريخيَّة والدينيَّة معاً، ونعني بها إشكاليَّة العلاقة بين الدّين والثورة، وذلك من حيث إنَّ الدّين أحد أهمّ مكونات المجتمعات البشريَّة على مرّ التاريخ، وأشدّ ما أثَّر في الجنس البشري بطريقة إيجابيَّة أو سلبيَّة، وكذلك الثورة باعتبارها أحد أخطر مظاهر علاقة المجتمع بالسلطة، وربَّما علاقة الإنسان الفرد بالمجتمع، فلا يخلو مجتمع إنساني من وقوع ثورة أو إرهاصاتها، على الأقل النظريَّة إن لم تكن العمليَّة، مع الأخذ في الاعتبار تعدُّد دلالات مصطلح الثورة، واختلاف أنماطه.

ويتعرَّض الكتاب بطرحه المميز والتأصيلي التفصيلي إلى تلك الإشكاليَّة من خلال الدراسة التحليليَّة والمقارنة لتيار لاهوت التحرير المسيحي وتيار اليسار الإسلامي المعاصر. فبعد مقدّمة ومدخل يمهّد الباحث فيهما الطريق للولوج إلى إشكاليَّة الكتاب الرئيسة عبر عرضه المجمل لتساؤلات الدراسة الأساسيَّة، ثمَّ في المدخل يتعرّض إلى الدّين والثورة عند ماركس باعتبار الماركسيَّة أكبر المذاهب الفلسفيَّة تأثيراً على معظم التيارات الثوريَّة الحديثة والمعاصرة من جهة، وباعتبارها أيضاً أثّرت بطريقة أو بأخرى على الأُطر الفكريَّة للاهوت التحرير المسيحي واليسار الإسلامي. وكذلك يتعرَّض الباحث لموقف ماركس من الدّين، والذي ما يزال محل جدل وخلاف كبيرين. ثم يشرع الباحث بعد ذلك في عرض وتحليل الإشكاليَّة الرئيسة للكتاب، وذلك انطلاقاً من العام إلى الخاص عبر عشرة فصول ثريَّة دسمة.

بدأ الباحث أقسام دراسته بعرض فلسفي - تاريخي، تأصيلي مميز، لمفهوم الثورة وعلاقاته ببعض المفاهيم المتداخلة، كالتمرُّد، والانتفاضة، والإصلاح السياسي، والثورة المضادة، والانقلاب، والعصيان المدني، والحرب الأهليَّة، وكيف أنَّ ظاهرة الثورة تؤثر على هذه الظواهر وتتأثر بها. ثم استعرضت الدراسة العوامل المحرّكة للثورات، مع الإشارة السريعة "للثورات العربيَّة"، وأسباب تخبّطها أو فشلها. ثم حللت بعد ذلك مباشرة "مفهوم الثورة من التأسيس الديني إلى الصياغة اللَّاهوتيَّة"، وذلك بعرض مميز ومنوع للحجج الرافضة للربط بين الدّين والثورة، وكذلك مسار تفسير الدّين بين القراءة الثوريَّة والقراءة المكرّسة للطاعة، ثمَّ عرضت لموقف الفِرق الإسلاميَّة وكذلك بعض التيارات المسيحيَّة من الثورة والدّين معاً.

وانطلاقاً من هذا القسم العام، عرضت الدراسة عرضاً تأصيليَّاً تاريخيَّاً مميزاً لا يخلو من حضور الحسّ النقدي لمسار التشكّل التاريخي لتيار لاهوت التحرير المسيحي، وأشارت بالشواهد والأدلة إلى الأحداث والعوامل السياسيَّة والتاريخيَّة الداخليَّة والخارجيَّة التي تشكَّل في ظلها هذا التيار الثوري في اللَّاهوت المسيحي المعاصر، وكذلك باعتباره تياراً مسيحيَّاً حاول إعادة قراءة المسيحيَّة من منطلق اجتماعي تقدُّمي، بما يتوافق مع متطلبات الزمان والمكان، وبما يتوافق مع العوامل الاجتماعيَّة المؤثرة في شكل العالم آنذاك بصفة عامَّة وأمريكا اللاتينيَّة بصفة خاصَّة. ومن هذه النقطة تعرَّضت الدراسة إلى حدود الأرضيَّة المشتركة بين المسيحيَّة والثورة، وبعبارة أخرى الأصول المشتركة بينهما، ثمَّ أصَّلت لمفهوم الثورة بين السلميَّة والعنف عند أعلام هذا التيار الثوري. وقد عرض الباحث لنماذج رائدة ومشرقة من لاهوتيي الثورة والتحرير في أمريكا اللاتينيَّة، حيث درس إنجازات وإسهامات كلٍّ من الكاهن الثوري الكولومبي "كاميلو تورِّيس" Camilo Torres (1929 - 1966)، واللاهوتي البرازيلي "هلدَر كامارا" Hélder Câmara (1909 - 1999)، والأسقف السلفادوري "أوسكار روميرو" Óscar Romero (1917 - 1980)، واللاهوتي البيروفي "جوستافو جوتييريز" Gustavo Gutiérrez (1928 - ...)، والأب الفرنسسكاني "ليوناردو بوف" Leonardo Boff (1938 - ...)، وغيرهم من أعلام هذا التيار اللاهوتي الثوري في أمريكا اللاتينيَّة.

وفي رأي الباحث أنَّ من أهمّ الإنجازات الفكريَّة لهذا التيار اللاهوتي، دعوته لعدم الفصل القاطع والحاد بين مملكة السماء ومملكة الأرض، ومحاولته لتجاوز المسافة ما بين المقدَّس والدنيوي، وهو ما أدَّى به إلى عدم الفصل بين الخلاص، كمفهوم ديني أو لاهوتي، والتحرير الاجتماعي والسياسي الإنساني بالمعنى الواسع([4]). لقد نظر أعلام هذا التيار إلى الخلاص من المنظور المسيحي، بوصفه تحرراً من الخطيئة، وبوصفه يتضمَّن أيضاً التحرُّر من الخطيئة الاجتماعيَّة، المتمثلة في الظلم والاستغلال والقهر الاجتماعي. وهذا ما جعل الباحث يذهب ويؤكد بشدَّة، وهو محقٌ في ذلك، على أنَّ تفسير أنصار هذا التيار لعقيدة الخلاص الدينيَّة بأنَّه خلاص إنساني، دنيوي، اجتماعي، هو تفسير معاصر لا نجد له أصولاً في التفسيرات التقليديَّة لعقيدة الخلاص المسيحيَّة([5]).

ومن أهمّ التيارات الفكريَّة التي عالجها الكتاب وتعرَّض لها بالتحليل والنقد تيار "اليسار الإسلامي"، ورؤيته الفكريَّة العامَّة؛ إذ يُعَدُّ هذا التيار الفكري المعاصر محاولة لا تخلو من أهميَّة لإيجاد طريق ثالث يحاول أن يوظف الدّين في خدمة المتطلبات المجتمعيَّة في العالم الإسلامي ويجعل منه أداة للتغيير "الثوري". وقد رصد الباحث بعرضه المميز وببراعة شديدة لأهمّ المحاولات الفكريَّة لما سمَّاه "الثورة الثانية" عند المفكر السوداني "محمود محمد طه" (1909 - 1985)، والمفكر الإيراني "علي شريعتي" (1933 - 1977)، وكذلك المحاولات البحثيَّة لتجديد التراث و"تثوير الدين" عند "حسن حنفي" (1935 - ...)، ومجموعة "الإسلاميّين التقدُّميّين" في تونس. وفي هذا الإطار نجد أنفسنا أمام عرض تحليلي نقدي مميز لأهمّ الأعلام والحركات على الساحة الإسلاميَّة التي ساهمت في بحث إشكاليَّة العلاقة بين الدّين والثورة، وأدلت بدلوها في مسائلها المتنوّعة وتعقيداتها المتشابكة.

وقد اهتمَّت الدراسة بشكل خاص بوضع الرؤية العامَّة لمشروع حسن حنفي تحت عين النقد، فكانت موفقة إلى حد كبير بتوضيح مدى التناقض والمغالطات التي وقع فيها حسن حنفي وهو يحاول أن يقدّم مشروعاً يزعم أنَّه متكامل الأركان للخروج من الأزمة الراهنة التي تعاني منها المجتمعات الإسلاميَّة، وبوجه خاص حالة الاستقطاب الحاد بين الأصوليين الإسلاميين والمفكرين العلمانيين في العالم العربي والإسلامي. ويتساءل الباحث بعد تحليله لرؤية حسن حنفي الفكريَّة: «هل اقترب "حنفي" في رؤيته الثوريَّة من النصوص، لكي يطرح تأويلاً يتفق مع إيمانه بتاريخيَّة العقائد الدينيَّة، أم أنَّه بقي عند حدود التخوم، ولم ينفذ إلى جوهر النصوص؟ وبعبارة أخرى: هل تُعَدُّ محاولته محاولة لتثوير التراث الإسلامي من الداخل، أم هي إسقاط لقوالب فكريَّة عليه من الخارج؟ وهل استطاع تثوير اللاهوت/العقيدة الإسلاميَّة، كما ادَّعى فعلاً؟ وهل مشروعه يثور العقائد أم يهدم العقائد؟ وأخيراً كيف يمكن تقييم تجربته في مجمل مشروعه الفكري؟» ويجيبنا الباحث إجابة مختصرة تنمُّ عن حس نقدي بما وقع فيه حنفي من تناقضات جمَّة: «لقد أبقى حسن حنفي على شكل قضايا التراث، وحذف معظم مضمون هذا التراث! وإنَّ نتيجته التي خلص فيها إلى تاريخيَّة العقائد تفضي إلى القول إنَّه لم يستطع أن يثور العقائد، أو أن يؤوّل النصوص تأويلاً خاصَّاً بمفهوم الثورة، وإنَّما هدمها من أساسها»([6]).

ثم بيَّنت الدراسة بعد ذلك أوجه الاتفاق والاختلاف بين رؤية كلٍّ من تيار لاهوت التحرير المسيحي، وتيار اليسار الإسلامي حول إشكاليَّة العلاقة بين الدَّين والثورة، وكذلك علاقة التأثير والتَّأثُّر بين هذين التيارين. ثم أثر الماركسيَّة على هذين التيارَين وعلى قراءة أنصارهما للدّين.

الفصل العاشر والأخير، هو من أهمّ الفصول على الإطلاق، بعنوان "الدّين والثورة: رؤية مستقبليَّة"، وفيه تداركت الدراسة الرؤية النقديَّة التي ربَّما في بعض الفصول طغى عليها المنحى التأصيلي، لكنَّها عادت بشكل مستقل في هذا الفصل لتنظر نظرة ناقدة وتحليليَّة في مظاهر النجاح والإخفاق بين التيارين، وعددَّت الدراسة بعض أسباب فشل محاولات اليسار الإسلامي في أن تصل إلى ما وصل إليه لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيَّة، وإن كان ذلك الأخير أيضاً قد تداعى وأصيب بنوبات فشل، كما رصدت الدراسة ذلك، ممَّا جعله يعيد النظر مرَّات ومرَّات في منهجه ومرجعيته.

وقد جاء المبحث الثاني من الفصل العاشر عن "الدّين والثورة والعنف"، وفيه أيضاً قدَّمت الدراسة رؤية نقديَّة لما تمخَّض عنه تيار لاهوت التحرير من جدل وتأثيرات على المستويين الاجتماعي والمعرفي، وتأثره بالماركسيَّة ومدى تأثيره في الواقع، والعلاقة الجدليَّة بين الفكر والواقع. وكذلك كيفيَّة تحوُّل الدّين من غاياته الكبرى إلى كونه مجرَّد إيديولوجيا للعنف والإرهاب، وتفصيل ذلك نسبياً عند بعض النماذج المؤثرة في فكر الجماعات الإسلاميَّة، كـ"سيد قطب" (1906 - 1966). وقد كانت إشارته إلى "قطب" إشارة موفقة ومهمَّة في الوقت ذاته، وربَّما يمكن أن تكون مدخلاً لدراسة مستقلة تدرس العلاقة بين التطرُّف الديني والأوضاع الاجتماعيَّة بقراءة تفكيكيَّة.

وأخيراً تجيء خاتمة الكتاب ليستدرك الباحث فيها ما يكون قد غاب عن تلك العوامل والأسباب، ألا وهو السبب المعرفي الذي يتمثل في تعرُّض المسيحيَّة كديانة لعمليَّة نقد عنيفة منذ عصر النهضة وما قبله في عصر الإصلاح الديني، إلى ما بعد عصر التنوير الأوروبي، وهو ما لم يتعرَّض له الإسلام إلا بمحاولات لم يكتب لها النجاح بعد. إنَّ الدراسة تعود لتثبت إلمامها بشتى الجوانب بصورة دقيقة فتشير إلى ذلك العامل في مستهل الخاتمة. كذلك عرضت الخاتمة مُلخصاً وافياً ومركَّزاً للنتائج التي توصَّلت إليها الدراسة، لتبين أنَّها دراسة مكتملة استطاعت أن تجمع بين التشعُّب والتركيز ببراعة ملحوظة، واختارت موضوعاً غاية في الأهميَّة، ودرسته تأصيليَّاً وتحليليَّاً وتاريخيَّاً مع حضور الحسّ النقدي للباحث.

ومن المقاربات المهمَّة التي وردت في هذا الكتاب، والتي نريد أن نتوقف عندها نظراً لأهميتها، تلك المقاربة التي يعقدها الباحث بين لاهوت التحرير والحركات الإسلاميَّة. وقد ذهب الباحث إلى أنَّ من بين الأسباب في النجاحات الملموسة التي حقَّقها تيار لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينيَّة، هو تركيزه «على استخلاص الأبعاد الاجتماعيَّة التقدميَّة في المسيحيَّة، وابتعاده عن القضايا العقديَّة الخلافيَّة. ومن هنا نجده يؤكّد، مراراً وتكراراً، على المهمَّة الاجتماعيَّة التقدميَّة للكنيسة، أي انخراط الكنيسة في المجتمع لتغييره إلى الأفضل. إضافة إلى أنَّ هذا التيار يتَّسم بسميتين أساسيتين: الأولى غياب التكفير لأصحاب النزعات والطوائف المسيحيَّة الأخرى، والأخرى أنَّه لم يكن مُتَعطِّشاً للسُّلطة»([7]).

وفي اعتقاد الباحث أنَّ جُلَّ الحركات الإسلاميَّة «قد باءت بالفشل الذريع في تغيير المجتمعات العربيَّة إلى الأفضل، وهي بوضعها الراهن غير قادرة على تقديم قراءة جديدة للإسلام، أو صياغة نماذج للإسلام الاجتماعي الثوري، ويرجع ذلك لأسباب عديدة عقَّدت مسألة التغيير عند أنصار هذه الحركات، بل أعاقته إلى حدّ الآن»([8]). ومن هذه الأسباب فيما يذكر الباحث([9]):

1 - غياب البُعد الثوري للإصلاح: فقد كانت معظم هذه الحركات على مدار تاريخها ذات طابع إصلاحي، لا ثوري، وكان تركيزها على إصلاح الفرد من الداخل أولاً، ثمَّ إصلاح المجتمع ثانياً أكثر من تركيزها على العمل، في سبيل تقديم مشروع اجتماعي ونهضوي شامل. وإذا كانت بعض الحركات الإسلاميَّة ذات طابع تقدُّمي كحركة النهضة في تونس، فإنَّ أكثر هذه الحركات رجعيَّة. والواقع أنَّ كلَّ الحركات الإسلاميَّة، سواء الفكريَّة أو الاجتماعيَّة، التقدميَّة أو الرجعيَّة، في حاجة إلى تحقيقات منهجيَّة، ومراجعات حضاريَّة واسعة، وانفتاح على التيارات الفكريَّة الأخرى، خاصَّة وأنَّ فئة من العناصر الانتهازيَّة في هذه الحركات قد استغلت فرصة وجود الخلاء الفكري في المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة، وبدأت تفسّر الدّين، بل والتاريخ الإسلامي، وتقدّمه للناس على أنَّه من الحقائق الثابتة، بعد أن تُصبغه بإيديولوجيتها الخاصَّة، وتتمنى أن تكون بديلاً عن الواقع القائم.

2 - انشغالها بالعمل التنظيمي والتعبوي: ثمَّة سبب آخر يكمن في انشغال هذه الحركات في معظم فتراتها التاريخيَّة بالعمل التنظيمي والتعبوي، على حساب الاهتمام بالجوانب الفكريَّة والثقافيَّة؛ لأنَّ أقصى ما كانت تطمح إليه هو الاعتراف بها من قبل السلطة الحاكمة كأحزاب سياسيَّة، تستطيع من خلالها الوصول إلى السُّلطة. ومن ثَمَّ لم يكن إسهامها الفكري والثقافي والاجتماعي في حجم انتشارها وسمعتها السياسيَّة. ونظراً لأنَّ معظم هذه الحركات لم تَسْتَند إلى فلسفة واضحة المعالم، ولم تقم أصلاً على تأسيس معرفي مستنير، ونظراً لطبيعتها البراجماتيَّة في التنظيم والنزعة الميكافيليَّة المُصَاحِبة لها في السياسة، ونظراً لاعتمادها على مواقف وشعارات تتغير باستمرار، فقد انهزمت، أوَّل ما انهزمت، في مجال الأخلاق، فلم تنجب قيادات فكريَّة أو دينيَّة يُعْتدُّ بها، وإنَّما أنجبت سياسيين ضحلين، لا يُجيدون سوى الاتجار بالشعار والتلاعب بعواطف الناس، بخطاب ديماغوجي ليس فيه سوى ضباب الشعار وصخبه وطنينه.

3 - طغيان الجوانب العقائديَّة والأصوليَّة في فكرها: إنَّ التفاوت الهائل بين تقدُّم اللَّاهوت المسيحي في العصر الحديث وتأخُّر علم أصول الدّين الإسلامي/ علم الكلام، فيما يتَّصل بالاهتمام بالجوانب الاجتماعيَّة، هو أحد الأسباب الرئيسة في تعثر هذه الحركات على طريق التغيير الاجتماعي. ذلك أنَّ علماء اللَّاهوت في أوروبا ما انفكوا يعمّقون العلاقة بين الدّين والفلسفة، أو بين الإيمان والعقل، في حين أنَّ علماء الإسلام ما يزالون يتناقشون حول قضايا عقائديَّة خلافيَّة قديمة. وفي حين بدأ علماء اللَّاهوت المسيحي في أوروبا في بلورة "لاهوت ما بعد الحداثة"، نجد أنَّ الإسلاميين، وبخاصَّة السلفيين منهم، ما يزالون يسبحون في أحضان اللَّاهوت التكفيري وفقه العصور الوسطى. والأفدح من ذلك أَّنَّهم يعتبرونه إلهيَّاً مُقَدَّساً معْصُوماً. ولهذا السبب ما يزال فقهاء المسلمين المنقطعون عن حركة العلم والفلسفة والتقدم البشري يرفضون فكرة المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، أو فيما بين المسلمين أنفسهم، عن طريق تَشَبُثهم بفتاوى القرون الوسطى التكفيريَّة والمذهبيَّة، التي تعتقد بوجود دين واحد صحيح، أو حتى مذهب واحد صحيح، وبقيَّة الأديان والمذاهب باطلة.

4 - سيادة مَبْدأ التكفير والعنف في نهجها السياسي: من هذه الأسباب أيضاً أنَّ معظم أنصار الحركات الإسلاميَّة يتعطشون إلى السُّلطة، وقد تبنَّوا في سبيل ذلك كلَّ وسائل العنف والتكفير في مواجهة الخصوم، رغم ادِّعاء بعضهم بأنَّهم يرفضون العنف من حيث المبدأ كأداة للتغيير، ويركّزون الصراع على أسس ديمقراطيَّة تكون هي أسلوب الحسم في مجالات الفكر والسياسة والثقافة. والنموذج الأكثر جلاء لذلك هو التحوُّل الإيديولوجي الخطير لـ"سيد قطب" من الإسلام الاجتماعي التقدُّمي إلى التكفير، والدعوة إلى استخدام العنف لإقامة المجتمع الإسلامي.

5 - فقدان الضمانات الحقيقيَّة للاهتمام بالأبعاد الاجتماعيَّة في الدّين: ما تزال الحركات الإسلاميَّة في حاجة إلى ضمانات؛ حتى تبقى الرؤى الاجتماعيَّة التقدميَّة قائمة بعد تَحوُّل أصحابها. كما أنَّها ما تزال في حاجة إلى تخليص فكرها العقائدي من الخلافات القديمة بين الفرق الإسلاميَّة، فيما يتعلق بقضايا قدم القرآن أم حدوثه، والنبوَّة والعصمة، والغيبة والتقيَّة لدى الشيعة. إنَّها بحاجة إلى صياغة علم كلام إسلامي جديد يتجاوز علم الكلام القديم، الذي يبحث في الأخرويات، وأحاديث الفرقة الناجية، وقضايا الذات والصفات.

6 - ضرورة تعديل الخطاب السياسي والاجتماعي للحركات الإسلاميَّة؛ لضمان نجاحها في إحداث التغيير الاجتماعي، وذلك بالتركيز على القضايا المُلحَّة التي تَهمُّ الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة. كما يجب عليها أن تتبلور بعيداً عن الأطر المذهبيَّة أو العقائديَّة المغلقة، وأن تتَّجه إلى تحقيق المضمون الاجتماعي للدّين. وإذا استطاعت هذه الحركات أن تُحقِّقَ ذلك - وهو هدف بعيد المنال على كلّ حال - فإنَّه يمكن لها حينئذ أن تصل إلى درجة من القوَّة والتأثير في نفوس الجماهير الإسلاميَّة، على غرار ما وصل إليه تيار لاهوت التحرير المسيحي.

وانطلاقاً من هذه الأسباب والعوامل التي أعاقت الحركات الإسلاميَّة في التغيير، يذهب الباحث إلى أنَّ الحركات الإسلاميَّة ما تزال في حاجة إلى بلورة مفاهيم الإسلام الاجتماعي في صيغ مُعاصرة، كما أنَّ عليها تحليل واقع المجتمعات الإسلاميَّة بدقة؛ حتى يتسنَّى لها فَهْم مظاهر الخلل والحيف وأسبابه، والوصول إلى بلورة حلول بديلة. كما أنَّها ما تزال في حاجة إلى مزيد من الضمانات حتى لا تتغير مواقفها الإيديولوجيَّة، وحتى تبقى الرؤى التقدميَّة في السياسة والاقتصاد والاجتماع قائمة، خاصَّة بعد أن تَتَسلم هذه الحركات السلطة([10]). وفي الواقع إنَّ ممارسات الحركات والتيارات الإسلاميَّة بعد وقوع "الثورات العربيَّة" خير شاهد على ما يحلله الباحث برؤيته العميقة والثاقبة، ومن هنا تجيء الأهميَّة الحقيقيَّة لدراسة هذا الكتاب في نظرنا.

ثانياً: ملاحظات واستنتاجات القراءة التحليليَّة

1) تُعَدُّ هذه الإشكاليَّة التي يعالجها الكتاب جدَّ خطيرة ومهمَّة، وتتأتى خطورتها وأهميتها من أهميَّة المحورين الرئيسين اللذين تناقشهما الدراسة؛ أعنى "الدّين"، و"الثورة" بشكل عام، فالدّين ركيزة أساسيَّة من ركائز المجتمعات الإنسانيَّة، والثورة ظاهرة اجتماعيَّة لا يكاد يخلو منها أيُّ مجتمع، وكما أشارت الدراسة في مستهلها التأصيلي إلى أنَّ الثورة مصطلح لا يقتصر على الثورات التي تطيح بأنظمة الحكم السياسيَّة، بل هناك ثورات فكريَّة ومعرفيَّة لا تقلُّ أهميَّة، إن لم تكن تفوق الثورات السياسيَّة؛ فالثورات الفكريَّة والمعرفيَّة تؤدي في كثير من الأحيان إلى ثورات اجتماعيَّة وسياسيَّة.

2) إنَّ الدّين لا يمكن ادعاء الوصول إلى حقيقته المطلقة؛ بل كلُّ ما يُقَدَّم على أنَّه دين إنَّما هو محض اجتهاد بشري لفهم ديني، فيمكن التنظير للثورة استناداً إلى نص ديني، ويمكن التنظير ضدَّها أيضاً استناداً إلى نصٍّ آخر أو إلى النص نفسه بتأويل آخر له. ومن هنا كان الوعي الشديد من جانب الباحث بأنَّ ما يناقشه من آراء وأفكار وتصوُّرات بخصوص هذه الإشكاليَّة ينتمي إلى إطار "الفكر الدّيني"، لا "الدّين" ذاته.

3) تؤثر الأفكار الفلسفيَّة والإنسانيَّة والتغيرات الاجتماعيَّة بقوَّة على "الدّين" و"الفكر الدّيني" معاً، فالمتطلبات العصريَّة للمجتمعات كانت من أهمّ العوامل التي دعت إلى ظهور تيار لاهوت التحرير وما ترتَّب عليه من إنجازات كبيرة، وهنا يظهر مدى قدرة الأفكار على التغيُّر والتشكُّل، فالماركسيَّة التي تعاديها الأديان الأصوليَّة، قد استطاعت تقديم نفسها (في تيار لاهوت التحرير) عبر نمط آخر من أنماط الفكر الدّيني، وهو الفكر نفسه الذي يرفضها وهو بثوبه الأصولي.

4) إنَّ الانطلاق من إيديولوجيا، سواء كانت دينيَّة أو علمانيَّة، قد يقوّض ويعطّل الحسّ النقدي لدى المفكر، حيث يطغى (الإيديولوجي) على (المعرفي) - إذا استعرنا توصيف "نصر أبو زيد" - وربَّما هذا هو الذي حدث مع تيار اليسار الإسلامي. لذا فالثورة الحقيقيَّة تبدأ من منطلق معرفي، ومن دون تلك البداية الأولى التي تثور أوَّل ما تثور على العقل نفسه من العقل باستقلاليَّة نقديَّة، لن تُفضي أيَّة حركة ثوريَّة إلى تغيير مُجْدٍ وحقيقي.

5) الحديث عن المسيحيَّة كدين، والعلاقة بينها وبين الثورة، وربَّما ينطبق الأمر على الإسلام أيضاً، ربَّما يتلخص بما يُسمَّى "الطبيعة الثوريَّة النسبيَّة"، فهما دينان ثوريان في بدايتهما: على مستوى الفكر لا الفعل بالنسبة إلى المسيحيَّة كدين، وعلى مستوى الفكر والفعل بالنسبة إلى الإسلام كدين، وتلك الثوريَّة معناها التمرُّد على المعتقدات والأوضاع السائدة آنذلك فحسب. ومن هنا وبعد تناول الدراسة بشكل تفصيلي لتلك العلاقة الإشكاليَّة بين الدّين والثورة، أظن أنَّ الدّين لم ينطلق من أساس اجتماعي بقدر ما انطلق من أساس لاهوتي، فالأديان الإبراهيميَّة خاصَّة جعلت التوحيد ثورة على الشرك، لكن وكما أشارت الدراسة في مواضع أخرى لم تكن انطلاقاً من الأوضاع الاجتماعيَّة لأجل تقويض الأوضاع الاجتماعيَّة، وإلا فسرعان ما تكرَّست النزعة اللَّاثوريَّة اعتماداً - كما أشارت الدراسة - على بعض النصوص، مثل وجوب طاعة الحاكم ولو ضرب ظهرك، أو في المسيحيَّة كما بيَّنت الدراسة بنصوص عديدة.

6) بالنسبة إلى (ثورية) الفرق الإسلاميَّة فهي أيضاً "ثورية نسبيَّة"، وقد فطن الباحث إلى ذلك وأشار إليه، فبعضها ربَّما تكون ذات طبيعة ثوريَّة في جانب، ورجعيَّة نكوصيَّة في جانب آخر؛ الخوارج على سبيل المثال، فرغم أنَّ الدراسة تشير إلى البداية السياسيَّة البحتة، فإنَّ تلك البداية السياسيَّة هي أيضاً عامل ثانٍ بعد العامل النصّي الأصولي، وتلك هي إشكاليَّة كلّ الفرق الأصوليَّة: أنَّ الانطلاق يكون دوماً من فهم حرفي للنص أصاب أو أخطأ، بل ربَّما أشدُّ الحركات ثوريَّة لا بدَّ أن تتهم الحاكم بكفر أو فسوق من منطلق ديني كي تثور عليه. لذا ففي اعتقادي أنَّ الثوريَّة الحقيقيَّة في الفكر الإسلامي هي الثوريَّة المعرفيَّة التي ثارت أساساً على حرفيَّة النصوص، والقراءة الأصوليَّة، وإن لم يكن لها بعد اجتماعي مثل الثورات الفكريَّة التي قادها كثير من الفلاسفة عبر العصور، والثورة العقليَّة النسبيَّة إلى المعتزلة رغم أصوليتها كما أشارت الدراسة إلى ذلك بامتياز ودقة بالغة.

7) من بين نقاط القوَّة في الكتاب، تحرّي الباحث الدقة والموضوعيَّة في كلّ ما كتب، وكذلك الحسّ الفكري والنقدي لديه حاضر بقوَّة، ومن بين الآراء القويَّة له: «إنَّ الثورة الحقيقيَّة لا تتمثل فقط في مجرَّد تغيير الأنظمة، لكنَّها تتمثل أولاً وقبل ذلك في تغيير القيم والمفاهيم الرجعيَّة السائدة في المجتمع». وقد استشهد الباحث في ذلك بكلٍّ من «القسّ الألماني "مارتن لوثر" Martin Luther (1483 - 1546)، والمصلح الديني "جان كالفن" Jean Calvin (1509 - 1564)، وهما يمثلان الحركة البروتستانتيَّة، فرغم أنَّهما رجعيَّان بمعيار السياسة، فإنَّهما ثوريَّان بمعيار تغيير المفاهيم»([11]).

خاتمة

تُعَدُّ هذه الدراسة من أولى الدراسات الرائدة التي حاولت اقتحام تلك الإشكاليَّة الخطيرة، وهي دراسة ثريَّة للغاية؛ لتناولها إشكاليَّات متداخلة ومتشعّبة تمسُّ الواقع والتاريخ بل والمستقبل معاً. وقد أجاد الباحث ببراعة في التعرُّض لهذه الإشكاليَّة الرئيسة وتلك الإشكاليَّات المتفرعة عنها. ورغم تناوله عدداً كبيراً من المحاور المتَّصلة والمتشعّبة في الوقت نفسه، فإنَّه استطاع بجديَّة الباحث المتمكن والمتميز ورصانة الناقد الموضوعي أن يجمع بين السرد التاريخي والتحليل والنقد والتوصية بتصوُّر مستقبلي في الوقت نفسه عن الدّين والثورة، وكذلك المقارنة الناقدة بين تيار اليسار الإسلامي وتيار لاهوت التحرير المسيحي. بالإضافة إلى عدد من القضايا والمسائل الأخرى المهمَّة التي تناولتها الدراسة، والتي ما تزال تشغل عقول المفكرين والباحثين في العالم العربي والغربي على السواء.

إنَّ الإشكاليَّة نفسها، والإشكاليَّات المختلفة كما تناولتها الدراسة، ذات أهميَّة بالغة وتمسُّ واقعنا بصورة مباشرة. والجميل أنَّ القارئ إن تسرَّب إليه أيُّ استشكال فسرعان ما يجد الردَّ من الباحث نفسه في صفحات أخرى، فالحضور الشمولي والنقدي موجود حتى داخل الدراسة نفسها لنفسها بصورة تثير الإعجاب والتقدير العلمي.


[1]. نشر في ملف بحثي بعنوان "الدين ومكاسب المعرفة البشرية من معضلة الانكفاء إلى ضرورة الانفتاح"، تنسيق الحاج دواق، بتاريخ 03 ماي 2017.

[2]. الشريف، حمدي: الدين والثورة بين لاهوت التحرير المسيحي واليسار الإسلامي، القاهرة: دار مصر العربيَّة للنشر والتوزيع، 2016، ص ص 7 - 8

[3]. المصدر السابق، ص 7

[4]. المصدر السابق، ص ص 189، 309

[5]. المصدر السابق، ص 189

[6]. المصدر السابق، ص 268

[7]. المصدر السابق، ص 292

[8]. المصدر السابق، الموضع نفسه.

[9]. المصدر السابق، ص ص 292 - 295

[10]. المصدر السابق، ص 295

[11]. المصدر السابق، ص 86