"جماعات العنف التكفيريّ: الجذور، البنى، العوامل المؤثّرة"

فئة :  قراءات في كتب

"جماعات العنف التكفيريّ: الجذور، البنى، العوامل المؤثّرة"

1- تقديم الكتاب:

"جماعات العنف التكفيريّ، الجذور، البنى، العوامل المؤثّرة" كتاب صادر سنة 2016 عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، وهو كتاب كبير الحجم يتكوّن من 522 صفحة، وهو في الأصل ندوة نظّمها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق ومركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بالتعاون مع المركز الأردني للدراسات والمعلومات، على مدى يومي 9 و10 أيلول من سنة 2015. وبعض ما قدّم من بحوث في الكتاب أورده أصحابه مكتوبا، ولكنّ البعض الآخر كان منقولا عن محاضرة ألقاها صاحبها شفويّا ولم يقدّمها مكتوبة. (مثلا الدكتور جورج قرم، الأستاذ نوفل صدّيق، الدكتور أحمد موصللي...). وتقوم البنية العامّة للكتاب على البنية ذاتها التي قامت عليها الندوة الفكريّة؛ فقد قُسّم الكتاب إلى محاور رئيسة سبقتها كلمة رئيس المركز الاستشاري للدّراسات والتوثيق وكلمة رئيس مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، وفي مفتتح كلّ جلسة كان رئيسها يقوم بتقديم موجز لمحور الجلسة. ومواضيع الجلسات هي التالية:

الجلسة الأولى: ظاهرة العنف التكفيري الجذور والخطاب، والجلسة الثانية محورها المؤثّرات الإقليميّة والدوليّة وعلاقتهما ببروز العنف، وموضوع الجلسة الثالثة: البنى التنظيميّة والماليّة وأنماط العملين العسكري والاجتماعيّ وآليّات الاستقطاب، والجلسة الرابعة خصّصت للنظر في الإعلام وجماعات العنف التكفيريّ، والجلسة الأخيرة خصّصت لقراءات ختاميّة في ظاهرة العنف التكفيريّ وسبل المواجهة، وخصّص فصل عنون بملحقات، وهو محاضرات يبدو من خلال مضامينها أنّها لم تلتزم بمحور محدّد من محاور الجلسات السابقة، فوقع تخصيص قسم مستقل لها، لأنّها تناولت في كثير من الأحيان مسائل تتعلّق بالجلسات الخمس الأولى ولكنها لم تلتزم بواحدة منها.

وتقوم البنية العامة لكلّ جلسة على كلمة رئيس الجلسة ومن بعدها تقديم ما يتراوح بين مداخلتين (الجلسة الرابعة مثلا) كحدّ أدنى وأربع مداخلات (الجلسة الثالثة مثلا) كحدّ أقصى.

ما يلفت الانتباه من الناحية الشكليّة، أنّ المداخلات المقدّمة تخلو من ملحق بالمصادر والمراجع المعتمدة في البحث، إذ يكتفي الباحث إلى الإشارة في الهامش إلى مصدر الشاهد، وبعض المداخلات التي سيطر عليها الطابع الخطابي تبدو خالية من الإحالات المرجعيّة والهوامش التوضيحيّة وقد يبدو ذلك نتيجة طابعها الشفويّ وعدم تقديم صاحبها عمله مرقونا.

2- قراءة تحليليّة للكتاب:

تكمن أهميّة هذا الكتاب في أنّه يقدّم قراءات مختلفة خلفياتها وزوايا نظرها إلى ظاهرة العنف التكفيريّ، ولعلّ مثل تلك المواضيع التي حاول مدير المركز بيان دوافع تناولها لا تحتاج إلى تبرير إذ تظلّ آثارها في الواقع أهمّ سبب لتكون موضوع نظر "علميّ" يقاربه المختصّون في العلوم الإنسانيّة والفلسفة وشؤون الحرب.

والناظر في أصول الباحثين وصفاتهم العلميّة، يلحظ أنّ المشاركين كانوا من جنسيات مختلفة، فهناك مثلا سبعة عشر باحثا من لبنان وثلاثة باحثين من مصر، وقدّمت مداخلة واحدة من باحثين ينتمون إلى الدّول التالية وهي سوريا والعراق والسعوديّة والأردن وإيران وتونس. وأغلب من قدّموا مداخلات في هذا الكتاب هم من رؤساء المراكز البحثيّة بدرجة أولى ثمّ تتوزّع الاختصاصات بين علم الاجتماع والفلسفة والعلوم السياسيّة والأبحاث العسكريّة والتقارير الصحفيّة.

وإذا تأمّلنا مضامين المداخلات، وجدناها تقوم على تدرّج في دراسة جماعات العنف التكفيريّ من الحفر في جذورها وطبيعة خطابها إلى دراسة المؤثّرات الإقليميّة والدوليّة التي أسهمت في تصاعد وتيرة عنفها والبنى التنظيميّة التي وفّرت الدعم الماليّ والعسكريّ لهذه التنظيمات وصولا إلى دراسة دور الإعلام في الإشهار لجماعات العنف التكفيريّ واستثمارها في مواقع التواصل الاجتماعيّ ومختلف التكنولوجيات الحديثة من أجل نشر فكرها وإشهار رعبها وتوحّشها واستقطاب الشباب ليكونوا جنودا طيّعين في قبضتها تُصَرِّفُهم أنّا شاءت استراتيجياتها.

ولعلّه يبدو من الصعب الإحاطة بجميع المداخلات إحاطة تفصيليّة، ولهذا سنعمد في تقديم الكتاب إلى قراءة تأليفيّة تتناول أهمّ الإشكاليات التي تناولها المتدخّلون، فقد كان بعضها يكرّر بعضا، ومن أهمها البحث في ظاهرة العنف، باعتبارها ظاهرة قديمة، ولكن حقيقة عنف الحركات التي تناولتها المداخلات لم يكن عنفا تقليديا بل كان عنفا مركّبا، فأبعاده سلطويّة وطبقيّة واجتماعيّة ودينيّة وأخلاقيّة. فقد اعتبر "عبد الحليم فضل الله" أنّ جماعات العنف التكفيريّ هي رِدّة على الثورات الأخلاقيّة والمعرفيّة والحقوقيّة. فالعنف التكفيريّ وظّف المقدّس ليضمن تعاليه وحاول إسباغ طابع عالميّ على نشاطه إذ تراوح أعداؤه بين الجبهة العالميّة والجبهات الداخليّة.

ولئن سعت مداخلات كثيرة إلى البحث عن جذور الفكر التكفيريّ، فإنّها قد تراوحت بين إعادته إلى أسباب بعيدة كالعودة إلى أحداث الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (قتل سنة 35 هـ) وما تلاه من صراع دامٍ على السلطة أنتج فكر الخوارج الذين اعتُبروا مسؤولين عن نشأة هذا التيّار في الفكر الإسلاميّ، وبين البحث سلسلة الأعلام الذين نظرّوا للفكر السّلفي وكانوا مسؤولين حسب بعض الباحثين عن ترويج هذا الفكر وتشريعه، وذلك بالانطلاق من فكر ابن حنبل (ت 241هـ) وصولا إلى دعوة محمّد بن عبد الوهّاب (ت 1791م) ومرورا بابن تيميّة (ت 728هـ). ومن أبرز الأبحاث التي تبنّت هذا المسار التحليليّ لظاهرة العنف السلفيّ دراسة "عبد الأمير كاظم زاهد"، "البنى المعرفيّة والمنهجيّة للفكر التكفيريّ، قراءة نقديّة في المستند الدينيّ." ولكن تلك الأسانيد لم تكن تبرّر العنف التكفيريّ إذ اعتبر كثير من الباحثين أنّ الجماعات العنيفة كانت أكثر تشدّدا من الأسلاف وممّن اعتبرتهم مرجعا لها. فقد تجاهلت فتوى التسامح واستثمرت دعوات العنف ومقولات "الولاء والبراء" لخدمة أغراض اعتبروها سياسيّة.

ولم تكن المرجعيّة الدينيّة وحدها هي التي فسّرت عنف التكفيريّين ولكنّ العوامل الاجتماعيّة والسياسيّة كانت بدورها مساهمة في انتشار الظاهرة، إذ اعتبر عبد الغنيّ عماد أنّ القضيّة ترتبط بانفجار الهويّات التقليديّة وعودة الدين إلى المجال العامّ بعد أن فشلت الدولة الوطنيّة والأنظمة القوميّة باستبدادها في بناء نظريّة في الدولة والمواطنة والمؤسسات. واعتبر أنّ الديمقراطيّة لا تحارب التطرّف، بل تزيل أسبابه لأنّ الاستبداد هو الوصفة المناسبة للتطرّف من خلال ترسيخه جدليّة المظلوميّة والظلاميّة. فقد نمت الهويّات الفرعيّة على حساب الهويّة الوطنيّة في ظلّ غياب المؤسسات المدنيّة القارة وانتشار الفساد والاستبداد. فالمواجهة لا تكون إلاّ فكريّة وثقافيّة بترسيخ قيم الديمقراطيّة وثقافة التعدّديّة والمساءلة والمحاسبة، وقيم المواطنة ودولة القانون والمؤسسات. أمّا الدولة التسلطيّة، فهي الحاضنة والمولّدة حسب قوله للفساد والتخلّف والتطرّف وجالبة لكلّ أنواع التدخّلات الأجنبيّة.

لقد حاول بعض الباحثين إثبات العلاقة بين ضعف الدولة ونشاط الحركات الجهاديّة، وهي حقيقة وإن أعلن عنها "بلال حسن التلّ" بشكل مباشر، فإنّ "طراد حمادة" قد أثبتها في آخر الكتاب بشكل غير مباشر من خلال تقديمه النجاح اللبناني في مكافحة الإرهاب ومنعه من اختراق أراضيه. ولعلّ هذا التقارب بين الورقات البحثيّة يؤكّد ثابتا حاول كثير من الباحثين بيانه، سواء في إطار البحث عن المؤثرات الإقليميّة التي ساعدت في انتشار العنف التكفيريّ أو في إطار المحاور الأخرى التي حواها الكتاب، فقد ظلّ الإرهاب، رغم زعم أصحابه تأصيله في الخطاب الديني كائنا غريبا عن الدّولة الوطنيّة وتهديدا مباشرا للتماسك بين طوائف المجتمع. ولعلّ الجزم بتورّط أطراف إقليميّة في دعم تلك التنظيمات يظلّ أمرا قابلا للإثبات أو الدحض في ظلّ سرّيّة التعامل بين القوى الإقليميّة والتنظيمات العنيفة التي كانت تستغلّ كلّ مصادر الدعم من أجل توسيع دائرة نفوذها وكسب مزيد من الأنصار. ولعلّ بؤر التوتّر في الدول العربيّة والإسلاميّة هي التي مثّلت الحاضنة الرئيسة للإرهاب، مثل حرب أفغانستان التي جُنّد فيها كثير من الشباب لقتال السوفيات أو حرب العراق بعد احتلاله سنة 2003 أو ما سمّي "بثورات الربيع العربي" التي وفّرت مجالا خصبا لنشاط جماعات العنف التكفيري وخاصّة في ليبيا وسوريا.

لقد وجدت تلك الجماعات دعما، لأنّها تقاطعت مع مصالح دول أخرى، فقد كانت ليبيا مثلا ساحة للتدخّل الأجنبي ولانتشار الجماعات العنيفة التي تفاعلت مع البنية القبليّة. واستغلّ قادة هذه الحركات الاحتلال الأمريكي وقيام حكومات طائفيّة في العراق، ليكوّنوا فصائل مقاومة ومن بعد ذلك مشروع دولة داخل الدولة بدأت رقعتها تتّسع ونفوذها يقوى تدريجياّ، بينما عوّلت بعض القوى الإقليميّة على الجماعات العنيفة في الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشّار الأسد، فمارست العنف والتوحّش وتضاربت مصالحها فتقاتلت فيما بينها مثلما ألغت من مرمى أهدافها الأعداء الخارجيّين، وانشغلت بأعداء الداخل. فنكّلت بالأقليات وأخضعت الناس بقوّة السلاح لقوانينها واستراتيجياتها.

لقد كان المشغل الرئيس لبعض البحوث الكشف عن الهياكل التنظيميّة للجماعات العنيفة مراعية التحوّلات التي شهدتها هذه التيّارات ومقسّمة مراحل تطوّرها إلى ما سمّي أجيالا. وقد تناول بعض الباحثين بتفصيل دقيق أهمّ الهياكل التنظيميّة التي قامت عليها الجماعات العنيفة. ولكن التركيز انصبّ على "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام" التي بلغت من نضج التنظيم ما أهّلها للتمدّد واكتساب النفوذ الأوسع في تاريخ الجماعات العنيفة والحصول على موارد ماليّة مختلفة بفضل احتلالها لمدن واستيلائها على مصارف وفرض ضرائب على المناطق التي تحتلّها فضلا عن الموارد النفطيّة. ولعلّ هذه الموارد هي التي دعت "مصطفى زهران" إلى القول: "إنّ تنظيم الدولة (يقصد داعش) قد يختلف عن تلك التنظيمات في كونه انتقل من الحالة الميليشاويّة إلى التصوّر الدولاتي لجماعته."[1]

لقد اعتمد داعش استراتيجيّة واضحة في الاستقطاب، جعلت من الإعلام عنصرا مساعدا، ولقد كشف بعض الباحثين أنّ الإعلام قدّم خدمة لداعش من خلال ترويج لقطاته الدعائيّة، وحصل ما يشبه التواطؤ الخفيّ بينهما، فالإعلام يرفع من نسب المشاهدة بعرضه لأخبار الجماعات العنيفة، وهي تستثمر هذا الترويج المجاني من خلال تركيزها على العنف الصادم والتوحّش لتحتل دوما موضع السبق في النشرات الإخباريّة، وقد قُدّمت كثير من التوصيات المهمّة للتعاطي الإعلاميّ الاحترافيّ مع مثل هذه التنظيمات لعلّ من أهمّها عدم التركيز على الشخصيّات القائمة بأعمال العنف، بل التركيز على ضحاياه وآثاره. و"وضع خطط استراتيجيّة تساعد في توجيه وسائل الإعلام في التعامل مع القضايا الإرهابيّة بشكل عام."[2]

وتحتاج السياسة الإعلاميّة لمواجهة التطرّف والإرهاب أيضا وعيا عميقا بالوسائل التي تتّخذها هذه الجماعات لاستقطاب الشباب من كامل أنحاء العالم، فقد وفّرت لها مواقع التواصل الاجتماعيّ والتطبيقات على الهواتف المحمولة آليّة للوصول إلى التأثير في الشباب وجرّهم إلى القتال في بؤر التوتّر. وقد أظهر تنظيم داعش احترافيّة في عرض المشاهد التي تبيّن مشاهد الذبح والحرق والقتل الجماعيّ في إخراج فنّي حديث. واعتمدت بعض الفيديوهات الدِعائيّة للتأثير في الشباب الذي كان يعاني حسب كثير من البحوث المقدّمة في الكتاب الفقرَ المادّيَ والروحيَّ ويشكو من ضبابية الأفق واستبداد الحكّام وضعف التكوين العلميّ الذي يجعل هذه الفئات طيّعة في يد التنظيمات، ممّا جعلها سريعة التأثّر بخطابها الذي يوظّف المقدّس ويرسم آفاق الجزاء الأخرويّ والنصر الدنيويّ في ظلّ انسداد أفق الواقع وكثرة الخيبات.

لقد كانت الاستراتيجيّة الإعلاميّة التي اتبعها داعش، وهو يشهر لتنظيمه تعتمد الصورة الإعلاميّة. ولكنّها لا تهتمّ بالصورة الذهنيّة، وقد سعت إلى إثارة الفتن الطائفيّة والمذهبيّة واصطناع الشرخ بين السلطة والمواطنين واعتماد خطاب القوّة والسلطة والترهيب وإثارة الرعب، مثلما بيّن ذلك "محمّد محسن".[3]

لقد بيّنت بعض البحوث من وجهة نظر عسكريّة الخطط الحربيّة التي كانت تعتمدها التنظيمات وطرقها في السيطرة على المدن. ولقد أثبت الباحثون نضج الخطط المعتمدة، ولعلّ ذلك يعود إلى استفادة التنظيم من خبرة الجيش العراقي المنحلّ الذي انضمّ كثير من عناصره إلى داعش وصاروا مشاركين في عملياته العسكريّة، وخاصّة من كان منهم من الحرس الجمهوريّ العراقيّ أو من القادة الذين لهم خبرة واسعة في القتال.

ولكنّ هذه القوّة التي بيّنها الخبراء العسكريّون الذين كان لهم إسهام في البحوث لم تحجب عنهم الثغرات الكثيرة التي عانت منها تلك التنظيمات مثل عجزها الميدانيّ حين تُجبر على الدفاع. وإنّ من أهمّ وسائل القضاء على هذه الجماعات "إدخال تعديلات على البنى القتاليّة حتّى يعدو عمادها التشكيلات الصغيرة...والتركيز على الجهد الاستخباراتي لخرق الجماعات التكفيريّة واعتماد الطائرات غير المأهولة (دون طيّار) المزوّدة بصواريخ جو-أرض".[4]

لعلّ الإجماع الحاصل في هذا الكتاب حول ضرورة اعتماد استراتيجيّة حربيّة لمواجهة الجماعات العنيفة كان شبه مطلق، ولكنّ ذلك لم يحجب عن الباحثين الدور الثقافيّ والدينيّ الذي يجب أن تضطلع به مهامّ الحرب ضدّ الإرهاب فضلا عن دعوة بعض الباحثين إلى اعتماد الوسائل الدوليّة لمقاضاة الأنظمة المتورّطة في دعم الإرهاب ونشره. وهو ما دعا إليه ياسر الشاذلي.[5]

وبذلك تكتمل حلقات المواجهة التي يدعو إليها الباحثون: وهي المواجهة العسكريّة والإعلاميّة والسياسيّة (القضاء على الاستبداد ونشر الديمقراطيّة وثقافة حقوق الإنسان) والثقافيّة والدينيّة (ثقافة التسامح والحوار بين المذاهب) والماليّة (إيقاف الدعم للجماعات العنيفة ومنح الشباب فرصا أكبر في العمل والحياة) والقانونيّة (مقاضاة المتورّطين في الإرهاب: أفرادا ودولا).

لم تكن تلك الحلول التي حاولت الندوة تقديمها سوى رؤية تعدّدت زوايا النظر فيها بحسب اختصاص الباحث ومواقفه. فقد اجتمعت في الندوة آراء المختصّين في الشأن الدّيني مع آراء الإعلاميين وخبراء الحرب والقتال فضلا عن المشتغلين بالعلوم الإنسانيّة والفلسفة، ليقدّموا في الكتاب أكثر من زاوية لفهم أصول هذه التيّارات وسبل تشكّلها وأسباب قوّتها وجدلها مع أتباعها وأعدائها وداعميها ومنكريها. وإنّ القارئ ليخرج بصورة واضحة عن حقيقة الظاهرة فيتجاوز بالكتاب ما ساد من خطاب إعلاميّ يسرد الوقائع دون تحليل ويعدّد القتلى دون تفسير. فيحوّل الجماعات العنيفة إلى أبطال الأخبار الوطنيّة والمحليّة.

لن يعفي التقديم القارئ من الاطلاع على بحوثه المتنوّعة ومواقفه المختلفة حدّ التّضارب.

3- القسم النقديّ:

ذلك الكتاب لا ريب ليس لكاتب واحد لنحكم على منهجه ومدى تماسك أفكاره، وإنّما هو فسيفساء من الآراء صاغتها عقول المنظّمين لتأتلف في شكل محاور تنقسم إلى جلسات. وقد أظهر ناشرو الكتاب قدرة على التنظيم إلاّ أنّ الكتاب قد شابه بعض الاضطراب في محاوره بسبب التداخل بين بحوثه. ففي الملاحق ما يتّصل بمحاور وردت في أوّل الكتاب، فضلا عن غياب المناقشات التي لم تدوّن، وهو ما يجعل من المداخلات أشبه بخطب المساجد لا يُردّ عليها ولا يُسمع نقد لمواقفها. والحال أنّ القيمة العلميّة للندوات الفكريّة تكون في النقاش واختلاف وجهات النظر.

أمّا ما تعلّق بالتوثيق، فقد كان من الممكن تذييل كلّ بحث بقائمة من المصادر والمراجع، ويبدو أنّ تلك المداخلات التي لم يقدّم أصحابها ورقة مكتوبة للجنة التنظيم وقد سلف عليها القول هي أكثر البحوث افتقارا للتوثيق، وهو ما يضعف من قيمتها العلميّة.

من الناحية المعرفيّة، يبدو أنّ بعض البحوث قد وقعت في هنات لا تخفى، أهمّها الانسياق وراء الآراء المذهبيّة والإشهار لحزب أو طائفة، وهو ما يخالف شروط العلميّة، فضلا عن أنّ كثيرا من الباحثين قد انساق وراء اتهامات لأنظمة اعتبرها داعمة للإرهاب دون أن تقدّم أدلّة على ذلك. ورغم وعينا بسريّة التعامل بين الدّول الداعمة والجماعات العنيفة، فإنّ ما قدّم على الأقلّ من أدلّة كالارتباط الإيديولوجي بين أنظمة سياسيّة بعينها، وبين تلك التنظيمات لا يؤكّد صحّة الدّعم المالي الذي يمكن أن يكون من أفراد أو هيئات غير رسميّة تنتمي إلى تلك الدول أو من أجهزة استخباراتيّة توفّر الدعم دون أن تكشف عن هويّتها الحقيقيّة، وهي مسألة معقّدة يصعب إثباتها، لأنّ الحقائق لا تظهر في حينها، وإنّما تحتاج إلى سنوات كثيرة لتفصح عن حقائقها وتلك من مثالب البحث في التّاريخ الرّاهن.

أخيرا يلاحظ الناظر في صفة المشاركين في الندوة وانتماءاتهم أنّ أغلبهم يشغل مناصب علميّة سلطويّة. وقد منحوا الأولويّة لتقديم بحوثهم وآرائهم، وغلب على المشاركين أيضا الانتماء إلى دول محدّدة من أهمّها البلد المنظّم. وقد عبّرت المداخلات عن التنوّع الدّيني والمذهبي في لبنان وعن نشوة الانتصار على الإرهاب. ولكنّ توسيع دائرة المشاركة العالميّة كان يمكن أن يمنح الندوة والكِتاب ثراء وعمقا وتنوّعا في زوايا المقاربة من خلال فهم أوسع للمواقف الغربيّة أو دراسة أثر الإرهاب في الغرب. فالإنسانيّة كلّها معنيّة بالبحث في المسألة وليس العرب فحسب، فضلا عن كون المشاركات المغاربيّة كانت شبه غائبة، رغم ما يمكن أن يقدّمه الباحثون في هذه المناطق التي شهدت نشاطا كبيرا للجماعات العنيفة على أرضها (الجزائر، ليبيا، تونس).

أخيرا إنّ دعوة بعض المشاركين إلى قيام استراتيجيّة إعلاميّة لمواجهة التطرّف يحتاج أيضا إلى تأسيس مراكز بحثيّة مختصّة في دراسة الإرهاب والتطرّف تشارك فيها كلّ الدول المعنيّة بالمسألة، وتنتج مقاربتها مقاربة علميّة العلميّة رصيدا يمكن استثماره وقطف ثماره في مواجهة ظواهر تهدّد الإنسانيّة، وتنسف كلّ صروح الأخلاق والمعرفة وحقوق الإنسان.

[1] جماعات العنف التكفيريّ، الجذور، البنى، العوامل المؤثّرة، ط1، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ/ المركز الاستشاريّ للدراسات والتوثيق، 2016، ص 231

[2] المرجع نفسه، ص 342

[3] انظر: المرجع نفسه، ص ص 292- 297

[4] انظر: المرجع نفسه، ص 385

[5] انظر: المرجع نفسه، ص 500