i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - حوار مع المفكّر المصري الدكتور حسن حنفي حول تجديد الفكر الإسلامي

حوار مع المفكّر المصري الدكتور حسن حنفي حول تجديد الفكر الإسلامي

فئة :  حوارات

حوار مع المفكّر المصري الدكتور حسن حنفي حول تجديد الفكر الإسلامي

حوار مع المفكّر المصري الدكتور حسن حنفي

حول تجديد الفكر الإسلامي([1])


كان لنا، على هامش ندوة (مستجدّات البحث في فلسفة الدين)، التي نظّمتها مؤسّسة (مؤمنون بلا حدود) للدراسات والأبحاث في تونس العاصمة، في آخر شباط/فبراير (2014م)، لقاء مع المفكّر، وأستاذ الأجيال، الدكتور حسن حنفي، حيث وجّهنا إليه بعض الأسئلة التي كان مدارها على تجديد الفكر الإسلامي. وقد تفضّل مشكوراً بالإجابة عنها.

وإذا كان الدكتور حسن حنفي غنيّاً عن التعريف، فإنّه يحسُن أن نذكّر القارئ الكريم بأنّ ضيفنا هو أستاذ الفلسفة غير المتفرغ في جامعة القاهرة. من مواليد (1935م)، حاصل على ليسانس الفلسفة من جامعة القاهرة عام (1956م)، ودكتوراه الدولة من السوربون (باريس) عام (1966م). عمل أستاذاً زائراً في الولايات المتحدة (فيلادلفيا) (1971-1975م)، والمغرب (فاس) (1982-1984م)، ومستشاراً علمياً لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو (1984-1987م)، وأستاذاً زائراً في العديد من الجامعات في فرنسا (تولوز)، وألمانيا (بريمن)، وأمريكا.

وهو صاحب مشروع «التراث والتجديد»، على مدى نصف قرن، ويتكوّن من العديد من الجبهات، منها: إعادة بناء التراث القديم في (من العقيدة إلى الثورة) (علم أصول الدين) 1987م، (من النقل إلى الإبداع) (علوم الحكمة) 2000-2002م، (من النص إلى الواقع) (علم أصول الفقه) 2005م، (من الفناء إلى البقاء) (علم التصوف) 2008م، (من النقل إلى الفعل) (القرآن، والحديث، والتفسير، والسيرة، والفقه) 2009-2010م. ومنها: الموقف من التراث الغربي في (ظاهريات التأويل) 1965م، (تأويل الظاهريات) 1966م، (مقدّمة في علم الاستغراب) 1991م، (فشته، فيلسوف المقاومة) 2003م، (برغسون، فيلسوف الحياة) 2008م، (رسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا) 1973م، (نماذج من الفلسفة المسيحية للسنج) 1977م، (تعالي الأنا موجود لجان بول سارتر) 1977م. ويكتب الدكتور حسن حنفي في الثقافة الفلسفية، مثل (قضايا معاصرة) 1977م، (دراسات إسلامية) 1982م، (دراسات فلسفية) 1987م، (هموم الفكر والوطن) 1998م، (حصار الزمن) 2005م. وهو يكتب، أيضاً، في الثقافة السياسية: (من مانهاتن إلى بغداد) 2000م، (جذور التسلّط وآفاق الحرية) 2001م، (وطن بلا صاحب) 2008م، (نظرية الدوائر الثلاث، مصر والعرب والعالم) 2008م، (الواقع العربي الراهن) 2011م، (الثورة المصرية في عامها الأول) 2012م.

بسّام الجمل: حضرة الأستاذ الدكتور حسن حنفي، ما مبرّرات القول إنّ التجديد يولد من رحم التراث؟ وكيف يمكن التعامل مع التراث عامّة، ومع الموروث الديني على وجه الخصوص؟

د. حسن حنفي: لقد خرجت المسيحيّة من رحم اليهوديّة، والسيّد المسيح قارئ روحيّ للتوراة، بعد أن حوّلها اليهود إلى مجرّد شعائر. والإسلام نفسه خرج من رحم اليهوديّة والمسيحيّة،{وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بمِثْلِ ما عُوقَبْتُمْ بِهِ} [النّحل: 126]. هذا ما تقوله الشريعة اليهوديّة، والمبدأ نفسه نجده في المسيحيّة. والإسلام هو هذا الاختيار الحرّ بين الشريعة، والمحبّة، والطاعة، فالجديد لا بدّ له من أرضيّة، وهو سيخرج من الآخرين، ولو أبقيتَ القديم على ما هو عليه، فستقوّي الحركة السلفيّة، ومن ثمّ لا حيلة لك إلّا أن تحاول تحقيق التغيّر من خلال التواصل، وليس من خلال الانقطاع.

بسّام الجمل: هذا يعني أنّ تراكم المعرفة يؤدّي إلى تطوّرها، وإلى تجاوزها، فليست هناك قطيعة بين التراث والتجديد، أو، لنقل، إنّها قطيعة لا يمكن أن توجد.

د. حسن حنفي: هذا صحيح، انظر، مثلاً، تاريخ العلوم الإسلاميّة، ففي الفلسفة، كان الفارابي تراكماً للكندي، وابن سينا هو تراكم للفارابي، وابن رشد هو تراكم لكلّ الحكماء السابقين. وفي الفقه، يُعَدُّ مالك بن أنس تراكماً لأبي حنيفة، وقد حاول الشافعي أن يجمع بين الاثنيْن. وفي علم الكلام، يُعَدُّ الأشاعرة تراكماً للمعتزلة، وجاءت الماتُريديّة لتجمع بين الطرفيْن. ويعني ذلك كلّه وجود تطوّر من مرحلة إلى أخرى.

بسّام الجمل: في هذا السياق، إلى أيّ حدّ يمكن أن تكون الحداثة الأوربيّة مثالاً يُحتذَى نستلهم منه طريقة التعامل مع التراث الإسلامي؟

د. حسن حنفي: بطبيعة الحال، إنّ الإسلام، عندما أتى، تحدّث عن كلّ الديانات التي كانت حوله؛ إذ تحدّث عن النصرانيّة، واليهوديّة، وتحدّث عن الصابئة، الذين كانوا يعبدون الكواكب، وهو دين إبراهيم، قبل أن يصبح مسلماً حنيفاً، وفي الحديث هناك ذكر للمجوس. ويعني ذلك أنّ كلّ ثقافة تنشأ في إطار محيط بها، ولا تنشأ من فراغ، والتراكمُ -كما قلتُ- هو الذي يُنشئ الجديد، تماماً مثل الشجرة تتعهّدها بالسقاية والرعاية حتّى تكبر، وتثمر.

بسّام الجمل: حضرة الأستاذ حسن، أنتم دعوتم إلى تأسيس ما سمّيتموه «خطاب عربي إسلامي متجدّد»، ويكون ذلك عبر فهم جديد غير معروف في التراث الإسلامي لمعنى الاجتهاد، وأنتم استعملتم تعبير (الاجتهاد الذهني)؛ أي: ذاك الذي له صلة بالقضايا الحادثة والراهنة. وسؤالي هنا هو: من المؤهّل لإنتاج هذا الخطاب؟ وهل هناك عراقيل، أو صعوبات، تحول دون إنتاجه ورواجه؟ ثمّ كيف ترون العلاقة بين الثالوث العُقَدي: الاجتهاد، والتجديد، والعمران؟

د. حسن حنفي: الاجتهاد هو استنباط أحكام فقهيّة لوقائع جديدة خاصّة بالعقوبات، والحلال والحرام، والاجتهاد شامل لكلّ نواحي الحياة: الاجتهاد في حياتك الخاصّة، الاجتهاد في عملك، الاجتهاد في صراعاتك...، وهو ما يسمّيه الغربيّون الإبداع. وأنت لستَ مطالباً بالسعي إلى نمط غربيّ؛ لأنّك ستقع، عندئذ، في التقليد، ونحن نقول ذلك حتّى لا نوفّر للسلفيّين مبرّراً في تقليدهم للقدماء؛ لأنّ الوقوع في تقليد الغربييّن يدفع بالسلفيّين إلى القول: إنّه من باب أولى وأحرى أن نقلّد السلف، لا أن نقلّد الغرب. ومع ذلك، نرى أنّ الاجتهاد مبنيّ على الإحساس بالمشكل، وعلى الإحساس بالهمّ، وعلى معرفة الأصول؛ التي يمكن أن يستند إليها الاجتهاد، وعلى احتمالات الحلول الجديدة، وعلى مدى إنجازها، ومدى نفعها، فوجوه الاجتهاد عديدة، والصواب كثير.

إنّ صور الاجتهاد عديدة، وأطرافه عديدة، فهناك السلطة الدينيّة؛ التي تريد أن تحتكر المعرفة الدينيّة، وهناك الاجتهاد السياسي، والاجتهاد الاجتماعي (في الأسرة، مثلاً، عندما ترى عدم وجود خطورة ما في أن يذهب الأبناء إلى المسرح، أو إلى السينما). فدون اجتهاد تتوقّف الحياة.

بسّام الجمل: في هذا الإطار، اقترحتم تأسيس خطاب ثالث (مع وجود خطابيْن أساسييْن على الساحة العربيّة هما: خطاب السلفيّين، وخطاب العلمانيّين). هذا الخطاب «يعرف ماذا يقول، وكيف يقول». أتعتقدون بأنّ هذا الخطاب الثالث هو تجاوز للخطابيْن الآخريْن أم بأنّه مجرّد توفيق وجمع بينهما، لاسيما أنّ من النقد؛ الذي يُوجّه إليكم باستمرار، هو أنّكم تريدون التوفيق بين ما لا يقبل التوفيق؟

د. حسن حنفي: أنا أرى أنّ هذا الخطاب الثالث هو تجاوز يقوم على التركيب، فالمعروف أنّ للخطاب السلفي إغراءاته لدى السلفيّين، وهو يستعمل لغة تستميل القلوب، وتؤثّر في الوجدان. وكذلك الخطاب العلماني مُغْرٍ؛ لأنّه يعرف ماذا يقول، فهو يتكلّم عن الحقوق، والحرّيات، والديمقراطيّة، وهذا ما رأيناه في الثورات العربيّة الأخيرة. المهمّ، هنا، هو معرفة اللغة، التي تجذب الناس، وكذلك معرفة ماذا نقول لهم حتّى نعبّر، بحقّ، عن مصالحهم. فهم لا يعرفون، مثلاً، معنى العدل، أو الثورة ضدّ الظلم. والقرآن يصوّر هذا المعنى عبر مثال معروف (الرجل الذي له 99 نعجة، وأخوه الذي له نعجة واحدة). ونحن استعملنا لغة الفلسفة اليونانيّة، ولكن أعطيناها مضموناً إسلاميّاً. فالعلّة الأولى، مثلاً، عند أرسطو خالقة (الله هو العلة الأولى للوجود)، ولكنّها ليست كذلك عند ابن سينا. ومثل هذه المسائل تحتاج إلى دراسة علميّة، بعيداً عن الشهرة الإعلاميّة.

بسّام الجمل: هذا يعني أنّ الوعي التاريخي غائب عن المسلمين؛ إذ اكتفوا باجترار معارف الأسلاف مثلما أنتجوها حسب ظروفهم، وشواغلهم. فكيف السبيل إلى تطوير العلوم النقليّة مثلاً؟ ألا يتطلّب ذلك نوعاً من الجرأة في التعامل مع التراث الديني؟

د. حسن حنفي: هذه العلوم جزء من التراث، وهي الموجودة في المساجد، وهي التي تُدرّس في المعاهد والكلّيات، وهي، أيضاً، التي يستمع إليها الناس. خذ، مثلاً، حديث الإسراء والمعراج في صحيح البخاري، فأيّ ذاكرة تستطيع الاحتفاظ بكلّ تلك الصور، وبتفاصيل الأحداث. ونرى، كذلك، أنّ علوماً إسلاميّة عديدة تحتاج إلى أن تُدرس دراسة علميّة، مثل أسباب النزول، والنسخ؛ بل إنّ هناك مباحث عديدة في مجاميع الحديث النبوي قد تجاوزها الزمن. فأنا أستحي، عندما أتحدّث، في تلك المصنّفات، عن باب الرقّ، أو باب السبايا، أو باب الغنائم، فعندما أذكرها أوفّر للآخر الأجنبي كي يقول: انظر ماذا تقول الشريعة الإسلاميّة، وبماذا تهتمّ. إنّنا اليوم منشغلون بقضايا عديدة في الوقت ذاته؛ إذ انشغلنا، أوّلاً، ببناء الدول الوطنيّة، وفشلنا في ذلك، ما فتح الأبواب أمام الاستبداد. فنحن نواجه الفقر، والعدوّ المتربّص بنا (إسرائيل وأمريكا). فبعد تقطيع الدولة العثمانيّة برزت ظاهرة تقطيع الدولة الواحدة إلى طوائف، ما يجعل بعض الأصوات تنادي بإقامة الدولة الكرديّة، أو الدولة التركمانيّة، أو الدولة الأرمنيّة.

بسّام الجمل: لهذا شدّدتم على ضرورة الانتقال من (إحياء علوم الدين) إلى (إحياء علوم الدنيا)، باعتبار أنّ اهتمامات الخلف ليست هي، بالتأكيد، اهتمامات السلف. فلا يكون الدين عائقاً يحول دون أن يحاور المسلم وضعه، وأن يلتمس الحلول لقضاياه الراهنة. أودّ أن أعرف وجهة نظركم في مسألة التعدّدية، التي هي، في نظركم، أساس الإبداع. آنتهت حقّاً منذ زمان، أم أنّها انبعثت مجدّداً مع فجر النهضة العربيّة الحديثة؟ وما مرتكزات هذه التعدّديّة؟ وما ضوابطها؟

د. حسن حنفي: التعدّديّة مبدأ من مبادئ الرقيّ. فعندك أربع مدارس فقهيّة، ولا أحد يكفّر أحداً، أو يخطّئه؛ ولذلك قال الفقهاء: إنّ الحقّ متعدّد. فالكلّ يتعايش؛ لأنّ حقّ الاختلاف مكفول. فالتعدّدية في صلب الإسلام، ولكن -للأسف- فقدناها بسبب السلطة السياسيّة؛ التي كانت تخشى من هذه التعدّديّة، حتّى لا تتحوّل إلى معارضة سياسيّة، ثمّ إنّنا، اليوم، نشهد حالة غريبة، وهي أنّ كلّ من يجتهد يُكفَّر، بينما استوعب الغربُ مبدأ التعدّدية، ودافع عنه.

بسّام الجمل: نستسمحكم -حضرة الأستاذ حسن حنفي- في أن نطرح عليكم سؤالاً في موضوع التصوّف. ففي أيّ سياق يمكن أن ننزّل اهتمامكم بالتصوّف، وبالتجربة الصوفيّة؟

د. حسن حنفي: لا يزال التصوّف مؤثّراً في الحياة الشعبيّة. انظر إلى الطرق الصوفيّة في مصر، فنحو عشرة ملايين مصري في الطرق الصوفيّة، في السودان، وفي موريتانيا، وفي المغرب، وفي تونس.. وانظر ماذا يفعلون في الموالد النبويّة، وأيّ خرافات يحملونها؟ ثانياً: العلم، هل يأتي العلم عن طريق المجاهدة، والتوبة، والورع... وما يقولون من مقامات وأحوال؟ هل العلم انتظار أن يقذف الله في قلبك نوراً... أم العلم يكون عن طريق التجربة، وعن طريق الطبيعة ومعرفة قوانينها؟ هل سنظلّ نعتمد على الغرب في هذا العلم الطبيعي، والعلم الرياضي؟

العلم الصوفي خطر على مناهجنا في التعليم. الأخلاق الصوفيّة خطر؛ لأنّها تدعو إلى الصبر، والورع، والخوف... أيّ صبر؟ الصبر له حدود، وله عيوب كثيرة، والخوف كذلك، فنحن نعيش في ثقافة تقوم على الخوف، الخوف من الحاكم، والخوف من الآخر... عقدة الخوف. وأخيراً، الطريق الصوفي فيه تقدّم، ولكن في أيّ اتّجاه؟ أهو تقدّم إلى الأعلى أم إلى الأمام؟ هل نبقى نستعير فكرة التقدّم من الغرب؟ لِمَ لا نحوّل التقدّم الروحي الرأسي إلى تقدّم أفقي؟

بسّام الجمل: هل من مبرّر لعودة التصوّف بقوّة في عدد من الدول الإسلاميّة، اليوم، لاسيما تلك التي عاشت نوعاً من الثورات؟

د. حسن حنفي: لا. التصوّف نشأ، تاريخيّاً، في مرحلة ضعف، بعد أن اغتصب الأمويّون الحكم. ومعاوية كان يقول لهم: إمّا الجزرة وإمّا العصا، وكان يرمي أنصار عليّ من أعلى المآذن. ثمّة من الناس من قَبِل الشهادة، وثمّة آخرون رأوا أنّ الاستشهاد ليس حلّاً، وقالوا: نحن، أيضاً، لا نريد أن نشارك معاوية، فعزلوا أنفسهم، ودخلوا بيوتهم، وظلّوا يعبدون الله، وهو رفض سلبيّ للنظم السياسيّة الظالمة. سؤالي: حسناً. ماذا الآن؟ هل المقاومة مفقودٌ الأمل منها؟ اليهود والفلسطينيّون. واضح أنّ المقاومة، منذ سنة (1948م)، لم تنجح، فهل يعني هذا أن يذهب كلّ إلى بيته، ويترك الفلسطينيُّ أرضَه للاحتلال...؟

بسّام الجمل: يستفزّني، هاهنا، عنوان كتابكم؛ الذي اهتممتم فيه بالتصوّف، وهو (من الفناء إلى البقاء) فعن أيّ بقاء يمكن أن نتحدّث مع الصوفيّة، إذا كانت مثل هذه الصورة السلبيّة علامة على تجربة التصوف؟

د. حسن حنفي: البقاء في الأرض. الصوفيّة يقولون بالبقاء في الله، وأنا أحوّله إلى البقاء في الأرض. وهكذا حاول محمّد إقبال أيضاً، وله بيت شعر في الفناء والبقاء بهذا المعنى. وليس من المعقول، أيضاً، أنّ إسرائيل تقوم بتجميع اليهود في العالم، وتسكنهم في إسرائيل، ونحن نطرد الفلسطينيّين. ثمّة ثمانية ملايين فلسطيني؛ أربعة ملايين منهم تحت الاحتلال، والبقيّة مهجّرون خارج أراضيهم. فما الأولى أن يفنوا أو يبقوا في الأرض؟

بسّام الجمل: هل يعني هذا انتفاء أيّ خصوصيّة، أو ميزة، للإيمان الصوفي عن سائر أشكال الإيمان؟

د. حسن حنفي: لا أدري إن كانت المقامات السلبيّة؛ والأحوال السلبيّة، التي يرجو المريد المرور بها، صالحةً في فلاحة الأرض، وبناء المصانع، وفي التعليم في الجامعات. الرضا، والتوكل، والورع، والخشية... لا أدري إن كنّا قادرين على بناء مجتمع بهذه القيم.

بسّام الجمل: وإن كان هذا الإيمان مرتكزاً على أبعاد أخلاقيّة قد توجّه الإنسان نحو تفعيل قيمه داخل الحياة الاجتماعيّة؟

د. حسن حنفي: في هذه الحالة، لا يكون تصوّفاً. في هذه الحالة، يكون نزعة إيمانيّة أخلاقيّة لتفسير الإسلام لفائدة المسلمين. أمّا المعجزات، أو الكرامات، التي يؤمن بها الصوفيّة، ويقولون بقدرتهم على القيام بها، فلا. سؤال وجِّه إلى أحد الصوفيّة وجدوه يمشي على بطنه، أو يزحف على بطنه، في بغداد. سألوه عن وجهته، فأخبرهم بأنّه متّجه إلى مكّة. فهل من المعقول أن يزحف المرء على بطنه من العراق إلى الحجاز؟ لِمَ إدخال الناس في نوع من الأفعال غير المعقولة، ونحن ندعو إلى العقلانيّة؟ لو وجدت، مثلاً، شخصاً يمشي في الطريق، ومثل الحلّاج يقول «أنا الحقّ»، فسيمسكونه، ويقتلونه. فلِمَ تخاطر بنفسك؟ ابن تيمية، وهو زعيم السلفيّين، قال: إنّ التصوّف طريق الخاصّة، وليس طريق العامّة. من أراد التصوّف فليسلك الطريق بمفرده، ولكن لا يدعو الناس إليه. الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. فالطريق إلى الله ليس في السماء، إنّما الطريق إلى الله في الأرض مع الفقراء، والعرايا...


1() نشر ضمن مشروع "تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية (2) محاولات تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية"، تقديم بسام الجمل، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.