خالص جلبي: نحو تأسيس الفكر النقدي ومعادلة اللاعنف في الفكر الإسلامي

فئة :  حوارات

خالص جلبي: نحو تأسيس الفكر النقدي ومعادلة اللاعنف في الفكر الإسلامي

حوار مع الأستاذ خالص جلبي

نحو تأسيس الفكر النقدي ومعادلة اللاعنف في الفكر الإسلامي([1])


يوسف هريمة: إنّ أزمة الفكر الديني، قديماً وحديثاً، أزمة مفاهيم. انطلاقاً من هذا المعطى، كيف تفهمون مصطلح التجديد الديني؟ أهو مقابل ما عرفته أوربة من إصلاح بروتستانتي على يد مارتن لوثر وجون كالفن، أم هو جزء لا يتجزّأ من الفكر الديني، حيث إن بعض الروايات أكّدت ظهور مجدّدين على رأس كل مئة سنة؟

خالص جلبي: التجديد الديني ظاهرة في كلّ دين ومذهب، ولكنّ تفصيلاته تختلف بين دين وآخر. وحين يأتي حديثٌ يقول: إنّ المجدّد يظهر على رأس كلّ مئة سنة، فهو - إن صحّ - لا يعني، بالضبط، أنه يأتي كلّ قرن؛ بل هو قابل لأن يأتي أبكر، أو أكثر تأخراً، ولكن سُنّة الحياة أنّها تجدّد نفسها كلّ حين. ينطبق هذا على الخلية، والكائن، والدولة، والحضارة، فإمّا هرمت فماتت، وإما جدّدت نفسها فعاشت، وامتدت.

ومع هذا، نحن في مواجهة إشكالية متعدّدة الجوانب، وهي ما أسميه أنا (دورة التاريخ)، وخلاصتها أنّ فكرة جديدة تظهر، فيتحمس لها الناس، ويموتون من أجلها، ثم يتحوّل الأتباع، مع الزمن، إلى مناهضين لأيّ تغيير جديد، فيُسحقون أمام عجلة التقدّم في التاريخ، وينهض قوم آخرون من المجهول بالفكرة التجديدية، وهكذا دواليك.

ومازلت أذكر، منذ عام (1981م)، عندما دعاني صديقي الجزائري، رشيد بن عيسى، لزيارة طهران، بمناسبة الذكرى الثانية للثورة. كنت، يومها، أتخصص في ألمانيا في مركز لجراحة الأوعية الدموية، في مدينة جيلزن كيرشن بور، في منطقة الرور الصناعية. كان تحمّسنا للثورة الإيرانية في القمة، وظننّا أنّ دار الإسلام أُقِيمت؛ فوجب علينا جميعاً النزوح إلى هناك، لبناء دار الإسلام، ومغادرة دار الكفر؛ ألمانيا التي نتخصص فيها طبياً!!.

الشيء المؤرّق، قليلاً، كان الأسئلة التي كنّا نواجَه بها؟ متى تنتهي حفلات الإعدام؟ كان القصير السمين ذو اللحية العباسية الخلخالي، يبعث إلى الموت، بالمشنقة والمخنقة، أعداداً أكثر بكثير من ابتساماته وضحكاته.

كنا نجيب: انظروا إلى كلّ الثورات؛ البلشفية والمشانق، الفرنسية والمقصلة، الإسبانية وتدمير غورنيكا!! هكذا هي طبيعة الثورات؛ دموية قانية! ولكن هكذا هي طبيعة ولادة الحريات.

ليس من أمٍّ تلد دون دمٍ كَثُرَ أم قلَّ، بقيصرية، أو (الفاكوم) بالسحب، أو بالولادة الطبيعية! إنّ قدرنا - البشر - أن نلد بين فرث ودم.

ومع هذا، كان هذا السؤال المؤرّق: (متى تنتهي الإعدامات؟) يحرّك، في ضميرنا، سؤالاً ليس عندنا جوابه، إلا دفاعاً عن الثورة الإسلامية الكبرى.

كانت الثورة الخمينية الإيرانية إحدى معجزات القرن العشرين، وإحدى الفتن لمسلمي الشرق الأوسط.

اندلعت الثورة سلمياً، وواجهت سلمياً، ونجحت سلمياً، بأداة اللاعنف، وبتضحيات مروّعة، فاقت مئة ألف من خيرة شباب وفتيات المدن الإيرانية، وسبقت، بذلك، إنجاز أوربة الشرقية مع مسلسل الطغاة، وسيأتي الدور على بقية طواغيت الشرق في العقدين القادمين. انتصرت الثورة، وانقلبت مثل مَن ركب ظهر شيطان، ولم يحلّق على أجنحة الملائكة.

بدأت حفلات الدم، تماماً مثل عاشوراء، في ذكرى حسينية مختلفة؛ فأمسكوا عباسي، ودباسي، وجنرالاتٍ شتى، وأناساً خصوماً من شتى الاتجاهات، وبدأت آلة الموت في العمل.

لم تكن ثورة حياة؛ بل (ماكينة) موت مخيفة، واستمرّت تصعد بالأرواح إلى عالم الأتراح!!

قابلتُ يزدي، (من رجالات الثورة المهمين) يومها، فسألته، حين حلت طائرتنا عندهم في دار الانتقام: ما بال الإعدامات. أليس لرحلتها نهاية؟ أليس لك في رسول الرحمة أسوة حسنة، فتصدروا بلاغاً بالأمان، كما أمّن الرسول ألدّ الأعداء سفيان ومروان، وكسب القلوب بالحب والرحمة؟!

نظر يزدي إليّ بارتياب، وحدق فيّ كمن يتأمل حيواناً منقرضاً بعجب، وقال: هي الثورة!! هم أعداء الثورة!! إنّها آلة الدعاية ضدّ الثورة.. نفضت يديّ للمرة الأولى منهم.

وحين غادرتهم، كنت أبحث عن (شريعتي) المختفي، وكانت أحلامي قد تبخّرت تماماً من دولة العدل، لأكتشف دولة دينية بوليسية طائفية، لا تختلف عن البعث، إلا بفرق عمامة عن طاقية عسكري. وتابعنا الرحلة في بلد الإعدامات، والموت، والمقابر، والحسينيات، وجلد النفس، والآخرين، بالسلاسل، والسواطير، وشرشرة الدم.. الإخوان المسلمون في سورية فاتهم هذا الفهم، لم ينتبهوا لمعجزة الثورة! قالوا: انظر كيف فعل مجاهدو (خلق) في سرقة السلاح من المخازن، وقتال الشوارع مع الحرس الشاهنشاهي.. ربّما يصعب أن تقنع إسلامياً بأنّ الثورة كانت في إيران صناعة ونجاحاً بطريقة اللاعنف! ولكن بين الشباب الإسلامي، وإدراك هذه الصناعة الإيرانية، مثل السجاد العجمي، ونقشاته، وحبكاته، مسافة ثلاث سنوات ضوئية من الفهم. وأمام الإيرانيين، وفهم العالم، والتاريخ، والتطور، مسافة سنة ضوئية. إنهم حتى لم يفهموا سرّ اللاعنف في ثورتهم، فساقهم صدّام إلى حتفهم بالعنف والحرب!! وكان يمكن التخلّص من صدّام، بأسهل من الشاه، وبالتكتيك نفسه، ولكنّه غرام القوة.

وهكذا، وبعد نجاح الثورة، بدأت معالم كالحة لدولة أوتوقراطية ثيولوجية من رجال الدين بالظهور على مسرح الاستبداد، ليستبدل الشعب الإيراني السل بالإيدز، والصداع بالمغص؛ كما يقول الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد)، فخرجت إيران من نفق لتدخل نفقاً أبشع، وأعمق، وألعن... ألا يا حسرة على أولئك الشباب والفتيات الذين ماتوا صبراً برصاص الجنود من فرعون، وهامان، وقارون. ثمّ بدأت حفلات جديدة من الإعدامات!!

إننا - نحن والإيرانيين والأكراد والعجم - نعيش في مصحات عقلية كبرى، ومتوقفين في زمن خلافات، غير مسؤولين عنها، ولكن العقل البشري يمكن أن يتوه في متاهات فئران التجارب. واليوم تدور الدورة الخالدة، كما حدث مع طهران في حزيران/يونيو (2009م)؛ فلماذا ثار الشباب ضدّ نظام الملالي، وتُقتل ندا سلطان؟ أمن أجل انتخاب، أم تطلعاً لحياة جديدة، بعد أن دبّ الملل في المجتمع الإيراني من الدولة الدينية الخرافية؟ من يتأمل التاريخ يراه مطوقاً مغلفاً بقانون حديدي، من تناوب الأدوار، وهو ما حصل في طهران؛ فبقدر عذاب المسيحيين الأوائل حتى فازوا، كان تعذيب محاكم التفتيش خصوم المسيحيين لفترة خمسة قرون، حتى فجّرتها أنوار الحداثة في أوربة، وعندنا في العالم العربي، لجيلنا الذي عاصر انقلابات الضباط الأشقياء، فقد بدؤوا بالمثاليات، ثمّ فتكوا ببعضهم، ليصفو الجوّ لرئيس القراصنة، ليحوّلوا الجمهوريات إلى مزارع طائفية عائلية مسلحة، كما في تعبير النيهوم. ومَن يمسك دول الطوائف العربية الجديدة مافيات بأسنان سمك القرش الأبيض، ولكنّها مرحلة تطول أو تقصر، ثمّ يتقدم التاريخ، فلا نبتئس بما كانوا يعملون، وما حدث في إيران هو خطوة في هذا الطريق.

إنها أمور تحدث في مجرى التاريخ؛ فيمضي وفق هذه الدورة الرتيبة، حتى يتقدم الجنس البشري على مسار أكبر من حياة الأفراد. كلّ ما في الكون يقوم على حقيقة أنطولوجية تمسك بمفاصل الوجود، من حقيقة الدورة، في شرائح لا نهائية للوجود، من الحقيقة الفيزيائية إلى الدورة الفلكية، بين دورة الإلكترون والكوكب، ودوران العجلة. من دورة الماء في الطبيعة، إلى دورة الحياة، ومسلسل أيام الدول، ونظم قيام المجتمعات، وحركة نهوض وتعثّر الحضارات. ويمسك الوجودَ قانونٌ صارم في دورة حياة النبات، والحيوان، والإنسان، في حركة قوسية محكمة بين الولادة والنمو، فالنضج، فالتحلل، إلى الاستسلام، إلى الفناء، ليخرج من رماد الأموات حياة جديدة، فكما عبر القرآن عن طبيعة هذا التغير، وشكل التحول، بأنّه من ضعف إلى قوة، ومن القوة من جديد إلى الضعف والشيبة، كذلك اعتبر أنّ هناك تبادلاً في العلاقات بين الموت والحياة، فهو يخرج الحي من الميت، كما يخرج الميت من الحي تماماً، في معادلة ذات لغز صارم مستعصٍ على الفهم.

إنّ استيقاظ الوعي التاريخي هو في لحظة الانقطاع عن الطبيعة؛ فإذا كانت البيولوجيا والطبيعة تسمح برؤية متباعدة الزمن، فإنّ المجتمعات لا تمنح هذه الفرصة، ويبقى أمام المراقب طريق سحري واحد لإدراك التحوّل الاجتماعي، يراه عقلياً تحليلياً غير منظور بالعين المجردة، في مدرسة التاريخ، فالتاريخ يضيف إلى العمر أعماراً، فيمدّ في فسحة العمر، ومجال الوقت، حيث يستطيع أن يقفز الفكر مع وحدات الزمن المتباعدة المترافقة بتغيرات مذكورة واضحة، عندها يبدأ الوعي التاريخي؛ فاستيقاظ الوعي التاريخي - كما قال المؤرخ الألماني (بوركهارت) - هو لحظة الانقطاع عن الطبيعة.

وهناك فكرة مزلزلة ومهمة لا ينتبه إليها إلا أقلّ الناس، فعندما يشقّ تيار جديد طريقه الإصلاحي، يُهاجَم من المجتمع بأشدّ من نقر الدجاجات لزميلتها الدجاجة المجروحة، التي تميزت عنها، حتى الموت، في عقاب جماعي للخروج عن نظام القطيع، وهذا حسّ دفاعي طبيعي، من أجل التأكّد من جدية التوجه الجديد، وصدق المحتوى، وصلابة العود، وفرط التعلق، وعشق الهدف. ولكن غير الطبيعي فيه والمرضي، والخطير، والغامض، هو أنّ من يصارع الاتجاه الجديد، فيفترض، في نفسه، أنه يمثل الأرثوذكسية، والوصاية على العقول، والتمثيل الصحيح، واحتكار تفسير النصوص، والقبض على الحقيقة الحقيقية المطلقة، ينسى، في زحمة الزمن الممتد، أنه قد تحول من حقيقة إلى شكل.

صراع الحقيقة والشكل:

(شكل) محنّط يصارع، في وقت مختلف، و(حقيقة) تقفز إلى الوجود، وتخترق مجال (الشكل) المرتعب، وجرت العادة أنّ دورة التاريخ تقف وتصطفّ، إلى جانب (الحقيقة) ضدّ (الشكل)، وفي النهاية، تنتصر الحقيقة ضد الشكل، مع فقدانها كلّ اسم لامع، ورايات خفاقة، وعناوين ضخمة مغرية، ويعود دولاب التاريخ من جديد ليسحق الشكل القديم، وتفرز الحقيقة الجديدة، لتأخذ اسماً وتشكلاً جديدين، في ثوب زاهٍ، وألفاظ جديدة، وكيان مختلف، و{كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ} [الأنبيَاء: 104].

انقلاب الأدوار:

ثمّ يمضي التاريخ، ليروي لنا استمرارية الدورة، التي لا تقف عند أحد؛ فسرعان ما يستسلم هذا الكائن الدينامي؛ الذي حقّق وجوده، بالتعب، والجهد، والعمل العبقري، إلى سحر انتصارات، وإنجازات الماضي، وذكريات البطولات، والمنعطفات المصيرية، فيظنّ أنّ الوقوف مكانَ إنجاز السابق نفسه سيعيد الحدث، في عبودية حمقاء للشكل والذات، ونسيان روح الإنجاز، فيستسلم، فتصرعه عجلة التاريخ، عندما تغادره روح الحقيقة، فيذوي، ويتحنط متحولاً إلى الشكل الجديد، الذي يصارع، بكلّ ضراوة، محاولات التغيير؛ التي تشقّ الطريق إليها الحقيقةُ الجديدة التاريخية المتشكلة، على حين غفلة، من أعين المراقبين، ونوم العيون عن حركة التاريخ الخفية؛ التي لا تعرف التوقف قط، وهو لا ينتبه، في كلّ صراعه، أنه يعيد الدورة التاريخية، في نغم جديد، وحلقة مكررة بدأها هو.

هذه المرة داود ضد جالوت، تماماً، كما حدث من قبل، بفارق أن كلّاً منهما أخذ موقع الآخر!! كما في قصة (التحوّل) لكافكا!! وما حصل في إيران لا يخرج عن هذا القانون، إنّه من جديد داود بمرقاع وحجر، ضدّ جالوت الديني المسلح بدرع كبيرة وسيف هائل!! وإذا سقط جالوت الديني، فيجب ألا يفاجئنا الخبر؛ لأنّ هذه هي قصة دورة التاريخ. و{كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنّا كُنّا فاعِلِينَ} [الأنبيَاء: 104] {وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ} [الأنبيَاء: 105].

يوسف هريمة: في عصر النهضة العربية مع روادها الأوائل، كالأفغاني، ومحمد عبده، استفاق العرب على جرحهم النرجسي، كما يسميه جورج طرابيشي. لماذا أخفقت هذه النهضة، وتحوّلت، بعد ذلك، إلى سلفية محضة، مع الشيخ رشيد رضا، والشيخ حامد الفقي، ومحب الدين الخطيب؟ كيف تقرؤون هذه المرحلة من التاريخ العربي الإسلامي المعاصر؟

خالص جلبي: يمكن اختصار هذه المرحلة بما أورده مالك بن نبي، عن محمد إقبال، من أنّ الانقطاع المعرفي عن التاريخ تطلب حلاً لم يُنجز بعد حركة الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، لقد قام محمد إقبال بامتصاص الفكر الغربي، ولكن ليس ليصبح غربياً؛ بل ليغني تجربته الروحية بإضافات المعرفة الجديدة. ويضرب بن نبي، مثالاً على ذلك، تلقيح النباتات، فحين تضع عرشاً صغيراً على شجرة كبيرة يمتصّ الغصن الصغير نسغ الحياة من الشجرة الأم، ليخرج ثمراته الخاصة، وليس ثمرات الشجرة الأم التي وضع عليها. هذا ما فعله محمد إقبال، ولم نفعله نحن. وهذا يفسر، من جانب، نهضة الهند، وكرسحة العالم العربي، بل دخوله مرحلة التفسخ، والفوضى، والانحلال، والتفكك، إلى أجل غير مسمّى، وهذا يدخلني على مبحث موت الأمم، فهل ماتت الأمة العربية؟

من اللافت للنظر أنّ القرآن أشار إلى المَيْتَتَين، فذكر موت (الفرد): {وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19]، كما أشار إلى موت الأمم والمجتمعات: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} [يُونس: 49]، فالأجل، هنا، جماعي، وليس فرديّاً. فالآجال، إذاً، نوعان: منها ما هو خاص بالفرد، والآخر بالمجتمعات، وكلّ من نوعية متباينة، وهذا يعني، بكلمة ثانية، أنّ الأمم تموت، والدول تنتهي، والشعوب تفنى، والحضارات تُباد وتنهار، بل إنّ حديث القصعة أشار، أيضاً، إلى طرف من هذا: «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»[2]، فيتحول المجتمع الإسلامي إلى مواد غذاء وتموين لبناء أجساد أخرى، عندما يختلّ تركيب التكوين الداخلي الاجتماعي، فتتحول طاقات الأفراد المنسابة، عبر الأقنية الاجتماعية، إلى مصادر تفجير لها، فتتمزّق أقنية الوصل الاجتماعية، ويتهتّك النسيج الاجتماعي.

جاء في كتاب (ميلاد مجتمع)[3]: «ولكنّ الطاقة الحيوية قد تهدم المجتمع ما لم يسبق تكييفها، أعني ما لم تكن خاضعة لنظام دقيق تمليه فكرة عليا تعيد تنظيم هذه الطاقة، وتعيد توجيهها، فتحولها من طاقةٍ ذات وظائف بيولوجية خالصة في المقام الأول - حيث تشترك في حفظ النوع - إلى طاقة ذات وظائف اجتماعية يؤدّيها الإنسان، حين يسهم في النشاط المشترك لمجتمع ما».

كما أسعفنا القرآن بأمثلة عن مجتمعات باتت مريضة تمشي باتجاه الموت، وكيف تمّ التصرف تجاهها، بين فتية أهل الكهف؛ الذين انطلقوا لتأسيس مجتمعهم الخاص بهم، وضنوا حتى بالكلب أن يبقى في المجتمع السابق!! وبين موسى صلى الله عليه وسلم، وهو يواجه أعظم حضارة في عصره، حيث حدد مهمته على وجه الدقة، بأنّه لا يريد إصلاح المجتمع الفرعوني؛ الذي وضع الموتُ يدَه الباردة عليه، إنّه يريد شعبه؛ الذي ينتظره أن يُدفن في الصحراء، أولاً، من خلال (التيه)، كي يخرج من أصلابهم جيلٌ لا يعرف غير الشمس والحرية، وهو الذي لن يرتعد من (القوم الجبارين)؛ الذين توهَّمَهُم آباؤهم كذلك.

والمثل الثالث، في انفلاق مجتمع المدينة الساحلية إلى ثلاث مجموعات أمام تحدّي الانحراف، نجا فيه الفريق الصغير، نواة الأمة الجديدة، بترابط جديد للقيم. أما بقية المجتمع، فتشوّه الترابط الداخلي عنده، ليتحوّل إلى مجتمع (القردة الخاسئين): {فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ} [الأعرَاف: 166]، ولا غرابة؛ لأنّ كروموزومات القردة تشبه (99 %) من كرموزومات الإنسان، ولكنّ الاختلاف في البناء الداخلي، ولو باختلاف (1 %) يقلب البناء رأساً على عقب، ويحوّل البشر السوي إلى قردٍ خاسئ!!

شهادة التاريخ في موت المجتمعات:

إن المجتمع الفرعوني، حينما اندثر، وطواه التاريخ، وبقيت الأهرامات تشهد على حيوية شعب أصبح في ذمة التاريخ، لم يمت أفراد ذلك المجتمع (بيولوجياً)، ولم تُغيَّب عناصره الأولية في التراب، وما زال الإنسان الفرعوني (المصري) يعيش، ولكن كعنصر أولي يشارك في حضارة مختلفة، فعندما مات المجتمع الفرعوني تحوّل أفراده إلى عناصر أولية، و(طوب)، أو (لبنات) امتصها مجتمع زاحف نامٍ متفوق، كوَّن بها نفسه من (لبنات) المجتمع الميت؛ الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وهكذا تحول المجتمع (الفرعوني) إلى مجتمع (روماني)، ثمّ مات بدوره ليتحول إلى مجتمع (إسلامي)، وهكذا طوى التاريخ بين جنبيه مجتمعات تترى، ضمها قبر التاريخ، وضريح الحضارات {ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} [المؤمنون: 42]، مثل المجتمع اليوناني، والقرطاجني، والأزتيك، والأنكا، والوبيخ، والفرعوني... إلخ: {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مَريَم: 98].

تحليل يومي تشريحي لحركة المجتمع:

ومن خلال البانوراما؛ التي استعرضناها من القرآن، والتاريخ، وعلم الاجتماع، والكيمياء العضوية، والبيولوجيا، بل حتى علم الأدوية، نتوجّه لتسليط الضوء على فكرة (السلسلة الذهبية) كي نفهم، في ضوئها، معنى الموت الاجتماعي، وتقطع شبكة الربط الحضارية!!

ما معنى أن (معاملةً) ما في أيّ قطاع اجتماعي لا تمشي إلا بطريقة (الدفع المتتابع المستمر) مع شيء من المقبلات من (الوساطة)؟؟!! إنّ هذا المرض خطير للغاية، ومؤشّر لأزمة اجتماعية، فالعملية الاجتماعية، أياً كانت هي - شِئنا أم أبينا - وحتى تنجز، تتكوّن من سلسلة من الأفعال الاجتماعية، يقودها الأفراد الاجتماعيون، من خلال معادلة (حق - واجب)؛ أي: أنّ الواجب الذي يؤدّيه فرد في السلسلة (آ) سيكون له حقاً.

في السلسلة (ب) مثل العلاقة بين (علاج طبي لمريض)، و(استخراج رخصة قيادة سيارة في مصلحة المرور)، و(نقل رسالة بريدية)، فالعملة؛ أي: (الخدمة الاجتماعية) هي عملة ذات وجهين (حق - واجب)، فما كان حقاً لفرد هو واجب للتأدية في ذمّة آخر.

هذه العملية الاجتماعية مهمّة في كلّ (حلقات السلسلة)، بما فيهم الفرَّاش، وحامل الأوراق؛ لأنه يكفي أن (تنام) المعاملة في (درج)، أو يضطرب التعقيم في مرحلة طبية، أو يهمل أيّ موظف الخدمة الاجتماعية، لتضطرب السلسلة كلّها، وتحلّ الكارثة!! وهذه الحقيقة القاسية والمؤسفة هي لبّ العملية الاجتماعية.

فإذا كانت (السلسلة الاجتماعية) مكونةً من عشر حلقات بين الرئيس، ومساعده، والسكرتير، والموظف المتلقي، وحامل الأوراق، والمدقق، والناسخ، والضارب على الآلة الكاتبة، وصاحب الكمبيوتر، والجالس خلف سنترال الهاتف، يكفي أن تضطرب (حلقة واحدة)، وحلقة واحدة فقط لا غير، من هذه السلسلة، كي يختلَّ العمل بأكمله، وهذه المشكلة هي أسّ الأسس في التركيب الاجتماعي، فعندما يكون الموظف متسلِّلاً دون إذن، والساعي مهملاً، والمدقق نعسانَ، والناسخ فوضوياً، والجالس على الكمبيوتر جاهلاً، والقاعد خلف السنترال نائماً؟! يكفي الخلل في (حلقة مفردة يتيمة)، ولو كانت كلّ (السلسلة) من الذهب الخالص (24) قيراطاً، لتحلّ الكارثة، وتقع المصيبة، وتتوقف السلسلة، فلا تمرّ بها (السيالة الكهربية) الاجتماعية، وبذا ينطفئ الضوء الاجتماعي، ويذهب نوره، وتحترق الآلات، ويعم الخراب، وتسود الفوضى، ويبدأ المجتمع في التحوّل إلى مجتمع... نفسي نفسي.

إنّ هذه الحقيقة المرة والموجعة هي الإصابة العصبية الاجتماعية الكبرى؛ التي تحوّل المجتمع إما إلى (مشلول) بانقطاع العصب، وإما إلى متشنّج مضطرب بإصابة العصب الجزئية، مشلول عندما يعطب العصب بالكامل، فلا يمرّر السيالة العصبية الاجتماعية، ومتشنّج بعدم تناسق عضلات الفعل الاجتماعي في اضطراب مرور السيالة العصبية حسب نسبتها، ومقدارها.

موت المجتمع لا يعني بالضرورة فناء الأفراد.

إنّ النزول إلى ساحة العمل الاجتماعي مرهقة إلى أبعد الحدود، مزعجة إلى حدّ المرض، مضيِّعة للوقت دون مبرر (لأننا ملوك الزمان)؛ بل تأكل الكرامة الإنسانية أحياناً، فلا موظف يبقى خلف طاولته، ولا عامل يبقى مرتبطاً إلى عمله، والدخول إلى الطرقات هو النزول إلى ساحة الحرب يحمد الفرد فيها اللهَ، في نهاية المطاف، على السلامة، وملاحقة المعاملات جولة في بلاد (أليس للعجائب)، و(عبقر) للجن، وكأن إنجازها إزاحة جبل، والسرّ، في هذا، هو تقطع (نقط الاتصال والالتحام الاجتماعية) بين (حلقات) السلسلة الذهبية؛ التي أشرنا إليها، فلا تعود ذهبية؛ بل تتحول إلى سلسلة (تنك)، وحديد صدئ، والصدأ، على كلّ حال، يعني: التفكك، والعودة إلى حالة (الخام الطبيعي)، فإذا اضطربت (السيالة الكهربية) الاجتماعية، وتقطعت حلقات متعددة، من سلاسل شتى، كان مؤشراً خطيراً لتدمير النسيج الاجتماعي، وكان معناه أنّ المجتمع يبدأ يكفّ عن أن يكون مجتمعاً، بل يتحوّل إلى (مُجمَّع هزيل) و(مافيات اجتماعية)، وحوض مرعب لسمك القرش، وقنافذ البحر، والإخطبوط الاجتماعي، وهذا المرض لن يقف عند هذا الحد؛ بل سيقضي، في النهاية، حتى على تلك الجزر الطافية هنا وهناك في الأوقيانوس (المحيط) اللاجتماعي المتخبط، كما كانت حالة الإمبراطورية الرومانية في العصور الوسطى، وفي النهاية، يصبح المجتمع أمام طريق مغلق، وعليه أن يولد من جديد، إمّا بحزمة قيم جديدة بالولادة الروحية الجديدة، كما فعل الإسلام مع (البشر الخام) في الجاهلية، حيث لم يكن يهمّ (طرفة بن العبد) إلا قدح من الخمر، وقتالات طائشة، وممارسة الزنى مع بنات الهوى، أو الذوبان، والاختفاء الكامل في مجتمعات قوية متفوقة، واندثار ثقافة المجتمع {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ} [محَمَّد: 38] وقد حدث هذا في التاريخ، ويتكرر.

يوسف هريمة: اشتغلتم كثيراً على الخطاب الديني، وحينما نقرأ لدعاة التجديد الديني، منذ الكتابات الأولى مع أمين الخولي، ومحمد إقبال، نرى أنّ إشكالية هذا الخطاب هي إعادة الإنتاج (reproduction). ما الخلل المنهجي - في تصوركم - في عدم القدرة على إنتاج خطاب نقدي معرفي يستجيب لمطالب فئات نمت وتطوّرت بين تقلبات العالم المعاصر؟

خالص جلبي: في تصوري، هو عدم تأسيس المنهج النقدي عند العقل المسلم، وهو ما دفعني إلى وضع كتاب كامل بعنوان (في النقد الذاتي).

كنت في زيارة إلى مدينة جيسن في ألمانيا، فطلبوا مني خطبة الجمعة، ولأنّ موسم خطبة الجمعة هو للشاخرين، والشاردين، والنُّعّاس الغافلين، بدأت الخطبة، كما كانت في أيام كافور الإخشيدي! بعبارات العصر العباسي نفسها.

ثم وقفت قليلاً، وتابعت، فقلت: ما الذي أتى بكم إلى ديار الكفر أيّها المسلمون؟ أليست ألمانيا تعلّم جاهلكم، وتطعم جائعكم، وتؤوي هاربكم؟

هنا دَبّ فيهم الصحو، وتفتّحت العيون على شكل دائرة، مثل عيون السمك، فهي لا ترف!!

تابعت؛ فأين الإسلام، أهو هنا في هذه البلاد، أم في بلادكم التي فررتم منها، فلا يشتهي أحد منكم العودة إليها، بعد أن مَنّ الله عليه بالخروج منها إلى بلاد تفيض لبناً، وعسلاً، وعدلاً، وأمناً!!

احمرّت الأحداق، واشتدّ النقاش، وبحّت الأصوات، بعد الصلاة، لمدة ثلاث ساعات، وكنت أقول لهم: أخرجوا ما في بطونكم؛ فليس من مخابرات عربية، هنا، تلقي القبض عليكم، وترفعكم على «الفلق»، أو مخبرين سريين يوشون بكم إلى الزبانية والجلاد!

إن مفاهيم من هذا النوع انقلابية وثورية، وهي تدخلني إلى تغيير مفاهيم كثيرة من هذا النوع، سوف نتناولها مرة بعد أخرى، في محاولة تأسيس فكر إسلامي عقلاني تنويري، مثل مفهوم الردّة الأموي، والعلم الشرعي، والتوحيد السياسي، وحرمة الفن، وإشكالات الحديث، ودونية المرأة، وكفر الفلسفة الغربية، وانقطاعنا عن التاريخ والعصر. ومن هذه المفاهيم التأسيسية مفهوم العلم، فما هو العلم؟

يظنّ بعضهم أنّ العلم هو العلم (الشرعي)، ولا علاقة له بعلوم الفضاء، والفيزياء الذرية، والأنتربولوجيا.

ولمواجهة العصر، فإن كتباً مثل (عارضة الأحوذي في شرح الترمذي)، وفقه الحصكفي، والإسفراييني، و(الأم) للشافعي، وفتاوى ابن تيمية، كافية لاستيعاب صدمة المعاصرة.

وهذا جهل بالعلم، والعلم الشرعي، والتاريخ معاً.

يوسف هريمة: تعدّدت زوايا النظر إلى مداخل التجديد، ممّن يعدّ أن المدخل الحقيقي لفعل الإصلاح، بشكل عام، هو مدخل سياسي، وبين من يرى أنّ الإصلاح لا يتأتى إلا من خلال نقد الموروث الديني، وبناء منظومة متكاملة تستطيع خلق ذهنيات تتفاعل مع هذا التراث، ولا ترتكن إليه. ما موقفكم - أستاذي الكريم - من التراث؟ أهو موقف انفصال أم اتصال؟

خالص جلبي: حسب تحليل المؤرخ البريطاني توينبي، في استعراضه لنهضة الغرب، إنّ المحطة الأولى كانت الإصلاح الديني؛ الذي كلّف حروباً مذهبية باهظة التكلفة، مثل حرب الثلاثين عاماً، ويبدو أنّ الشرق الأوسط سيدخل هذه المرحلة قبل عروجه إلى عصور التنوير.

اتفق الفلاسفة على عصرٍ مرّت فيه أوربة سمّوه العصور المظلمة، أو السوداء (Dark Ages)، قبل انبثاق عصر التنوير.

ونحن في العالم العربي نعبر هذا المخاض حالياً.

وهذا الزمن الأسود، مثل السحر الأسود، سيبقى حتى حين. والسؤال: كم سيبقى؟

هناك قانون يمسك بهذا التطوّر المرضي في تاريخ الأمم، فيمكن للعرب أن يسبحوا في بحر الظلمات خمسة قرون أخرى، دون بوصلة، وخارطة، وملاحة، وأشرعة، وصوارٍ؛ فيصطدموا بشواطئ مرجانية، وصخور عاتية، ويختفوا من مسرح التاريخ، ومعهم اللغة العربية، كما اختفت، من قبل، الحضارة الفرعونية، واللغة الهيروغليفية، فالعرب غير محصنين ضدّ هذا المصير قط، والتاريخ لا يحابي أحداً، وليس عنده وساطة وشفاعة. كما يمكن أن لا تطول هذه الفترة إذا أمسكنا بقانون التغيير!!

ويمكن الخروج من هذا المخاض في فترة جيل، أو جيلين؛ أي: من أربعين إلى ثمانين سنة؛ لذا علينا شرح هذه المشكلة العويصة في ثلاث موجات من الحديث، كما نفعل - نحن الأطباء - في حالة مريض خطيرة:

- الوصف والفحص السريري (Clinical Examination).

- التشخيص (Diagnosis).

- الإنذار (Prognosis).

- الجراحة أو العلاج (Surgery or medical Treatment).

المواطن العربي، اليوم، يستعمل «الموبايل»، ويضع على عينيه نظارة أنيقة، والجراح العربي يجري جراحات معقدة بالمنظار، ويركب شرايين صناعية، والجندي العربي يقاتل بالصواريخ، وحول الكرة الأرضية سبحت مركبات فضائية حملت رواداً عرباً، ما يوحي بأنّ العالم العربي بخير، وأنّ أمامه مسافة قصيرة ليرسل مركبة ترسو على سطح القمر، وربما حول كوكب المشتري!

ولكن التفحّص العميق يظهر أنّ العافية السطحية تخفي مرضاً عضالاً يقترب من السرطان. فالخدمات العامة تمشي بالعافية، والمجتمع أصبح شبحَ مجتمع، يعيش فيه المرء كي لا يعيش، ويحلّ الفرد مشكلاته بالعلاقات الشخصية، أكثر من آلة مجتمع متماسك؛ فمنذ عهد كافور الأخشيدي، تحوّل المجتمع إلى قبيلة من الصيادين تصطاد الفرص، تتناسب فيها الرشوة مع حجم الخدمة، مثل تناسب الصنارة مع حجم السمكة، ولم تعد الخدمات العامة حقاً دستورياً للمواطن.

وأعرف من فرّ من المغرب إلى كندا، وبدأ هناك في العمل، فلم يصمد؛ لأنّه اعتاد العمل من تحت الطاولة، وفي كندا لم يكن أمامه، وهو يدخل بضاعة مزوّرة، إلا دفع الضريبة، أو المصادرة؟ ولمّا كانت الضريبة أثقل؛ فقد سلم البضاعة مثل تسليم الروح، ثمّ رجع إلى المغرب يمارس الرشوة، من تحت الطاولة، لموظّف مرتشٍ نما لحمه من أكل السحت والحرام.

ويتعجّب المرء، كيف تعمل البنية التحتية؟

منذ عهد المماليك، أتقن المواطن فنّ الصمت، خوفاً من المخابرات، والخازوق، فلا يفتح فمه إلا عند طبيب الأسنان.

ومنذ عهد البويهيين والسلاجقة، دشن الفقيه شرعية السلطان بالغلبة، والعصبية، حتى انطلت الخدعة على ابن خلدون؛ فاعتبر أنّ الدول تقوم بقانون العسكر، كبديهية مسلّم بها.

ومن قبل، عاصر الصحابة أنفسهم تجربة مرّة من الحرب الأهلية، اختفت فيها حياة الشورى إلى غير رجعة، ولم يَحُلّ استعصاءَ الحكم الجبري إلا الغربُ، ففك عقدة السحر، عندما نجح في توليد آلية نقل السلطة السلمي.

والمجتمع العربي، اليوم، لا يعيش مرحلة الأمة، أو الدولة القومية؛ بل مرحلة القبيلة، إذ تحكمه عائلات إقطاعية مسلحة.

وعندما تولد الملكيات من رحم الجمهوريات، اليوم، كما رأينا في سورية، وليبيا، وتونس، ودول كثيرة في الغابة العربية، فهو تطوّر طبيعي وفق هذا القانون الاجتماعي.

وكلمة الجمهورية خدعة كبيرة. وتحت كلمة الشعب، خسف بالشعب إلى أسفل سافلين. وتبقى الحقائق أقوى من الشعارات والأسماء.

{إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ} [النّجْم: 23].

في الواقع، المواطن العربي، فرداً، لا ينقصه شيء، ويمكن أن يختصّ في أبحاث الذرّة في أمريكا، أو الشيفرة الوراثية في معهد ماكس بلانك في ألمانيا، أو جراحة المناظير في فرنسا، ولكنّه، حالما يضع قدمه في الشرق، يكون مصيره مثل نبتة وضعت في تربة سيّئة، فيضمر الغصن، وتجف الأوراق.

والمواطن العربي، وحده، فهمان، ولكنه بالتواصل يدخل في الهذيان، ولذا كان الوطن مصحة أمراض عقلية كبرى.

لنتصور، في هامبورج في ألمانيا، أو كارديف في بريطانيا، أنّ مجموعة من الناس انطلقت، وهي تهتف: يا ميركل، يا براون، نفديك بالدم بالروح.

من المؤكد أن الناس سيتأملونهم على أساس أنّهم مجموعة فارة من خلف القضبان، من مصحة أمراض عقلية، وأفضل حلّ هو الاتصال بالبوليس لإلقاء القبض عليهم، وإيداعهم عنابرهم، قبل المساس بالعباد؟

أليس كذلك؟ ألسنا في مصحّ أمراض عقلية؟ ليس فينا رجل رشيد!

والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً.

منذ أن صادر البيت الأموي الحياة الراشدية، ساد حكم السيف، فخرّت له الجباه ساجدة، وتحول الحاكم إلى إله لا يُسأل عمّا يفعل، وهم يُسألون.

أمّا زعماء العالم العربي وقياديوهم؛ فأصبحوا مثل شيوخ الطرق الصوفية، يبايعهم الدراويش إلى الأبد، أو مثل البابا في الفاتيكان إلى آخر الزمان دون استئذان.

ومتى دخل المريد الحلقة، سلّم رقبته وعقله للشيخ، وتحرم أيّ معارضة، أو أيّ تساؤل، فالمريد إذا قال لشيخه: (لِمَ؟) لا يفلح.

نحن أسرى حلقات الصوفية، ولم ندخل العصر بعد. والوعي مغيّب في إجازة مفتوحة.

نحن أتباع البابا المعصوم إلى يوم الدين.

إنّه قانون وجودي، فالبدن يشيخ، ويعتل، والليل يظلم ويعسعس، وينكمش القمر فيصبح كالعرجون القديم، وتمر أوقات عصيبة على الأمم، فتختفي من خارطة التاريخ.

والأمة العربية، اليوم، خارج الدورة الحضارية، أشبه بقطار خرج عن سكته، وتعرض لحادث مروع؛ فركّابه بين قتيل، وجريح، وغائب عن الوعي. وتلك الأيام نداولها بين الناس.

ومع هذا، مشكلتنا ثقافية قبل أن تكون سياسية، وحجم المشكلات أكبر من الحكومات، وحلّها بالانقلابات العسكرية، مثل المريض المدنف في العناية المشددة، الذي يعالج بإجباره على المشي بقوة السلاح، وما هو ببالغه، كما حصل مع محمد أعبابو التعيس الذي قُتل، ثمّ قُتل، أو مع (أوفقير)، الذي كُتِبَ عنه مجموعة من الكتب، وهو الفقير في علم السياسة، فتلمّظ للعرش؛ فسقط كما يسقط أيّ جرذ في المصيدة تجذبه رائحة الجبن المعفن.

وأكبر خطأ يقع فيه الناس حينما يحدّقون في قرارات السياسيين، في الوقت الذي ينتظر فيه السياسي ارتكاس المواطن في حلقة معيبة غير قابلة للانكسار.

والمشكلة أنّ السياسي حفيدُ المثقف المختبئ في الظل، وعندما يضم الوطن مثقفاً مدجناً، ومواطناً أمياً، وسياسياً أطرش، فإنّ الوطن ينقلب إلى مصحة عقلية كبرى.

المجتمع العربي مركّب خطأً فوق خطأ. ظلمات بعضها فوق بعض. من القاعدة إلى القمة، ومن القيادة السياسية إلى معلم الصف، ومن المؤسسات المزوّرة، إلى وضع المرأة المهين؛ ولذا، فهو يخضع لقانون الفيزياء حينما تُوضَع المربعات فوق بعضها على نحو غير سليم، فقسم ينهار، وقسم يترجرج، أو تهوي به الريح في مكان سحيق.

وما يحدث من الانفجارات المروعة، في أفغانستان، أو الجزائر، أو العراق، ليس أكثر من عينات للمريض العربي نفسه التائه في الزمن التاريخي، من المحيط إلى المحيط. والدور جاهز لدولة بعد أخرى.

وهذا يضع تحدياً خطيراً لمريض يتخبطه الشيطان من المسّ، مثلما يفقد الدماغ السيطرة على الأعضاء؛ فكلّ عضو يتصرّف نشازاً، مثل انفراط عقد فرقة موسيقية تنتج ألحاناً نشازاً أقرب إلى حفلة تعذيب في قبو مخابرات.

وبطبيعة الحال، إنّ مواجهة وضع خطير حاد من هذا الشكل، لا ينفع فيه الحزن، أو جلد الذات، أو اليأس؛ بل يفرض مسؤولية من طبيعة خاصة، وهي، في علم الاجتماع، تتطلّب عملاً مشتركاً في مثلث من:

- تمليح المجتمع بالأفكار الصحية.

- وبناء المؤسسات الحيادية؛ أي: ما تسمى مراكز التفكير (Think - Tanks - Centers).

- وإنتاج الكم الحرج من الكفاءات البشرية.

فهذا هو مثلث الخلاص، ولكن بين العرب وهذا الإنجاز مسافة ثلاث سنوات ضوئية.

يوسف هريمة: كتبتم، يوماً، عن خطر رجل الدين، الذي يعتلي منبر السياسة. كيف تأسست هذه العلاقة في تاريخنا، على اعتبار أنّ المانع الآن من حركية الخطاب الديني، في جزء كبير منه، سياسي؟ هل، بالفعل، يجب تحرير الدين من قبضة السياسة، في حركة علمانية مباشرة لا مواربة فيها، كي نلج عصر الإصلاح الديني بمفهومه الشامل؟

خالص جلبي: ليس (أضلّ) من رجل الدين، عندما يعتلي منبر السياسة، فيحلل الأوضاع، مثل الأخرس الذي ينقل عن آخرَ مهمّته الكلام، أو الصيني الذي يريد التحدث بلغة صربية؛ ولا (أخبث) من السياسي، حينما يلبس مسوح الكهان، فيتحدث بالأخلاقيات، والمبادئ؛ لأن كلاً منهما لا يؤدي دوره. (فالسياسة) تعني الكذب، كما صرّح بذلك توني بلير، رئيس الوزراء البريطاني، فصدق، خلاف العادة، حينما قال: إنّ أحاديثنا مع الزعماء العرب تدور على مستويين، فما نقوله بيننا لا نصرّح به على الملأ. والواعظ الأمريكي جيري فولويل يخرج على الناس، هذه الأيام، فيقول عن محمد صلى الله عليه وسلم إنّه إرهابي، وهو، بهذا، يمزج بين ثلاثة أمور لا يمكن أن تشكّل سوى مركب شديد الانفجار: (كذب السياسة)، و(قلة الاطلاع)، و(التهور)، كمن وضع أصابعه في عشّ الزنابير الإسلامية، والإساءة إلى خمس الجنس البشري، فخسر صدق المتدينين، ونفاق السياسيين.

على كلّ حال، لا يوجد في الإسلام رجال دين، بل علماء، وهم معرّضون للمرض السابق نفسه، عندما يتحولون إلى وعاظ السلاطين، فلا يغيرون رسم القرآن، ولكن يفسرونه، حسب المسطرة السلطانية، ويحفرون ثغرة في الدين تناسب حجم السلطان السمين.

وتفنيد التهمة السابقة سهل، وهو شغل يجب ألا نقع فيه في معركة (صراع الأفكار) - كما يقول مالك بن نبي - على مبدأ (المرآة العاكسة)، التي شرحها روبرت غرين، في كتابه (شطرنج القوة)، حسب المبدأ (44): إنّ المرايا خدّاعة بشكل هائل؛ لأنها تخلق شعوراً بأنّك تنظر إلى العالم الحقيقي، والواقع أنك لا تنظر إلا إلى قطعة من الزجاج، فكلّ شيء مقلوب إلى عكسه. وفي كتاب مالك بن نبي (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة)، توضيح لهذه الآلية الخفية في إدارة كفّة الصراع، وتسليط الظلال على أفكار بعينها لتشويهها؛ ولذا، فإنّ الثور لا ينتبه لمن يلعب بالخرقة الحمراء، فيقع في النهاية صريعاً تحت استحسان الجمهور، وصفيرهم.

وجرب أحمد ديدات، سابقاً، حظه مع جيمس سواكرت، حينما دعاه للمناظرة في أمريكا، وكان كلاً منهما يحاول أن يثبت للآخر أنّ دين الثاني باطل، وأن كتابه مليء بالتناقضات، فأساءا إلى القرآن والإنجيل معاً، وحركا قضايا قديمة بكلمات جديدة، في الوقت الذي نادى فيه الدين، أيّ دين، إلى التسابق في الخيرات، والاعتراف بالآخر، وأنّ الكون مبنيّ على الاختلاف. وحينما كان غاندي في محنته مع المتعصبين من الهندوس، والمسلمين، أعلن الصيام حتى الموت، حتى تتوقف أعمال العنف، فلما هدأت ثورة الدم، تقدّم الهندوسي، وهو يبكي، وقال: قتل المسلم ولدي. قال: وماذا فعلت أنت؟ قال: قتلته ثأراً لابني. قال غاندي، وهو بالكاد يستطيع النطق: هل أدلّك على طريق يهديك إلى الجنة؟ أن لا تقتله؛ بل تربي ولده على الإسلام، كما أراد والده أن ينشأ.

وعندما كنت في ألمانيا، اجتمعت بخليط لا نهاية له من الفرق المسيحية، وكنت أكرّر عليهم جملة واحدة: هاتوا لي فقرة واحدة في الإنجيل يقول فيها المسيح، عن نفسه، إنه الله. فضلاً عن عقيدة التثليث، ومركب الأقانيم، وأن الله انشطر إلى ثلاثة دون أن ينشطر، وأن الله ثلاثة، ولكن يساوي واحد فيما هو ضدّ الرياضيات. كان القوم يصابون بالذهول؛ لأنهم وجدوا آباءهم على أمة، فهم على آثارهم يهرعون، ولم يكونوا معتادين على مواجهة سؤال من هذا النوع، وكان بعضهم يعترف، وهم قلة، وفريق ثانٍ كان يقول: لا مجال للفهم، أو العقل، في العقيدة، كما اعترفت لي بذلك راهبة بروتستانتية، ومنهم من كان يماحك، فيقول: جاءت فقرة في أوّل إنجيل يوحنا: في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة الله. ولكن هذا كمثل من يريد بناء برج بيزا على ظهر حمار.

ومن أعجب ما قرأت لقسّ مسيحي كتاباً يقول فيه: إنّ القرآن جاء بألوهية المسيح، مستشهداً بقوله تعالى من سورة الزخرف: {قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنا أَوَّلُ الْعابِدِينَ} [الزّخرُف: 81]. وهي جملة شرطية كما نرى. {سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ} [الزّخرُف: 82].

وكنت أقول لهم: ألا تتعجبوا من موضوع ألوهية المسيح غير المبرهنة، وغير الواضحة في الإنجيل، فمن أين جاءت هذه العقيدة التي تبنتها الكنيسة؟ كانوا يقولون: فماذا تفعل بكلمته: أبي الذي في السموات؟ كان جوابي إنّه لا يزيد عن معنى رمزي، وهو أمر علّمه لجميع الناس في موعظة الجبل (طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون).

فكلّ منادٍ بالسلام، مثل غاندي، ومالكولم اكس، ومارتن لوثر كينج، وروزا باركس السوداء، وبيرتا فون سوتنر الألمانية، والهندية أراندهاتي روي، وامرأة فرعون، وقرة عين الفارسية، وروزا لوكسمبرغ، وإيميلن بونكهرست؛ التي قادت مظاهرة في لندن، (في 18 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1910م، فضربهنّ ألف من الشرطة لمدّة ستّ ساعات متواصلة، وماتت سيدتان).

ولكن، لا المسلمون يعرفون هذا؛ لأنهم لا يقرؤون الإنجيل، ولا شهود يهوه، وفرق المسيحيين، يقرؤون القرآن، فيعرفون المتشابه في روح الرسالة. ومن يتصدّر للوعظ بين المسلمين، يقول: إنّ نسخة الإنجيل محرّفة، وهي التي كان يقول عنها القرآن: فيه هدى ونور، وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه. وطلب منهم أن يأتوا بالتوراة، فيتلوها إن كانوا صادقين؟

وحديثي، اليوم، ليس بهذا الاتجاه، فهو حرج، وحساس، وصعب هضمه، ولكن لا بد منه. وما يقوم به بعض رجال الدين المسيحي، مثل جيري فولويل، أنهم يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون، أو أنهم يشترون به ثمناً قليلاً، فبئس ما يشترون.

ومشكلة التطرف، أو الإرهاب، ليست خاصة بدين، وهو عمل تقوم به أيّ مجموعة ترى أنّ القتل سيّد الأحكام، وأن العنف هو سبيل التغيير، وهو مرض يصيب أيّ جماعة إنسانية تعرّضت للاضطهاد، فرأت أن الانتقام هو سبيل إعادة التوازن، أو هو ممارسة لقوة مهيمنة ترى كسر أيّ مقاومة للسيطرة، وكلاهما خطأ، فالقتل لا يأتي إلا بالقتل. وهناك علاقة ما بين العدل، والأمن، والحريات، فالعدل يولد الأمن، والأمن يوسّع الحريات، وهو ما نادى به إبراهيم عليه السلام: {*وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ} [الأنعَام: 81 - 83].

يوسف هريمة: يحكي لنا سارتر، في الوجود والعدم، قصّة بداية الخجل. من هنا، لم يكتشف العالم العربي الإسلامي تخلّفه إلا بعد أن قبض عليه الغرب متلبساً بهذا التخلف؛ أي: أنّنا احتجنا إلى الآخر ليكشف سوءاتنا، ويُشعرنا بالخجل من ثقافتنا وتراثنا. بصراحة، كيف يمكن لتراث عبّر عن قصوره في مراحل مختلفة أن نجدّد فيه؟ ألم يحن الأوان أن نحسم إيديولوجياً على الأقل بالانخراط في مسلسل الحداثة؟

خالص جلبي: لعل قصة الكاهن جان مسلييه تلقي الضوء على هذا السؤال، فقد كان جوّ الرعب، وكتم الأنفاس؛ الذي فرضته الكنيسة في العصور الوسطى، مخيفاً، قبل أن يتمّ تحطيم صنم الثالوث، والإقطاع، والملكية، مع بزوغ عصور التنوير.

ويروي المؤرخ ويل ديورانت، في كتابه (قصة الحضارة)، حكاية مثيرة عن أجواء الخوف في أوربة عن القس جان مسلييه (1678 - 1733م)، راعي أبرشية أتربيني في شمبانيا، الذي كان، في كل عام، يمنح الفقراء كلّ ما يتبقى من راتبه، بعد تسديد نفقات حياته المعتدلة البعيدة عن الإسراف والتبذير، ولكن الرجل، في أعماقه، عاش أزمة فكرية حادة بقيت فيها أفكاره محبوسة في زنزانة الجمجمة. طوال حياته في حالة ترقب وخوف من أن يُفتضح أمره، ويقرأ الناس ما كتب، وتلاحقه الكنيسة، وآلتها الجهنمية من محاكم التفتيش، أو هجوم العوام عليه بالسلاح في عقر داره، وتقطيع لحمه بتهييج الكنيسة، وجواسيسها؟

وعندما مات (بعد ثلاثين عاماً من الحياة الهادئة المثالية في وظيفة الراعي، قضى نحبه، وهو في الخامسة والخمسين، موصياً بكلّ ما يملك لأهالي الأبرشية)؛ دفنه أهل القرية بكلّ إجلال وتعظيم، ولم يعرفوا أيّ شيطان لئيم كان في ثياب هذا القسّ الورع، ولكنه ترك خلفه مذكراته في ثلاث نسخ من مخطوطةٍ بعنوان (عهدي الجديد)، وعندما بدأ الناس يطلعون على ما جاء في أوراقه، أصيبوا بزلزال! وبدؤوا في صبّ اللعنات على رأسه. كيف استطاع هذا الأثيم أن يتكتم على آرائه طيلة ثلاثة عقود؟

وكلّ التساؤلات الخطيرة، في عصره، عن خرافات الكنيسة، قام مسلييه باستعراضها بأسلوب شيق، وعرضها في صفحات مطولة؛ فلم يترك مسألة مزلزلة، أو وضعاً غير منطقي للكنيسة والعرف السائد، إلا وتعرّض له بنقد لا يعرف الرحمة، ولكنّها أسطر كتبها بينه وبين نفسه في هدوء الليل، في غيبة الفضوليين، والجواسيس، والمخابرات، وبقيت أوراقه سرّه حتى الموت، وفي نهايتها، تقدم باعتذار شديد لأهل القرية؛ بأنه لم يكن ليخون ضميره، وأنّه كتم آراءه عنهم، كلّ تلك الفترة، بسبب الخوف من النكال؛ فلم يكن، يوماً، معتقداً بما كان يمارسه من طقوس. وتوسل إليهم، في المخطوطة، أن يغفروا له أنه خدم الخطيئة والأهواء طوال مقامه بينهم، فقد تقلد عمله ليس طمعاً في المال، بل امتثالاً لما أمره به أبواه؟

ومن الطرافة ذكر بعض نفثات أفكاره المثيرة للجدل حتى اليوم، فهذا الرجل أطلق العنان لــــ (حرية التفكير)، في الوقت الذي حبس كلّ (مجاري التعبير) عنده طوال حياته، لنعرف مصير الأفكار المحبوسة عن (التعبير). ومما كتب هذا القسّ المتمرد:

- «لن أضحي بعقلي؛ لأنّه وحده الذي يمنحني التمييز بين الخير والشر، وبين الحقّ والضلال».

- «لن أتخلى عن الخبرة؛ لأنها خير مرشد وهادٍ، وهي أفضل بكثير من الخيال، أو من سلطان المرشدين».

- «لن أرتاب في حواسي، ولست أتجاهل أنّها يمكن، أحياناً، أن تؤدّي بي إلى الخطأ، ولكنّني، من جهة أخرى، أدرك أنها لن تضللني دائماً».

- «إن حواسي تكفي لتصحيح الأحكام والقرارات المتسرعة، التي ملت إلى اتخاذها».

ومن الغريب أننا نقرأ هذه الفقرات، الآن، ببراءة، في الوقت الذي كانت في أيامه ضلالاً وعذاباً.

لقد كانت كتابات مسلييه، في مقاييس عصره، أكثر الكتابات إيغالاً في مخالفة السائد والمسيطر من الأفكار؛ لذا لم يتجرّأ فولتير نفسه، إلا على نشر أجزاء منها، ورأى فيها شيئاً من التطرّف حاول تعديله؟!

ومن الواضح أن مسلييه كان قد وصل إلى اللاعودة مع الكنيسة والمسيحية. وعندما يتحدث عن الحروب الدينية المسيحية في أوربة، يقول:

«زعزعت الخلافات الدينية أركان الإمبراطوريات، وأدّت إلى الثورات، وخربت أوربة بأسرها، ولم يكن من الميسور إخماد هذه النزاعات الحقيرة، حتى في أنهار من الدماء. إن الأنصار المتحمسين لدين يدعو إلى البر، والإحسان، والتآلف، أثبتوا أنهم أشدّ ضراوةً وقسوة من أكلة لحوم البشر، أو المتوحشين»؛ ليصل، في نهاية أطروحته، إلى أن «الناس أشقياء لمجرّد أنهم جهلة، وهم جهلة لأن كلّ شيء يتآمر على الحيلولة بينهم وبين الاستنارة، وهم أشرار لمجرد أنّ عقلهم لم يتطور بدرجة كافية».

وبعد أن ذكر جان مسلييه ما سلف، يختم عهده الجديد بعبارة يتحدى فيها كلّ الذين يمقتونه، ويصبون عليه اللعنات:

«دعهم يفكروا، أو يحكموا، ويقولوا، ويفعلوا ما يريدون. لن أعبأ بهم كثيراً؛ بل إني، اليوم، لم أعد أعبأ كثيراً بما يحدث في العالم». ويعلّق ديورانت على صدق وصراحة هذا الرجل غير المعهودة، على هذا النسق من العبارات الصاعقة:

«هل وُجِد ثمّة عهد، أو ميثاق مثل هذا في تاريخ البشرية جمعاء؟ يعيش صاحبه منسياً لا ذكر له، في قرية نائية، قد ترتعد فيها كلّ النفوس رعباً وهلعاً، إلا نفسه هو، لمجرّد الاطلاع على أفكاره الخفية، ولهذا لم يتحدث بمثل هذه الحرية إلا لمخطوطته».

وقام فولتير بنشر أجزاء من كتاب الكاهن مسلييه، كما أن ديدرو، ودي هولباخ، قدّما خلاصة له عام (1772م)، تحت عنوان: «رجاحة عقل الكاهن مسلييه»، ولكن النص الكامل للكتاب لم يُطبع إلا بعد (130) سنة من موت صاحبه، في عام (1864 م)، والمخطوط، اليوم، محفوظ في المكتبة الوطنية في باريس.

وهذه القصة الحزينة المثيرة تروي المأساة المخفية من صراع العقل مع الكنيسة، وكيف أن أوربة ناضلت، بقوّة غير عادية، للتخلص من الفكر الكنسي، ولكنه، بكل أسف، كان فراقاً ليس بين العقل والكنيسة فحسب، بل بين العقل والدين؛ أيّ دين على الإطلاق.

كنت في ألمانيا، وكانوا يقولون لي: هل تعتقد أم تعلم؟ كنت أقول لهم: هما واحد عندي؟! كانوا يقولون: إذاً، لا بدّ لك من تغيير عقلك كلية.

وينقل عن نيتشه قوله: إذا أردت أن ترتاح فاعتقد، أمّا إن أردت أن تكون من حواريي الحقيقة، فاسأل.

يوسف هريمة: سأستعير عنوان إحدى مقالاتكم، لأسألكم عن الأمراض الاجتماعية المستوطنة، ومنها إشكالية النص، والاستعاضة به عن الواقع. لماذا ارتبطت ذهنية المسلم بالنص؟ وكيف تحول النص من هادٍ (آيات) إلى سلطةٍ، بتعبير رولان بارت؟

خالص جلبي: من أعظم الكوارث، في العقل الإسلامي، المسألة التي تعرضت لها عن الأمراض الفكرية المتوطنة؛ فكما توجد أمراض متوطنة، مثل البلهارسيا، والملاريا، هناك من الأمراض الاجتماعية المستحكمة في مفاصل المجتمع ما هو أشدّ من الروماتزم الخبيث. وإذا كان المرض يولّد المرض، ويهيِّئ الجوّ لمرض لاحق، مثل السكري، والسل، كذلك تفعل العواطف، فالإحباط يولّد العدوانية. وإذا كانت الأمراض تحلّق معاً، مثل سرب الطيور، فتغتال الجسم، كذلك تفعل الأمراض الاجتماعية. والمجتمع العربي، اليوم، يعاني من حزمة من عشرة أمراض تشكّل حلقة تتبادل التأثير الخبيث هي: 1 - إجازة الغدر، 2 - تأليه القوة، 3 - احتقار العلم، 4 - تبرئة الذات واتهام الآخرين، 5 - الإيمان بالخوارق، 6 - تقديس السلف، 7 - ظنّ أنّ النص يغني عن الواقع، 8 - الاهتمام بفضائل الجهاد من غير معرفةٍ بشروط الجهاد، 9 - رفض الديمقراطية، مع أنها أقرب إلى الرشد من كلّ ما عليه المسلمون، 10 - ظنّ أنّ الأحكام لا تتغير بتغير الأزمان؛ أي: كأن العدل لا يمكن أن ينمو أكثر فأكثر.

نحن نحتفل في (أعياد الغدر)، وجعلناها مناسبات وطنية تعطّل فيها المدارس، والدوائر الرسمية، وهي ذكريات الانقلابات في الظلام، وسرقة الشرعية من الأمة. أما (تأليه القوة)، فهو مرض أمويّ، منذ أن رفع معاوية السيف، فقال: من لم يبايع هذا، وأشار إلى يزيد، فله هذا، وأشار إلى السيف. وما زال السيف يحكمنا حتى إشعار آخر. أما (احتقار العلم)، فشاهده عقم الإنتاج العلمي، وشح التآليف، والدوريات. أما (تبرئة الذات)، فنحن نرى أنّ مشكلتنا هي إسرائيل، وأمريكا، ولا يخطر، في بالنا، أن نراجع أنفسنا لنطرح السؤال المزعج: ما الذي يسبب المرض، أهو وجود الجرثوم أم انهيار الجهاز المناعي؟ أما (الإيمان بالخوارق)، فالجو عابق بالخرافة ينتظر الزعيم المخلص، وما زالت الجنّ ناشطة في ربوعنا، وهناك من يوزّع البطاقات الانتخابية مثل الحروز، ويتحوّل الزعيم السياسي إلى (شيخ طريقة) يبايع على السمع والطاعة في بيعة أبدية، ويرقص الأتباع طرباً ليس على ضرب الصنج، والطبل، بل الزعيق بالروح بالدم نفديك إلى الأبد، في تظاهرات لو رآها الألمان في فرانكفورت لظنّوا أنّها مجموعة ضلّت طريقها من مصحّ الأمراض العقلية. نعم. إن الوطن تحول إلى مصحّة كبرى بقضبان وهمية.

أما السلف، فهو يُحتَرم ولا يُقدس، ويُستأنس به ولا يوقف عنده، ويستفاد منه ضمن خطة نقدية، والعلم يمثل حالة تراكمية من تبادل عمليتي الحذف والإضافة، وفوق كل ذي علم عليم. أفكار الرازي حول معالجة الأنورزما جيدة عندما نصح بعدم (بطها) وربطها بخيطان حرير، فهي معالجة سليمة في وقتها، لكن طرق تصنيع الأوعية في الجراحة حالياً، من وضع أنابيب داخلية بخطافات (Stenting) دون شق البطن، تجعل ما أوصى به الرازي ذا قيمة تاريخية. وإذا كان هذا ينطبق على كتاب الرازي الجراحي، فهو يصلح لفهم القرآن، فلا يمكن إضاءته بتفاسير قديمة، مثل ابن كثير، كما لا يمكن فتح جمجمة بأدوات فرعونية، ولا يمكن تدريس السيرة على شكل مسلسل من (الغزوات والمعجزات)، ولا بد من إعادة تصنيع الثقافة. وكما كان للطب أدوات من مشرط وملقط؛ كذلك كان الأمر مع العلوم الحديثة والأدوات المعرفية المساعدة.

وأما (فك ارتباط النص عن الواقع)، فهو يجعل أحدنا معلقاً في الهواء، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، فلا قيمة للنظريات دون ممارسة، والطبيب لا يكون ناجحاً دون تردد حيّ بين النظرية والممارسة. وجدلية من هذا النوع تقود إلى تصحيح التصور، ودفعه باتجاه التطوير. ونحن نرفض الديموقراطية؛ لأنها غربية لا تناسبنا، ولكن لم يخطر في بالنا أن نقول: إن السيارة غربية، وعندما نقلنا البرلمانات بنينا عمارات شاهقة بصالونات فخمة، ولكنها - كما وصف الإنجيل القادة العميان - «مثل القبور خارجها أبيض مطلي، ومن الداخل نجاسات وعظام أموات». إنها حكاية بائسة ينقلها أخرس عن آخرَ مهمته الكلام.

وأما الجهاد، فحصرناه بالقتال، ويمكن لأي مجموعة ناقمة أن تنظم نفسها، وتنقض على أيّ نظام حكم، وتقول عن عملها إنه جهاد في سبيل الله، كما لو أجرى الجراح عملية كبرى على قارعة الطريق دون تهيئة الشروط، ودخول الجراحة بشروط تعقيمية مشددة.

أما الديموقراطية، فنعتبرها كفراً، ولا يخطر في بالنا أنّ قضية التوحيد سياسية، وليست ثيولوجية، وأن الأنبياء نادوا بكلمة سواء أن لا يتخذ البشر بعضهم بعضاً أرباباً. إذاً، لكانت مهمة الأنبياء سهلة ومريحة. وعندما نقرأ آية ملك اليمين، لا يخطر في بالنا أنها آية نسخها الواقع، وليس لها سوى قيمة تاريخية، وأنّ كمية العدل غير قابلة للنكس والتوقف. إنّ حزمة الأمراض هذه، في العالم العربي، واحدة في النوعية، ومختلفة في درجة السمية، مثل التيفوئيد، فهو يتظاهر عند مريض بارتفاع الحرارة، وقد يضرب القلب والشغاف عند ثانٍ، وقد يثقب الأمعاء بنزف خطير، وفي السياسة نرى دولاً تنزف، مثل الجزائر، وأفغانستان، وأخرى تئنّ من الديون الخارجية، وثالثة في حالة اختناق سياسي، وخشعت الأصوات للحاكم، فلا تسمع إلا همساً.

يوسف هريمة: نعلم يقيناً أنكم شكلتم مدرسة، إلى جانب الأستاذ جودت سعيد، لها أهدافها واستراتيجياتها. ما معالم هذه المدرسة الفكرية؟ وما موقعها داخل تيارات الفكر السياسي الإسلامي اليوم؟

خالص جلبي: ما أنادي به، اليوم، ثلاث: تأسيس الفكر النقدي، وتأسيس معادلة العلم والإيمان، وأخيراً تبني خيار اللاعنف للتغير الاجتماعي ــــ السياسي.

علمنا التاريخ أنّ هناك علاقة بين القراءة والكرامة، وأشارت أول سورة نزلت من القرآن إلى هذه العلاقة الخفية المثيرة: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} [العَلق: 3]؛ فالقراءة تعني العلم، والعلم يعني الفهم، والفهم يعني الارتفاع، والسيطرة، والتحرر، والقوة، كما اكتشف ذلك فيلسوف التنوير فرانسيس بيكون.

بالعلم يرتفع الإنسان، ومن الجهل تتولّد الحيرة والاستبداد، كما حرّر ذلك الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد). إنّ الجهلة يتنازعهم العلماء والطغاة؛ فإمّا حرروهم وإما استعبدوهم. ولا يمكن لشعب واعٍ أن يعلو ظهره طاغية، وتسقط الأمم بسقوط ثقافتها.

إنّ أول كلمة نزلت في القرآن كانت (اقرأ)، وأول جملة في الإنجيل أشارت إلى أنّ بدء الأشياء هو (الكلمة): في البدء كانت الكلمة، وذكر العهد القديم علاقة الفهم بالقوة فقال: (أنا الفهم لي القوة)، وعُرِف، اليوم، أنّ كتاب الخليقة، الذي بموجب تعليماته نتكوّن، يضمّ بين دفتيه ثلاثة مليارات حرف، في لغة سرية من أربعة حروف، تتجمّع على شكل كلمات توحي بإذن ربّها ما تشاء في تشكيل الجسم، وما حوى. وكل مستوى في الوجود مكتوب بلغته الخاصة. {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النُّور: 41].

العلم يفاضل بين أقدار الناس، ومصائر الأمم، وأعظم الأمم أكثرها قراءة. قال التاريخ هذه الحقيقة بصور شتى: فتوحات الإسكندر، وهيمنة الحضارة الهلينية، وأثرها حتى اليوم في الحضارة الإنسانية، والنظم السياسية، ومن الفلسفة جاء الفكر، ومنهجية تنظيم العقل، وتحريره من الفوضى والعبثية. تكرر هذا الشيء للرومان والمسلمين، ويتكرر اليوم للألمان، والكنديين، وأهل الصين، وماليزيا، فهنا معتق الانبعاث، وساحة الخلاص.

وفي يومٍ، كان العرب أمةَ قراءة، واليوم يعيشون عصر الظلمات، والجملوكيات[4]، والمخابرات، والانقلابات، والاجتماعات للمؤامرات؛ في عدد من الأميين مرعب يتجاوز مئة مليون!

وتعلو الأمة الأمريكية، واليابانية، بفعل القراءة، والعلم، والفكر؛ وتعلم الأمريكيون أكثر مع صدمة السبوتنيك، بعد أن سبح الروس في السماء.

واليوم في أمريكا أكبر نسبة من القرّاء، والعلماء، والمؤسسات العلمية، ومصارف المال، وبراءات الاختراع، وجوائز نوبل، وميداليات الأوليمب، واليوم، يوجد ما يزيد على نصف مليون بحث في مكتب براءة الاختراع في أمريكا ينتظر الدراسة، ومنها ما تقدّمت به الأبحاث الحديثة، ووصلت إلى فك (الجينوم البشري)، وبعده الشمبانزي؛ بل إنسان نياندرتال؛ الذي انقرض قبل (35) ألف سنة، ثم تلاه مشروع طموح جداً لمسح كلّ الكائنات الحية، ووضع اليد على أثمن ما في الوجود قاطبة، بما هو أثمن من بحار البترول، وجبال الألماس؛ لأنه الاكتشاف الجديد للإنسان؛ فمنه سيتمّ قهر السرطان، والإيدز، ومنه سيتم مسح ثمانمئة مرض وراثي، ومنه سيتمّ كشف كامل الخارطة الوراثية عند الإنسان، ومعرفة ما هو الإنسان، فعلاً، على الأقل في المستوى البيولوجي، وهي أبحاث ستشغل العلماء في مدى (300) سنة القادمة.

الإنسان كائن غامض مجهول غير معروف، ولعل أهم كشف، في الشفرة الوراثية عند الإنسان، معرفة (جينات العدوانية)، وهل لها أساس بيولوجي في الخارطة الوراثية، أو أنها عمل الثقافة المريض؟

وقد يمكن لجم الحرب من باب غير متوقع بفرملة العدوانية، وسفك الدم، وإنتاج نسخة بشرية معدلة للسلام، أو هكذا نتفاءل، فكل النظريات تتحطم عند قدمي تفسير الإنسان!، إلا أنّ الطب ضرب معوله في مواقع انبجست ينابيع للعلاج، ومصادر لا تعرف النفاد في راحة البشر.

إذا استطعنا تقرير أنّ أيّ واقع بشري هو نتيجة طبيعية للأفكار التي يحملها الناس في مجتمع ما، فإنّ العكس صحيح أيضاً، بمعنى أنّ تغيير رصيد ما في النفوس سوف يغير الواقع الاجتماعي، ويتولّد عن هذا ثلاث نتائج متلاحقة يأخذ بعضها برقاب بعض:

الأولى: طالما كان تغيير ما في النفوس يرجع إلى الأفكار التي نزرعها؛ فإنّ مفاتيح التغيير الاجتماعي هي ملك يميننا، وبها تُدَشَّن الكرامة والحرية الإنسانيتان.

وتنصّ الحقيقة الثانية على أنّ أسرار التغيير تحت أيدينا، ومن ثَمَّ، أيّ شيء يحدث لنا هو من صنع أيدينا، وهي فلسفة القرآن، التي تنص على أن الظلم؛ الذي يقع على الإنسان، هو من صنع يده، قبل أن يكون من مصدر آخر!

ولعل أعظم فضيلة يتدرب عليها الإنسان هي ألا يلوم أحداً؛ بل يلوم نفسه عند مواجهة أيّ خطأ، وألا يلعن الظروف؛ بل يفهم قوانين حدوث تلك الظروف، تمهيداً للسيطرة عليها.

وترى الحقيقة الثالثة أن نتوجّه إلى الحقل المفيد في التغيير الاجتماعي، من خلال فهم سنن التغيير؛ لأن وعي أيّ قانون يفتح الطريق أمام تسخيره، والتسخير هو الخدمة المجانية، وهو متاح لجميع البشر.

إذاً، مفاتيح التغيير بأيدينا، والإنسان مهندس مصيره، فهذه هي الحقيقة الأولى، ويوجهنا القرآن إلى تغيير نفوسنا حتى يتغير واقعنا، وليس اغتيال الحكام، ونسف المؤسسات، وقتل المختلفين عنّا. والتغيير يبدأ، دوماً، من عندنا، ويجب أن يُفهَم الصراع العربي الإسرائيلي، في هذا الضوء، من زاويتين:

- إسرائيل اختلاط ومضاعفات (COMPLICATION) للمرض العربي الأساس.

- الصلح العربي - العربي أهم، وأجدى، وأبقى من الصلح العربي الإسرائيلي.

ثانياً، إنّ الكون مؤسس على قوانين، والقوانين قابلة للفهم، وفهمها يمنحنا السيطرة عليها، وما ينطبق على الفيزياء ينطبق على المجتمع.

وفي قوانين التغيير، أبدع جودت سعيد في طرح المشكلة، في عدد من الكتب، مثل (حتى يغيروا ما بأنفسهم)، و(اقرأ وربك الأكرم)، و(العمل قدرة وإرادة)، و(مذهب ابن آدم الأول).

لقد كان سقوط التفاحة هو الذي ألهم، في لحظة عبقرية، نيوتن اكتشافَ قانون دوران الكواكب، وسباحة المذنبات، وهي الفكرة التي ألهمت عالم (النمل) الأمريكي المعاصر، إدوارد ويلسون (O. EDWARD WILSON)، شقَّ الطريق لاكتشاف (وحدة العلم)، في صورة بانوراما شاملة جعلته يطرح مبدأ (البيولوجيا الاجتماعية) (SOCIAL BIOLOGY)، فما ينطبق في البيولوجيا يمكن أن يسري في المجتمع وفق قوانينه النوعية.

يوسف هريمة: نعيش، اليوم، إشكالية تراثية بامتياز، فالأحداث الدامية التي تعيشها المنطقة، والإرهاب المستشري هنا وهناك يحتمي بترسانة من النصوص ندرسها لأبنائنا، ونتغنى بها في إعلامنا. ما هي مداخل الإصلاح الذي تنشدونه، في ظلّ ضبابية المشهد؟

خالص جلبي: سألني أحدهم يوماً: هل فلان شيعي؟ قلت له: لست متأكداً، ولم أسأله، ولعله كذلك. تابع: أظنه شيعياً. قلت له: وكيف عرفت؟ قال: من عينيه. كانتا تشعّان بالخبث! سكتّ أنا، ثم عقبت بسؤال: هل تعلم أين وُلِد فلان؟ قال: لا. قلت له: في مدينة الناصرية جنوبي العراق. تابعت بسؤال ثانٍ: لو وُلِدت أنت في مقاطعة بافاريا جنوبي ألمانيا، بماذا كنت ستدين؟ شعرت أنّه زُلزِلَ. قال: ماذا تقصد بسؤالك هذا؟ قلت: لاشيء، فقط السؤال.

يتشكل الإنسان بشكل جوهري، في مرحلةِ ما قبل المدرسة، فيتبرمج في خرائط ذهنية لا فكاك منها، وفي سجنٍ من أربعة أسوار من البيولوجيا، والتاريخ، والثقافة، والجغرافيا، يشكّله المجتمع بأقوى من صهر الحديد في مصانع الصلب، فيخرج منا طائرة أو حاوية قمامات. وهذا يعني أنّ كثيراً ممّا نتصرّف يحصل من خلال عالم اللاوعي؛ الذي كشفه علم النفس التحليلي، فالإنسان مكوّن من ثلاث طبقات منضّدة بعضها فوق بعض؛ في الأعلى (ما فوق الوعي)، وهي جِدُّ رقيقة، وهي موضع التماع بريق الأفكار الإبداعية الفجائية؛ وطبقة (الوعي)، وهي تمثل (5 %) من كياننا النفسي، وهي تشبه ضوء المنارة على ساحل المحيط، فعندها القدرة على تركيز الضوء في محرق محدّد لوقت محدد، فإذا انقضت تحولت المنطقة إلى ظلام دامس؛ وتحتها طبقة (اللاوعي)؛ التي تمثل (95 %)، وتمثل المحيط الواسع الذي يضم شخصيتنا، وفيه مستودعات الخبرات، والعواطف، والأخلاق، والعقد النفسية، ومن ظلماته تتشكل الأحلام، فنعيش حياتنا الثانية.

نحن نقود السيارة، ونشرب فنجان القهوة، ونزرر قميصنا؛ بل نمارس الجنس برتابة آلية، وهناك من يصلي بأداء روتيني، وطقوس خالية من الخشوع الذي هو لبّ العبادة؛ لأنه وجد آباءه يصلون، فهم على آثارهم يهرعون. الروتين سيّئ ورائع في الوقت نفسه؛ لأنه بقدر ما يقتل الإبداع يريحنا.

لو كان إفراز الهورمونات، وخفقان القلب، مرتبطين بالفكر لسقط العقل في شباك الطبيعة العمياء. حتى الكلام يسيطر عليه (اللاوعي)، مع أنه أكبر تجليات الوعي، فنحن، حينما نتكلم، لا نفكر كيف تمر الكلمات من الدماغ إلى جهاز الصوت، ولو فكرنا في كيف نفكّر لانقطع كل تفكير، ولو تأملنا جسدنا لرأينا فيه تداخل ثلاثة مستويات، في اللحظة نفسها؛ (الإرادة)، و(نصف الإرادة)، و(اللاإرادة). فالكلية تنظف على نحو أعمى، دون تفكير، ويمكن أن نحبس أنفاسنا لدقيقة، ولكننا نتميز عن النبات والحيوان، فالنبات ينمو، ولكن لا يعرف لماذا ينمو، أو كيف ينمو؛ بل هو في قبضة قوانين آلية. وتعرف القطة كيف تبحث عن طعامها، ولكنها لا تملك تعليل ملوحة ماء البحر، كما لا يُقدِم الكلب على الانتحار، ولم نر شجرة أضربت عن الطعام، وأعلنت الصيام، ولكن الإنسان يفعل ذلك.

وهكذا، هناك كيانان رئيسان يتحكمان فينا، ولكنهما متصلان على شكل طريق أحاديّ الاتجاه في الغالب، فــــ (الوعي) هو الذي يشحن أولاً، فإذا تشبع نقل الفكر إلى اللاوعي، وهذا التيار مستمر على مدار الساعة، كما يشحن الدينمو بطارية السيارة، ويتدفق تيار المعلومات باتجاه واحد، كما في السيالة الكهربية عندما تمر في محول كهربي من قوة (110) إلى (220) فولت. وما يصل أرض (اللاوعي) ينحبس فيه، ويتحول إلى قوة تشغيل خفية. ونحن لا نعرف لماذا نميل إلى شخص، ولا لماذا نشعر بالسعادة تغمرنا في لحظات، كما أننا نتصرف على نحو عفويّ في مواقف عصيبة، فإذا واجهت مصيبة شخصين تماسك الأول، وزُلزِلَ الثاني، والسبب هو تلك الخبرات القديمة المتراكمة، والعواطف المشبعة تجاه الأشخاص، والأحداث، والأشياء.

نحن نظن أننا نتصرف بوعي كامل، لكن علم النفس التحليلي كشف حقيقة مزلزلة؛ أننا نملك هامشاً ضئيلاً من الحرية، وبذلك نمتص ديانة المجتمع؛ الذي نولد فيه، ونحن نظنّ أنّ هذا حدث بكامل الوعي والاختيار، ونظن أن هذا هو الحق، وكل العالمين ضلال، وهو شعور يمارسه جميع أصحاب الديانات والإيديولوجيات.

نحن جئنا إلى هذا العالم دون إرادة منا، وسنودعه بالطريقة نفسها. نحن لا خيار لنا في (الجينات) التي منحناها، أو (اللغة) التي تعلمناها، أو (الأمراض الوراثية)؛ التي انتقلت إلينا. لو وُلِد أحدنا في التيبت لكان على الأرجح من أتباع (دلاي لاما)، ولو وُلِد من رحم امرأة كردية في العراق، لكان سنّيَّ المذهب غالباً، ولو ولد في أفغانستان لمشى بساق خشبية، ولو وُلِد في ألمانيا، مع مطلع القرن، لربما لاقى حتفه بطلقة من قناص في ستالينغراد، ولو وُلِد في بنغلادش لربما وُلِد ومات دون سقف، ولو وُلِد في مصر لكان يسكن المقابر دون موت، ولو وُلِدَ في دولة خليجية لكان جيبه عامراً بالمال، ويعتلي صهوة سيارة (جيمس). وكما يقول مالك بن نبي: إن حظوظ الإنسان في هذه الدنيا مرتبطة بالمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، بما فيها الدين الذي يعتقده. وقد يتحرّر أحدنا من التحيّز إذا أدرك قانون التحيّز، فيتعلم التسامح، ويتعلّم من الآخرين.

يوسف هريمة: تحدث الجابري - رحمه الله - في نقده للخطاب العربي المعاصر عن فشل الخطاب النهضوي، فقال: إنّ سلاح النقد يجب أن يسبقه نقد السلاح. باختصار شديد - أستاذي الكريم - ما أهم المشاريع الفكرية التي تستحق - في نظركم - التنويه، ويمكن البناء عليها في عملية التجديد الديني؟

خالص جلبي: إذا كان الجابري نحا إلى مدرسة اللاعنف طريقةً في التغيير، فنحن معه؛ لأن اللاعنف هو دخول نور العقلانية، أما العنف فهو جريمة، وجنون، وإفلاس أخلاقي، كما هي حالة الاحتراب في الشرق الأوسط بين شيعي، وعلوي، وسني، ودرزي، ومسيحي، كلّ حزب بما لديهم فرحون.


[1] نشر ضمن مشروع "تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية (2) محاولات تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية"، تقديم بسام الجمل، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[2] - رواه أبو داود في سننه: 4297

 - [3] بن نبي، مالك، ميلاد مجتمع، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986م.

[4] - الجملوكيات: كلمة مستعملة اليوم، وهي مركبة من كلمتي (جمهورية) و(ملكية)، وهي تعني النظام السياسي، الذي يبدو، في ظاهره، منتسباً إلى الجمهورية، لكنه، حقيقةً، نظام ملكي، ومايعنيه من انفراد بالحكم، ومن توريث للسلطة.