خصائص المنهج الرشدي في تأويل النص الديني

فئة :  مقالات

خصائص المنهج الرشدي في تأويل النص الديني

لا شك أن ممارسة فعل التأويل في الثقافة الإسلامية العربية ليس جديدا ولا طارئا على زمن تشكل هذه الثقافة أو تدوينها؛ وإنما هو مرتبط بها ملتصق بنصوصها المؤسِّسة، فهو فعل عقلي تفسيري يمارس على النص قصد المشاركة في صنع المعنى وتحديد إحدى دلالاته، وبالتالي هو تأسيس وممارسة لمشروعية الاختلاف في النظر العقلي للنصوص والموضوعات التي تحتمل التأويل.

إذا كان فعل التأويل شائعا في تاريخ الثقافة الإسلامية كغيرها من الثقافات الأخرى، فإنه لم يجمد على نفس الموضوعات عند جميع الأمم، رغم وجود المساحات المشتركة. وبناء عليه، فقد اختص التأويل في تاريخ المسلمين بخصائص ترجع في عمومها إلى طبيعة النص القرآني المؤسِّس لهذه الثقافة، والذي حافظ على ألفاظه منذ زمن التنزيل إلى اليوم، وإلى التجربة التاريخية التي مرّ منها المسلمون، وإلى مرونة اللغة الشارحة التي تنشئ المعاني على التجوُّز والتمثيل والكناية وغيرها من الأساليب...

ولعل من أبرز القضايا التي استُعمل فيها التأويل في تاريخ الفلسفة الإسلامية نذكر: علاقة النظر الفلسفي بالنص الديني أو ما اشتهر بثنائية: الحكمة بالشريعة، وهي القضية الـمُشكلة التي قسمت صف الفلاسفة المسلمين منذ فجر الإسلام ولا تزال مثيلاتها تثير الكثير من الإشكالات الفلسفية إلى يومنا هذا. ومن بين الفلاسفة الذين مارسوا التأويل في حل الاشتباك القائم بين تيارين متعارضين بخصوص طبيعة هذه العلاقة، انبرى أبو الوليد ابن رشد في كتابه فصل المقال خصوصا بمنهجه الخاص، من أجل الجواب - عبر التأويل طبعا - عن السؤال الإشكالي: هل الشرع يبيح الخوض في مسائل الفلسفة؟ أو قُل: هل يباح النظر الفلسفي البرهاني في عقيدة المسلمين؟ وما العمل إذا حدث التعارض بين النص والبرهان؟ وأيهما أولى: قياس الفيلسوف أم قياس الفقيه؟

ربما الفرضية الأكثر وضوحا في هذه المقاربة تتمثل في أن الخصومة المشهورة بين الغزالي وابن رشد حول الفلسفة وخوضها في القضايا الغيبية وخاصة: في مسألة قدم العالم والعلم الإلهي وحقيقة البعث لا علاقة لها بالواقع، وليس لها محل من الإعراب في مستوى إشكالية التأويل، لأن حكيم قرطبة ذهب نفس المنحى الذي ذهبه أبو حامد في كتابه (فصل التفرقة) باعترافه هو على ذلك، حيث قال: "وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان، فقد تلطف الله فيها لعباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان إما من قبل فطرهم، وإما من قبل عاداتهم، وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم بأن ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال، إذ كانت تلك الأمثال يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع، أعني الجدلية والخطابية. وهذا هو السبب في أن انقسم الشرع إلى ظاهر وباطن. فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني والباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان. وهذه هي أصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسة التي ذكرها أبو حامد في كتاب التفرقة"[1]

لكن كيف نفهم نقد ابن رشد للغزالي، وحمله عليه، وتهفيت اعتراضاته على الفلاسفة في كتابه (تهافت التهافت)؟ أليس هو القائل: "جاء أبو حامد فطَمَّ الوادي على القرى"[2] وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه إليه فهمه؛ وذلك في كتابه الذي سماه بالمقاصد، فزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم، ثم وضع كتابه المعروف بتهافت الفلاسفة، فكفرهم فيه في مسائل ثلاث من جهة خرقهم فيها للإجماع، كما زعم، وبدّعهم في مسائل وأتى فيه بحجج مشككة وشبه محيرة أضلت كثيرا من الناس عن الحكمة وعن الشريعة. ثم قال في كتابه المعروف بجواهر القرآن.[3]

إن الذي أثبته في كتاب التهافت هي أقاويل جدلية، وأن الحق إنما أثبته في المضنون به على غير أهله، ثم جاء في كتابه المعروف بمشكاة الأنوار، فذكر فيه مراتب العارفين بالله فقال: إن سائرهم محجوبون إلا الذين اعتقدوا أن الله سبحانه غير محرك السماء الأولى، وهو الذي صدر عنه هذا المحرك وهذا تصريح منه باعتقاد مذاهب الحكماء في العلوم الإلهية. وقد قال في غير ما موضع: إن علومهم الإلهية هي تخمينات بخلاف الأمر في سائر علومهم.[4]

وأما في كتابه الذي سماه المنقذ من الضلال، فأنحى فيه على الحكماء وأشار إلى أن العلم، إنما يحصل بالخلوة والفكرة، وأن هذه المرتبة هي من جنس مراتب الأنبياء في العلم، وكذلك صرح بذلك بعينه في كتابه الذي سماه بكيمياء السعادة، فصار الناس بسبب هذا التشويش والتخليط فرقتين فرقة انتدبت لذم الحكماء والحكمة وفرقة انتدبت لتأويل الشرع وروم صرفه إلى الحكمة. وهذا كله خطأ، بل ينبغي أن يقرر الشرع على ظاهره ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة".[5]

 ألا تفيد هذه النصوص أن ابن رشد قد اعتبر الغزالي من الذين أضروا بالحكمة وبالشريعة معا؟

في الواقع إن (قانون التأويل) عند ابن رشد لا يختلف كثيرا عن (قانون التأويل) عند أبي حامد، بل نجد إشادة وثناء من طرف الأول على فضل الثاني عليه، وينبغي التقليل من أهمية هذا النص ذائع الصيت، لأنه موجود في كتاب جدلي هو (الكشف عن مناهج الأدلة)، ولأن هناك نصوصا أخرى تنسخه وتثبت عكسه.

فقد ذكر في (تهافت التهافت) ما يلي: "والذين شكوا في هذه الأشياء وتعرضوا لذلك وأفصحوا به، إنما هم الذين يقصدون أبطال الشرائع وأبطال الفضائل، وهم الزنادقة الذين يرون أن لا غاية للإنسان إلا التمتع باللذات. هذا مما لا يشك أحد فيه."[6]

والآن ما هو قانون التأويل عند ابن رشد؟ وما هي المبادئ التي أخذها عن الغزالي؟

يقاوم ابن رشد ما وقع في عقائد الملة بسبب التأويل: من الشبه المزيغة، والبدع المضلة، ومن الاضطراب والابتداع في فهم الشريعة، ويحدد مقصده كما يلي[7]:

- التفرد بالبحث عن الحكمة.

- مطابقة الحكمة للشرع وأمر الشريعة بها.

- فهم مقاصد الشريعة بالاعتصام بقانون للتأويل.

- اتباع السنة وتقليد رسالة النبي لملته.

- الاطلاع على مكنونات العلم الإلهي.

- معرفة مفهوم الوحي بالبقاء على ظاهر النصوص ورفض مغالاة الباطنية.

- تفادي زيغ الزائغين وتحريف المبطلين.

- اعتماد القياس البرهاني في النظر إلى الموجودات.

وقد انكشف لابن رشد أن من التأويلات التي خاضت فيها الفرق: الأشعرية والمعتزلة والباطنية والحشوية ما لم يأذن به الله ورسوله، هذه التأويلات المبتدعة هي أقاويل محدثة صرفت كثيرا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها، وإذا فحصت جميعها ظهر أنها تتفق تماما مع المبادئ المذهبية لهذه الفرق - الأصول الخمسة عند المعتزلة مثلا. يقول ابن رشد: "إن الشريعة قسمان ظاهر ومؤول، وإن الظاهر منها فرض الجمهور، وإن المؤول هو فرض العلماء. وأما الجمهور، ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله، وأنه لا يحل للعلماء أن يفصحوا بتأويله للجمهور كما قال علي - رضي الله عنه -: حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله".[8]

التأويل ضرورة لا مناص منها بالنسبة إلى ابن رشد ليس لفهم المتشابه من النص الديني وتجاوز التناقض بين المنقول والمعقول فقط، بل لأنه الوسيلة المثلى للمحافظة على شمولية الوحي وانفتاحه على جميع الناس مهما كانت فطرهم وملكاتهم المعرفية.

يعرف ابن رشد التأويل على النحو التالي: "ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية من غير أن يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلام المجازي. وإذا كان الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف عنده قياس يقيني، ونحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، وهذه القضية لا يشك فيها مسلم ولا يرتاب فيها مؤمن، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجربه، وقصد هذا القصد من الجمع بين المعقول والمنقول".[9]

فهل يميز فيلسوف قرطبة في هذا النص بين الفلسفة الإغريقية والتأويل العربي تماما مثل تمييزه بين القياس اليقيني والقياس الظني أم أن الأمر أبعد من ذلك؟

إذا تأملنا هذا النص تبين لنا أن مرجعية التأويل عند ابن رشد ثنائية:

1- الحصول على صناعة البرهان بالوصول إلى الحقائق اليقينية عن طريق القياس العلمي ومعرفة الأقاويل المضللة الأخرى، مثل الأقاويل الجدلية والخطابية والشعرية والسفسطائية.

2- فَهْم قوانين اللغة العربية وإمعان النظر في علم الصرف والنحو والبيان والإعراب والبلاغة، والتمكن من جميع النواحي الفينومينولوجية التي من شأنها تسريع النظر في كيفية إصابة المعنى وإسناد الأسماء للأشياء.

والتقيد باللسان العربي عند ابن رشد يفيد احترام الأسس التالية:

- إنّ اللسان العربي لا يحتوي على خاصية الترادف، بل بالعكس اللفظة الواحدة يمكن أن يكون لها أكثر من معنى مثل فعل أَمَرَ.

- العلاقة بين الألفاظ والمعاني هي علاقة شائكة، إذ نجد تارة الألفاظ هي خدم للمعاني والمعاني هي المالكة سياساتها إذا حصلوها تساهلوا في العبارة عنها وطورا المعاني تابعة للألفاظ وتتغير بتغير بنيتها.

- الأخذ بعين الاعتبار أصالة اللسان العربي من حيث أفعال الأضداد في المعاني، مثل فعل عبد وخفي وأفعال المعاني والأصوات مثل علق - قلع، وكتب؛ أي ضرورة معرفة فقه اللغة العربية.

- معرفة قانون التأويل العربي هو معرفة أصناف الكلام المجازي وعادة العرب في التجوز وطرق إسناد الأسماء إلى الأشياء من تشبيه وسبب وقرين وملحق.

لقد ترجم ابن رشد كتب أرسطو واطلع على الرابطة المنطقية بين الأشياء والألفاظ والمعاني، إذ جاء في تلخيص كتاب العبارة ما يلي: "إن الألفاظ التي ينطق بها هي دالة أولا على المعاني التي في النفس، والحروف التي تكتب هي دالة أولا على هذه الألفاظ. وكما أن الحروف المكتوبة - أعنى الخط - ليس هو واحدا بعينه لجميع الأمم كذلك الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني ليست واحدة بعينها عند جميع الأمم. ولذلك، كانت دلالة هذين بتواطؤ لا بالطبع. وأما المعاني التي في النفس، فهي واحدة بعينها للجميع كما أن الموجودات التي هي المعاني التي في النفس أمثلة لها ودالة عليها هي واحدة وموجودة بالطبع للجميع".[10]

ففي هذا النص يطرح ابن رشد نظريته في الدلالة المأخوذة من أرسطو، ويشير إلى عالمية التأويل وكونية قانونه بما أن المعاني هي واحدة وموجودة بالطبع للجميع. ويجعل من التأويل العروة الوثقى والصلة الرابطة بين الحكمة الفلسفية وعقائد الملة وبين البرهان والشريعة حرصا منه على وحدة العقل ونسقية المعرفة وانتظام الجماعة، ولكنه يترك الباب مفتوحا لحق الاختلاف وتعددية المناهج المؤدية إلى الفهم والإفهام.

وهذا الاختلاف واضح للعيان في مستوى مراتب الإدراك، ومناهج التصديق، ومجالات التأويل.

يقسم ابن رشد الناس على عادة الفلاسفة إلى ثلاثة:

 1- الجمهور: وهم طائفة لا علاقة لهم بالتأويل أصلا، لا يمارسونه ولا يجب أن يصرح لهم به، بل يتلقون الدين تلقينا، ويعملون بالظاهر، ولا يدركون المعقولات إلا متخيلا أو ممثلا ومحسوسا. يقول في هذا السياق: "الشيء الذي تتوقف عليه سعادتهم يقدمه لهم في صورة مثال من الشاهد حتى يتمكنوا من تصوره."[11]

2- أهل الجدل وهم طائفة من المتكلمين الذين أولوا النصوص تبريرا لمواقفهم الإيديولوجية ومصالحهم الضيقة، وحاكوا أفكار الفلاسفة دون الوصول إلى حقائقهم، وابتدعوا في الشرع أمورا لا يتحملها.

3- أهل البرهان، وهم من أصحاب اليقين الفلاسفة الذين توصلوا إلى فك رموز الكون وفهموا على قدر المستطاع أسرار الطبيعة ومقاصد الشارع، وهم الذين عناهم الله في قرآنه بالراسخين في العلم، والذين ارتقوا إلى مرتبة الإيمان عن طريق التأويل الصحيح للشريعة.

أما مناهج التصديق، فهي ثلاثة: البرهانية (الحكمة) والجدلية (الموعظة الحسنة) والخطابية (جادلهم بالتي هي أحسن).

هنا يقدم ابن رشد الشريعة على الفلسفة؛ لأن الفلسفة لا تشجع إلا على منهج البرهان في التصديق فيما تُبكِّت الجدل والخطابة. أما الدين، فإنه يشجع مناهج التصديق الثلاثة لحاجتنا إليها من أجل إفهام العامة والخاصة وخاصة الخاصة؛ نظرا لأنه لكل مقام مقال ولضرورة مخاطبة الناس على قدر مستوى إدراكهم.

ويميز ابن رشد بين درجات التأويل (مستوى الذهاب من اللفظ إلى المعنى ومن الظاهر إلى الباطن) وأصناف المدركين (قوة الإدراك والاستعدادات الذهنية لدى الناس).

ويقسم الشريعة إلى ثلاثة أصناف:

- نصوص محكمة قطعية لا يجوز تأويلها، وينبغي البقاء في الظاهر.

- نصوص متشابهة يمكن (يجوز) تأويلها دون إخراجها عن سياقها اللغوي.

- نصوص متشابهة وعويصة يجب (ينبغي) تأويلها لحل التناقض بينها وبين المنطق والعقل والواقع.

يقول ابن رشد متحدثا عن قانون التأويل: "إن المعاني الموجودة في الشرع توجد على خمسة أصناف، وذلك أنها تنقسم أولا إلى صنفين، صنف غير منقسم، وينقسم الآخر منهما إلى أربعة أصناف؛ فالصنف الأول غير المنقسم هو أن يكون المعنى الذي صرح به هو بعينه المعنى الموجود بنفسه، والصنف الثاني المنقسم هو أن لا يكون المعنى المصرح به في الشرع هو المعنى الموجود، وإنما أخذ بدله على جهة التمثيل. وقد انقسم هذا الصنف إلى أربعة أقسام:

أولها أن يكون المعنى الذي صرح بمثاله لا يعلم وجوده إلا بمقاييس بعيدة مركبة تتعلم في زمان طويل وصنائع جمة وليس يمكن أن تتقبلها إلا الفطر الفائقة، ولا يعلم أن المثال الذي صرح به فيه هو غير الممثل إلا بمثل هذا البعد الذي وصفناه.[12]

والثاني مقابل هذا، وهو أن يكون يعلم بعلم قريب منه الأمران جميعا، أعني: كون ما صرح به أنه مثال ولماذا هو مثال.

والثالث أن يكون يعلم بعلم قريب أنه مثال لشيء، ويعلم لماذا هو مثال بعلم بعيد.

والرابع عكس هذا، وهو أن يعلم بعلم قريب لماذا هو مثال ويعلم بعلم بعيد أنه مثال. فأما الصنف الأول من الصنفين الأولين، فتأويله خطأ بلا شك. وأما الصنف الأول من الثاني، وهو البعيد في الأمرين جميعا فتأويله خاص بالراسخين في العلم ولا يجوز التصريح به لغير الراسخين. وأما المقابل لهذا، وهو القريب في الأمرين فتأويله هو المقصود منه والتصريح به واجب.[13]

وأما الصنف الثالث ففي تأويله نظر، لأن هذا الصنف لم يأت فيه التمثيل من أجل بعده على أفهام الجمهور، وإنما أتى فيه التمثيل لتحريك النفوس إليه. وهذا مثل قوله - عليه السلام -: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض)، وغيره مما أشبه هذا مما يعلم بنفسه أو بعلم قريب أنه مثال، ويعلم بعلم بعيد لماذا هو مثال. فإن الواجب في هذا ألا يتأوله إلا الخواص من العلماء. ويقال للذين شعروا أنه مثال، ولم يكونوا من أهل العلم لماذا هو مثال: إما أنه من المتشابه الذي يعلمه العلماء الراسخون. وإما أن ينقل التمثيل فيه لهم إلى أقرب من معارفهم أنه مثال. وهذا كأنه أولي من جهة إزالة الشبهة التي في النفس من ذلك...[14]

وأما الصنف الرابع وهو المقابل لهذا، وهو أن يكون كونه مثالا معلوما بعلم بعيد، إلا أنه إذا سلم أنه مثال ظهر عن قرب لماذا هو مثال ففي تأويل هذا نظر: أعني عند الصنف الذين يدركون أنه مثال إلا بشبهة وأمر مقنع، إذ ليسوا من العلماء الراسخين في العلم. فيحتمل أن يقال إن الأحفظ بالشرع ألا تتأول هذه النصوص وتبطل عند هؤلاء الأمور التي ظنوا من قبلها أن ذلك القول مثال، وهو الأولى. ويحتمل أيضا أن يطلق لهم التأويل لقوة الشبه الذي بين ذلك الشيء وذلك الممثل به.

إلا أن هذين الصنفين متى أبيح التأويل فيهما تولدت منها اعتقادات غريبة وبعيدة من ظاهر الشريعة، وربما فشت فأنكرها الجمهور. وهذا هو الذي عرض على الصوفية، ولمن سلك من العلماء هذا المسلك".[15]

لو قمنا بتفكيك هذا القانون وخلخلة أبنيته الضمنية لتوصلنا إلى ما يلي:

- المدلولات الباطنية (المعاني) خمسة:

1- المعنى المصرح به من خلال ظاهر اللفظ هو المعنى الموجود بنفسه، ولا يحتاج إلى تأويل أو لا يجوز تأويله.

2- المعنى المبحوث عنه هو غير المعنى المصرح به، وإنما موجود في اللفظ على جهة التمثيل. والجدير بالملاحظة أن النص في هذا الصنف الثاني لا يفهم في ظاهره، بل معناه مختفي ولابد من إظهاره والبحث عنه بالانتقال من الحقيقة إلى المجاز ومن الظاهر إلى الباطن ومن اللفظ إلى المعنى.

ويستوجب قانون التأويل[16] هنا معرفة أمرين:

- تصيد المثال (المتشابه/ الرمز/ المجاز/ الاستعارة) لتحديد صورة الخطاب.

- قنص معنى المثال على عادة اللسان العربي.

وينقسم هذا الصنف إلى أربعة:

1- معنى المثال شديد الغموض لبعد العلاقة بين صورة الخطاب ومضمونه، وهذا المعنى لا يصل إليه إلا الراسخون في العلم ولا يجوز اطلاع العامة عليه.

2- معنى المثال في المتناول يعلم بيسر وسهولة لقرب المسافة بينه وبين صورة الخطاب، وهذا النوع من المعاني يعلمه الكل ومن المباح اطلاع العامة عليه.

3- معرفة صورة الخطاب على أنه مثال بسهولة ولكن معناه لا يتوصل إليه إلا بمشقة، والمقصود بهذا النوع تحريك العقول وحفز الهمم، حتى تقبل على التدبر والاعتبار والنظر والتفكر والتعقل، وهو خاص بالقلة من أصحاب الفطر الفائقة.

4- معرفة صورة الخطاب على أنه مثال هو أمر على غاية من الصعوبة، ولكن إدراك معناه سهل المنال إذا ظهر مثاله ظهر معناه.

التأويل الصحيح عند فيلسوف ابن رشد هو البرهان، وهو "الأمانة التي حملها الإنسان فأبى أن يحملها وأشفق منها جميع الموجودات"[17]. ومن حرف الشريعة بتأويل فاسد لا يكون ظاهرا بنفسه أو أظهر منها للجميع، فقد أوقع الناس في البدع والتباغض والتكفير والحروب ومزق الشرع وعطل أركانه.

لكن كيف ميز ابن رشد بين تأويلات صحيحة وتأويلات فاسدة؟

 يتبنى ابن رشد التصور العام الذي يطرح العالم بكل مكوناته بوصفه دلالات وعلامات على حكمة الصانع وقدرة الخالق وعلمه، ويردم الفجوة بين الحكمة والشريعة، ويسند للفلسفة مهمة فك رموز هذا العالم بالبرهان؛ فالمعرفة الفلسفية هي تأمل آيات العالم بالبرهان، وهي طريق الإيمان اليقيني الذي لا يحصل عليه إلا الراسخون في العلم.

وواضح أن أهل التأويل هم أهل الحكمة، وأن التأويل هو البرهان الفلسفي ومهمته التعرف على مقصد الشرع، لذلك يقول ابن رشد: "وينبغي أن تعلم أن مقصود الشرع، إنما هو تعليم العلم الحق والعمل الحق. والعلم الحق هو معرفة الله - تبارك وتعالى - وسائر الموجودات على ماهي عليه وبخاصة الشريفة منها، ومعرفة السعادة الأخروية والشقاء الأخروي. والعمل الحق هو امتثال الأفعال التي تفيد السعادة وتجنب الأفعال التي تفيد الشقاء والمعرفة بهذه الأفعال هي التي تسمى العلم العملي".[18]

ولا يعتبر ابن رشد التأويلات الجمهورية تأويلات فاسدة، بل يراها مناسبة للملكات الإدراكية للعامة، بينما الخاصة ينبغي عليهم أن يدركوا الحقائق بالبرهان، إذ يصرح في هذا السياق: "وبالجملة فكل ما يتطرق له من هذه تأويل لا يدرك إلا بالبرهان، ففرض الخواص فيه هو ذلك التأويل وفرض الجمهور هو حملها على ظاهرها في الوجهين معا أعني في التصور والتصديق، إذ كان ليس في طباعهم أكثر من ذلك..."[19]

ويربط ابن رشد التأويل بفضيلة العدل في التطبيق؛ لأن أي إخلال بشروط التأويل يؤدي إلى الكفر والصد عن الشرع، إذ يقول: "وأما من كان من غير أهل العلم، فالواجب عليه حملها على ظاهرها وتأويلها في حقه كفر لأنه يؤدي إلى الكفر[20].

ولذلك، نرى أن من كان الناس فرضه الإيمان بالظاهر، فالتأويل في حقه كفر لأنه يؤدي إلى الكفر؛ فمن أفشاه له من أهل التأويل، فقد دعاه إلى الكفر والداعي إلى الكفر كافر...)".[21]

ويقسم ابن رشد الناس إلى ثلاثة:

- قوم تطرقوا إلى ثلب الحكمة، وهم الجاحدون من الفقهاء.

- قوم تطرقوا إلى ثلب الشريعة، وهم المارقون من الدهريين.

- قوم جمعوا بين الحكمة والشريعة، وهو منهم، وهم الفلاسفة المؤمنون على الحقيقة[22].

ويرى وجود ثلاثة احتمالات عندما يؤول البرهان الشرع:

- احتمال أول هو أن يصل البرهان إلى حقائق سكت عنها الشرع، وهنا ليس ثمة مشكلة، باعتبار أن البرهان يكمل الشرع في المجالات التي لم يتطرق إليها.

- احتمال ثاني هو أن يصل البرهان إلى نفس الحقائق التي كان الشرع قد دعا إليها، وهنا ليس ثمة مشكلة، باعتبار أنهما متطابقان متفقان.

- احتمال ثالث هو أن يتناقض ما يتوصل إليه البرهان مع ما دل عليه الشرع في بادئ الرأي، وهنا مشكل لابد من مواجهته والحل هو ضرورة التأويل لإزالة التناقض بين ظاهر الشرع وحقائق البرهان، وذلك تصديقا لمبدأ (عدم مخالفة الحق للحق)[23] وعدم مخالفة قوانين اللغة العربية في إفادة المعنى وبناء الدلالة.

ويعترف ابن رشد باختلاف التأويلات وبإمكانية وقوع المؤول المجتهد في الخطأ، ويرى ضرورة التساهل معه لكونه بذل جهدا وحاول الابتعاد قدر الإمكان عن الوقوع في الزلل، ويقول في هذه النقطة: "ويشبه أن يكون المخطئ في هذه المسألة من العلماء معذورا والمصيب مشكورا أو مأجورا...[24]"

خلاصة:

إن ابن رشد قام بعملية تأويلية لكل النصوص الدينية، وتوسل في تحقيق هذه القراءة بأمور عدة نذكر منها:

- محاولة إبطال المناهج التي اعتمد عليها المتكلمون (والغزالي واحد منهم) المخالفون للفلسفة، ومعارضة مناهجهم بمناهج يزعم أنه أخذها من القرآن الكريم.

- محاولة التوفيق بين الشريعة والحكمة في الآراء التي يخالف فيها الفيلسوف الشريعة فيها، كالقول بنفي حشر الأجساد وغيرها، وذلك يكون بإعادة التأويل: إعادة تأويل الشريعة لتوافق الحكمة أو إعادة تأويل الرأي الفلسفي ليقترب من الشريعة.

- ينطلق ابن رشد من قناعته: بأن هناك أمورا في الشريعة تخالف البراهين، وأن منفعة الجمهور بالإبقاء على هذه النصوص كما هي بلا تأويل، ليناظر الغزالي ومن خلاله باقي المتكلمين المدافعين عن مبادئ الشريعة، لذلك ليس من الغريب أن يعتبرهم مخالفين للحكمة القطعية عنده، وأن يحكم عليهم بأنهم أدوا إلى فساد الجمهور باطلاعهم على الحكمة، أو إلى مناقضة الحكمة إن نقضوا بعض ما فيها من مخالفات للشريعة.

 هذه بصورة عامة المبادئ والأسس التي اجتهد ابن رشد في إرسائها وتدعيمها، لكن ابن رشد لم يضع الأسس والمبادئ فحسب، بل قدم لها تطبيقا على قضايا أثارها الغزالي في هجومه على الفلسفة، وهي القضايا الثلاث المعروفة التي كفر فيها الغزالي الفلاسفة، وبين في مناقشته لهذه القضايا دور كل من التأويل ومقصد الشارع في الفهم الصحيح لها.

[1] ابن رشد، فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تحقيق: د محمد عبد الواحد العسري، مركز دراسات الوحدة العربية لبنان، 1999، ص 39

[2] ابن رشد، تهافت التهافت، تحقيق: د محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية لبنان، 2001، ص 65

[3] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق مصطفى حنفي، مركز دراسات الوحدة العربية لبنان، 2001، ص 150

[4] المصدر نفسه.

[5] المصدر نفسه.

[6] ابن رشد، تهافت التهافت، مرجع سابق، ص 396

[7] محمد سعيد زكري، ابن رشد والكلامية الجديدة دراسة في المنهج الرشدي، المكتبة الرقمية وجدة (2016)، ص 43

[8] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، مرجع سابق، ص 99

[9] ابن رشد، فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، مرجع سابق، ص 45

[10] ابن رشد، تلخيص كتاب العبارة، تح: محمود قاسم، الهيئة المصرية العامة للكتاب والمركز الأمريكي للبحوث مصر، 1981، ص 28

[11] إدريس حمادي، إصلاح الفكر الديني من منظور ابن رشد، المركز الثقافي العربي، 2007، ط1، ص 86

[12] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، مرجع سابق، ص 150

[13] ابن رشد، نفسه، ص 150

[14] نفسه.

[15] نفسه، ص 205

[16] محمد سعيد زكري، الشرح الإشاري عند أحمد ابن اعجيبة دراسة وصفية للمصادر والأسس النظرية والمنهجية، المكتبة الرقمية وجدة (2016)، ص 148

[17] ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، مرجع سابق، ص 150

[18] ابن رشد، فصل المقال، مرجع سابق، ص 44

[19] نفسه، ص 47

[20] ابن رشد، فصل المقال، ص 42

[21] المصدر نفسه، ص 42

[22] المصدر نفسه.

[23] محمد سعيد زكري، ابن رشد والكلامية الجديدة، مرجع سابق، ص 43

[24] حمادي العبيدي (1991) ابن رشد وعلوم الشريعة، مؤسسة المعارف للطباعة والنشرـ بيروت، لبنان 2000، ص 130