صادق بلعيد: الشريعة القرآنية والشريعة الإسلامية: القراءة الأفقية للتراث

فئة :  حوارات

صادق بلعيد: الشريعة القرآنية والشريعة الإسلامية: القراءة الأفقية للتراث

حوار صادق بلعيد

الشريعة القرآنية والشريعة الإسلامية: القراءة الأفقية للتراث


الجزء الأول:

الشريعة القرآنية والشريعة الإسلامية: القراءة الأفقية للتراث

د. نادر الحمامي: سعداء جدًّا بهذا الحوار الجديد، باستقبال العميد صادق بلعيد، الأستاذ المتميز بجامعة تونس، وعميد كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية، وأستاذ زائر بعديد الجامعات الغربية والعربية، ومنها؛ جامعة جونس هوبكنز، وجامعة برنستون بالولايات المتحدة الأمريكية، والجامعة البريطانية (l'université de l'Essex). وعدد من الجامعات الفرنسية، مثل؛ جامعة مرسيليا الثالثة (l’université Aix-Marseille III)، وتولوز، ونيس وباربينيون. وكذلك، بعض الجامعات العربية، مثل؛ جامعة الكويت، وجامعة المغرب، والجزائر، وإلى غير ذلك. الأستاذ العميد صادق بلعيد له عدد من المؤلفات في القانون، ولكن ما كتبه يتجاوز البعد القانوني المتعارف عليه، إلى النظر في عمق القانون، وجذوره، وأصوله الفلسفية والإبستمولوجية. من هنا، كان بحثه في سلطة القاضي الإبداعية والحكمية، وهذا الموضوع كان مدار بحثه الأساسي المنشور سنة 1974م (Essai sur le pouvoir créateur et normatif du juge, éd. Librairie générale de droit et de jurisprudence, Paris, 1974) بالإضافة إلى كتاب مهم صدر سنة 2000م، حول القرآن والتشريع، وهو؛ قراءة جديدة فيما يسمى (آيات الأحكام)، وقد قام بترجمته بنفسه لاحقًا، تحت عنوان: "Islam et droit: une nouvelle lecture des (versets prescriptifs) du Coran éd. Centre de publication universitaire, Tunis, 200".

ونحن سعداء لقبول العميد صادق بلعيد الحوار معنا، في إطار هذه السلسلة من الحوارات التي تجريها "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث مع عدد من الأساتذة والباحثين المرموقين.

أستاذ صادق بلعيد: مرحبًا بك، وشكرًا لقبولك هذا الحوار

د. صادق بلعيد: شكرًا على هذه الاستضافة، وعلى هذا التقديم، وأنا مسرور بأن أتواجد اليوم في هذه المؤسسة البحثية العريقة، والتي، حسبما قرأت ولاحظت، تقوم بنشاط علمي مكثف، وله قيمة علمية كبيرة، وبالأخص، هذا النشاط الذي لا يكتفي بفتح نوافذ على التفكير؛ وإنما يفتح الأبواب أيضًا.

وأنا أبارك هذا العمل، وهذا الاتجاه، وهذا الاختيار، وسعيد بالمساهمة في نشاطاتكم العلمية هذه.

لقد بدأت حياتي المهنية بالتخصص في القانون، لكن الأصل، دائمًا، يغلب الصنعة، والأصل؛ أنني عندما كنت تلميذًا كنت أهتم بالآداب والأدبيات أكثر من القانون؛ حيث درست في الصادقية في قسم الأدبيات الكلاسيكية، فاطّلعت على الآداب اليونانية واللاتينية والفرنسية، وبقيت على ذلك التفكير والتساؤل، حيث لم يكن القانون، بعد ذلك، مجال اختصاص فحسب؛ بل كان منطلقًا للبحث في المجالات الفكرية التي تتجاوزه، من هنا، جاء الكتاب الذي تفضلت بذكره، وهو (القرآن والتشريع). فما يهمني، بالأساس، هو؛ البحث في مدى إمكان القول بوجود تشريع إسلامي أو تشريع قرآني، وحتى في هذا الاختيار، تساءلت عن مدى إمكان القول بحقيقة قرآنية هذا التشريع.

د. نادر الحمامي: الأستاذ العميد، اسمح لي أن أعبر عن امتناني لهذه الشهادة حول ما نقوم به من أعمال، ولقد مهّدت لي الطريق بذكر التمييز الذي تضعه في كتابك (القرآن والتشريع)، بين ما أسميته (الشريعة القرآنية)، وما أسميته (الشريعة الإسلامية)، وربما ينتمي هذا التمييز إلى تيار كامل في مراجعة الفكر الديني الإسلامي، بصفة عامة، وقد توصلتَ من خلاله إلى أن الشريعة الإسلامية: هي العمل الفقهي الذي قام به الفقهاء في التاريخ. وأن الشريعة القرآنية: هي التي ترتبط بالوحي الإلهي. لنبدأ بذلك، فتبيّن لنا هذا التمييز الذي أقمته.

د. صادق بلعيد: نعم، في الحقيقة، ما هو معروف ومتداول ومقبول ومحل إجماع الفقهاء القدامى، وترسانة كبيرة من المتخصّصين، منذ العقود الأولى من الرسالة إلى اليوم، هو؛ ما نسميه تشريعًا إسلاميًّا، وهو يكتسي شرعية كبرى لا مساس بها، ولا قدح يُقبل فيها، في نظرهم، بحكم أنها مستفادة من القرآن الكريم الذي هو كتاب الله. وبالتالي، أُسدلت على التشريع الإسلامي قداسة الكتاب، وهذا ما يعبر عنه بكلمة (الشريعة)، والتي هي؛ قرآن، وسنة، واجتهاد بشري. فالقرآن؛ وحي إلهي. والسنة؛ عمل إنسان متميز، هو الرسول. والاجتهاد؛ هو عمل إنسان عادي. وما وقع، هو اعتبار أن قداسة القرآن تنسحب على السنة، ومن ثم، تنسحب حتى على العمل البشري المتمثل في الإجماع، وأصبحنا، بالتالي، مرتبطين أو مكبّلين بهذه المنظومة. وعندما بدأت بدراسة هذا الموضوع؛ التشريع في العالم الإسلامي، وبالخصوص التشريع الصادر مباشرة من القرآن الكريم، تعرّضت إلى شيء غريب، وهو؛ أن ما جاء في القرآن من (تشريع) ما هو إلا قليل، وقدّرته إحصائيًّا بـ (2.7 %) من مجموع الآيات القرآنية.

د. نادر الحمامي: وكنتَ قد استندت، بالأساس، إلى "أحكام القرآن" لابن عربي، وكذلك، إلى الدّراسات الحديثة، وخاصة، أطروحة الأستاذة نايلة السليني.

د. صادق بلعيد: نعم، فقد استندت إلى ما كان موسّعًا كثيرًا، وإلى ما كان مختصرًا كثيرًا. وبصفة عامة، ما يسميه الفقهاء بـ (التشريع القرآني): هو شيء طفيف كميًّا، ثم هو عرضي؛ فأكثر الآيات الحُكمية والتشريعية في القرآن، جاءت لسبب أو مناسبة، ولم يشرّع القرآن للمسلمين في الكبيرة والصغيرة، ولكن جاءت صدف ومناسبات، استدعت التشريع، كأن يقول القرآن الكريم: {يسألونك}. فالآيات القرآنية في أكثرها نزلت في أسباب، وهذا ينطبق، بالضرورة، على الآيات الحكمية؛ فلا نجد تشريعًا كاملًا في القرآن الكريم، على خلاف ما يدعيه الفقهاء. وعندما ننظر في القرآن، ونقارن بين ما نسميه التشريع، وما نسميه الاحكام القرآنية البحتة، نجد شيئًا يستغرب منه الفكر، وأستغرب أن الفقهاء لم يتوقفوا عنده، وهو: أن في كل الأحكام التشريعية، التي جاءت في القرآن، نجد منظومة لا يمكن إلا لله سبحانه وتعالى أن يضعها تشريعًا؛ ففي القرآن الكريم، دائمًا، نجد الآية التي تُصدر الحكم، ثم يأتي القرآن، فيقول: {إلا الذين}؛ حيث إن الكتاب أتى بحكم، وإلى جانبه دائمًا استثناء، ولنأخذ مادة التشريع التي فيها الحكمية كبيرة جدًّا، وهي (المعاملات)، وبالأخص الأحكام الجنائية، وفيها آية تتكلم عن الحدود، والحدود هي؛ أربعة، وما بقي فهو؛ تعزير. وعندما نأتي إلى هذا الباب، في حادثة وردت في القرآن حول الحرابة، والحرابة: هي السرقة المنظمة، ووقع فيها حكم في هذه الآية من سورة المائدة: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34)}. وفي الآية تخيير (أو)؛ أي إمّا أن تفعل كذا أو كذا، بخلاف ما فعل الرسول في زمن غضب على أولئك المجرمين، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نُبذوا في الشمس حتى ماتوا. فجاء القرآن وقال (إنما)، ثم أضاف (أو)، وجاء هذا من بعد التشريع فيما يخص السرقة، والزنى، وغير ذلك، وأتصوّر أن في ذلك الزمن، كان الصحابة والمقرّبون يناقشون ما نزل من وحي على الرسول، فاحتاروا كيف يأتي النص بهذا الاستثناء، الذي يقول: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا....}، فهل يستقيم المجتمع بمجرد التوبة؟ وهل يبطل الحكم بذلك؟ وربما كان هناك ردّ من الرسول تُرجم في النص القرآني بهذه الآية الكريمة: أن مغفرة الله؛ هي التي تتفوّق على الأحكام: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وبذلك، يتدخل الله تعالى في طبيعة التشريع القرآني.

د. نادر الحمامي: إذن، فمسألة السياق تصبح مهمة جدًّا في فهم آيات الأحكام؟

د. صادق بلعيد: توجد ثغرة الكبيرة بين ما نسميه التشريع الإسلامي، الذي هو: تشريع أفقي بين الإنسان والإنسان. وما نسميه التشريع القرآني، الذي هو: تشريع عمودي بين العبد وموالاه. فإذا ارتكب الإنسان جريمة ما، فإن الله قد يغفر له إن تاب، وهذا يجعل من عملية التشريع القرآني صعبة التحقق في الواقع؛ حيث لا يمكن أن نقول: إن التشريع القرآني، يمكن أن يطبّق مباشرة، أو أن يشرّع ويقنن في قانون المعاملات الحالية؛ لأنه قابل، دائمًا، لتدخّل مغفرة الله، التي لا يدرك الإنسان حدودها ولا نهايتها.

د. نادر الحمامي: أستاذ صادق، ما تقوله مهم، ويطرح أسئلة كثيرة، واسمح لي بنوع من النقاش؛ أوّلًا: إذا وضعنا مثل هذه الآيات (آية الحرابة)، فيما يسمى بالسياق التاريخي، فهل لنا دلائل على أن النبي هو من فعل ذلك؟ أليس الفقهاء في إطار تشديد الحد هم الذين نسبوا مثل هذا العمل إليه؟ خاصة، وقد طرح الفقهاء سياجًا نظريًّا ومؤسساتيًّا، ربما نعلمه جميعًا، في علوم القرآن وحتى في الفقه، وهو ما يسمى (خصوص اللفظ وعموم السبب)، وهذا معلوم. ثانيًا: إذا اعتبرنا أن النص القرآني؛ هو الكلمة الإلهية، فهل يمكن للمسلم المعاصر اليوم أن يصل من خلال هذا النص القرآني؛ أي اللغة في نهاية المطاف، إلى بلوغ المعنى الإلهي، ليضع هذا النص في سياقه؟ هناك مجموعة كبيرة من الأسئلة، وعلى الرغم من أهمية ما تطرحه، وانسجامه الفكري، وبحثه عن حلٍّ لإشكاليات راهنة؛ فإن هذه القضايا يمكن أن تُطرح من زوايا أخرى.

د. صادق بلعيد: نحن نناقش تراثنا، ولا نناقش القرآن الكريم بحد ذاته، وهذا التراث نأخذه عن أصحابه، ونترك لهم مسؤوليتهم فيه. رجوعًا إلى مسألة حد الحرابة تحديدًا، ونحن انطلقنا منها باعتبارها مجرّد مثال، فما وقع حقيقة في هذه المسألة من شدة العقاب الذي سطّره الرسول، والذي أنّبه عليه القرآن الكريم بقوله {إنّما}، بمعنى؛ أن ما فعلته غير عادل، وهذه الحادثة لم أصفها من مخيلتي؛ وإنما وجدت وصْفها لدى الفقهاء، وفي قول الشافعي مثلًا، في كتاب (الأم)، وهو وغيره من الفقهاء، ذكروا حادثة وقع فيها التساؤل حول تطبيق هذه الآية، عندما وقعت سرقة منظمة بين جماعة، وقبض على هؤلاء الناس إلا أنهم تابوا قبل ذلك، فجاؤوا أمام علي، وقالوا: ''نحن نطالب بأن يطبّق علينا ما جاء به القرآن الكريم'' متعلّلين بتوبتهم، فقال علي: إنهم تابوا، فلا نؤاخذهم على فعلهم. ومسؤولية الفقهاء أنهم جعلوا من التفسير الذي أتوا به مطلقًا بإطلاق النص، في حين، أن هذه الآية أصبحت غير ذات معنى، ولا مفعول لها تشريعيًّا، وحين ننظر إلى مثل هذه المقارنات، في مناسبات عديدة؛ نجد هذا التناقض بين ما سنه الفقهاء، وبين ما جاء به القرآن الكريم بالأساس.

وفي الحقيقة، عندما ننظر بصفة إنسانية؛ نجد أن الفقهاء قاموا، لمدة طويلة، بدور حراس المعبد (سدنة الهيكل)، وجعلوا من التشريع بصفة عامة، ومن التشريع في المادة الجنائية بصفة خاصة، مسألة تكونت فيها عادات، وتفكير، وتوجهات، كانت حقيقة متصلّبة وخشنة.

لنأخذ مثالًا من ميدان آخر من العبادات، وهو؛ صوم رمضان، الذي جاءت فيه آيات في سورة البقرة، تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة/ 183 - 184]. فعندما نحلل النص؛ نجد هذه التفرقة بين المبدأ والاستثناء، المبدأ، يقول: ''كتب عليكم الصيام''، والاستثناء، بعد ذلك، يقول: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ}.

د. نادر الحمامي: ونعلم التفسير الغريب للفظ ''يطيقونه''؛ فالطبري، يقول في تفسيره: إن الذين يطيقونه؛ أي الذين ''لا يطيقونه''.

د. صادق بلعيد: وهنا، يصبح الاستثناء كأنه رفَعَ المبدأ، فعلى الإنسان أن يسأل ضميره، ويقول: ''هل أنا قادر على أداء هذا الفرض أم لا؟'' فإذا حكم بأنه ليس قادرًا على ذلك، فلا يقوم به. يعني ذلك؛ أن المسألة تصبح فردية وذاتية، والقرآن الكريم في هذه الآية، وضع مبدأ حرية الاختيار للضمير البشري، لكل واحد منا، لكن جاء الفقهاء، وقالوا: إن هناك الآية الأخيرة، وهي تبطل الاستثناء، وهي الآية التي تقول: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة/186]، وهي الآية التي أتت، كما أكّدوا ذلك، لنسخ ما سبق.

د. نادر الحمامي: ذلك اعتمادًا على النسخ، ولكن حتى الآيات الأولى للصيام، تنتهي بجملة واضحة، لا أدري لماذا لم يهتم بها الفقهاء، وهي: {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ}؛ فالمسألة فيها خيار.

د. صادق بلعيد: الله تعالى لم يفرض عليك؛ بل أوصاك بأن...، فلماذا يوصينا بأمر ما، إذا كان فرضًا مائة بالمائة؟ لذلك أخلص من هذه الأمثلة كلها، إلى القول: إن النظرة في الشريعة، جاءت بغير ما كان واقعًا في الكتاب الكريم.

د. نادر الحمامي: ما تفضلت به، إلى الآن، يعتبر بمثابة النظرة الأفقية إلى هذا الموروث الفقهي القانوني، لكن أنت في ختام كتابك (القرآن والتشريع) كتبت الخاتمة معلنة عن مشروع، يتجاوز هذه القراءة الأفقية للتراث الفقهي إلى ما أسميته قراءة عمودية، وهي؛ قراءة إبيستمولوجية، تسعى إلى النظر في فلسفة الفكر المنتج للوضع القانوني الفقهي، وهو إعلان عن مشروع.

وفي نهاية هذا الجزء الأول من حوارنا؛ أود أن أتساءل عن طبيعة تلك القراءة العمودية، وبالخصوص، أطرح التساؤل الآتي: ألم يئن الوقت للقيام بمثل هذه الدراسة العمودية التي تحفر في مستوى إبستمية الفكر المنتج للوضع القانوني الفقهي في الفكر الإسلامي بصفة عامة؟

 

الجزء الثاني:

إبستمولوجيا قراءة التراث: القراءة العمودية للتراث:

د. نادر الحمامي: نستأنف حوارنا مع الأستاذ العميد صادق بلعيد، حول المسائل التي طرحها في أبحاثه ودراساته، وقد انطلقنا من العلاقة بين القرآن والتشريع، الموضوع الذي كان محور كتاب صدر منذ ستة عشر عامًا تقريبًا، ولكنه لم يفقد راهنيته، بحكم عديد الظروف التي تحيط بنا في المسائل التشريعية في المجتمعات العربية والإسلامية، على وجه الخصوص.

وقد مثّل الكتاب نظرة أفقية، كما سمّاها، معلنًا عن مشروع قراءة عمودية فلسفية عميقة. بودّي أن أسأله، الآن، حول مضامين هذه القراءة لذلك الموروث، ومدى حاجتنا لذلك اليوم؟

د. صادق بلعيد: هنا، نمرّ من التشريع العملي الواقعي إلى مستوى من التفكير أعلى من العوارض، وفي الحقيقة كما تفضلتم، فقد وضعتُ رسالة في آخر فقرة من الكتاب، أخذت فيها عهدًا على نفسي، بأن أقوم بهذا العمل؛ الذي يتمثّل في المرور من النظرة الأفقية إلى النظرة العمودية، وأسأل الله أن يعطيني من الصحة والعمر ما يكفي لأقوم بهذه المهمّة، التي تشغلني يوميًّا؛ فالإشكالية التي علينا أن نتعرّض إليها، تتلخص في هذه العبارة ''الإبستمولوجيا''، وكما يعلم الجميع، الإبستمولوجيا: هي وصف الطريقة البحثية من ناحية صحّتها العلمية، وتقدير النتائج التي توصلت إليها بفضل تلك الآليات والوسائل، وهذا عمل أساسي؛ لأنه لا يكفي أن نفكّر في هذه المسائل، فما نفكر فيه يجب أن يقودنا إلى نتائج واقعية وعملية، بالخصوص في ميدان التشريع؛ فالمسألة ليست نظرية بحتة، وإلى جانب أنها نظرية، هي، في آن واحد، عملية. وهنا، السؤال الذي أطرحه على نفسي، وأظن أنه مطروح على كل الباحثين والجامعيين في البلاد العربية والإسلامية؛ فنحن أمام تراث لا يمكن أن نتناساه، ولكن من الضروري أن نأخذ إزاءه بعض البعد، وأعتقد أن هذا التّباعد عن التراث ضروري؛ لأنه لم يعد صالحًا اليوم لتدبير المشاكل، والمصالح، ولتدبير المدينة. والسؤال الذي أطرحه على نفسي، هو: ماذا أعيب على التراث حتى أقول: يجب علي أن آتي بإبيستمولوجيا جديدة؟ وهذه هي الإشكالية. ربّما أرى من الواجب أن ندخل فاعلًا مهمًّا جدًّا في تمشي التفكير، هو؛ البعد المقارني في المشاكل التي نريد أن نبحث فيها، وهو بعد أساسي جدًّا؛ لأنه يعطينا فكرة عمّا كان فكّر فيه غيرنا، فنعرف مزاياه وحدوده، وعندما نقربه مما نحن بصدد التعامل معه من تراثنا، ربما نكتشف بعض نقاط التقارب في المزايا في هذه المنظومة، كما يمكن أن نكتشف أيضًا، بعض نقاط الضعف. لذلك أقول: إن الدراسات المقارنة شيء أساسي لتنشيط الفكر النقدي في البحث.

د. نادر الحمامي: نعلم جيدًا في الأطر الجامعية والأكاديمية والبحثية الجادة، وفي أطر المجموعة العلمية؛ أن البحث المقارني مهم، سواء كان في مجال بحث الأديان، أو التاريخ، أو الأفكار، أو غير ذلك. ولكن، هنالك الجهة المقابلة التي تعارض البحث المقارني إبستمولوجيا، اعتمادًا على أنه ينفي، في كثير من الأحيان، خصوصيات بعض المجتمعات، وهو ما يطرح مسألة الخصوصية والكونية وغيرها من الإشكاليات، التي ربما يتخلى عنها هذا النوع من البحث المقارني؛ كيف يمكن تجاوز هذا الإشكال خاصة في المجال التشريعي؟

د. صادق بلعيد: فعلًا، هي إشكالية عويصة جدًّا بالنسبة إلى من يبحث في تراثنا التشريعي، وفي المنظومات القانونية والتشريعية في حضارات أخرى، ولكن الأسلوب المقارن، يُمَكننا من العثور على بيت القصيد، بمعنى؛ تحقيق الغاية. نبدأ بالتراث الفقهي المعهود عندنا؛ فهو مبني على فكرة العقيدة، فإن قبلت فكرة العقيدة، فيمكن النقاش معك والكلام، وإن شككت في هذه الركيزة، فلا كلام معك ولا نقاش. وأذكر في هذا السياق (على سبيل التندّر)، محاورة مقتضبة كانت لي مع أحد زملائنا الجامعيين، الذي طرحت عليه هذه الفكرة، فأجابني بكل صرامة، قائلًا: ''هل تشكك في العقيدة، أم أنك تعمل على أساسها؟ فإن كنت تشكك فيها، فأنا لا أخاطبك، ولا أتكلم معك، وإن قبلت بأن العقيدة تجمعنا، فأنا أقبل التحاور معك في شأنها''. وهكذا، تم تسطير الدائرة المغلقة، وهذا عين ما حدث في المأثور الفقهي الإسلامي، فبعد مدة لا تتجاوز العقدين أو الثلاثة بعد انتهاء الوحي، تشعبت المسائل بالفتوحات، ودخلت أجناس أخرى إلى الإسلام، ولكن وقع، في آن واحد، تصلّب كبير حكمت به السياسة، وكان على عاتق من يمسك بالحكم، تجميع تلك الشعوب المختلفة والمتضاربة حول كلمة واحدة؛ هي القرآن، وحول حكم واحد؛ هو الخلافة، ولم يكن على استعداد لقبول أي طعن في شيء من هذين المبدأين. وانطلاقًا من ذلك الزمن؛ تراكمت الأبحاث والمجهودات العلمية، ولكن في الاتجاه نفسه؛ أي اتجاه الانغلاق والانكماش على هاتين النقطتين، دون أشكال السلطة الأخرى، وهذا تواصل إلى حد أنه عندما أحس أصحاب السلطة بأنهم في خطر، بسبب نشاط الآراء والأفكار، فما كان منهم إلا أن حكموا بإغلاق باب الاجتهاد.

د. نادر الحمامي: وأنا أذكر، مثلًا، الاعتقاد القادري في هذا المجال؛ فالاعتقاد القادري أغلق كل أبواب الاجتهاد، وأصبح محض الإيمان هو كذا وكذا...، وحتى لا أنسى الخيط الناظم، وهو؛ المسألة المقارنية، ألا يمكن، مثلًا، أن نقارن الاعتقاد القادري بما حصل في مجمع نيقية[1]؟

د. صادق بلعيد: نعم، هذا ما حصل. عندما ينظر الباحث في التاريخ؛ ففي الكثير من المناسبات والمواقف، نجد أن ما حصل في التفكير العربي الإسلامي، هو نسخة قريبة ربما أو بعيدة، عما حصل من تقلبات وتطورات فكرية في المسيحية، وحتى في اليهودية؛ فعندما ننظر إلى التاريخ بنوع من التفصيل للفترات التاريخية، يمكن أن نقول: إن ما حصل من علاقات بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، هو نوع من المحاكاة (mimétisme) التي نجدها اليوم في العلاقات بين عالمنا المعاصر الإسلامي، والعالم المعاصر الأوروبي، فما يقوم به الأوروبيون نعتبره مهمًّا في بلادنا، ونعتبر أنه يعبّر عن تقدم كبير، وأن علينا أن نمتثل به، فإن قاموا بتعرية نسائهم عرينا نساءنا، وإن قاموا بشيء قمنا بمحاكاتهم فيه.

د. نادر الحمامي: نحن الآن في صلب هذه القراءة العمودية، ألا تعتبر هذه المحاكاة من بين الأسباب التي جعلت المجتمعات العربية والإسلامية، لا تنتج إصلاحًا ذاتيًّا، وحين لا ينتج مجتمع ما إصلاحًا نابعًا من ذاته؛ فإما أن يقوم بالرفض المطلق للغير، أو محاكاته محاكاة مطلقة، وبالتالي، لا ينتج إصلاحه بذاته، فيؤدّي ذلك إلى قصور وعدم نهضة حقيقية.

د. صادق بلعيد: حتى نتبع التسلسل التاريخي، لنلاحظ أن ما حدث في تاريخ الفكر الإسلامي منذ ثلاثة عشر قرنًا تقريبًا، هو، تمامًا، ما حصل قبلنا في العالم المسيحي، وتأزمت تلك الوضعية المنكمشة والمغلقة على نفسها، حتى وقع نوع من الانفجار في المنظومة الدّينية، والفكرية، والمجتمعية، والسياسية، وكما نعلم، الفترة الفاصلة؛ هي من بداية القرن السادس عشر إلى حدود القرن التاسع عشر؛ حيث وقع في تلك المرحلة الانفجار الثوري، وتلك الثورات الكبرى قامت بوضع التراث جانبًا مرة واحدة، فوقعت قفزة في مستوى المجتمع الغربي، بينما نحن في المجتمع العربي الإسلامي، لا نزال نتساءل، إلى حد اليوم، عن أوان تلك القفزة أو القطيعة لدينا، والقفزة، هنا، تساوي القطيعة، رغم ما يقوله علماء النفس، مثلًا، من أن الطفل يبقى دائمًا متعلقًا برحم أمّه. أعتقد أننا قد أضعنا فرصة تحقيق تلك القطيعة في القرن التاسع عشر، عندما طفى على السطح سؤال النهضة، وكان أشبه بنوع من ''الحمى الفكرية'' التي أصابت بعض المفكرين الكلاسيكيين، لكن هؤلاء الناس، لم يتجرؤوا على طرح السؤال الآتي: ''هل لنا/علينا أن نتمسّك بهذا الموروث؟''، ولكنهم، في النهاية، قرروا عدم المساس بالموروث، واستقروا عند فكرة المحافظة على التراث، والاكتفاء بتطويره فحسب.

د. نادر الحمامي: في الحقيقة، لم تكن تلك الحركات الإصلاحية في القرن التاسع عشر سوى محاولات ترميقية، وحتى وإن كانت الأسئلة التي انطلقت منها حقيقية وضرورية؛ فإن الإجابات عنها لم تكن كذلك، فلو أخذنا مثال ابن أبي الضياف، في اهتمامه بأنظمة الحكم السياسي، وحديثه عن النظام الاستبدادي والملك الجمهوري، يسترعي انتباهنا؛ أنه حين يتحدث عن الحكم الجمهوري، يرى أنه لا يصلح للملة الإسلامية، نظرًا لقيامه على الانتخاب الحر المباشر. ويرى أن هذا ليس من قواعد المُلك. لقد كان واعيًا بالاستبداد، ولكن الحل الذي رآه كان ترميقيًّا، مما أدى إلى الفشل.

د. صادق بلعيد: هذا ما وقع فعلًا في المجال الدستوري السياسي. يقول كثيرون: إنهم يقبلون بالشورى، ولكن الشورى استشارية، فلم نخرج، حينئذ، من هذه الدّوامة، وعندما ننظر نظرة مقارنية إلى العالم الإسلامي في أزمته اليوم، وما حصل من تطوّر في العالم الغربي، نقول: (إن هؤلاء الناس، وإن تخلّوا عن سلطة التّراث؛ فإنهم جاؤوا بشيء جديد، وبنظرة جديدة من الناحية القانونية، والسياسية، والاجتماعية، والثقافية، ما بنوا عليه مجتمعهم اليوم). ولنأخذ مثالًا عن ذلك؛ فكرة الحرية، التي وصلت، إلى حد بعيد، من القوّة في معناها، وفي مضمونها، وفي محتواها، ونعرف أن هذا المفهوم يعتبر الأكبر قيمة في المنظومة السّياسية الغربية، وهو لم يأت إلّا ردًّا على منظومة الكبت التي عاش فيها المجتمع المسيحي الغربي لمدة قرون تحت هيمنة التفكير المسيحي اللّاهوتي؛ فقانون الملكية، على سبيل المثال، كان ردّ فعل على المآسي التي كان يعيشها الغرب نتيجة تعسّف السلطة السّياسية، والسلطة الكنسية في ذلك الوقت. وكل هاته المنظومة الغربية، بصفة عامة، لم تكن سوى رد فعل ورفض لما كان قبلها. في حين، نحن اليوم نقول: الإسلام عين الديمقراطية، والدّليل على ذلك: {أَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ}، والحال أن هذه الآية أتت لأسباب نزول معينة ومضبوطة، فلا يمكن، بالتالي، تمديدها إلى المستوى الفكري والسّياسي، حتى نستخرج منها منظومة كاملة، توازي الديمقراطية أو الحرية السياسية بمفهومها الغربي.

د. نادر الحمامي: فكرة الديمقراطية في المجتمعات الغربية متطوّرة، بشكل متواصل؛ لأن الديمقراطية التي أتت بهتلر، ليست نفسها الديمقراطية الأثينية، التي عاشت إلى منتصف القرن العشرين، والديمقراطية بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليست نفس الديمقراطية السابقة عن ذلك. أليس الإشكال، هنا، أن المصطلحات والمفاهيم في المجتمعات العربية ثابتة، ثبوت العقيدة؛ بمعنى أن العقيدة ثابتة، ولا يمكن أن تتغير في حين أن المصطلحات والمفاهيم متغيّرة، وليست ثابتة.

د. صادق بلعيد: شكليّة التفكير: هي، في الحقيقة، من جملة العيوب التي نراها في التمشي الفكري الإسلامي. فلا يكفي أن نقول: (إن الشورى باعتبار وجودها في القرآن)، وباعتبار أننا سنُعمل النص في الواقع، فنحن، إذن، ديمقراطيون؛ لأن تلك الديمقراطية لن تخرج عن مفهوم الاستشارة لأهل الحل والعقد. وهذا نجده في كثير من الميادين في التشريع والفقه الإسلامي، وإذا أردنا أن نقيّم إبستمولوجيّا ما وقع في الفكر الإسلامي، مقارنة بما جاء من تطوّر في الفكر الغربي، فإننا سنلاحظ نقطة يشترك فيها الشرق مع الغرب، وهي؛ مفهوم الأزمة الفكرية التي يعيشها المجتمع الغربي والمجتمع العربي الإسلامي؛ فالغرب يتساءل اليوم عن دور العقل؛ هل هو الركيزة الأساسية للتفكير؟ والتي يجب أن نعتمد عليها، كما يتساءل عن العدالة الاجتماعية؛ هل هي حقيقة نحن سائرون في اتجاهها؟ بمعنى أن هناك تساؤلات في الغرب تعود على ما كان ثوريًا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وإذا قارنا أنفسنا بذلك، سنعلم أن الفكر العربي الإسلامي في أزمة؛ لأننا لم نقم بعد بتلك الثورة التي قام بها المفكرون الغربيون؛ بل إننا ما نزال في الفترة ما قبل تلك الثورة، وما جاء به محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهما كان، مع الأسف، عملًا فاشلًا تمامًا؛ نظرًا لأنه رجع إلى الانغلاق تمامًا، وربما أدّى إلى عكس ما انطلق من أجله هؤلاء فكريًّا. فنحن في طور تأزّم، ويجب أن نقوم بالقفزة الأولى التي نحقق بها بعض البعد عن التراث، وأن نغربل ما هو موجود فيه، ثم أن ننتج أفكارًا تمكننا من التماشي مع معطيات القرن الواحد والعشرين والثاني والعشرين، فنحن بعيدون تمامًا عن ذلك في الوقت الحاضر. هذه المسألة تشغلنا في تونس، ونحن نشتغل عليها في إطار بيت الحكمة في قسم الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وعلى هذا الأساس، قرّرنا النظر في أزمة الفكر العربي الإسلامي المعاصر.

د. نادر الحمامي: سنتحاور في أزمة الفكر العربي الإسلامي المعاصر التي نعيشها ولا أحد ينكرها، ولكن سنرجئ الحديث بشأنها لاحقًا؛ لأنها نقطة مركزية وتتطلب، أولًا، التوصيف، ثم البحث في آليات التجاوز؛ أي لماذا لم يقدر هذا الفكر على تجاوز أزمته على الرغم من وعيه بها؟ وماذا علينا أن نفعل اليوم لتجاوز أزمة الفكر العربي المعاصر؟ سيكون هذا في إطار المحور الثالث من حوارنا معك أستاذ صادق.

 

الجزء الثالث:

أزمة الفكر العربي الإسلامي المعاصر:

د. نادر الحمامي: نجدد شكرنا للأستاذ العميد صادق بلعيد على قبوله الحوار معنا، لقد تطرقنا إلى جملة من القضايا المركزية المهمّة في الجزأين الأوّلين من هذا الحوار؛ حيث تحدثنا عن القراءة الأفقية للتراث الفقهي أولًا، لنتوجه، بعد ذلك، في الجزء الثاني إلى القراءة العمودية الإبستمولوجية للتراث، تلك القراءة التي أوصلتنا في آخر الجزء الثاني إلى الحديث عن أزمة الفكر العربي المعاصر الآن. ويعلم الباحثون في مسألة الأزمة أن هذا المفهوم طبّي في الحقيقة (crise)، وله علاقة بمسألة التشريح في الطب اليوناني القديم (Krisis)، بما يعنيه هذا من ضرورة تشريح الأزمة بمعنى توصيفها لمحاولة تجاوزها، وقد بين ذلك بالخصوص الفيلسوف إدغار موران (Edgar Morin)، وله مقال حول ''علم الأزمة'' (Pour une crisologie)، وهو علم لم نستطع الولوج إليه بصورة دقيقة، مما عمّق الأزمة التي يتواضع عليها الجميع في الفكر العربي المعاصر. هذه الأزمة من بين مشاغل الأستاذ صادق بلعيد؛ فهو يبحث فيها، ويحاول من خلالها النظر في هذا الفكر العربي الإسلامي المعاصر، وتشريحه، ووصف مظاهر الأزمة فيه، وذلك من أجل الوصول إلى مرحلة تجاوزها. فما هي مظاهر هذه الأزمة أستاذ صادق بلعيد؟

د. صادق بلعيد: في هذا التقديم حول مفهوم الأزمة (Crise)، والذي كان له، تاريخيًّا، بعد علمي طبي، ثم تفرّع إلى مجالات عديدة، حتى أصبح المفهوم شائعًا، وبدون مفهومٍ أصلًا. وبالرجوع إلى هذه المرجعية الطبية؛ فالطب يقول: عندما يذهب مريض ما إلى الطبيب، فعلى الطبيب أن يقوم بعملية الفحص (diagnostique)، وعادة ما يكتشف الطبيب الداء، وليس المريض؛ لأن المريض ينشغل بالأعراض، وما هو خارجي، ولا يستطيع تفسير علاقة ذلك بنوعية مرضه بالضرورة، في حين أن الطبيب يكتشف الداء بيسر؛ لأنه ينظر إلى ما وراء الأعراض. وهذا ما يقع فعلًا في المستوى العلمي الاجتماعي، إلّا أنه في كثير من الأحيان، لا توجد آليات دقيقة ناجعة للقيام بهذه العملية الوصفية للأعراض، ذلك أننا في المجتمع العربي الإسلامي نعيش في أزمة، ولكن الكثير منا ليس له وعي بهذه الأزمة، وغالبًا نجد من يقوم بالفحص، وتحليل الأعراض، ومن ثم الاستنتاج، طرف غير مختصّ؛ أي من ثقافة أخرى. وهكذا، فنحن المريض الغير واعي الذي يفحصه طبيب غير مختص بمرضه، وينتمي إلى مرجعيات فكرية مختلفة.

د. نادر الحمامي: نحن نتحدث عن أزمة فكر عربي؛ فالمسألة مرتبطة بالمفكرين، والمفكر: هو، نظريًا ومبدئيًا، سيكون الطبيب لأزمة هذا الفكر، ولكن ماذا تقول إذا كان الطبيب هو ذاته المريض؟ وهذا يعمق الأزمة أكثر.

د. صادق بلعيد: فعلًا، ما حدث في العالم العربي الإسلامي هو ما نعيشه، فنحن في حالة مرض بغير وعي، والأطبّاء منا هم أنفسهم في حالة مرض وأزمة. والمظاهر لذلك عديدة؛ فعندما ننظر إلى ما يحصل في العالم الغربي، نجد كثيرا من الفلاسفة يحدثون حركيّة في مجتمعاتهم، وذلك بالمشاركات الفكرية، والفلسفية، والحوارات، والنقاش في المسائل العامّة، بغض النظر عن قيمة الإنتاج الفلسفي الذي يقدّمونه. ومع الأسف، فالمشهد بعيد جدًّا عما يحدث في العالم العربي الإسلامي؛ حيث على من أراد أن يفكّر في قضايا الشأن العام، أو يناقش دوافعها ونتائجها، عليه أن يدخل في مسلك معيّن فكريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، ويجب عليه، حينئذ، أن يلبس لباسًا ثقافيًّا معينًا، وأن ينصهر في مسار سياسيّ بعينه، بحيث يجره هذا التيار من غير إمكانية للخروج منه. وإذا خرج، فإنه يصبح مارقًا أو مبتدعًا أو زنديقًا. هذا واقع في الميدان الفكري والسياسي والثقافي؛ فإذا انفرد أحد بتمثيلية خاصة ومنفردة يقع رفضه، تلك العلامة الأولى، أما العلامة الثانية، فهي الهروب؛ إذ يوجد في البلاد العربية الإسلامية مفكرون تجرؤوا على الخروج من هذا التيار النّمطي، وقرروا قول كلمتهم والإشارة إلى الأزمة، هؤلاء الناس، على خلاف ما يقع في العالم الغربي، يرمون بالاتّهامات، ويقع التضييق عليهم حتى يصل بهم الأمر إلى الخروج من بلدانهم، فالعالم العربي الإسلامي لا يحتفظ بقدراته الفكرية والإبداعية، كما هو واقع في العالم الغربي، ولعلّه يتشبّه في ذلك بدول أخرى متخلّفة؛ انظر ما حصل في روسيا الشيوعية مثلًا؛ فكثير من الكفاءات الكبيرة في ميدان الفكر، والأدب، والفنون، والثقافة قد هربت، ونعرف في الميدان الفني والثقافي القدرات الهائلة التي كانت تتوفر عليها أوروبا الشرقية عمومًا. هذا هو ما وقع ويقع في العالم العربي الإسلامي، ما يحرمه من كفاءات كبيرة يمكن أن تساهم في البناء الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، والفكري، ونحن نعلم ما حصل، مثلًا، لمفكر عربي مسلم مصري: هو نصر حامد أبو زيد الذي أجبر على الخروج من بلاده، وهاجر إلى هولندا. والأمثلة عديدة، فمن ناحية؛ النخبة قليلة في هذه البلاد، وهي، مع ذلك، ترزح تحت السطوة الدينية والسياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية؛ حيث إن تفتّق المهارات يصبح مستحيلًا أو شبه مستحيل. ومن ناحية ثانية؛ أضحى الهروب إلى الخارج ظاهرة تزيد في تعميق الأزمة، الأمر الذي يمكن أن نعيبه على هؤلاء المفكرين، فهل هم حقًّا على وعي بثقل المسؤولية الفكرية المنوطة بعهدتهم كمفكرين؟ وهل هم متحمسون للقيام بالإبداع الفكري مهما كان ثمن ذلك قصد الإتيان بما يبدّل هذه الأزمة التي نعيشها، أو يغيّرها، أو يطوّرها، أو يحسّنها؟ ومع الأسف، في كثير من الأحيان يحول العائق السياسي دون تحقق ذلك. أما العائق الآخر؛ فهو الحلقة المفرغة التي يعيش فيها العالم العربي، والتي يرى المفكر العربي الإسلامي بأن عليه أن يبقى داخلها، فلا يخترقها، ولا يخرج منها، وكل ما يمكن أن يأتي به؛ إنّما هو محاولات ترقيعية وترميقية لا غير. ثم إن هذا الفكر العربي الإسلامي المعاصر، إذا أراد الآن أن يتقدّم، فيجب أن يكون له أطر مناسبة لذلك؛ فالفكر يتطلب إطارًا يشجّعه على التطوّر، ويتطلب مؤسّسات. ومع كل الأسف، في بلادنا هذا الإطار غير موجود، والمفكر يُعتبر شيئًا ثانويًا، ونوعًا من الرّفاه الذي يمكن الاستغناء عنه؛ فإمّا أن ينضوي المفكر تحت راية معيّنة سياسية وفكرية فيُمجَّدُ، وإمّا تغلق دونه الأبواب والنوافذ، ونرى في كثير من الحالات الفردية هؤلاء الناس يعيشون في ضنك كبير وفي يأس وأزمة عميقَيْن.

د. نادر الحمامي: نجد في المجتمعات الغربية، أن السّياسي؛ هو من يصطف وراء المفكّر، في حين، نجد عكس ذلك في المجتمعات العربية؛ فالسّياسي: هو من يحدّد اتجاهات الفكر لا المفكر. وأذكر، ههنا، كتاب إدوارد سعيد حول المثقف، وهو يتحدث عن نوع من المعادلة؛ أي ما يسميه "المفكر خارج السلطة وهو من السّلطة"، بمعنى؛ أنه لا يستقيل من الشأن العام بوصوله إلى اليأس، ولكنه، مع ذلك، يبقى محافظًا على استقلاليته الفكرية. أظن أن هذه المعادلة صعبة؛ أي أن يكون المفكر غير مستقيل من الشأن العام السياسي والاجتماعي، ويكون في الآن نفسه مستقلًا فكريًّا، هذه المعادلة صعبة في الحقيقة.

د. صادق بلعيد: فعلًا، هذا النّوع من المفكرين نادر، مع كل الأسف، وكثير من أولئك المفكرين يقع إدراجه في تيّار معيّن، وتحت قبّة معينة، وما إلى ذلك، والبقية يقع في شأنهم ما كان تحدث عنه الفيلسوف الأمريكي ماركوز (Herbert Marcuse)، عندما تكلّم عن مسار المفكر، وانتهى إلى توصيفه بـ (المستقيل من الشأن العام)، ههنا، نجد هذه الحالة نفسها؛ فالمفكر في العالم العربي: هو في موقف الاستقالة، أو عدم الاهتمام، أو التغاضي عن الشأن العام، وهو يترفّع عن التدخّل في الحيثيّات اليومية، وهذا فهم خاطئ لمفهوم النخبة. وما رأيناه في كثير من الحالات، هو نوع من الاستسلام، ذلك أن من المفكرين من يقول: (هذه أزمة حقيقية، ولكنها ليست شأننا، فنحن نغسل أيدينا من هذه الأزمة، ونترك أمرها للمشتغلين بالشأن العام من سياسيين وغيرهم). البعض من هؤلاء، وأنا أنتمي إلى هذا البعض، ينتقدون من دون ذكر إيجابيات، فالضغط السياسي، يجعلك في أفضل الأحوال تقدّم النقد ولا تأتي بالحل، وهذا ما عشته شخصيًا، وربما تتذكرون أنني كنت من بين مجموعة من الزملاء الذين أمضوا نداءً نشرناه منذ سنتين، ودعونا فيه إلى إعادة النظر في مسار الثورة وبرنامجها، وحصل أن رئيس الدولة قرأ نص البيان، فطلب لقاء نخبة من بين الأربعين الذين حرروه، وكنت من بينهم، وطلب منّا الإفصاح عن مشاغلنا، وما نراه، فأدلى كلّ بدلوه، وذكرنا كمًّا هائلًا من المشاكل التي نراها؛ فكان موقف رئيس الدولة موقف السياسي الماهر، وقال لنا: (أنا أوافق على كل التحاليل التي قدمتموها، وبارك الله فيكم، ولكن أعطونا الحلول، هل من حل لكل هذه المشاكل؟'' وعندما حاولت أن أحفظ ماء الوجه، وأقوم باقتراح بعض الحلول، لم أجد مساندة من بعض الزملاء.

د. نادر الحمامي: في الحقيقة، السؤال الذي يجب أن يطرح، ههنا، هو: ألم تجدوا المساندة أم أنكم لم تجدو الحلول؟

د. صادق بلعيد: لقد كنا بصدد القيام بعملية بناء، لكن كنا نود أن يكون هذا مركّزًا على منظومة فكرية، وركائز اجتماعية وسياسية، تمكّن من التفكير والتقدم والاستمرارية، وما إلى ذلك، هذا ما لم نتحصل عليه إلى حد الآن، رغم أن هناك بعض الآراء والمقترحات والأفكار.

د. نادر الحمامي: إذن، أنت وجدت مفكرين بارعين في التشريح والوصف، ولكنك، لم تجد من هو قادر على وصف الدّواء؟

د. صادق بلعيد: بل لم نجد المستشفى، والإطار الطبّي الذي يمكّننا من العلاج، فعندما تريد أن تقدّم فكرة إصلاح، فلا بد أن يكون هناك مؤسسة، وبدون هذا لا يمكننا أن نتقدم؛ لذلك فكثير من المفكرين يقولون: (لا فائدة من الجهد، ما دمنا لا نستطيع إيصال أفكارنا، أو تحقيق مشاريعنا الفكرية)، وهذا اليأس هو من المظاهر الكبيرة لهذه الأزمة الفكرية، مما أدّى إلى الانسياق في مجال ما هو موجود بالنسبة إلى البعض، أو عدم الاهتمام، وبالتالي، اليأس تمامًا بالنسبة إلى البعض الآخر.

د. نادر الحمامي: ومن أبرز ما يتعلق بهذه الأزمة، مما أضيف إلى ما ذكرتَ؛ أن بعض المفكرين والنخبة المثقفة، حتى وإن ظهروا وتحدث عنهم المجتمع، وكانوا محل اهتمام؛ فإن هذا الاهتمام يكون في بعض المسائل الجزئية والعابرة فقط، وأحيانًا يكون لمجرّد الاستهلاك اليومي، ودون أسس فكرية عميقة، فلا تظهر أفكارهم إعلاميًا بالشكل المطلوب، ثم إن المؤسسات التقليدية التي عندنا اليوم، لم تعد تسمح بهذا التفكير، وبفكر الجامعة نفسها التي لم تصبح هي القاطرة لإنتاج المعرفة والتميّز الاجتماعي، وهذا ربما إشكال آخر يمكن أن نضيفه.

د. صادق بلعيد: الأزمة ليست فكرية فحسب؛ بل هي أزمة سياسية مجتمعية، فقد شاءت الأقدار أن تقوم البلاد التونسية بثورة، والثورة معناها التّجديد والإصلاح، وما إلى ذلك، وهذا التفكير في الإصلاح لا يمكن أن ينجح إلا إذا وجد ركيزة مؤسّساتية تمكّنه من الفعل، ولقد كنت من بين الذين دعوا إلى تأسيس هذه المؤسسات والهياكل الفكرية السّياسية، حتى يتمكن الجميع؛ من أخصائيين، ومفكرين، وغيرهم، من القيام بالمبادرات، والتفكير فيها، وتعميق أهدافها، وقلنا لولا هذه المؤسسات؛ فإننا من الصعب أن نتقدم كثيرًا بالعمل الثوري الذي نريده لهذه البلاد، ولكن نلاحظ الآن، مع كل الأسف، أننا نتخبط سياسيًا في هذه الأزمة الكبيرة، دون أن ننشئ مؤسسات تمكننا من إنتاج شيء جديد، ينجز الفكرة الثورية والأهداف التي حلمنا بتحقيقها.

د. نادر الحمامي: ربما أصبحت المسألة، في الغالب، متعلقة بالإرادة السّياسية التي وكأنكم اليوم تحاولون حصرها في إرادات فردية وذاتية؟

د. صادق بلعيد: فعلًا، رغم كل مظاهر الأزمة التي نعيشها، لا يجب علينا أن نستسلم إلى اليأس، مهما كانت المبادرات التي نقوم بها؛ فهي ربما تمثل لبنة صغيرة، ولكن لها مكانها في البناء، مع الأمل في أن يقوم الشباب بمواصلة هذا البناء.

د. نادر الحمامي: على هذا الأمل بمواصلة البناء، خاصة بالنسبة إلى الشباب والباحثين، وبشيء من الأمل، أيضًا، نتبنى الفكرة التي تقول: (إن التاريخ يتحرّك في إطار الأزمات)، حتى نفتح مجالًا للأمل في نهاية هذا الحوار، وعلى هذا الأمل الذي يفتح أبواب النظر، والتجاوز، والتفكير، أشكر الأستاذ صادق بلعيد على قبول الحوار معنا، وعلى ما تفضل به، وكلنا امتنان لما قاله، وربما يفتح هذا الحوار المجال أمام إعادة التفكير في موروثنا، وفي وضعنا الرّاهن، من أجل إيجاد الحلول، ونرجو ألّا يكون هذا الأمل مستحيلًا.


[1] - نتج عن مجمع نيقية أول أشكال قانون الإيمان المسيحي، وبدأت علاقة الكنيسة بالسلطة بالتشكل، بعد أن كانت كيانًا دينيًّا خالصًا، وبعد ثلاثة قرون من تطور الفكر المسيحي، واختلاطه بالأفكار والأديان المحيطة بحرية وفي كل الاتجاهات، أصبحت الكنيسة الموحدة؛ هي المرجع والسلطة في تحديد من يدخل في نطاق الإيمان من عدمه.