i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - صناعة الآخر المسلم في الفكر الغربي المعاصر

صناعة الآخر المسلم في الفكر الغربي المعاصر

فئة :  قراءات في كتب

صناعة الآخر المسلم في الفكر الغربي المعاصر

صناعة الآخر المسلم في الفكر الغربي المعاصر([1])


تمهيد:

صدر كتاب "صناعة الآخر المسلم في الفكر الغربي المعاصر من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا" للباحث التونسي المبروك الشيباني المنصوري[2]عن مركز نماء للبحوث والدراسات بالرياض، سلسلة دراسات الاختلاف والحوار والتعايش، في طبعته الأولى سنة2014، وهو كتاب ثمين بمقاييس المعالجة الموضوعيَّة لقضايا تشغل بال المجتمعات الإسلاميَّة في عصرنا الراهن عن صورة المسلم في الغرب وكيفيَّات صناعة هذه الصورة منذ عصور الاستشراق إلى حدود ما يُعرف بعصر الإسلاموفوبيا.

وقد أقام المؤلّف كتابه على جزأين رئيسين هما:

▪ القسم الأوَّل: فنُّ التّمثّل وصناعة الآخريَّة الفكريَّة: الاستشراق نموذجاً. وقد قسَّمه إلى محورين:

ـ المحور الأول: الاستشراق، الفرضيات والمسلمات.

ـ المحور الثاني: الاستشراق الجديد في الفكر الألماني المعاصر، الدراسات القرآنيَّة نموذجاً.

▪ القسم الثاني: فنّ التّمثّل وصناعة الآخريَّة الإعلاميَّة: الإسلاموفوبيا نموذجاً. وقسَّمه بدوره إلى محورين:

- المحور الأول: الآخريَّة والإرهابوفوبيا الأنجلوساكسونيَّة

- المحور الثاني: الآخريَّة والإسلاموفوبيا الفرانكفونيَّة

ووضع لهما مقدّمة عن "صناعة المسلم-الآخر في الفكر الغربي المعاصر بأيّ معنى". وخاتمة تأليفيَّة وبيبلوغرافيا بلغات أربع هي: الفرنسيَّة والإنجليزيَّة والعربيَّة والألمانيَّة.

1. في قراءة المقدّمة:

تطرَّق الشيباني في مقدّمة كتابه إلى أهميَّة الخوض في قضيَّة صناعة الآخر في الفكر الغربي المعاصر، لا سيَّما أنَّ صورة الآخر المسلم في الغرب صارت صورة تَمَثُّلِيَّةٌ تُصنع صناعة، وليست مطابقة وجوباً للمعطيات الموضوعيَّة المكوّنة "للمسلم" في حدّ ذاته في مستوى الذات والموضوع.

وتجد هذه الصورة التمثّليَّة مبرّراتها في مقولة الآخريَّة (Other) (Autre) التي تُفسّر بكونها نظرة الغرب عموماً للآخر المختلف عنه، وصورته الإيديولوجيَّة التي تشكّلت مع مدارس "النّقد ما بعد الاستعماري (Post-Colonial Criticism)"، ثمَّ تدعَّمت مع مدارس "النّقد ما بعد الحداثوي (Post-Modern Criticism)"[3]، وهي كذلك مقولة فلسفيَّة تستقي أسسها من التصوُّر الوجوديّ، "فمن ليس أنا فهو آخر بالنّسبة إليّ"، كما آمن بذلك فلاسفة الفكر الوجودي. ولا تقف هذه المقولة على مجال بعينه لأنَّها تتَّسع لتشمل: "كلّ ما يميّز هذا الآخر عنّي من مأكل ومشرب وملبس وأنماط فكريَّة وثقافيَّة ماديَّة وروحيَّة ورمزيَّة تنطلق من كيفيَّة الفعل: أكلاً أو شرباً أو مشياً أو كلاماً، وتصل إلى الرُّؤى العامَّة حول الكون والوجود والمصير."[4]

ويواصل الشيباني حفره في مسألة الآخريَّة[5] ليقف على وجه آخر لها، قوامه الصناعة التي ترتبط بفنّ التمثّل وتشذُّ عن المعطيات الموضوعيَّة التي بُنِي عليها الاختلاف عن الآخر أساساً. فالمُختلف أصبح يُنظر إليه في الغرب لا على أساس اختلافه الطبيعيّ والثقافيّ وإنَّما انطلاقاً من طريقة تمثّل الغرب لهذا المُختلف. ليتحوَّل "الآخر -المختلف" من كائن طبيعيّ وجوديّ إلى كائن تمثّليّ ارتساميّ وتتحوَّل ذاته إلى ما يتصوَّره الغرب عنها، ويُصبح اختلافه صناعة يتفنَّن الغرب في تشييد معالمها. بل الأدهى أنَّ مكوّنات الفرد التمييزيَّة لم تعد معطيات موضوعيَّة بل صوراً تمثّليَّة: "صُنِعت صناعةً ورُكّبت تركيباً في معاهد الدّراسات الاستراتيجيَّة ومختبرات البحث والتّفكير، وقد عمل الإعلام بكلّ وسائله على تسويقها عالميَّاً."[6]

وهكذا يخلص مبروك الشيباني إلى أنَّ: "الفكر العربي الإسلامي بكلّ مكوّناته وبُناه ورؤاه - منظوراً إليه من الفكر الغربيّ - هو نتيجة مباشرة لفنّ التّمثّل الغربيّ لهذا الفكر(...) آخريَّته بالنّسبة إلى الغرب صناعة، بما في مصطلح الصّناعة من معانٍ رئيسيَّة وحافَّة."[7]

ولبحث خصائص هذه الصناعة يُعالج الباحث على امتداد قسميْ كتابه ظاهرتين حضاريَّتين يرى أنَّهما جديرتان بكلّ عناية واهتمام؛ هما ظاهرة الاستشراق وظاهرة الإسلاموفوبيا. وقد وظَّف في دراسته آليات من "تفكيكيَّة" جاك دريدا، وأدوات من "حفريات المعرفة" لميشال فوكو، معلناً أنَّها آليات قادرة على كشف ألاعيب الفكر الغربيّ.

2. في قراءة القسم الأوَّل:

درس المبروك الشيباني في هذا القسم من بحثه ما سمَّاه فنّ التمثّل وصناعة الآخريَّة الفكريَّة من خلال نموذج الاستشراق، وفيه أوضح المؤلف منذ البداية أنَّ الخطاب الاستشراقيَّ هو خطاب مركَّب ومعقَّد ومُضلّل، يُظهر عكس ما يبطن ويُري عكس ما يخفي، وهو بذلك يختلف عن كثير من الدّراسات العربيَّة التّبسيطيَّة الاختزاليَّة التي درسته بصفته فكراً متهافتاً وخطاباً مفكَّكاً مُتناقضاً لا تمايز فيه. وقد اختلف الباحث أيضاً مع تلك الدراسات الأكاديميَّة التي تقسّم الاستشراق تقسيماً ثنائياً معيارياً - غير أكاديمي وغير علمي - إلى استشراق مُنصف واستشراق مُغرض، لأنَّه رأى أنَّها تنخرط: "في اللعبة الغربيَّة حول الآخريَّة عن وعي أو عن غير وعي."[8]

وقد عرَّف الشيباني الاستشراق من جوانب مختلفة منها:

- الاستشراق بصفته كلّاً مركَّباً

- الاستشراق بصفته رؤية مخصوصة

- الاستشراق بصفته منهجاً

- الاستشراق بصفته إيديولوجيا

- الاستشراق بصفته مؤسَّسة

- الاستشراق بصفته ظاهرة

ثمّ تطرَّق إلى القصور العربي في تعريف هذه الظاهرة وتصنيفها من جهات مختلفة؛ منها جهة التعريف اللغويّ والاصطلاحيّ، وجهة الخلط بين الدراسات الاستشراقيَّة والدراسات الشرقيَّة. وتحدَّث أيضاً عن اختزال الدراسات الاستشراقيَّة وعدم إيفائها حقَّها في البحث والتمحيص.

وفي مرحلة ثانية من عمله نظر الشيباني إلى الاستشراق من ناحية "التجانس" و"التغاير"، مُخالفاً بذلك الكثير من الدراسات العربيَّة التي قوَّمت الاستشراق بكونه وحدة متجانسة وخطاباً لا اختلاف بين عناصره: "وكأنَّه لا اختلاف بين ما كتبه الألمانيان يوسف فرنتز شاخت (Joseph Franz Schacht) ويوسف فان آس (Joseph Fan Ess)."[9]

وبناء على ذلك قسَّم مبروك الشيباني الاستشراق إلى مراحل أربع هي:

- المرحلة الأولى: مرحلة الاستشراق الاستكشافي: حضارة تتطلّع إلى حضارة.

- المرحلة الثّانية: مرحلة الاستشراق الاستعماري: خطاب التّأسيس للمركزيَّة الأوروبيَّة.

- المرحلة الثّالثة: مرحلة الاستشراق ما بعد الاستعماري: المراجعات ما بعد الحداثويَّة.

- المرحلة الرابعة: مرحلة الاستشراق في الألفيّة الثالثة: من الأفول إلى التجدُّد.

وأبرز ما يلفت الانتباه في هذا المستوى أنَّ الباحث قد تتبَّع هذه المراحل الاستشراقيَّة في مياسمها العامَّة ومميّزاتها الخاصَّة، مُركّزاً على استشراق ما بعد الاستعمار الذي اعتبره مرحلة مراجعات ما بعد الحداثة استبدلت فيها كتلة الآخر الشرقي الثابتة بالشرق المتنوّع فكراً وثقافة وحضارات، وذلك قياساً بمرحلة الاستشراق الاستعماري الذي عدَّه مرحلة تثبيت للمركزيَّة الأوروبيَّة. وقد جعل الشيباني الاستشراق الجديد في الألفيَّة الثالثة في الفكر الألماني محور المرحلة الرابعة من حديثه عن الاستشراق من خلال كتاب المستشرق الألماني كريستوف ليكسنبورغ (Christoph luxenberg) القراءة السريانيَّة الآراميَّة للقرآن". ويبدو أنَّ لاختيار القرآن والفكر الألماني والاستشراق الجديد دواعيَ موضوعيَّة كثيرة، حسب الباحث، يحصرها في:

أ. ضرورة الاهتمام بالاستشراق في الفكر الألماني نظراً لأهميَّة هذا الفكر فلسفيَّاً وحضاريَّاً.

ب. اختار الشيباني كتاباً ألّف في بداية الألفيَّة الثالثة حتى يتجنَّب التكرار والاجترار، وحتى يتجاوز نظريات استشراقيَّة قديمة أفلت وتجاوزتها الأحداث[10].

ت. اختار الباحث مُستشرقاً يدرس الخطاب القرآنيَّ الذي يُعدُّ الخطاب الذي بُنيت عليه الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة والعماد التاريخيّ والوجوديّ للأمَّة الإسلاميَّة أيضاً. وقد كان الاتّجاه العامّ للمستشرقين الألمان في بداية هذا القرن يدفع إلى دراسة عماد هذه الحضارة، أي القرآن، لهدّ أسسه من أصولها لكي تنهدَّ بقيَّة البنيان، ولا يسع الدارس إلا أن يشيد بحدَّة ذكاء الاستشراق الألماني الجديد، لأنَّه توجَّه إلى الأصل وترك الفروع.

ث. الغاية من دراسة الاستشراق الألماني الجديد "هدّ الهدّ"، فتقويض المسار الذي بنى عليه لكسمبورغ عمله هو تقويض لنظريته من أساسها.

وحاصل القول في هذا القسم: ركَّز الشيباني على نموذج "القراءة السريانيَّة الآراميَّة للقرآن" للكسمبورغ، وبيَّن نظريته والغايات منها، ثمَّ تطرَّق إلى أمثلة تطبيقيَّة كثيرة من كتابه قبل أن يفنّد الكثير من تصوُّرات هذا المستشرق الألمانيّ ويدحضها تاريخيَّاً وفيلولوجيَّاً ومعرفيَّاً.

3. في قراءة القسم الثاني:

في هذا القسم من البحث نظر الباحث إلى "فنّ التّمثّل وصناعة الآخريَّة الإعلاميَّة" في الفضاءين الأنجلوساكسوني والفرانكفوني من خلال دراسة مقولة جوهريَّة واحدة هي الإسلاموفوبيا (Islamophobie) بصفتها ظاهرة حضاريَّة مركَّبة من طبقات تراكميَّة مُتراصفة فيها الإعلامي والأكاديمي والفكري والسياسي، ولكنَّها أيضاً ظاهرة توحي بنقيض ما تُعلن حتى تبدو منسجمة مع منطلقاتها وأهدافها.

وقد فصل الباحث هذا القسم إلى محورين اثنين:

- المحور الأول: الآخريَّة والإرهابوفوبيا الأنجلوساكسونيَّة

- المحور الثاني: الآخريَّة والإسلاموفوبيا الفرانكفونيَّة

وقد اشتغل في المحور الأوَّل على العلاقة بين الآخريَّة والإرهابوفوبيا الإنجلوساكسونيَّة، مستنداً في ذلك إلى أنَّ الإرهاب أكثر مقولة تكرَّر ذكرها في الخطابين الأكاديمي والإعلامي الإنجلوساكسوني عن العرب والمسلمين طوال نصف القرن الأخير. بل ما يزال صداها يتردَّد في هذه الدوائر، لا سيَّما أنَّها مقولة جوهريَّة تقوم عليها صناعة صورة العربيّ المسلم في الإعلام الأمريكيّ ـ وحتى في الفكر الأمريكيّ ذاته - باعتباره آخر يختلف عن الغربي الأمريكيّ ويتخالف معه في الآن ذاته.

لقد انتقل الخوف من الإرهاب من خوف عاديّ إلى خوف مرضيّ فيه نوع من الفوبيا (la phobie) التي تدعمها البحوث الأكاديميَّة والخطابات السياسيَّة والمنتجات الإعلاميَّة المختلفة. بل صار الإرهابوفوبيا مبحثاً نفسيَّاً واجتماعيَّاً في الفكر الغربيّ المعاصر، له مكانة وحظوة كبيرتان، ويؤثّر في الغربيّ، وينعكس على نفسيَّته، فيوجّه كيفيَّة تمثّله للآخر العربيّ-المسلم: "أكثر من كونه مشغلاً أمنيَّاً أو سياسيَّاً."[11]

وقد انطلق المبروك الشيباني في هذا المحور من النظر في بعض البحوث الأكاديميَّة الإنجلوساكسونيَّة التي نجحت في تشكيل صورة نمطيَّة للعرب المسلمين، قوامها الوحشيَّة والعنف والغدر، وللدين الإسلاميّ باعتباره دين عنف وقتل وإرهاب. ومن أهمّ هذه المباحث الأكاديميَّة ذكر:

- مقال "الحرب المقدَّسة والسلام المقدَّس" لجاف أستلي (Jeff Astley) ضمن كتاب "الحرب والسلم، قضايا عقديَّة" الذي كتبه أستلي مع دافيد براون (David Brawn).[12]

- "العلاقات المسيحيَّة الإسلاميَّة وأصول كراهيَّة الإسلام للغرب"[13] لبرنار لويس (Bernard Louis)، وهو مقال نُشر ضمن كتاب جماعيّ عنوانه "إرث الإسلام"، [14] أشرف عليه يوسف شاخت.

- التسامح الديني في أديان العالم، ليعقوب نويسنر (Jacob Neusner) وبروس شيلتون (Bruce Chilton).[15]

وقد استخلص الباحث من هذه الكتب تلك القدرة التوجيهيَّة التي مارسها أصحاب هذه الكتب وهم يبحثون في الإسلام من وجهة نظر غربيَّة، وبيَّن خاصَّة العمليات الانتقائيَّة التي مارسها هؤلاء على الدين الإسلامي ليلائم وجهة نظرهم وتصوُّرهم الذي يريدون الإقناع به.

وقد دعَّم مبروك الشيباني هذه البحوث الأكاديميَّة التي تشكّل صورة المسلم في الغرب بالنظر في صورة المسلم في الإعلام الغربيّ معتبراً إيَّاها صناعة تمثّليَّة لا تمتُّ إلى الواقع بصلة، وليس لها من علاقة بالمرجع الذي تُحيل عليه إلا من جهة الأسماء والألفاظ. وارتأى الباحث أن يفكّك هذه المسألة بوقوفه على كتابين هامَّين هما:

- كتاب "العرب في التلفزيون" (The TV Arab) لجاك شاهين (Jack Shaheen)، [16] الذي وصل إلى نتائج هامَّة بعد دراسته لمئات البرامج التليفزيونيَّة عن صورة العربيّ فيها، منها أنَّ: "كلَّ العرب أثرياء/همَج وغير مثقّفين/ نهمون جنسيَّاً ونزَّاعون إلى الجواري البيض/ متحمّسون إلى الأعمال الإرهابيَّة/".[17] كما أثبت شاهين جملة من المغالطات الجوهريَّة التي تقوم عليها صناعة هذه الصورة، ومنها:

- أنَّ كلمة أوبك مرادفة لكلمة عرب.

- أنَّ الإيرانيين عرب.

- أنَّ كلَّ العرب مسلمون.

- أنَّ العرب غير متحضّرين، ويعيشون في ممالك غير متحضّرة.

- أنَّ كلَّ الفلسطينيين إرهابيون.

- أنَّ العرب أعداء للعالم كلّه.

ثمَّ عمَّق جاك شاهين هذه الدراسة بكتاب مهمّ نشره قبل أحداث 11/9 بقليل، هو كتاب "العرب الأشرار، كيف تشوّه هوليود شعباً ما" (Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People).[18] وقد ضرب في هذا الكتاب أمثلة عديدة لأفلام هوليوديَّة[19] تشوّه العرب وترسم لهم صورة نمطيَّة سلبيَّة، وعدَّد أشكال التشويه وخفايا صناعة الصورة السلبيَّة عن العرب وآليات التكرار والتشويه والتوجيه التي تمارسها هذه السينما العالميَّة، لذلك لاقى الأمرَّين قبل أن ينشر كتابه ويحظى بالقبول.

- كتاب "التهديد الإسلامي أسطورة أم حقيقة"[20] (the islamic threat myth or reality) لجون إسبوسيتو (John Esposito).[21] وقد حلّل فيه صاحبه تمثّل الفكر الغربيّ للإسلام والمسلمين منذ ظهور الإسلام إلى اليوم تحليلاً خلص فيه إلى أنَّه تمثّل لا يستند إلى معرفة (Knowledge) ومعطيات موضوعيَّة: "بقدر استناده إلى ترسُّبات واعية وغير واعية صنعها التاريخ مثلما يصنعها الإعلام ويغذيها الفكر مثلما يغذّيها المجتمع، وهي حلقة لن تنتهي إلى حلٍّ جذريّ لصلة القضيَّة بالاختلافات العقديَّة أساساً."[22]

أمَّا في المحور الثاني الذي تناول فيه الشيباني الآخريَّة والإسلاموفوبيا الفرانكفونيَّة من جهة أُسسها ومكوّناتها وتجلّياتها فقد عرَّج فيه على قضيَّة جوهريَّة في الإسلاموفوبيا، وهي كيفيَّة مساهمة الإعلام الفرنسي في تشكيل هذه الظاهرة وفي نشرها إعلاميَّاً، وفكَّك أساساً كيفيَّة مساهمة هذا الإعلام في ترسيخ الصورة المرسومة في أذهان الغربيين عن المسلمين عامَّة والعرب خاصَّة، وهي صورة تتمُّ صناعتها في المختبرات ودوائر التّفكير ومعاهد البحوث الاستراتيجيَّة.

وقد افتتح الباحث هذا المحور بمعالجة مسائل نظريَّة مرتبطة بسوسيولوجيا الإعلام وطرق التوجيه والتمثّل والتأثير. ثمَّ ركَّز على الفروق بين المعطى الموضوعيّ والمُنتج التمثّلي للعربيّ في الإعلام الفرنسي. وفي مرحلة ثانية نظر في الجذور التاريخيَّة والحضاريَّة للإسلاموفوبيا في الفضاء الفرانكوفوني وانعكاس تلك الجذور على مصطلح الإسلاموفوبيا في حدّ ذاته من جهة إلصاقه بالثّورة الإيرانيَّة، باعتبار ذلك "الإخراج الصَّحفيّ" الفرنسي لأصل المصطلح فعلاً تمثّليَّاً بامتياز.

وقد أقام الشيباني الدليل على ما ذهب إليه من خلال تركيزه على القراءات النقديَّة الفرنسيَّة للإعلام الفرنسي وتوجُّهاته التي أثارت الرعب من الإسلام ومريديه. ومن أهمّ هذه الكتب النقديَّة التي عدَّدها الباحث:

- كتاب "كلاب الحراسة الجدد" لسارج حليمي (Serge Halimi).[23]

- كتاب "محطّمو الحرمات" لسيباستيان فونتنال (Sébastien Fontenelle).[24]

- كتاب "الإسلام المتخيَّل، التشييد الإعلامي لكره الإسلام في فرنسا" لتوماس ديلطومب (Thomas Deltombe)،[25] ويعتبر الشيباني أنَّ هذا الكتاب له أهميته في بيان زيف الإعلام الفرنسيّ وممارساته المضلّلة لتشويهه الإسلام وصنع تمثّل مشوَّه عنه[26]، فهو عنده مُنجز يشبه المُنجز الذي قام به جاك شاهين في السياق الأمريكيّ. ولتوماس ديلتومب فضائل أخرى في هذا الكتاب، إذ هو صاحب فضل في ترسيخ مصطلحات جديدة في مجال سوسيولوجيا الإعلام مثل:

¶ الإسلاموفوبيا الإعلاميَّة (Islamophobie Médiatique) ويقصد به التعامل الفوبي الإعلامي مع الإسلام أو جعل مادة إعلاميَّة لنشر الخوف والرهبة والتخويف.

¶ أعلمة الإسلام (La médiatisation de l’islam): ويقصد به تحويل الإسلام إلى مادَّة إعلاميَّة دسمة تحليلاً ونقاشاً ونقداً وتجريحاً.

- كتاب "الإسلاموفوبيا الجديدة" لفنسون قايسر (Vincent Geisser)[27] الذي يُميّز فيه صاحبه بين كره الفرنسيين للعرب والمهاجرين وبين الإسلاموفوبيا في فرنسا التي تتجه إلى الإسلام بوصفه ديناً وحضارة وترفض كلّ ما يرتبط به.

وبصورة عامَّة ركَّز المبروك الشيباني على المؤلّفات الفرنسيَّة التي كشفت أضاليل الإعلام الفرنسي وألاعيبه وكيفيَّة تزييفه للواقع وصنعه للآخريَّة عبر فنّ التّمثّل. وكانت الغاية الجوهريَّة من تفكيكه لهذه الكتب كشف أسس التّمثّل ومقوّمات الآخريَّة في الإعلام الفرنسي صناعة ونقداً.

الخاتمة:

أقام مبروك الشيباني بحثه على تبيين أنّ المسلم في الفكر الغربي المعاصر "آخر" بكلّ المقاييس، وقد استندت آخريته على الإنتاج الاستشراقي والفكر الأكاديمي والتمثّل الإعلاميّ. فالاستشراق مثلاً جدَّد جلده- لا منهجه- وأعاد ترتيب مسلّماته ومصادراته، وأفلت من مطارق النقد ما -بعد- الاستعماري والتفكيك ما بعد الحداثوي، وانبعث من جديد - وربما بقوّة وإصرار أكثر - واتّجه مباشرة إلى رأس البناء الإسلامي في كليَّته أي القرآن. وهذا ما يفسّر كثرة الكتب والمصنفات والمقالات والندوات والمؤتمرات التي اهتمَّت بالقرآن منذ مفتتح هذا القرن. والسبب حسب الشيباني كامن في العرب أنفسهم وفي بحوثهم وفي طريقة تعاملهم مع الاستشراق تحليلاً وتفكيكاً، فمازالت معرفتهم بهذا الفنّ محدودة، لأنَّهم يستعملون في تعريفه عبارات اهترأت من كثرة ما ليكت، ويقسّمونه تقسيماً معيارياً غير علمي وغير أكاديمي، ولا يميزون بين مراحله ومكوناته ومقوماته، ولا يستكنهون تطوراته ومنعرجاته بدقة وعمق[28].

وقد خلص الشيباني في نهاية كتابه إلى أنَّ تعريف المسلم في الإبستيميَّة الغربيَّة ـ إلا في ما ندر- لا يستند إلى: "الأسس المنطقيَّة الثلاثة في التعريف، أي التعريف بالماهيَّة، والتعريف بالوظائف، والتعريف بالمكوّنات، بل يعرّف المسلم بالتمثّل، فالمسلم في الفكر الغربي ليس ما هو عليه فعلاً، بل هو الهيئة التي يتمثّله الغربيّ عليها."[29]


 1نشر في ملف بحثي بعنوان "الاسلام في الغرب"، إشراف بسّام الجمل، تنسيق أنس الطريقي.

[2]- باحث تونسي مختصّ في الأديان المقارنة، وهو أيضاً أستاذ مشارك في العقيدة والمذاهب المعاصرة والأديان المقارنة بالجامعة التونسيَّة، وباحث دولي مشارك بجامعة تسوكوبا بطوكيو، اليابان.

[3]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر، المسلم في الفكر الغربي المعاصر من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا." مركز نماء للبحوث والدراسات بالرياض، سلسلة دراسات الاختلاف والحوار والتعايش، ط1، 2014، ص 12

[4]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر، المسلم في الفكر الغربي المعاصر من الإستشراق إلى الإسلاموفوبيا."، سبق ذكره، ص 13

[5]- يقول صاحب الكتاب مبيّناً أصل مصطلح الآخريَّة الذي يستعمله: "نحن نعتمد هنا تعريف المصطلح كما حدَّده جون-فرونسوا ستازاك، حيث ربط القضيَّة بالمركزيَّة الإثنيَّة الأوروبيَة (Ethnocentrism) وفق ضبط ليفي- ستراوس (Lévy-Strauss)، ووصلها أيضاً بالآخريَّة النابعة من التمايز في المكان والفضاء".

انظر كتاب: صناعة الآخر، ص 12

[6]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر، المسلم في الفكر الغربي المعاصر من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا"، سبق ذكره، ص 15

[7]- نفسه، ص 15-16

[8]- نفسه، ص 22

[9]- نفسه، ص 23

[10] - يقول الباحث في هذا المستوى إنّه تحدَّث عن الاستشراق من داخله لا من خارجه، وعمل على تحليل خطابه، لا تحليل الخطاب عنه، لذلك راوح بين التنظير والتحقيب والتطبيق، ولتأكيد هذا الأمر اختار كتاباً استشراقياً في لغته الأصليَّة وفككه في أصوله ومنطلقاته، دون حاجة إلى قناة الترجمة التي كثيراً ما تشوّش الأفكار وتشوّهها.

 

[11]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر"، سبق ذكره، ص 32

[12]- Astley, Jeff. Brown, David, War and Peace (Problems in Theology), T & T Clark, New York, 2003.

[13]- في هذا المقال يفسّر برنارد لويس العلاقات بين الإسلام واليهوديَّة والنصرانيَّة تفسيراً مادياً تاريخياً، ومن نماذج ذلك قوله: "لقد بدأ الصدام بين الإسلام والنصرانيَّة منذ حياة محمد في المراحل الأولى عندما كان الصراع الأساسي مع العرب الوثنيين، كانت نظرته إلى اليهود والمسيحيين وديَّة ومحترمة، ولكن زعامة المجتمع قادته إلى الصراع مع كليهما، في البداية كان يهود المدينة الأعداء المباشرين، بينما ظلَّ النصارى من أقوى الحلفاء.(...)، إنّ الطبيعة التوسعيَّة للمسلمين في المدينة حملت المسلمين على التصادم مع القبائل النصرانيَّة في جزيرة العرب، وعندها تحوَّلت العلاقات مع اليهوديَّة والنصرانيَّة إلى علاقات حرب."

لمزيد من التوسُّع انظر المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر" ص 210-216

[14]- Joseph Schacht, the legacy of Islam, Clarendon Press, 1974.

[15]- Jacob Neusner and Bruce Chilton, Religious Tolerance in World Religions, PA, templeton Foundation press, 2008.

[16]- Jack Shaheen, The TV Arab, BowLing Green state, University Popular Press, 1984.

[17]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر"، سبق ذكره، ص 225

[18]- Jack Shaheen, Reel Bad Arabs: How Hollywood Vilifies a People, Interlink Publishing, 2001.

[19]- درس شاهين في كتابه أكثر من 800 شريط سينمائي وتليفزيوني على مدى قرن كامل تركّز على صورة العرب والمسلمين، وقد ركّز خاصَّة على الأفلام الأمريكيَّة التي أنتجتها شركة "جولان- جلوبس". (Golan globus)

[20]- John Esposito, the Islamic threat myth or reality, Oxford University Press, USA 1999.

[21]- جون إسبوسيتو: أستاذ مُتخصّص في الشؤون الدوليَّة والدراسات الإسلاميَّة بجامعة جورج تاون الأمريكيَّة، ومدير مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي ـ المسيحي. ألف إسبوسيتو أكثر من 35 كتاباً حول الإسلام، لعلَّ أهمها "الإسلام والسياسة" و"الإسلام: الصراط المستقيم"، وما له ارتباط مباشر بسياقنا من كتبه هو "الحرب غير المقدَّسة: الإرهاب باسم الإسلام" والعديد من الكتب التي تحاول تصحيح الصورة المغلوطة عن المسلم الآخر.

[22]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر"، سبق ذكره، ص 232

[23]- Serge Halimi,Les Nouveaux Chiens de garde, Raison d’agir, 1997.

[24]- Sébastien Fontenelle Les briseurs de tabous, éd la découverte, paris, 2012.

[25]- Thomas deltombe, l'islam imaginaire, La construction médiatique de l'islamophobie en France, 1975-2005, La Découverte, paris, 2005.

[26]- اعتمد توماس ديلطومب على برامج تتحدّث عن العرب المسلمين من القناتين الوطنيّتين الأولى والثانية الفرنسيّتين بين سنوات 1975-2005

[27]- Vincent Geisser, La nouvelle islamophobie Paris, La Découverte, coll. « Sur le vif », 2003.

[28]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر"، سبق ذكره، ص 298

[29]- المبروك الشيباني المنصوري: "صناعة الآخر"، سبق ذكره، ص 301