طه عبد الرّحمن: لا هويّة للذّات من غير الاستناد إلى التّراث

فئة :  مقالات

طه عبد الرّحمن: لا هويّة للذّات من غير الاستناد إلى التّراث

تقديم:

في إحدى الجلسات مع الدّكتور طه عبد الرّحمن، بمناسبة انعقاد ندوة عن أبي الحسن الشّاذلي في مدينة شفشاون سنة 1998م، سأله أحد الحاضرين: كيف استطعت أن توفّق بين المنطق والتّصوف؟ فأجاب قائلًا: شيئان خير من شيء واحد، فتوجّهت إليه مستفسرًا، وهو بجانبي: هل فعلًا استطعت أن توفّق بينهما؟ قال: نعم، فانطلقت معه في مساجلة هذا الحوار، واحتفظت به في خزانتي، ولكنّي - اليوم - أجد نفسي مجبرًا على نشره، متمنيًا له الشّفاء من مرضه، وأن يمنحه الله كامل الصّحة والعافية، ويعود إلى نشاطه من جديد.

هو باحث جامعيّ، ومفكّر مغربيّ أصيل، متميّز بعطائه - الجادّ والمتجدّد - في مجال المنطق والتّفكير اللّغويّ، ومدرّس المنطق وفلسفة اللّغة منذ عام 1970م.

كان حذقُه؛ التّمنطق، ودرايته؛ التّفلسف، وقد عمل على تطوير تدريس مادة المنطق في كلية آداب الرّباط، ممّا أفاد في تكوين نخبة رفيعة من العاملين بالمنطق الحديث في الجامعات المغربيّة، تُدرج حركته وأعماله في فضاء الأمّة العربيّة الإسلاميّة الحالمة بنخبها، وتطلّع طاقاتها وجماهيرها إلى استعادة أنفاسها النّهضويّة، ومسايرة مسؤولية التّاريخ لها، خاصّة، تراثها.

تابع دراسته الجامعية العليا في فرنسا، وكان اعتزازه بالتّراث العربيّ الإسلاميّ أصيلٌ ومتجذّرٌ؛ فهو يتواصل معه بدراساته ومؤلفاته؛ بل هو دائم النّفور من التّصوّرات الفلسفية، الّتي لا يجد لها سندًا في الممارسة الإسلاميّة العربيّة، ويدعو إلى عدم التعلّق بالفلسفات التي لا تستجيب إلى مقتضيات التّداول الإسلاميّ العربيّ - عقيدةً ولغةً وعملًا، ويجتهد لبناء فكر ينسجم مع هذه المقتضيات، وأيًّا تكن نهايات أعماله؛ فأقل ما تُنعت به: الأصالة في غير عقلة عن التّجديد، والرّصانة في غير استهتار بالوافد السّديد، والصّلة بالأمّة، من خلال مخزون نظريّ ووجود عمليّ، من دون انغلاق، أو تقوقع، أو غرور، ومن دون خوف، أو استيلاب، أو سهو، عن نقائص التّراث وعيوبه، وثغراته، ومراحل انحطاطه، ومفارقته.

أستاذ، وفيلسوف، وفقيه، ولغويّ، غزير الإنتاج في مجال تخصّصه، حاضر وشارك في العديد من اللّقاءات، والنّدوات الفكريّة والعلميّة، في جامعات المغرب المختلفة، وكان لآرائه واجتهاداته صدى طيّبًا في الأوساط الثّقافية والجامعيّة، أشهر مؤلَّفاته:

 - اللّغة والفلسفة.

 - أصول الحوار وتجديد علم الكلام.

 - العمل الدّيني وتجديد العقل.

 - تجديد المنهج في تقويم التّراث.

 - فقه الفلسفة.

 - الفلسفة والتّرجمة (4 مجلّدات).

وغيرها، إضافة إلى دراسات متعدّدة.

لماذا علم المنطق؟

ما هو سبب اقتران اسم الدّكتور طه عبد الرّحمن بالمنطق؟

يقول:

إن سبب اقتران اسمي بالمنطق، واختياري له، ولمناهجه، ولفلسفته، مردّه إلى أمرين اثنين:

أوّلهما: ممارستي لتدريس مادة المنطق بكليّة الآداب بالرّباط؛ فمنذ التحاقي بهذه المؤسّسة في سنة 1970م، أسند إليّ تدريس هذه المادة؛ التي كان يتولّى تدريسها - من قبل - أستاذي الجليل: الدّكتور نجيب بلدي، فأخذت على عاتقي تطوير وضع هذه المادّة داخل الكلّيّة، واتّخذ هذا التّطوير ثلاثة مظاهر: أوّلها؛ أنّني استبدلت دروس المنطق القديم، بدروسٍ في المنطق الحديث، وهو: لغة رمزيّة حسابيّة، تأخذ بالمناهج الرّياضيّة، وتبلغ درجة من التّدقيق والتّجريد، تفوق درجة الرّياضيّات نفسها، وتستوعب ما صحّ من قوانين المنطق الأرسطيّ في باب البنيات المحوليّة، وما صحّ من قوانين المنطق الرّواقيّ في باب البنيات القضويّة.

وثاني مظاهر تطوير المنطق الّتي قمت بها: أنّني تولّيت تعريب المنطق الحديث في بابيه؛ القضويّ والمحموليّ، بوضع مصطلحات لمفاهيمه ومناهجه، سواء باقتباسها مباشرة من التّراث الإسلاميّ العربيّ، أو باستلهام مسالك هذا التّراث في وضع المصطلحات على حداثتها وجدّة مضامينها، وكأنّها مألوفة للنّاطق العربيّ، وسلسة على لسانه، وقريبة من فهمه.

وثالث مظاهر تطوير هذه المادّة: أنّني ناضلت نضالًا من أجل توسيع نصابها الزّمنيّ ونطاقها المجاليّ؛ فعلى مستوى النّصاب الزّمانيّ، أدّت جهودي المتواصلة إلى الزّيادة في حصص المنطق، حتى كادت تصل إلى (سبع ساعات)، بعد أن كانت لا تتعدّى السّاعتين، أمّا على النطاق المجالي؛ فقد أصبح تدريس هذه المادّة يتناول المواضيع الثّلاثة: مناهج المنطق، وتاريخ المنطق، وفلسفة المنطق، ويتجاوز شعبة الفلسفة إلى شعبات أخرى، مثل: شعبة اللّغة العربيّة وآدابها.

وقد أتت هذه الجهود - ولله الحمد - أكلها؛ إذ تضمّ جامعاتنا اليوم نخبة من المشتغلين بالمنطق الحديث، يتعذّر وجود نظيرٍ لها في الجامعات العربيّة الأخرى.

أمّا الأمر الثّاني الّذي يردّ إليه سبب اقتران اسمي بالمنطق: هو تعاطي البحث والتّأليف في هذه المادّة؛ فقد كان موضوع أطروحتي لنيل دكتوراه الدّولة، يتناول أساليب الاستفادة من المنطق الحديث في دراسة الظّواهر اللّغوية، كما ألّفت كتابين؛ أوّلهما: (المنطق والنّحو الصّوري)؛ الّذي يتناول العلاقات بين المنطق واللّسانيّات.

ثانيهما: (في أصول الحوار وتجديد علم الكلام)؛ الّذي يختصّ بصياغة منطقيّة صوريّة لمنهج المناظرة عند المسلمين. بالإضافة إلى وجود أبحاث نشرت في مجلّات مختلفة.

والحقّ: أنّ المواقف، سواء تلك الّتي تناهض المنطق، أو تلك الّتي تسيء استعماله فتخرج به عن مقتضيات التّداول الإسلاميّ العربيّ، تدلّ على عدم تبيّن أصحابها لطبيعة علم المنطق ومناهجه؛ فهو ليس أكثر من (جملة من الآليّات الاصطناعيّة الّتي تفيد التّرتيب والتّركيز والتّنظير)، ولا تعلّق له - أصلًا - بأصول العقيدة أو فسادها، ولا بسلامة اللّغة أو ركاكتها، ولا باستقامة العمل أو تجزئته، وقد انتبه علماء المسلمين - أمثال الغزالي - إلى هذه الحقيقة، وبهذا؛ فالمنطق براء من "الزّندقة"، والزّندقة فيمن وظّفه توظيفًا مغرضًا، ووجّهه توجيهًا مخالفًا للشّرع الإسلاميّ، منساقًا إلى ذلك بأسباب غير نظريّة وغير منطقية، وإذا وضعنا في الاعتبار الوظيفة (الأداتيّة) للمنطق، كان الأولى بنا أن نقول: إنّ "من تمنطق؛ فقد تحذّق"، ألا يمكّن المنطق من أجهزة للتّحليل والتّركيب، ليس فوقها أجهزة دقّة وضبطًا وعمقًا؟ وإذا نحن أضفنا إلى هذه الحقيقة، حقيقة وجوب استخدامه في بيان مقاصد الشّرع، كان الأنسب أن نقول: "إنّ من تشرّع وتمنطق؛ فقد تحقّق"، ذلك أنّ استخدام الأدوات المنطقيّة الدّقيقة، يمكّن من الوقوف على حقائق الأمور ودقائقها، ما دام صاحبها يهتدي بهدي الشّرع فيها، وشرع الله يعلو ولا يعلى عليه.

اللّغة والمنطق وضرورتهما للبحث الفلسفيّ:

أسأل الدّكتور طه عبد الرّحمن: هل من الضّروري مراعاة جانب اللّغة في تشكيل المعنى الفلسفيّ، وعلاقة البحث الفلسفيّ بأدوات المنطق؟ وهل هما ضروريّان للفيلسوف في نظرك؟

ردّ قائلًا:

نسلّم أولًا: أنّه لا بديل للفيلسوف عن أن يستخدم - لإبراز دعواته الفلسفيّة - مختلف الإمكانيّات التّبليغيّة التي تسمح بها لغته، ونسلّم، ثانيًا: أنّ الفيلسوف العربيّ لم يدرك بعد هذه الحقيقة، وأنّه لا زال يعتقد أنّ المعاني الفلسفيّة المتداولة بيننا، معان كلّيّة لا تؤثّر فيها البنيات اللّغوية، وقد أدّى هذا الاعتقاد إلى قيام تفاوت عند متفلسفة العرب - قديمًا وحديثًا - بين المباني العربيّة المستعملة، والدّعوات الفلسفيّة الّتي تنقلها هذه المباني.

ونسلّم، ثالثًا: أنّ الإمكانيّات التّبليغيّة للّغة العربيّة، تفيد في إظهار المعنى الفلسفيّ بوجوه مؤثّرة ومقنعة، ومنهضة للعمل، لا تتأتّى بالوجوه المعلومة له في لغات أخرى، لو نُقلت إلى اللّغة العربيّة.

ونسلّم، كذلك، أنّه: لا بديل للفيلسوف من أن يجدّد الطّرق المنطقيّة المتّبعة في طرحه وتحليلاته، ودعواته، واعتراضاته، وتطويرها، إن شاء أن يضمن بقاء الفلسفة، وألّا يقف عقبة في طريق انبعاثها، فإن كان قدماء الفلاسفة قد أخذوا بأساليب المنطق الذي عاصروه، وهو؛ المنطق الأرسطيّ، وبأساليب الحجاج المناسبة له؛ فإنّه من واجب الفيلسوف المعاصر أن يأخذ بطرق المنطق الرياضيّ الحديث، وطرق نظريّات الحجاج المعاصرة.

ورثنا عن الثّقافة اليونانيّة: أنّ العقل (جوهر)؛ أي ذو قائمة بالإنسان، يفارق بها الحيوان، ويستعدّ بها لقبول المعرفة، وصار هذا التعريف للعقل - عندنا - حقيقة يقينيّة، لم نعد نتصور معها، إمكان قيام معنى فلسفي آخر للعقل، والحقّ: أنّ هذا التّصوّر للعقل، يقع في نزعة (تشيئيّة وتجميديّة) للعقلانيّة، كانت سببًا في تضييق أفق الفكر الفلسفيّ، وتوزيع التّجربة الإنسانيّة المتكاملة إلى أقسام مستقلّة ومتباينة، وقد قرّرنا - من جانبنا - الخروج عن التّعريف اليونانيّ، وإن طغى على الفكر الإنسانيّ، وذلك بإقصاء معنى (الذّات) عن (العقل)، سواء تصوّر المرء هذه الذّات على هيأة (جارحة) أو (جانحة)، واخترنا وصف العقل بوصف (الفعل الذي يطّلع به الإنسان - على وجه خاصّ - من وجوه الموجودات)، مثله في ذلك، مثل البصر بالنسبة إلى المحسوسات؛ فالبصر ليس ذاتًا مستقلّة بنفسها؛ إنّما هو فعل معلول للعين.

ابن رشد وفلسفة أرسطو:

من المعروف أنّ فلسفة أرسطو نقلت إلى العربيّة، إمّا مباشرة من اليونانيّة - كما فعل حنين بن إسحاق - وإمّا عن طريق السّريانيّة الّتي طبعتها أساليب اليونان في التّعبير، وقد عرف النّقلة طريقة التّرجمة الحرفيّة، وطريقة التّرجمة غير المباشرة، وكانت معرفتهم بالعربيّة غير متينة، ولا تتجاوز - أحيانًا - معرفة العاميّة، وكانت صلتهم بكثير من الألسن حائلًا - بدورها - أمام امتلاك إحداها امتلاكًا حقيقيًّا، أمّا معرفتهم بالفلسفة؛ فلم تكن - حقًّا - معرفة المتخصّصين، ولم تكن مقصودة لذاتها؛ بل كانت - عندهم - وسيلة لإتقان التّرجمة، فجاء الفيلسوف ابن رشد؛ لرفع قلق المصطلح وقلق الجملة من النّصّ المترجم، فلماذا اختار عمليّة (التّلخيص) لتكون منهجًا من مناهج مواجهة النّصّ المترجم؟

يجيب موضّحًا: انطلاقًا من شهادة ابن رشد على نفسه، الّتي جاء فيها:

"استدعاني أبو بكر بن طفيل يومًا، فقال لي: سمعت أمير المؤمنين يشتكي من قلق عبارة أرسطو طاليس– أو عبارة المترجمين عنه - ويذكر غموض أغراضه، ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهمًا جيدًا، لقرب مأخذها على النفس"؛ فاضطّلع ابن رشد بهذه المهمّة، وتولّى - بنفسه - رفع (قلق عبارة المترجمين)، وتوضيح "غموض أغراض أرسطو".

وحتّى نتبيّن مظاهر القلق التّعبيريّ والغموض الغرضيّ، ونضبط الأدوات الّتي توسّل بها ابن رشد للتغلب على العقبتين؛ عمدنا إلى حصر معالجتنا في نطاق نصوص، نعتقد أنّها تتوفر على شروط الاستجابة لذلك، وهي الّتي تعرض نظريّة المقولات الأرسطيّة؛ أي (تلخيص المقولات)، و(مقالات اللّام، والجيم، والهاء، والزّاي، من تفسير ما بعد الطّبيعة)، وكتاب (ما بعد الطّبيعة).

ومن المعروف: أنّ فلسفة أرسطو نقلت إلى العربية؛ إمّا مباشرة من اليونانيّة، وهذا شأن كتاب المقولات؛ الّذي نقله حنين بن إسحاق، أو عن طريق السّريانيّة؛ الّتي طبعتها أساليب اليونان في التّعبير، مثل: مقالات ما بعد الطّبيعة الّتي نقلها أسطات، وقد عرف النّقلة طريقة التّرجمة الحرفية، وطريقة التّرجمة غير المباشرة، إلّا أنّهم كانوا يؤثرون - على خلاف مترجمي اليوم - أولى الطّريقتين؛ على اعتبارها الأسلوب العلميّ الصّحيح للنّقل، أو بتعبير حنين بن إسحاق: لأنّها "أبلغ وأفحل"، كما كانت معرفتهم بالعربيّة - كما قلت - غير متينة، ولا تتجاوز - أحيانًا - معرفة العاميّة، وقد كانت صلتهم بكثير من الألسن - بدورها - حائلًا دون امتلاك إحداها امتلاكًا حقيقيًّا.

أمّا معرفتهم بالفلسفة؛ فلم تكن - حقًّا - معرفة المتخصّصين، ولم تكن مقصودة لذاتها؛ بل كانت وسيلة لإتقان التّرجمة عندهم، وربّما اكتسبوها عن طريق التّمرس على نقل النّصوص الفلسفيّة، وهناك عنصر أخير - تجب مراعاته - هو: أنّهم كانوا على ملّة المسيح، وقليل منهم صابئة، وليس فيهم مسلم واحد، ممّا سيحول بينهم وبين الاحتكاك بالنّصّ القرآنيّ، هذا الاحتكاك الّذي عمل على تكوين اللّغات التّقنيّة العربيّة، وتقويم أساليبها، وفق مقتضيات التّعبير العربيّ السّليم، واجتمعت هذه العوامل - كلّها - لتؤدّي إلى وضع لغويّ جدّ معقّد، لا تفيد معه قواعد اللّسان العربيّ، ولا أساليب الكتابة العربيّة، ويستحيل على العارف باللّسان العربيّ - وحده - أن ينفذ إلى معميّاته، وهكذا...

أمّا وضعيّة النّصّ المترجم الرّكيك والمستغلق، إضافة إلى ما يمكن أن يقع فيه من إسقاط أو تحريف من لدن النّاسخ، أو سوء فهم من لدن النّاقل؛ أنّه يكسب (التّلخيص والتّفسير) معنىً خاصًّا، واعتبارًا جديدًا، فلا يُنتظر من "التّلخيص" أن يتّخذ إحدى صورتيه التّقليديتين، فيكون: نقلًا مركّزًا وأمينًا لمضمون نصّ ما، أو يكتفي بإبراز الأفكار الرئيسة للنّصّ.

ولا يُنتظر من (التّفسير) - هو بدوره - أن يكون مجرّد شرح الألفاظ التّقنيّة والغامضة، وتوضيح المقاصد الفلسفيّة للنّص، والتّعليق عليها إذا اقتضى الحال.

تلغي مهمّة (التّلخيص) عند ابن رشد قلق المصطلح وقلق الجملة من النّصّ المترجم، لذا؛ فقد تتبع النّصّ جملة جملة، ونقله نقلًا دقيقًا إلى حدّ أنّ ما يلخّصه، يظهر بمظهر ترجمة بدرجة أسلم؛ فليس التّلخيص، إذن، كما يعتقد بعض مؤرخي الفلسفة، تفسيرًا أوسط، ولا نصًّا مجملًا؛ إنّما عند ابن رشد عملية منهج من مناهج مواجهة النّص المترجم، وهو - بالضبط - منهج تقويم اعوجاج، ولمّا كان ابن رشد - في تلخيصه - لا يشرح، ولا يجمل ما يقوله أرسطو، إنّما يعمد إلى تقويم لغة النّصّ المترجم من النّاحية الصّرفيّة والنّحويّة، وتقريبها من العربيّة السّليمة؛ فإنّه لم يكن يميّز بين كلامه ومقالة أرسطو، ويكتفي بأن يفتتح التّلخيص بعبارة: "قال أرسطو"، ويواصل كلامه دون إشارة إلى نهاية مقالة أرسطو، ولا غرابة - عندئذ - أن تتداخل عملية التّلخيص مع المناهج الأخرى، ولكنّها لم تتخلّل التّفسير نفسه، ذلك أن ابن رشد - هنا أيضًا - يعيد صوغ العبارة قبل أن يتناولها بالشّرح والتّعليق، ليقرّبها إلى الأذهان، ولا يتعذّر علينا أن نستخلص ممّا أعاد صياغته في التّفسير، ترجمة أمتن من التّرجمة الأصليّة، وفي عمليّة التّلخيص هذه، ذات الصّبغة التّقويميّة، يستبدل ابن رشد مصطلحات النّصّ المترجم بمصطلحات متداولة؛ (قول الجوهر/ الحدّ، مقصود إليه بالإشارة/ المشار المصمت، الجسم، الحقيقة/ الصّدق، مائيّة/ ماهيّة، كلمة/ حدّ، الأمور العاميّة/ الأوائل، السّولابي/ المقطّع، نجم/ نما، الجوامع/ المقاييس، الكنه/ الماهيّة).

كما أنّه قد يستعمل المصطلح الّذي يختاره بجوار مصطلح التّرجمة، وكثيرًا ما يقرن لفظ الهويّة بلفظ الموجود، ويقدّم لذلك تبريرًا لغويًّا، مفاده: أنّ (الموجود) يمتاز عن (الهويّة) بصورته الصرفيّة الشّائعة، وإن كان لا يفي بالمدلول اليونانيّ، كما تفي به الهويّة.

أمّا بالنسبة إلى تراكيب التّرجمة؛ فقد عمد ابن رشد إلى تقويم الجمل السّقيمة؛ بل استبدل بعض أجزائها بأجزاء أخرى، أو غيّر ترتيبها، أو أبرز المحذوف منها، كما كان يشير إلى عادة اليونانيّين في الاستعمال، ويقارن بينها وبين الاستعمال العربيّ.

ولم يقف ابن رشد عند هذا الحدّ؛ بل حاول أن يرتقي بتلخيصه إلى مستوى التّعريب، فيستبدل أسماء الأعلام اليونانيّة - في الأمثلة - بأسماء عربيّة؛ بل يقرّب مضامين بعضها تقريبًا إسلاميًّا.

وخلاصة القول: إنّ ابن رشد واجه نصًّا لا ينطق، واستخدم لاستنطاقه منهجين متكاملين؛ أحدهما "تقويميّ: هو التّلخيص، والآخر تقريبيّ: هو التّفسير.

الاشتغال بالتّراث الإسلاميّ العربيّ:

أنتقل مع الدّكتور طه عبد الرّحمن؛ لأسأله عن مفهوم "للتّراث الإسلاميّ العربيّ" وهل من نظريّة تكامليّة في الاشتغال بهذا التّراث؟

يردّ قائلًا:

بادئ ذي بدء، نورد تعريفًا إجماليًّا لمفهوم "التّراث الإسلاميّ العربيّ"، يضبط تصوّرنا له، ويقرّب مقصودنا منه؛ فنقول: "إنّ التّراث الإسلاميّ العربيّ - عندنا - هو: جملة المضامين والوسائل - الخطابيّة والسّلوكيّة - الّتي تحدّد الوجود الثّقافيّ الإسلاميّ العربيّ، سواء كانت نصوصًا أصليّة أو اجتهادات متفرّعة عنها، وسواء كانت نصوصًا مكتوبة أو أقوالًا منطوقة، وسواء كانت سلوكيّات ظاهرة أو سلوكيّات خفيّة، وسواء بقينا فرادى أو جماعات على اعتبارها والعمل بها، أو اتّجهنا إلى إلغائها وترك العمل بها.

وبعد وضع هذا التّعريف التّقريبيّ للتراث، نقول: إنّنا كابدنا في تأمل "مسألة التّراث الإسلاميّ العربيّ" ما لم نكابده في تأمّل غيرها؛ لاقتناعنا بأنه لا هويّة للذّات دون الاستناد إلى التّراث، ولشهودنا مواقف متّخذة من هذا التّراث، لا نرتضيها لأنفسنا ولا لغيرنا، بين ساكت عنه سكوتًا، وصارف له صرفًا، وقادح فيه قدحًا، إن جزءًا أو كلًّا.

وما كان لهذه المكابدة الصّادقة أن تذهب سدى؛ إذ ما لبثت أن حملتنا على الاجتهاد في تجديد النّظر في التّراث.

فانتهضنا إلى تفحّص ما اشتهر من الدّراسات في التّراث، متوسّلين في ذلك أرسخ قضايا العقل، وأحكم ضوابط المنهج، على مقتضى شرائط منطقيّة، أقوى من شرائط أصحاب هذه الدّراسات، فأدّى بنا فحص أشهر دراسات التّراث إلى الوقوف على صفة تجمع بينها جميعًا، هي: "أنّها كلّها تنتهي - على ما بينها من تفاوت في المسالك والمقاصد - إلى تقسيم التّراث الإسلاميّ العربيّ إلى أقسام متفاضلة فيما بينها"؛ فجعلنا لهذه الصّفة الجامعة اسمًا خاصًّا، هو: (النّظرة التّجزيئيّة أو التّفاضليّة للتّراث)، وقد نسمّي هذا الاتّجاه باسم: (النّظريّة التّجزيئيّة للتّراث) تجاوزًا فحسب، لما ذكرناه من اتّصافها بالتّفرق في المسالك، والتّشتت في المقاصد.

ولمّا لاحظنا ما لاحظناه من هيمنة هذه النّظرة التّجزيئيّة على هؤلاء الدّارسين للتّراث، تولّينا البحث عن الأسباب الّتي حملتهم على اتّخاذ هذه النّظرة دون سواها؛ فوجدنا أنّها ترجع إلى ثلاثة أسباب أساسيّة - كلّها - مخالفة لموجبات النّظر الصّحيح:

أ - الإخلال بشرط الاستنباط: إنّ المنهجيّة الّتي اتُّبعت في النّظر إلى التّراث - إن توصيفًا أو تحليلًا أو تقويمًا - منهجية لم تستنبط ممّا يتضمّنه هذا التّراث؛ من الأصول والقواعد المقرّرة، ولا ممّا يتفرّع عن هذه الأصول والقواعد من الأحكام المنهجيّة؛ إنّما استنسخت من تراثيّات أخرى - غير إسلاميّة وغير عربيّة - قديمة أو حديثة، مع العلم أنّه لا يوجد إبداعٌ حقيقيٌّ في المضمون الفكريّ، من غير استقلال في المنهج الإجرائيّ، وأنّه لا استقلال في المنهج من غير الخروج من مرتبة استنساخ المنهج، إلى مرتبة القدرة على استنباط نظيره.

ب - الإخلال بشرط التّقدم: إنّ المنهجيّة المستعملة في بحث التّراث الإسلاميّ، منهجيّة نظرت في مضامين التّراث الإسلاميّ العربيّ - وحدها - دون الآليّات الّتي تولّدت وتفرّعت عنها في هذه المضامين، على خلاف المقتضى المنهجيّ الّذي يوجب أن يتقدّم النّظر في الوسائل، على النّظر في المضامين، فضلًا عن إيجابه العناية بالبحث في الآليّات، من حيث هو كذلك، وحتّى أصحاب هذه المنهجيّة الّذين ادّعوا الاشتغال بالنّظر في هذه الآليّات، لم ينظروا إلى الحقيقة إلّا في كلام المتقدّمين عن هذه الآليّات، حيث يؤوّل نظرهم في هذا الكلام إلى النّظر في المضامين، لا إلى النّظر في الآليّات، كما كانوا يظنّون.

ت - الإخلال بشرط المناسبة: إنّ المنهجيّة المتّخذة في تقويم التّراث الإسلاميّ العربيّ، الّتي هي منهجيّة منقولة من تراثيّات غير إسلاميّة ولا عربية، نزلت على هذا التراث، من غير سابق تقدير لصلاحيّتها، ولا لاحق تصحيح لمعاييرها، مع أنّه كان ينبغي - قبل هذا التّنزيل - الابتداء بفحص وجوه المناسبة الممكنة، بين هذه المنهجيّة المنقولة، وبين الموضوع التّراثيّ الّذي أنزلت عليه، حتّى إذا وقع الظّفر ببعض وجوه المناسبة بينهما، لزم الانتقال إلى المتابعة الدّقيقة لأطوار هذا الإنزال، مع القيام بكلّ ما يتطلبه كلّ طور، من ضروب المقابلة وأشكال المراجعة، حتّى إذا صُحّحت هذه المنهجيّة بناء على هذه المقابلة والمراجعة، لزم الانتقال إلى فحص نتائج هذا الإنزال، من جهة مناسبة قدرها لقدر الموضوع التّراثيّ، علمًا أنّ المنهجيّة قد تصحّ، لكنّها لا تعتبر؛ لكونها لا تثمر إلّا القليل من النّتائج، ويبقى الموضوع الّذي طبّقت عليه خارجًا - في أغلب جوانبه - عن مدى إجرائها.

لمّا تبيّن لنا أنّ النّظرة التّجزيئيّة التّفاضليّة للتّراث، نتجت عن هذه الضّروب الثّلاثة من الإخلال المنهجيّ أو المنطقيّ، آلينا على أنفسنا أن نعمل - قدر المستطاع - على تجنّب هذه الآفات المنهجيّة الثّلاث، عند نظرنا في التّراث الإسلاميّ العربيّ، وكان لا بدّ أن يثمر الخروج عن هذه الآفات، نظرة مخالفة - في أوصافها - للنّظرة التّجزيئيّة؛ فتكون شموليّة حيث تكون هذه تجزيئيّة، وتكون تكامليّة حيث تكون هذه تفاضليّة؛ فأطلقنا على هذه النّظرة المخالفة التي أثمرها اشتغالنا بالتّراث اسم: (النّظرة الشّموليّة أو التّكامليّة للتّراث الإسلاميّ العربيّ)، ويجوز لنا أن نسمّيها (النّظرة التّكامليّة للتّراث)، لما دخلنا فيه من عمل، حرصنا فيه - أشدّ الحرص - على التزام الموجبات المنطقيّة، لبناء النّظريّة، كما يتبيّن ذلك في كتابنا المعنون: "تجديد المنهج في تقويم التّراث" الصّادر سنة 1994م.

بين العقل والعمل:

وصلت مع الدّكتور طه عبد الرّحمن إلى نهاية الرّحلة، لأعرف منه إن كان له مذهب فلسفيّ يتّبعه في حياته؟

فبادر بالجواب، قائلًا:

لقد انشغلت - منذ بداية إنتاجي الفكريّ - بكيفيّات دخول الفلسفة في الممارسة الحيّة، وكنت دائم النّفور من التّصورات الفلسفيّة، الّتي لا أجد سندًا لها في الممارسة الإسلاميّة العربيّة؛ فأخذت أدعو إلى عدم التّعلّق بالفلسفات الّتي لا تستجيب لمقتضيات التّداول الإسلاميّ العربيّ - عقيدةً ولغةً وعملًا - وأجتهد في بناء فكر ينسجم مع هذه المقتضيات، حتّى أنّني اهتديت - أخيرًا - إلى تبيّن أنّنا لسنا في حاجة إلى نظريّة في العقل، بقدر ما نحن في حاجة إلى نظريّة في العمل، وأن الخوض في نظريّة العقل في التّراث الإسلاميّ العربيّ؛ إنّما هو إسقاط للخوض الّذي دخل فيه الغرب بصدد العقلانيّة، في النّصف الأوّل من هذا القرن، وأخذ يخرج منه - منذ السّبعينيّات - لإقرار اللّاعقلانية على أنّها منهج يحصل به الخلاص، لكن بقينا نلوك أقواله في العقل، ونرجع بها إلى القرن السّادس؛ بل إلى زمن أرسطو.

أمّا الأسباب الّتي أقرّت بأسبقيّة النّظر في العمل على النّظر في العقل، بالنسبة إلى التّراث الإسلاميّ، وبالنسبة إلى حاجاتنا الملحّة في الخروج من أوضاع التّخلف؛ فأميّز فيها صنفين: عامّة وخاصّة.

أمّا الأسباب العامّة؛ فأذكر منها ثلاثة: أوّلها؛ أنّ العمل أسبق، من حيث الوجود على العقل؛ فالعقل - كما يتصوّره أصحاب العقلانيّات - هو: نظر - أساسًا - يتوسّل بوسائل التّجريد المعلومة، والنّظر - بهذا المعنى - لاحق للعمل؛ لأنّ الإنسان مفروز على الدّوام في العمل؛ فقد نجده غير ناظر بالنّظر التّجريديّ، ولكن لا نجد إلّا عاملًا، إمّا بطريق إيجابيّ بنّاء، وإمّا بطريق سلبيّ هدّام، ولو أردنا أن نقيس على قالب قديم في التّعريف، لقلنا: "إنّ الإنسان: هو حيوان عامل"، بدل أن نقول: "إنّه حيوان عاقل".

ثاني الأسباب العامّة: أنّ العمل أشمل من العقل؛ ففي الظّهور العمليّ للإنسان - أو باصطلاح (الاشتغال) - فإنّه يتحرّك بكلّيّة وسائله، وبجمعيّة نشاطاته؛ إذ يستخدم مداركه - الحسيّة والعقليّة - كلّها، إن بالتّفاوت أو بالتّساوي، ويوظّف جميع علاقاته مع نفسه ومع مجتمعه ومحيطه، إن بالشّدة أو بالضّعف، بينما العقل النّظريّ ليس إلّا نشاطًا واحدًا من النّشاطات الأخرى.

وثالث الأسباب: أنّ العمل أكمل من العقل النّظريّ، وكماله بدخول عناصر جديدة لا تكون في الشّيء غير الكامل، وهذا معنى الشّمول، كما يكون هذا الكمال بالفوائد أو الثّمار الّتي نحصل عليها منه، والعمل أفيد وأثمر - دون منازع - من النّظر، بمعنى؛ أنّ ترجمته في الواقع تكون أظهر وأقرب، على عكس (النّظر). إضافًة إلى أوصاف؛ السّبق، والشّمول، والكمال التي يتّصف بها العمل، هناك أسباب خاصّة تدعو إلى تقديم البحث في العمل على البحث في النّظر، نذكر منها ما يميّز التّراث الإسلاميّ العربيّ:

أوّلها: عدم انفكاك العلم عن العمل؛ فلا نكاد نجد عالمًا مسلمًا اشتهر بين النّاس الأخذ عنه، إلّا ووقف عند هذا الاتصال بين العلم والعمل، معبّرًا عن ذلك بهذه الصّيغة أو تلك، مثل: (العلم مبدأ العمل، والعلم تمام العلم)، أو مثل: (العلم المستعمل)، أو (العلم الباعث على العمل)، فكلّ معرفة حقيقيّة، لا تستقيم إلّا إذا تخلّق سلوكيًّا بها؛ لأنّ تحوّلها إلى أوصاف قائمة بالإنسان، من شأنه أن يجعل المعاني والقيم تنفذ إليها، فيحصل بها التّوجيه والتّسديد في الحياة.

ثاني الأسباب الخاصّة: عدم انفكاك العلم عن معرفة الله؛ فكلّ معرفة حقيقيّة، ينبغي أن تكون مفتاحًا من مفاتيح الاهتداء إلى طريق الله، يقدّر معرفة الموضوع الّذي يختصّ هذا العلم ببحثه، والكشف عن قوانينه؛ إذ إنّ الموجودات - أيًّا كانت - هي: مُجلّى قدرته سبحانه، ومُظهر صنعته عزوجل، وكلّ من اشتغل بالنّظر في واحد من هذه الموجودات، كان مطالبًا أن يدرك الحقّ فيها، وما لم يحصل له مزيدٌ من المعرفة بالله، فيما يمارسه من علم؛ فممارسته ليست علمًا نافعًا للمسلمين.

ثالث الأسباب الخاصّة: أنّ الزّيادة في العمل، لا تؤدّي إلى الإضرار بالإنسان؛ فكلّ معرفة علميّة، تكون مفتوحة الآفاق بالكلّيّة، لا الإكثار منها، ولا المواظبة عليها، ولا حتّى تنويعها يمكن أن يحيد بها عن سبيل المنفعة؛ لأنّ هذه الزّيادة - في الحقيقة - هي: زيادة في معرفة الله.

ورابع الأسباب الخاصّة: أنّ العمل لا يقوم بالفرد وحده؛ إنّما بالجماعة، ومردّه إلى التّأثر والتّأثير؛ أي إلى التّعاون والتّشارك مع الغير؛ فالعمل صفة مكتسبة عن طريق الاحتكاك بالجماعة، وعلى هذا؛ فإنّ القيمتين اللّتين توجّهان العمل، ليستا (الصّدق والكذب) النظريّين، بقدر ما هما (الاتّفاق والاختلاف)، من هنا؛ ندرك أهميّة هاتين المقولتين في الممارسة الإسلاميّة، حتّى أنّ الاجتهاد والتّقليد كان متحدّدين بهما.

العقل النظريّ يقوم بالفرد وحده؛ إذ يقصي جانب المشاركة، بالتالي؛ جانب الاتّفاق والاختلاف، ويكتفي بالصّدق والكذب على أنّهما معيارين لتوجّيه أحكامه، وقد صحّ - عندنا - أنّنا أحوج إلى نظريّة في العمل، منها إلى نظريّة في العقل - العقل ليس إلّا ثمرة العمل - فقد تبنينّا هذه النّظرية، وأخذنا في استجلاء أصولها، وترتيب قواعدها، وإحصاء جوانبها، وقد صدرت لنا الثّمرة الأولى لهذا المجهود، وتلاه ثمرات أخرى بإذن الله.