عبد الجواد ياسين: الدين والعلمانية: العنف وإمكانيات التعايش المشترك

فئة :  حوارات

عبد الجواد ياسين: الدين والعلمانية: العنف وإمكانيات التعايش المشترك

حوار مع المستشار عبد الجواد ياسين:

الدين والعلمانية: العنف وإمكانيات التعايش المشترك


عبد الجواد ياسين مفكر مصري، تخرج من كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة 1976، وتدرج في سلك النيابة العامة والقضاء منذ تخرجه، له مؤلفات في الفكر السياسي تتركز حول نقد التراث الإسلامي، ونقد العقل الديني، وهي من ضمن المشاريع العربية لإعادة تأويل التراث الإسلامي، منها "السلطة في الإسلام I - العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ والسلطة في الإسلام II - نقد النظرية السياسية" و"الدين والتدين: التشريع والنص والاجتماع" الصادر عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود".

التقيت المستشار عبد الجواد ياسين في الثامن والعشرين من إبريل 2017، في اليوم التالي لمحاضرته التي ألقاها بمكتبة الإسكندرية عن "الجذور النظرية للعنف الأصولي"، يوم الاثنين الموافق السابع والعشرين من إبريل 2017.

طلب المستشار عبد الجواد ياسين أن يجيب عن الأسئلة، لا في شكل تجميعي، بل أن يجيب على كل فرد قبل أن ينتقل للذي يليه. رأيت في ذلك رغبة منه في أن يدير حوارات ثنائية متعددة في جلسة واحدة. ولعل هذا هو ما دفعني أكثر لإجراء هذا الحوار معه، وكان هذا الحرص مني ينبع بالأساس من أسباب تتعدد من حيث المستويات؛ أقصد الشخصي منها والفكري والروحي؛ وذلك للدور الذي لعبه عبد الجواد ياسين في إحداث تغييرات عميقة في البنى الفكرية لعدد لا بأس به إطلاقاً ممن تابعوه.

التقينا في الفندق الذي كان مقيمًا به، وكان ودودًا على المستوى الإنساني، شاحذًا لعقله على المستوى الفكري.

لا يلتزم صاحب "الدين والتدين" و"السلطة في الإسلام I وII" بنسق فكري محدد لا يتجاوز أسواره الإيديولوجية، وهو في هذا الأمر يفارق أغلب الخطابات العربية الفكرية المعاصرة؛ مساحات حرية الفكر عنده أوسع بكثير مما هو معتاد أو مُتوَقَع، ولذلك كان حواري معه – فيما أرى – مفيداً على عديد الأصعدة.

المحور الأول: الدين ورسم حدود المفهوم

إسلام سعد: يذهب بعض الباحثين في فلسفة الدين – مالوري ناي Malory Nye على سبيل المثال[1] – إلى تعريف الدين بأكثر الأشكال عمومية؛ "دين المرء ثقافته".

كيف ترى الدين على المستوى المفاهيمي؟ هل يمكننا الإمساك بتعريف محدد للدين؟

عبد الجواد ياسين: هناك الدين من وجهة نظر الدين، وهناك الدين من وجهة النظر السوسيولوجية والأنثروبولوجية، هناك الدين من وجهة نظر السياسة، وهناك الدين من وجهة نظر الجغرافيا، والدين من وجهة نظر التاريخ، والدين من وجهة نظر الواقع. بسبب هذا التعدّد والتنوّع، يصعب الحصول على تعريف "جامع" للدين.

ومن وجهة نظري، أجد أنّ فكرة التعريف ذاتها فكرة غير صحيحة، لأنّ التعريف هو استباقٌ للمعنى وتقييدٌ له، وهو في جميع الأحوال نظرة من زاوية محددة، فعندما تنظر من زاوية ما فإنك ترى الدين بشكل معين، وإذا نظرت من زاوية أخرى ستراه بشكل آخر.

مثال، العقل الأنثربولوجي الوضعي بطبيعته، ينظر للدين باعتباره واقعة أو ظاهرة مارسها الناس في البدايات الأولى القديمة. عندما تنظر للدين من هذه الزاوية سيظهر الدين لك بتصور معين ورؤية معينة، أمّا لو نظرت إلى الدين مقروءًا في اللاهوت المُجرَّد النهائي، كما تقدّمه كتابات علم الكلام وكما تقدّمه الديانة ذاتها، سيظهر لك الدين بشكل مختلف ومطلق.

النظرة الأولى في الأنثربولوجي تنظر إلى ممارسات معينة؛ أي إلى الدين بما هو ممارسة أو بما هو واقعة مادية، مثال، "دوركهايم"، عندما اشتغل على الديانات البدائية، وقام بعمل دراساته في أستراليا عن القبائل الأسترالية، انتهى ببساطة إلى أنّ الدين واقعة اجتماعية، وليس أكثر من ذلك، والواقعة الاجتماعية تعني أنّ الشأن الأهم فيها هي الطقوس (أي الممارسات)، وبالتالي قلَّل مع فريق آخر في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية من قيمة المعنى اللاهوتي (أي الفكرة)، ويتحدث البعض عن أنّ الديانات القديمة، السابقة على النسق الإبراهيمي، لم يكن بها لاهوت بقدر ما كانت تحتوي على ممارسات، حتّى إنّ البعض يرى أنّ وجود اللاهوت في اليهودية نفسه قليل قياسًا بالمسيحية التي بدأت تنظر إلى اللاهوت، باعتباره صلب الدين وأولويته والعنصر السابق فيه موضوعيًا وزمانيًا؛ أي أنّ الطقوس جاءت ترجمةً لفكر اللاهوت.

عندما تنتقل المسألة للإنسان المعاصر ورؤيته وفهمه للدين، نجد أنّ هناك إشكاليات كثيرة جدًا، فنجد الدين بما هو نزوع ذاتي فردي وكيف تفكّر الذات في هذه المسألة، والدين بما هو منظومة اجتماعية سلطوية تخلق مظلّة تكليفية، على المجتمع وعلى الجماعة (أي الدين بما هو شأن جماعي)، وهذا هو التصوّر الإبراهيمي النهائي. وبالتالي، فهو يجعل من الدين منظومة جماعية لأنه جاء في الحقيقة ترجمةً لتجربة شعب اجتماعي، ولذلك، في اليهودية، تأخّر جدًا الحديث عن الذات الفردية وعلاقتها بالدين، حيث بدأ الدين في التجربة العبرية بما هو علاقات تتمثل في الشعب العبري وتجربته السياسية الاجتماعية وصراعه مع الشعوب والجماعات الموجودة في المنطقة بغرض إثبات ذاته. ولذلك، بدأ الربط بين فكرة الجماعية وفكرة الدين.

هناك تصوّرات مختلفة تمامًا فيما يتعلق بتعريف الدين. لا تستطيع أن تقدّم تعريفًا نهائيًا جامعًا مانعًا للدين؛ لأنّ هذا الأمر يتوقّف على زاوية النظر وزاوية البحث وزاوية الرؤية. وفي الحقيقة الدين يحتوي كل هذا، فيه نزوع إلى طقوس جماعية وفيه ذات فردية، الدين به تشريعات وسياسة، كل ذلك موجود بالطرح الديني، ولكن بالنسبة إليّ على المستوى الشخصي، إنّ الدين فكرة كلية مطلقة، أي أنّ موضوعه ومكانه هو الفلسفة أكثر من اللاهوت.

إسلام سعد: هل ثنائية (الدين/ التديّن) محاولة لتبرئة الدين من الفظائع التي تنسب نفسها إليه؟ أم محاولة لفضِّ الاشتباك بين الدين – كمطلق إلهي إيماني/ أخلاقي – وأنماط ممارسته المتعدّدة بتعدّد الثقافات والجغرافيات؟

عبد الجواد ياسين: في البداية، أنا لا أقدم خطابًا اعتذاريًا، إنّما الفكر الإسلامي السياسي المعاصر يقدم بالفعل خطاباً اعتذارياً، فهو يلجأ إلى القواعد والمبادئ العمومية المطلقة الموجودة في القرآن التي تتكلم عن الأمر بالخير والسلام والمحبة والصفح والعفو، «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»، «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ»، تلك الآيات تتكلم عن المبادئ الكلية في الشورى والعدالة والحق والخير، وتستخدمها كحائط صدّ في مواجهة الانتقادات الكامنة في صلب النظرية السياسية الموجودة.

هناك أيضًا، تفرقة تقليدية يلجأ إليها البعض أحيانًا بين الفقه والشريعة، باعتبار أنّ الفقه اجتهاد بشري والشريعة حكم إلهي، وهذا في جانب منه صحيح. هذه التفرقة قائمة بالفعل. إنّما ما أُحذّر منه هو أنّ القواعد العمومية ليست هي الدين المطروح، بل هي بالنسبة إليّ جزء من جوهر الدين بما هو دين.

وحين نتحدث عن الإسلام، فإننا نتحدث بالضرورة عن دين تاريخي؛ أي أنّه دين تكوّن في سياق اجتماعي معين وقام بعمل منظومة أو مدوّنة، تلك المنظومة هي المطروحة، باعتبارها الدين وليس المبادئ والقيم الكلية، لذا حينما نتناقش في الإسلام الذي يؤدي إلى العنف، فإننا لا نتحدث عن المبادئ والقيم، لأن المبادئ والقيم ملك للدين بما هو دين.

الجديد في مفهومي الفقه والشريعة، أنّ الفقه اجتهاد بشري والشريعة ليست اجتهاداً بشرياً من وجهة نظر الطرح التقليدي، لذا فإن مفهوم الشريعة ذاته، يحتوي على شق اجتماعي صريح، بحيث أنّ الشريعة إلهية؛ لأنها موجودة في النص.

أمّا ما أقدّمهُ هو أنّ النصّ يحتوي على اجتماع أُسميه "الاجتماع المنصوص"، لأنه جزء من الاجتماع ولكن جرى تنصيصه، أي جرى إدخاله في النص، ونتيجة لإدخاله في النص اكتسب الصفة الإطلاقية المقدسة وحصانات المطلق والمقدّس. إذن بالنسبة إليّ الشريعة ليست وحيًا إلهيًا بالكامل، الشريعة هي اجتماع جرى نَصّه، تمّ تنصيصه.

المحور الثاني: الدين والعنف

إسلام سعد: تابعتُ حديثًا للدكتور "طارق رمضان" وهو مشغول بتقديم الخطابات الاعتذارية بشكل عامّ، ويتكئ على فكرة "الإسلاموفوبيا"؛ بمعنى أنّ كل من يهاجمه يتمّ اتهامه بـ "الإسلاموفوبيا"، وقد رأى في العنف القرآني، أو خطابات العنف في القرآن أو آيات العنف، أنّ الإسلام أو القرآن لا يمكن أن يسكت عن شيء في صميم بنية الإنسان أو في تكوين الإنسان، أي نزوع الإنسان إلى العنف، كما يذهب البعض إلى أنّ الإنسان يسعى دائمًا إلى إدارة التوحّش بداخله، وبالتالي كان يجب على القرآن أن يخاطب هذا العنف، فلا يمكن أن يسكت عنه ويكون خطابًا سلميًا بشكل كامل. وسؤالي هنا: هل يمكن اعتبار العنف بنيوياً في القرآن؟ ولأي مدى؟

عبد الجواد ياسين: هناك آيات في القرآن ناهية عن القتال وهناك آيات مبيحة للقتال وهناك آيات هجومية آمرة بالقتال. كلّ مجموعة من الآيات تعبّر عن سياق "آنٍ"، محلي، اجتماعي، أي ظرف سياقي يتعلق بمسار الجماعة المسلمة، والقرآن كان يسجل الوقائع. فإذا كان مقصوده – طارق رمضان – أنّ القرآن يتعامل مع النزوع الإنساني كشيء مختلف عن الممارسات الخاصة بالجماعة، فهذا أمر لا أوافق عليه؛ فالقرآن أو الدين المطلق لا يجوز له أن يستهدف إقرار العنف بما هو فعل غير أخلاقي وبما هو فعل غير إنساني، لأن الدين المطلق - بما هو "الله" - أخلاقي بالضرورة وإنساني بالضرورة، وكوّني أُسجل العنف كفعل مادي واقعة حادثة سياسية، فهذا أمر طبيعي وضروري ولا مفرّ منه. أمّا أن القرآن أو الدين المطلق يُقرّ بالنزوع الإنساني للعنف؛ أي للكراهية، فهذا أمر يدخل في باب التلفيق واللفِّ والدوران كمحاولة للتبرير أو نوع من الخلط بين المفاهيم.

أخلاقيًا وانسانيًا، الله هو الحب والخير والجمال والسماحة والإحساس بضعف الإنسان وروحه؛ فالدين إنساني بالطبيعة والضرورة في حقيقته.

المشكلة أنّ العقل الإسلامي – ولأنه يشتغل من تحت سقف نمط التَدَيُّن السائد والتاريخي وبآلياته – يحاول أن يقوم بإجراء عملية توفيق بين ما يتصوّر أنه مبادئ حداثة، وبين الواقع الموجود في القرآن.

تحدّث القرآن بشكل هجومي شديد جدًا، تعبيرًا عن الواقع الذي تم بالفعل ممارسته مِن قِبَل الجماعة، وهي داخلة في علاقات مفروضة عليها اجتماعيًا وسياسيًا من القبائل المخالفة، المغايرة اجتماعيًا، وهذا ما يسمى بالاجتماع السياسي الطبيعي، والقرآن نقله وسجّل نقله، ولكن هذا التسجيل لا يحوّله إلى مبادئ مطلقة أو إلى مقدس مجرّد أو إلى تكليفات نهائية، لأنّ هناك فارقا بين الفكرة في ذاتها، وبين التكليف بها.

لا أستطيع القول، إنّ ممارسات القتال التي قام بها المسلمون الأوائل نتيجة الدخول في علاقات سياسية تتحول إلى مبادئ مطلقة تحكمني لنهاية الزمان باعتبارها ديناً، وهنا الإشكالية.

إسلام سعد: هناك قراءات تحاجج بأنّ الصراعات الشرق أوسطية هي "صراعات مصالح وهيمنة وتناقضات في الرؤى الدنيوية، وليست صراعات دينية ومذهبية أو بين أغلبية وأقليات"[2]. إلى أي مدى قد تتفق مع هذه الرؤية التي تُنكر تدخُّل الدين حتى في تأجيج الصراعات الطائفية؟ هل الدين (مفعول به) لهذه الدرجة؟

عبد الجواد ياسين: ظاهرياً وشكلياً، ترفع هذه الصراعات راية الدين، وتطرح رؤاها من خلاله، ولا يستطيع أحد أن ينكر حضور الدين فيها، حتى على مقاييس الطرح الذي عرضته الآن. ولكن، الدين دائمًا، ليس فقط الآن، وإنما في أي زمان يتمثل ويعبّر عن ذاته من خلال الاجتماع، البعض يفسّر - مثل مارسيل غوشيه - الظاهرة الدينية (المدُّ الأصولي)، بأنها مجرّد تعبيرات سياسية اقتصادية واجتماعية وتعبيرات هوية وليست دينية في الأساس، وهناك قصور في هذه الرؤية لعجزها عن وضع يدها على عمق البنية الدينية المتغلغلة في الاجتماع إلى حدّ كبير. فحين يريد الاجتماع الآن، أن يعبّر عن ذاته تعبيرًا فجًا فهو يحمل بالضرورة بذرات الدين التي هي كامنة فيه، وهي جزء من بنيته. أمّا الإشكالية هنا، فتتمثل في وجود طرح ديني مقدّم من خلال نمط التَدَيُّن السائد الذي طرحته الديانة وموجود بالفعل، وعلينا التعامل معه في جميع الأحوال كما هو، فلن نتركه لنتحدث عن القيّم الكلية التي تشتغل على المطلق لأنّ هذه القيم موجودة في كلّ المذاهب والنظريات وليست في الدين فقط، وفي نفس الوقت لن نتجاهل هذا الحضور الديني في بنية الاجتماع لنتكلّم عن اجتماع مجرّد، فلا وجود لاجتماع مجرّد الآن، وذلك لأنّ الدين تلبَّس بكلّ صغيرة وكبيرة في الاجتماع.

إسلام سعد: ما السبيل إلى تقديم نسخة "لا إقصائية" من الإسلام؟ هل يتعارض ذلك مع الديانات الإبراهيمية بشكل عام، باعتبار أنّ الواحد منهم يقدّم نفسه، باعتباره (خطاب الحقيقة المطلقة)، وهي الطاقة التي يستمدّ منها مؤمنو كل ديانة منهم نظرته المتعالية أو الاستعلائية لأناه الجماعي (أقصد أناه وهي تنضوي تحت لواء "جماعة الله")، وكذلك نظرته الدونية للآخر.

عبد الجواد ياسين: كان "يورجين هابرماس" في كتابه الأوّل Communicative Action""، يمتلك رؤية تفاؤلية، بالرغم من أنّ هذا التوقيت من الثمانينيات، حيث بداية الظاهرة الدينية وكشفها عن حضورها الطاغي، ولكن لم تكن وتائر العنف قد وصلت فيه إلى هذا الحدّ. طبعًا، بحكم انتمائه إلى السياق الغربي الأوروبي، كان يتعامل مع الأصولية، باعتبارها مسيحية إلى حدّ ما، وباعتبارها نوعاً من ردّ فعل الدين على الانهزام أمام الحداثة وتعبيرًا عن مفهوم الأزمة؛ أي أنّ هناك أزمة في المجتمع الرأسمالي الصناعي تتعلق بغياب الروح الإنساني، ومشاكل أخرى تتعلق بالتوزيع الاقتصادي. في هذا السياق كان ينظر هابرماس إلى المسألة على أنّه من الممكن إجراء مصالحة بين الدين والحداثة العلمانية، وقال بأنه، ولإجراء هذه المصالحة، هناك التزامات متبادلة ومفروضة على الطرفين؛ أي على الدين وعلى العلمانية.

● فعلى العلمانية بالأساس أن تكفّ عن الرهان على زوال الدين، لأنه لن يزول، فالدين عليه إجماع إنساني؛ وذلك لدوره في توطيد اللحمة الاجتماعية على الأقل، وعليها – أي العلمانية – بدلًا من الرهان على زوال الدين، أن تستنطق العقلانيات الموجودة في الدين حتى تقدّم أفضل ما فيها لكي تستدعي القيم الكلية الإنسانية القائمة فيه، ومن شأن هذه القيم إذا تمّ استدعائها أن تقرّب بينهما.

● أما الدين، فعليه أن يعترف بالتعددية، ويقرّ بعدم احتكاره لسلطة العلوم، ويقبل بالدولة الدستورية، وهي الدولة التي تتّسع للديني وغير الديني، لأن الدستور العلماني يقبل الديني، بينما الدستور الديني لا يقبل العلماني، وبالتالي الدستور العلماني يتيح التواجد للاثنين معاً. أمّا الأول، فلا يتيح ذلك.

إذن هو يطلب من الدين، لإجراء هذه المصالحة، التخلّي عن أمرين:

▪ التناقض مع قانون التنوّع والتعدّدية.

▪ التخلّي عن التناقض، مع قانون التطوّر.

إسلام سعد: في حديث "هابرماس" عن الدين، هل كان يدرك في ذلك الوقت اللاهوت الديني الإسلامي، أم كان يتحدّث في الشأن المسيحي؟

عبد الجواد ياسين: يتحدّث عن الدين كمطلق عام، ولكن الإسلام دخل كموسيقى تصويرية في خلفية هذا الحديث، من حيث كونه أصولية زاعقة وواضحة، ولكن، ماهو الدين الذي يقدم ذلك التنازل؟ إنه الدين المُعَدَّل، وبالتالي فهو يجعل المُعَدِل يسبق المُعَدَل، وهذا نوع معروف جدًا بما يسمى بـ "الدور المنطقي"، كي تُعَدِل الدين فيصبح جاهزًا لقبول ذلك. الدين التاريخي هو الدين الموجود الواقعي، ولا يستطيع فعل ذلك، لأنه لو فعل ذلك أصبح لا-دينًا.

وعندما تطلب من الدين أن يتخلى عن الشقِّ الاجتماعي الكامن فيه، فإنه لا يصبح دينًا تاريخيًا، وعندما تطلب منه التخلّي عن الحق الحصري في احتكار الحقيقة وتمثيله للمطلق والقبول بالآخر وحلّ مشكلة التعدّدية، ماذا يتبقّى منه حينها؟ إذن، الإشكالية هي أن ما يقوله هابرماس لا يوجد إلاّ في الدين كدين بما هو مطلق، ليس في التَدَيُّن أو الديانة. وهنا تكمن أهمية التفرقة بين الدين، والتَدَيُّن، والديانة.

في كتاب "هابرماس" الأخير "The Future Of Human Nature" والذي كتبه بعد أحداث 11/سبتمبر، حيث اتضحت الأمور أكثر، أصيب بالذهول، لأنّ، وبطبيعة الحال، هذا العنف الحادث لم يكن مشهودًا، ليس فقط في درجة العنف، بل في دوافعه وتأصيلاته التي تنتمي لنمط تفكير سابق على التفكير الإنساني الحداثي (عنف ينتمي للتاريخ القديم). وبالتالي، بدأ هابرماس يتنبه إلى إشكاليات العنف التناقضية، الكامنة في صلب الدين التاريخي نفسه. وفي عبارة موجزة، بدأ يتنبأ بفكرة التفريق بين الدين والتَدَيُّن، بين الدين والديانة، فهو يستطيع أن يجري مصالحة بين الدين والعلمانية، لأن الدين بما هو مطلق، يستطيع التصالح مع كل صيغ الاجتماع.

أما التَدَيُّن أو الديانة، فهي غير مهيئة للتصالح مع كل قيّم الاجتماع، لأنها تتبنى بالفعل كتلة اجتماعية خاصة بها، مؤبّدة وملزِمة، مقدسة ومُطْلقة في تنفيذها، في مقابل أي كتلة اجتماعية في الحداثة.

إسلام سعد: في الخطاب الراديكالي الإسلامي هناك اتكاء على القول بأنّ الإسلام إيجابي في عنفه، لأنه لا ينتظر تهديدًا من الآخر بممارسة الجهاد بمفهومه الحربي، بل الإسلام عندهم مبادر بالعنف والحرب، كيف يمكننا الرد على هذا الإدعاء؟

عبد الجواد ياسين: في الفكر الإسلامي التراثي التقليدي، لم يكن ثمة مشكلة في تبرير القتال والجهاد، لأنّ ذلك كان يتماشى مع أنساق التفكير السائدة في العصور الوسطى تمامًا، ولم يكن ثمة إحساس بالتناقض بين النزوعات المطلقة الإنسانية وبين القتال، لأن التفكير السابق على الحداثة كان تفكيرا يتعامل بتساهل مع فكرة القتال والقتل بذاتها، وبالتالي لم يكن يعاين الرؤية الاستهجانية التي فرضتها الحداثة بروحها الإنساني.

العقل الإسلامي المعاصر يعاين هذه الإشكاليات، ويشتغل تحت ضغط الإشعاع الحداثي الذي يحكي عن الروح الإنساني ويحكي عن أنّ العنف غير إنساني.

إذن، بدأت الإشكالية، فبدأ يعطي تبريرات. مثال، تبرير "سيد قطب"، في شرحه لسورة "الأنفال"، وهو بالمناسبة "حداثي"؛ أي جاء إلى التَدَيُّن من منطلقات حداثية جدًا، ومن منطلقات معصرنة، فتكوينه الذهني تكوين مُعصرن، ليس سلفيّ التكوين، وقد ظلت هذه التكوينات الأصلية العلمانية موجودة وتُوجّهه في اللاوعي حين يشتغل في طرحه، فحاول أن يقدّم تبريرًا في القرن العشرين للعنف الإسلامي، الموجود في القرآن. فأتى بنظرية غريبة جدًا، فقال إنّ وظيفة القتال في الفتح الإسلامي ليس أن يفرض على الناس الدخول في الدين، ولكن أن يحجب القوى المهيمنة الحاكمة التي تحول بين الناس وبين الاستماع للحق، فيُنَحّي هذه القوى المهيمنة من السلطات حتى يترك للناس اختيار ما يشاؤون.

هذا الكلام لا معنى له على الإطلاق، لماذا؟ لأنكّ عندما تزيح في الواقع قوى مهيمنة، فأنت تحلّ مكانها قوى مهيمنة أخرى، لا يمكن أن تزيح القوى السلطوية المهيمنة إلا بالقوة، وبالتالي وجود قوة أزاحت معناه إحلال القوى الجديدة مكان القوى القديمة. وبالتالي، يظل الضغط على الجماهير لصالح المحتل الجديد الذي يفرض قوّته من جديد في شكل السلطة، وهذا لا يعدو أن يكون خطابًا اعتذاريًا تبريريًا يحاول أن يتوافق مع استخدام مصطلحات عصرية للتعبير عنه.

هناك فريق أقل نسبيًا من سيد قطب في المدرسة التبريرية، يحاول أن يبرّر النزوع الهجومي في القرآن، بأنه ينطوي بالفعل على دفاع استباقي، كالحرب الاستباقية مع إسرائيل حين تكون مهددًا، يجوز لك أن تمارس الهجوم باعتباره دفاعاً، فهي بالتالي حرب دفاعية.

في هذا السياق، جرى تبرير النشاط الهجومي للرسول في بدايات المدينة قبل غزوة بدر؛ فقد مارس الرسول عددًا من الغزوات والسرايا الهجومية قبل غزوة بدر، وكلها محاولات هجومية، نَمَّت عن توجّهات غير دفاعية، وقد جرى، في سياق تبرير ذلك، أنّ هذه الغزوات كانت محاولة لاسترداد الحقوق التي تم اغتصابها من قِبَلِ قريش. إنما في نهاية المطاف، لا يمكن الدفاع أخلاقيًا، من وجهة نظري، عن أي مسلك هجومي يحمل راية الدين لأن الدين بقياساته المطلقة له مرجعية أساسية هي مرجعية الأخلاق الكلية؛ أي الأخلاق المطلقة. وبالتالي، فالنسق الدفاعي الذي ينتهجه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر فشل في تقديم تبرير حقيقي للعنف في الدين. الأجدى والأصلح، أن لا يحاول أحد تأويل النص وتلفيقه، ولكن أن يعترف بالفعل أنّ النص كان "آنيًا"، محليًا، يواجه ظرفًا خاصًا بالجماعة المسلمة في سياقها الاجتماعي، ولا ينطوي على أية تكليفية إطلاقية منسوبة إلى الله. هذا، باختصار، اجتماع سياسي جرى التعبير عنه، وأية محاولة للتبرير خارج هذا الإطار في رأيي، ستبوء بالفشل لأنها ستكون مفتعلة بشكل واضح.

إسلام سعد: إلى أي مدى توجد علاقة بين الدين والخَوف؟ ينسب فويرباخ في محاضراته عن "جوهر الدين" إلى شاعر روماني ما يلي: "في البدء، كان الخوف هو ما جعل الآلهة في عالمنا". كان يرى كذلك أن كلمة metus أي "الخوف" بالرومانية تحمل معنى الدين. بالإضافة إلى أن كلمة Religio تحمل معنى الخوف أو الهيبة أو المهابة، وكذلك كلمة Dies religiosus تعني اليوم التعيس أو اليوم الذي "نخشى" مجيئه.

عبد الجواد ياسين: الخوف شأن إنساني، نزوع إنساني طبيعي، كان، ولا يزال، وسيظل موجودًا؛ فكثير من المفكرين مثل "سميث" وغيره، حين يقدمون قراءات لأنماط التَدَيُّن البدائي للديانات القديمة - وهذا أيضًا، تكلم فيه "مارسيا إلياد" - فإنهم يرون أنه في التفاعل الإنساني الأول البدائي مع الطبيعة الهائلة، والواسعة، والكبيرة، كان عجز الإنسان وضعفه الشديد ظاهريْن حيال سطوة السماء والهواء والرياح والعواصف، فهو يشعر بأنه ضئيل جدًا وصغير جدًا أمام هذا الكون الجبّار المحيط به. لذلك وارد جدًا، وبشكل أساسي، أن يفكر في الالتجاء إلى قوة تحميه ويدفعه، لاستيحاء معنى المجهول البعيد الواسع. هذا شكل طبيعي من أنماط التفكير، وهي افتراضات نسق البحث الوضعاني الاجتماعي السوسيولوجي الذي يحكي عن أنّ الدين تجربة بدأت من الأسفل، أي من الأرض، أي من الإنسان كردّ فعل للاجتماع الطبيعي وليس ناجمًا من أنّ السماء أرادت أن تعبّر عن ذاتها فأوحت بالديانة. هذا التحليل السوسيولوجي يبدأ من الاجتماع.

ومع ذلك، في جميع الأحوال، سواء اتفقنا مع التحليل اللاهوتي الذي يتكلم عن الوحي المفارق أو الوحي الأرضي، فإنّ الخوف في جميع الأحوال موجود، ومؤثّر في كيان الدين، حتى من وجهة النظر اللاهوتية الدينية يظل التخويف بالله والتخويف من الآخرة والتخويف من الذنب والتخويف من العقاب، موجودًا في صلب الطرح الديني، "ويدعون ربّهم خوفًا وطمعًا"؛ فالخوف هنا مُقدَّم على الطمع لأنه شعور إنساني طبيعي. إذن فيورباخ يضع هذا في سياقات التحليل الوضعاني للمسألة.

إسلام سعد: في بحثك المعنون بـ "حول الدين والمستقبل"، وفي سياق تحليلك لخطاب سابينو إكوافيفا، رأيت مزجاً بين نيتشه وفرويد في أنّ الإنسان يحتاج لأمرين:

1- الحاجة للتحكّم في الخوف من الموت. 2- الحاجة لإشباع الرغبة الجنسية.

دعنا نركّز على النقطة الأولى إن سمحت، ويصبح السؤال حينها: هل تنعدم الحاجة إلى اعتناق الدين أو الإيمان بنسق عقائدي محدّد بانتهاء الخوف من الوجود في لحظته الدنيوية الأخيرة؛ أي بانتهاء الخوف من الموت؟ هل يمكننا تصوّر مثل هذا الانتهاء؟

عبد الجواد ياسين: هذا الكلام مثل الذي قاله إكوافيفا، الذي قال بأنه ستنتهي الحاجة إلى الدين عندما تُحَل مشكلة الخوف من الموت، وعندما تُحل مشكلة إشباع الرغبة الجنسية. رآهما بمثابة المشكلتين الأساسيتين.

شخصيًا، لا أتصوّر أنّ الخوف من الموت قابل للحضور في التاريخ الإنساني المنظور، لأنه طالما ظل الموت موجودًا سيظل الخوف من الموت موجودًا كذلك. وبالتالي، أتصور أنّ تلك فرضية نظرية لا أجد طائلًا كبيرًا من ورائها. كما نلاحظ أنه، وفي ظل التطوّر العقلي والعملي والروحي والاجتماعي الحادث، لا يزال الخوف من الموت موجودًا حتى في ظل تراجع الدين؛ ففكرة أنّ الدين يتراجع نتيجة لتراجع الخوف من الموت لم تحدث. لم يحدث ذلك الأمر، وذلك لأننا لم نشهد تصاعدًا في فكرة الخوف من الموت، وإنما هناك تصاعد في فكرة التعاطي مع الموت. بل بالعكس، أرى أنّ تراجع الدين لن يؤدي إلى أي تأثير يُذكر على درجة الخوف من الموت.

المحور الثالث: التراث الإسلامي

إسلام سعد: في حديثك مع الأستاذ/ أكرم خزام، قدّمتَ رؤية عن التراث بأنه "معطوب"، ولكن البعض نقض تلك الفكرة، ورأى فيها شيئًا من التعميم وكأنه يجب إحداث قطيعة كاملة مع التراث.

عن نفسي، لا أؤمن بفكرة القطيعة المعرفية من الجانب الوجداني، فنحن نفكر بالشعر العربي ونفكر بالأساطير العربية ... إلخ، فأرجو منك شيئًا من التفصيل عن فكرة "عطب التراث"؟

عبد الجواد ياسين: التراث لا يجوز أن يكون حاكمًا، أما أن التراث جزء منّي فلا سبيل إلى إنكار ذلك. العقل الإنساني به خاصية التَّفارُق وخاصية التساوي. يستطيع العقل الإنساني أن يخرج من ذاته؛ أي أن يجعل ذاته موضوعًا لنقد ذاته؛ فالتراث، بما هو مكوّن من مكوّناتنا، يعتبر واقعة مادية. أمّا الانغماس في إلزامية التراث، باعتباره حاكمًا يُلغي العصر والتطوّر ويقف في سبيل حركة الحياة، فهذا تجميد غير مفهوم!!

بالتالي، أرى أنّ التراث غير ملزم حتى لو كان ذهبيًا، ومقصدي من قول بأن "التراث معطوب" هو أنّ هذا التراث لم يكن ذهبيًا، بل كان في كثير من أحواله، تراثًا سيئًا وسلبيًا ضارًا، وهنا أحكي عن التراث السياسي الإسلامي مثلاً؛ لأنه تراث يتلخص في تكريس كامل لفكرتي الأوتوقراطية والثيوقراطية، وينطوي على عداء مطلق لفكرة الحرية وفكرة العقل. هذا ما أقصده بكونه معطوبًا.

المنظومة التراثية التي تمّ تدوينها بالفعل كانت منظومة مناقدة أو غير ودّية حيال الحرية بوجه عام -سياسية واجتماعية ... إلخ - وحيال فكرة العقل، وممارسة التفكير التي نستطيع اعتبار حرية الرأي وحرية الفكر من الأمور الرئيسة فيها؛ فالمدوّنة التراثية مبنيّة على تناقض كامل ومناقض للعقل.

إسلام سعد: أغلب الأبحاث الدينية التي ترى أنّنا يجب أن نجدّد أصول الدين لتتماشى مع الحداثة، أغلبها تتكلم عن التجديد للفقه، لكن من وجهة نظري، أنّ الفقه يتأسس على فكرة التمييز بين رجل وامرأة، وبين عبد وحرّ، وبين أَمَة وسيّدة حرّة، فهل يمكننا الحديث عن فقه "محدثن" نستطيع أن نستحضره ونطبّقه في سياق دولة حديثة؟

عبد الجواد ياسين: عندما تتغير الأصول، يتغير الفقه؛ وهو وضروري وطبيعي لأنه يشتغل على الفروع التكليفية، وذلك لأنه بحدوث الاجتماع تتولّد العلاقات بين الناس، وهو الأمر يستلزم وجود التشريع. والفقه - بالعموم - يعكس الأصول الأخلاقية والاعتقادية.

مثال: التمييز العنصري في اليهودية بين الأميّين واليهود، أجد أنه يُعَبِّر عن أحكام تكليفية تراعي الفرق بين اليهودي وغيره. وفي الإسلام، ستجد عدم جواز قتل المسلم بغير المسلم، وكذلك عدم جواز قتل الرجل بالمرأة.

ينجم كل ذلك عن نمط التَدَيُّن؛ أي عن المرجعية الأخلاقية التي عبَّرت عن الانصياع للمجتمع التقليدي القائم في المجتمعات السامية القديمة، وهو أمر ينمّ عن غياب الوعي الأخلاقي (صميم الدين).

إذا كان الجوهر الأخلاقي موجهاً للفقه، يصبح فقهاً أخلاقياً.

بتغيير نمط التَدَيُّن، المرجعية الفقهية، يمكن أن يوجد قانون فرعي (فقه) يوافق الأخلاق وجوهر الدين والحداثة.

إسلام سعد: يتميّز الإسلام بحسب أحد الباحثين - وهو "ياسين الحاج صالح"، المفكّر السوري - بما وصفه في الإسلام "باللا شكل السيد[3]" بمعنى غياب أي تحديد لملامح الإسلام، على مستوى أطره العامّة، وبالتالي يمكن أن نطلق عليه أي وصف، حيث يصبح الإسلام دينا ودنيا، عقيدة وجهادا، شريعة وحياة ... إلخ.

إلى أي مدى تعوق هذه الرؤية الشمولية للدين، في كلّ مناحي الحياة، أيّة محاولة لضبطه أو تجديده؟

عبد الجواد ياسين: هذا شيء معروف في النسق الإبراهيمي، وخصوصًا في الديانتين اليهودية والإسلامية، حيث الشقّ الاجتماعي يعتبر جزءًا من بنية الدين، والتشريع بالتالي جزء من بنية الدين، ومن هنا، فالشقّ الاجتماعي أكبر بكثير من الشق المطلق في الديانة، فهي ديانة اجتماعية من الدرجة الأولى، أو دعنا نقول إنّ الاجتماع بالغ الوضوح فيها على حساب الفكرة المطلقة. من هنا تستطيع أن تصف الإسلام - بما هو اجتماع - بأنه شامل لكل مناحي الحياة الاجتماعية، وتلك هي الإشكالية الكبرى، لأنه يُعَرِّض الديانة بشكل أكبر للاصطدام بقانون التطور.

قانون التطوّر يشتغل على المنطقة الاجتماعية، ولا يشتغل على المطلق، لأنّ المطلق بالتعريف هو ما ليس اجتماعيًا؛ أي أنه المفارق للاجتماع، وبالتالي كلما تزداد نسبة الاجتماع في الديانة، تزداد فرص اصطدامه بقانون التطوّر، وهذا يقلل من فرص التعاطي مع الإشكاليات الكبرى في الديانة أو التَدَيُّن بشكل ناجح.

إسلام سعد: لماذا تحضر الأزمة في الفصل بين ما هو "ديني" وما هو "سياسي" في سياق التجربة الإسلامية التاريخية، وكيف يمكننا فضّ هذه الإشكالية؟

عبد الجواد ياسين: السياسة هي التي صنعت بنية الديانات بالكامل، لقد فعلت ذلك في كل الديانات، لكن اتضحت أكثر في التكوين الإسلامي؛ لأنه يكفي أن نقول إنّ السياسة هي التي صنعت المذهبية في الإسلام كلّه. المذاهب الدينية الرئيسة الثلاثة في الإسلام هي انعكاس مباشر للثالوث السياسي الأول الذي نَجَمَ عن الفتنة الكبرى، والتي أدَّت إلى وجود الخوارج والشيعة ثم السُنَّة فيما بعد، وبالتالي، المضامين السياسية في بنية الديانة الإسلامية - وهي بنية تاريخية - قوية جداً وواضحة جداً بسبب التاريخ والسياق السياسي الذي أنشأها وأفرزها. تاريخيًا، وبوجه عام، وحتى قبل التجربة الكتابية، نجد أنّ الدين نشأ قريبًا جدًا من الدولة.

وارتبطت دائمًا فكرة المَلك الإله، بالمَلك نائب الإله، بالمَلك ابن الإله، بالمَلك المفوّض من الإله .... إلخ، إلى أن وصلنا إلى أنماط بعد تبلور الدولة، حيث لعبت الدولة دورًا أساسيًا في تشكيل اليهودية والمسيحية والإسلام، فلا تستطيع بسهولة أن تفك الاشتباك بين الديني والسياسي في نمط التَدَيُّن القائم، بل ولن تستطيع فضَّ هذا الاشتباك بين السياسي (الاجتماعي عمومًا) والديني إلاّ بتغيير نمط التَدَيُّن الكلّي، الذي يغلّب مفهوم المطلق الإلهي. إذا ما تعاملت مع الدين بما هو دين لن تكون هناك سياسة، ولن يكون هناك اجتماع، أمّا إذا تعاملت مع الدين بما هو تَدَيُّن تاريخي، فلن تستطيع فضَّ الاشتباك بين ما هو اجتماعي سياسي وما هو ديني مطلق.

إسلام سعد: إذن الحديث عن خطاب يتحدّث عن علمانية عمر بن الخطاب مثلًا، أو من يحاول أن يستنطق التراث الإسلامي بحلية علمانية وكأنه يحاول أن يفتح مفاهيم عصرية من داخل النسق التراثي نفسه، هل هذه محاولات تلفيقية في رأي حضرتك؟

عبد الجواد ياسين: طبعًا محاولات تلفيقية في جانب منها، ولكن هناك بعض قراءات منها تقف على فروق معينة؛ أي درجات، فأنا أستطيع أن أتحدث - على سبيل المثال - عن دولة الرسول (كشبه دولة، لأنها كانت دولة في طور الإنشاء والتكوين) باعتبارها، في رأيي، دولة أكثر علمانية من الدولة التي جرى تأسيسها وتقنينها فيما بعد في العصر العباسي، وهي الدولة التي استندت إلى التأسيس الفارسي الساساني حين تبنّت الدولة دور حارسة الدين، ونستطيع مثلًا، الحديث عن فوارق بين علمانية الدولة الأموية النسبية، وعلمانية الدولة العباسية التي كانت فجّة من حيث التقنين لدور الدولة الحارسة للدين. في جميع الأحوال يظل النظر إلى الدولة في سياق ديني ينطوي على درجة من الثيوقراطية لا يمكن إنكارها. إنما تستطيع الحديث عن فوارق نسبية نتيجة تأصيل وتنظير الدور السياسي للدولة الفاعلة فيه بشكل مُقَنَّن، وهذا فرق بينه وبين الدين، وبين تديين الفرد وتديين المجتمع.

والعلمانية تتعلق بتديين الدولة، وليس بديانة الدولة، وليس بتديين المجتمع أو تديين الفرد، مثلًا تستطيع الحديث في ظل الدولة الرومانية - وهي دولة علمانية تمامًا - عن حضور كثيف للدين على مستوى المجتمع وعلى مستوى الأفراد، إنّ وجود الدين في المجتمع لم يمنع من علمانية الدولة، بل كان في الدولة الرومانية وزارة أشبه ما تكون بالشؤون الدينية لتنظيم الأنساق الدينية المتعدّدة الموجودة في ظل الدولة الرومانية وإشكالياتها.

والإشكاليات التي قامت بها المسيحية مثلًا بعد ظهورها في الدولة الرومانية والمشاكل الكبيرة التي تسببت فيها مثل الاصطدام مع القوى الوثنية الموجودة ومع القوى اليهودية أيضًا، ممّا فرض على الدولة الرومانية الاهتمام بالمسألة المسيحية والدخول فيها بدرجة فاعلة. وبالتالي حين نتحدّث عن العلمانية فهي تتعلق بتديين الدولة (أي تديين السلطة)، أي باندماج السلطة مع النص الديني، وليس بتديين المجتمع ولا تديين الفرد، فممكن جدا أن يكون المجتمع متديّنًا وعلمانيًا.

إسلام سعد: سأسهب قليلًا في توضيحي لرؤية "هشام جعيط" المفكر التونسي في كتاباته المبكّرة حين قال بلا جدوى استنطاق أية رؤية حداثية من القرآن[4]. هذه الرؤية تحاول أن تقطع مع القرآن في إمكان النطق بقول جديد من داخله، وهذا مضادّ تمامًا لاشتغال اثنين من المفكّرين المصريين، مثل نصر حامد أبو زيد وعلي مبروك..

نصر أبو زيد، كان يتحدّث عن مفهومي المعنى والمغزى، بأنّ هناك معنى للقرآن يمكننا أن نقرأه من النص، وهناك مغزى، وكأنّ هذا المغزى يهدف إلى زحزحة أكثر، على الدوام، نحو تحقيق مبدأ ما.

علي مبروك اشتغل بمفهومين آخرين، منها ما يسمى بالمبدأ التأسيسي، القيم المطلقة التي تتحدث عن الأخلاق والحبّ والخير والجمال، وعن الحدّ الإجرائي الذي يتمّ استخدامه في النص لتحقيق أقصى قدر ممكن من المبدأ التأسيسي نفسه..

فإلى أيّ الرؤيتين تميل حضرتك؟ وهل يمكننا استنطاق حداثة من القرآن؟.

عبد الجواد ياسين: يمكننا استنطاق حداثة في القرآن، في المطلق القرآني.

كل مطلق بما هو مطلق قابل للتكيُّف مع كل حداثة، فالمطلق ليس به تجميد، ولا اجتماع.

إسلام سعد: كيف تعّرف المطلق القرآني، وليس الديني؟

عبد الجواد ياسين: المطلق القرآني هو ما يتعلق بفكرة الإيمان بالله والأخلاق الكلية، بوضوح شديد، ما سوى ذلك أعتبره بمثابة تحقيب للاجتماع التاريخي في وقتٍ ما، وبالتالي لا يمكن بالفعل استنطاقه للتحوُّل إلى قيم حداثية، فهو تسجيل للحظة الاجتماع المزامنة ونقله فيه.

إسلام سعد: أي أنّ النص لم يضع الحداثة نصب عينيه بالأساس.

عبد الجواد ياسين: بالضبط، هو نقل مباشر لحقبة التأسيس، ليتمّ ترجمتها وتسجيلها في النص، وبالتالي، عند لحظة معينة، لا يمكن إلاّ أن يصطدم بالتطوّر الذي يحدث في الاجتماع.

إسلام سعد: على نفس النهج، نجد في المقاربات الإيرانية مثل دكتور محمّد مجتهد شبستري حين يتحدّث عن الأخلاق، أخلاق القرآن كما توجد في الأحكام وغيرها، وبين أخلاق الحداثة، وقال بأنه يميل إلى أخلاق الحداثة أكثر من أخلاق القرآن، باعتبار أن أخلاق الحداثة عنده أجدى وذات فاعلية أكبر في تحقيق المساواة والعدالة.

عبد الجواد ياسين: الأخلاق لا تقاس بالجدوى، لأنّها مطلقة، فنحن نقوم بالأخلاق ليس لأنها نافعة لكن نقوم بالأخلاق لأنها أخلاق.

وما حدث بالفعل أن الديانة اصطنعت لذاتها أخلاقًا خاصة بها، أسميها الأخلاق الدينية، التي لا تتطابق تمامًا مع الأخلاق الكلية المطلقة، وانما تتقاطع معها أحيانًا، ولكنها لا تتطابق معها.

وقد ضربت أمثلة لهذا:

مثلًا فكرة العبودية، وهي فكرة غير أخلاقية وفكرة غير إلهية أيضًا، أعني أنه لا يمكن تنسيبها إلى الله، أي لا يمكن تنسيبها إلى المطلق، ومع ذلك الديانات الكتابية الثلاث تُقر العبودية!

هناك مثال آخر، فيما يتعلّق بالتفريق بين المسلم وغير المسلم، اليهودي وغير اليهودي، المسيحي وغير المسيحي. هذه الفكرة من خلالها تستجيز الديانة لذاتها أن تصنع تمييزاً بين إنسان وإنسان، في حين أنّ الدين، بما هو مطلق، والأخلاق بما هي مطلقة، تتعامل مع الإنسان بما هو إنسان كوحدة كلّية فقط. بالنسبة لله، البشر جميعًا واحد، وهو يخاطب البشر جميعًا، وبالنسبة للأخلاق، البشر بما هم بشر، موضوع الأخلاق، وبالتالي أية عملية تمييز على أساس أنها من عمل خالق الدين هي عملية غير أخلاقية. ومع ذلك بالنسبة للديانة وللتفكير الدياناتي هي محض أخلاق. وهناك نماذج كثيرة يمكن الحديث عنها، إنّما في النهاية تمّ اصطناع ما أسميه "أخلاق دينية" أي أخلاق خاصة، في حين أنّ فكرة الأخلاق، بما هي مطلقة، فكرة كلّية لا يمكن أن تكون خاصة، فالأخلاق هي الأخلاق، لأنّ الأخلاق تتعلق بالنزوع الإنساني الذي يمكن أن نستخدم معه مصطلح "الفطرة" بالتعبير الديني.

إسلام سعد: الرؤى الإسلاموية البحثية الآن، ترى في الأحكام القرآنية أقصى قدر ممكن من تحقيق الأخلاقية، فمثًلا يصفون في الميراث للذكر مثل حظّ الأنثيين هو أقصى تحقيق أخلاقي.

عبد الجواد ياسين: هذا الكلام ليس في الأخلاقي ولا في المطلق. هذا الكلام اجتماعي تشريعي، ظرفي، آنٍ، يتعلّق بسياقه الاجتماعي، ويترجم اجتماعيات العلاقة في السياق السابق على الإسلام؛ أي ترجمة للاجتماعيات الساميَّة الموجودة في المجتمع الجاهلي بكل بساطة.

هذا نقل لاجتماعيات موجودة بحكم فرعي تكليفي قابل بالطبع، لأن يتحوّل ويتغير، ومحاولة تبريره منطقيًا أو أخلاقيًا هي محاولة للتماشي مع نصّيته لا أكثر ولا أقلّ. إنّما لو قرأتها في سياق تكوّنها وتشكّلها وانبثاقها عن أرضها، نجد أنّها إفراز للاجتماع القائم، باعتبارها تشريعًا. التشريعات جميعًا، إفرازات اجتماعية. ونحن نتحدّث عن التعاطي معها تحت عنوان التأثير الاجتماعي وليس تحت عنوان الأخلاق أبدًا.


[1] الحديث هنا عن كتابه: "الدين: الأسس"، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2009

[2] انظر: جورج قرم: "نحو مقاربة دنيوية للنزاعات في الشرق الأوسط"، ترجمة: سلام دياب، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 2014، ص 9.

[3] انظر: ياسين الحاج صالح: أساطير الآخرين – نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده، دا الساقي، بيروت، لبنان، 2001، ص 93-121.

[4] انظر: هشام جعيط: الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، دار الطليعة، بيروت، ط3، 2008، ص 126 وما بعدها.