عبد الله لوكس: حول تجديد التعليم الديني الإسلامي

فئة :  حوارات

عبد الله لوكس: حول تجديد التعليم الديني الإسلامي

 حوار مع الدكتور عبد الله لوكس

حول تجديد التعليم الديني الإسلامي([1])


عبد الله لوكس (Abdullah Lux) أستاذ باحث أمريكي، درس التاريخ والفن، بالإضافة إلى تاريخ الإسلام والعربية، وتخرج من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية. بدأ اهتمامه بالعالمين العربي والإسلامي في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، حيث دخل الإسلام سنة (1992م)، وغير اسمه من ريتشارد (Richard) إلى عبد الله.

قضى لوكس فترة في بيروت شغل خلالها منصب المدير التنفيذي لمجلة «شؤون عربية معاصرة»، التي كان يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، ثم مديراً للترجمة في المركز نفسه، حيث عمل على ترجمة كتب ومجلات المركز من العربية إلى الإنجليزية.

ألف عبد الله لوكس مجموعة من الأعمال من أبرزها: (الثورة الثقافية والعالم العربي)؛ (الديمقراطية وحقوق الإنسان والشريعة الإسلامية)؛ (الزيدية في اليمن)... إلخ.

إن الخبرة العلمية التي راكمها الأستاذ عبد الله لوكس، والتجربة الروحية التي مر بها من المسيحية إلى الإسلام، بالإضافة إلى اطلاعه العميق على الديانات الشرقية، وفي مقدمتها البوذية، وأيضاً معرفته العميقة بالإسلام والغرب، جعلتنا نتوجه إليه بجملة من الأسئلة، تتعلق بقضايا التعليم الديني في السياق العربي والإنساني، وفيما يلي نص الحوار:

إبراهيم الصمدي: يعاني العالم العربي من موجة من التّطرف والغلو الديني، ما مسؤولية التعليم الديني في هذا الباب؟.

عبد الله لوكس: أعتقد، في أوّل الأمر، أنّه من اللازم أن نحدّد معنى أو طبيعة «التطرّف»، ثمّ أسبابه، وماذا نقصد بهذه الكلمة: «إلغاء الإنسان للآخر»؟ ليس كل من يتبنى «منهج السلف» (حسب هذه العبارة المعاصرة) متطرّف بالضرورة. من المعروف أن الظروف الصعبة قد تسبب «التطرّف» (بكل أنواعه، وبغض النظر عن الدين) أو إنها قد «تدفع» الإنسان في ذلك الاتجاه، وذلك بسبب الظروف الصعبة من الجوع والفقر، مثلاً، فقد يبحث عن حلّ لمشاكله - وقد تكون فرص العمل غير متوافرة. وكثير من الحركات المتطرّفة تقدّم «حلّاً»، أو وسيلة للفرار من الظروف الصعبة. من وجهة نظري «التعليم الديني» ليس مسؤولاً عن «التطرّف» بشكل مطلق، أو بهذا المعنى، بل النظام الرأسمالي المتوحش واللاإنساني هو الذي أفسد الإنسان والحياة الاجتماعية، وهو «مسؤول» عن هذا الوضع السيئ في المقام الأوّل.

ولكن على الرغم من ذلك هناك بعض أنواع «التعليم الديني» التي تشجع التطرّف والعنف، وفي هذا السياق يجب أن نحدد نوعية هذا التطرّف، وفي رأيي هو الخط التكفيري، هناك كثير من المسلمين يعدون ابن تيميّة «شيخ الإسلام»، ولكنه برأيي لا يمثل الإسلام، وقد شوّه صورة الإسلام بطريقة ما، في الحقيقة أنا أرى أنهّ أوّل «دعشويّ» في العالم، وبالفعل هو المرجع لتنظيم «داعش»، ولكل حركة تكفيرية في العالم حتى يومنا هذا، دون استثناء، فإن كنت تقصد «التعليم الديني» بهذا المعنى، فلا شك أنه قد لعب دوراً سيئاً جداً.

إبراهيم الصمدي: ما الأبعاد الرئيسة لإصلاح التعليم الديني في العالم العربي؟.

عبد الله لوكس: باختصار شديد، أعتقد أن أهم مسألة في هذا الباب هي «المرجعيّة»، ومن دون العودة إلى هذا الموضوع لا يمكن تحقيق أي إصلاح، أو تغيير، حاليّاً أرى عمليات إعادة إنتاج في معظم البلدان العربية، هناك خطأ كبير في الاهتمام الزائد بشخصيات تاريخية بدلاً من الاهتمام بالقرآن الكريم، والمبادئ الإنسانية في ديننا، فقد توصّل المسلمون إلى أن الشيخ فلان ابن فلان، أو الإمام علان يمثل «الإسلام»، أو «الإسلام الصحيح»، وهذا نوع من أنواع «الطاغوت» إن لم يكن نوعاً من «الشرك»، إذا أردنا أن نتجاوز «عقدة» هذه اللحظة، فعلينا أن نترك هذا التقليد الأعمى للشخصيات التاريخية.

في الحقيقة استغربت من المحطات الدينية في المغرب (التي سمعتها على الراديو في سيارات الأجرة، وفي المطار)، ولم أفهم هذا الإقبال العجيب على الشخصيات التاريخية، مثل «الصحابة»، لماذا لا نستمع إلى القرآن، أو إلى دروس من القرآن الكريم، أو إلى نظريات اقتصادية منبثقة من مقاصد الشريعة، مثلاً، بدلاً من التقديس لهذه الشخصيات؟ لماذا لا نفكر في حلول المشاكل الاقتصادية على ضوء الدين الإسلامي؟ أنا أتفق مع د. عبد الإله بلقزيز أنّه لا بد من «العودة إلى النص»، وأقصد بذلك القرآن الكريم في حدّ ذاته، وكما هو.

من جانب آخر أعتقد أن علينا أن نجتنب الأحاديث المزيّفة التي لم تكن من قول الرسول صلى الله عليه وسلم أبداً، وبغض النظر عن «الإسناد» وإن كان «صحيحاً» أم لا، وهذه الأحاديث ليس لها أي مضمون أخلاقي أو علمي، بل هي مجرّد تعبير عن السياسة، إذ أننا لا نستفيد من هذه الأحاديث التي تعبر عن تعظيم فلان ابن فلان، علينا أن نركز على البعد الأخلاقي، وعلى الأحاديث التي توضح المعاني القرآنية، على سبيل المثال نجد رواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تجمعوا ما لا تأكلون»[2]، ونجد الرواية نفسها عند علي بن أبي طالب، ورواية أخرى عن عمر بن الخطاب، إذاً هناك إجماع على هذا المضمون، فالرسالة هي المهمة، وليس الشخص أو «الرسول». أعني من الممكن أن نأخذ هذه الحكمة من الرسول، أو من علي، أو من عمر، على حد سواء. المضمون هو المهم، وطالما أن الرواية تتفق مع القرآن الكريم ليس هناك مجال للجدل.

إننا نتعامل مع ديننا من خلال تأملات شيوخ، وهم رميم في مقابرهم منذ ألف عام أو أكثر، ونكرر أسماءهم ومواقفهم (وكثير منها غير صحيح) ونصبغهم بصبغة «القداسة»، والتقديس لعلماء وفقهاء الماضي يضّرنا، ويمنعنا من التفكير بطرق واضحة ومفيدة، من المفروض أن نعيش ونتعامل مع ظروف حياتنا بشكل مباشر، وليس من خلال ذهنية ابن تيمية أو غيره، نحن مسؤولون عن أنفسنا وأعمالنا، والله تعالى سوف يسألنا على ذلك، لا يمكن أن نبرر أعمالنا على أساس أننا نمثل امتداداً لفكر ابن تيمية، هذا عكس إرشادات القران الكريم الذي أرادنا الله أن نأخذه مرجعاً ومنهجاً، وليس ابن تيميّة أو غيره.

عند علماء الشيعة منهج فقهي وهو: رفض أيّ حديث غير منسجم مع نص القرآن. تاريخيّاً قد اعتمد علماء أهل السنّة والجماعة على «نقد» الإسناد، وأحياناً بغض النظر عن «المتن» أو المضمون، فالإمام الشافعي، مثلاً، كان يعدّ الأحاديث على مستوى القرآن الكريم نفسه، وحتى رأى إمكانية أن تكون رواية (وحتى رواية غير متواترة، أو «خبر الآحاد») ناسخة للآيات القرآنية، وهذا موضوع غير معقول، وخطير جداً، فالصحيح أنه لا يوجد كتاب «صحيح» غير القرآن الكريم، فالخطوة الأولى هي أن نجعل القرآن الكريم مرجعاً لنا، وأن نتبنى منهج تفسير القرآن بالقرآن.

إبراهيم الصمدي: هل هناك تجارب ناجحة في هذا الباب يمكن أن تحتذى؟.

عبد الله لوكس: نعم، أعتقد أن هناك «تجارب ناجحة» في هذا الباب، ولكنها قد تكون على نحو غير متوقع، إذا جاوز بعض المسلمين «عقدة ابن تيميّة»، فمن الممكن أن يدرسوا تجربة إيران، وخاصة بعد الثورة الإسلامية، في العالم الشيعي توجد علاقة معينة بين «الحوزات الدينية» والدولة...، هناك، دائماً مجال للتجديد، ولكن ليس عن طريق ابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهاب؛ لأنّ هؤلاء قد «أقفلوا أبواب الاجتهاد». عند أهل السنة هناك ثلاثة أركان للدين: القرآن الكريم، السنّة، والإجماع، عند الشيعة هناك أربعة أركان للدين: القرآن الكريم، السنّة، العقل، والإجماع. وبالاختصار: العقل والاجتهاد، لا بد منهما.

إبراهيم الصمدي: آلأنسب بالنسبة للتعليم الديني بالعالم العربي والإسلامي أن يبقى مستقلاً منهجاً ومؤسسات عن التعليم العصري، أم الأفضل ربطه بالتعليم العام؟.

عبد الله لوكس: إنّ موضوع «الفصل بين الدين والسياسة» في الغرب، ومسألة اعتبار هذا الفصل مثالاً للتطبيق على الواقع العربي أو الإسلامي في الحياة الاجتماعية والسياسية، هو موضوع معقّد، ويجب أن يتابع بالدراسات، والأبحاث الجديّة. أمّا أن نتكلّم عن تطبيق هذا المثال على الأرض؛ فهذا شيء مستحيل لسبب بسيط، وهو أنّ الناس هم الذين يحددون المثل الذي يودّون اتّباعه، وحتّى لو تبنّت الدولة مسألة فصل الدين عن التعليم، ستبقى المؤسسة الدينية تلعب دوراً ما في فترة ما عند فصول تاريخية محددة.

أعتقد أن السؤال الأهمّ هو «ما دور الدولة الحديثة في تحفيز أو تقليص دور المؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي»؟

إن موضوع «انفصال» المؤسسة الدينية عن المؤسسة التعليمية التي توحي بــــ: «عدم الانسجام» بين الفكر الديني والفكر العلمي، وكأن الدين مبني على «الخرافات»، هذا غير صحيح، إنّ الإسلام له علاقة وثيقة بكل مجالات الحياة كالعلوم السياسية، والعلوم الاقتصادية، ما نتمناه في هذا الإطار هو تأسيس وتدريب الخبراء والباحثين في الدين الإسلامي؛ لاستخلاص العلوم السياسية والاقتصادية الإسلامية المعتمِدة على القرآن الكريم، إنّ هذا من أهم ما يمكن أن يدع له أيّ إنسان يريد للعالم الإسلامي والعربي الاستقلال بالمعنى الواقعي.

إبراهيم الصمدي: ألا يشكل التعليم الديني بالصورة التي عليها اليوم، وخاصة التعليم العتيق أو التقليدي، عائقاً أمام الحداثة والتقدم؟.

عبد الله لوكس: إنّ هذا السؤال مبني على افتراضات استشراقية محضة، ليس الإسلام أو المجتمع هو المشكلة، بل الدولة الحديثة وعلاقتها بالدين والسياسة والاقتصاد والتعليم، في رأيي الإسلام لا يشكل «عائقاً» أمام «الحداثة» أو «التقدّم»، ولكن قد يعتمد هذا على كيف نحدد المصطلحين.

من الخرافات المعاصرة الكبرى أن الإسلام «شيء عتيق» لا علاقة له بعصرنا هذا، هذا الموقف له علاقة بالمستشرقين، والذين يقلّدونهم تقليداً أعمى، لولا الإسلام والعلوم العربية في العصور الوسطى (مثل مشاريع «بيت الحكمة») لم تكن «النهضة الأوربيّة» ولا «الحداثة» أصلاً ممكنة. قبل ألف عام كان علماء العرب يقيسون دائرة الكرة الأرضية بدقة، وفي الوقت نفسه كان الأوربيون يعيشون في الكهوف لا يتحممون، ولا يعرفون «الصابون»، ويؤمنون بالسحر - أي: كانوا يعيشون حالة تخلّف رهيب.

مع هذا فمسألة «المنهج» في التعليم قد تكون أهم مسألة في المجال، وهنا، من دون أن أدخل إلى التفاصيل، يمكنني أن أقول: إن هناك سبيل للتجديد والطريق هو «العودة إلى النص»، وبذلك أقصد نص القرآن الكريم، وأكثر من ذلك: «تفسير القرآن بالقرآن» (...) باب الاجتهاد مفتوح، ومن اللازم أن يظل مفتوحاً حتى يوم القيامة، لسنا أحراراً كي نفسر القرآن الكريم حسب أوهامنا، ولكن من الممكن جداً أن نكتشف طرقاً للتجديد، وحلولاً مناسبة إذا تمسكنا بالكتاب، واعتمدنا على عقولنا في تفسيره على أساس منهج البرهان والبيان.

في الحقيقة نرتكب خطأ كبيراً عندما نتخيّل أن «القدماء» أو «السلف» قد فهموا كل شيء، بل إنهم فسروا القرآن الكريم حسب علمهم، وظروفهم، وتجاربهم آنذاك، ولكن وضعُنا - اليوم - يختلف عن وضعهم، وحتى عن وضع الناس الذين عاشوا قبل مئة سنة، أو حتى خمسين سنة، دائماً الفقه قابل للتجديد، وفي النهاية الحق هو الحق، والباطل هو الباطل.

إبراهيم الصمدي: في نظركم ما الغايات الأساسية للتعليم الديني تربوياً وعلمياً؟.

عبد الله لوكس: الغاية الأساسية - من وجهة نظري - للتعليم الديني هي تكريس الأخلاق، والانضباط بين أفراد المجتمع، دون تلك القيم والأخلاق الدينية يصبح الإنسان «أسفل السافلين» - وقد يتصرّف بشكل أسوأ وأشنع من أيّ حيوان -، وعادة تتصرف الحيوانات حسب غريزتها، ولا تتجاوز حدود حاجاتها الضرورية، أما الإنسان فسرعان ما يصبح طاغيّاً، ويتجاوز كل الحدود المعقولة إذا لم يقيّد غريزته ورغبته بتلك القيود؛ التي يفرضها الدين، أو يقتضيها العقل (الفطري) على حد سواء، لا شكّ في أننا في حاجة ماسة إلى الأخلاق، والأساليب الإسلامية في تعاوننا مع الآخرين، وبغياب هذه القيّم انهيار المجتمع أمر حتميّ، أعني البعد التربوي في التعليم الديني هو الأساس.

إبراهيم الصمدي: أي دور في رأيكم تلعبه المؤسسات التعليمية في المجال الديني للتقليل من خطاب التشنج والإقصاء؟ وأي دور تقوم به في تجفيف منابع التطرف؟ وهل يكرس هذا التعليم ثقافة العيش المشترك؟

عبد الله لوكس: إنّ مسألة «العيش المشترك»، ودور المؤسسات التعليمية في «تجفيف منابع التطرّف» مرتبط بدراسات الأديان الأخرى (comparative religion) على الأسس المشتركة بين كل الأديان السماوية - وأقصد بذلك، بالإضافة إلى اليهوديّة والمسيحيّة، أديان مثل الدين البوذي، وحتى الدين الهندوسي (في أصله، وليس كما يمارس الآن). إذا درسنا، مثلاً، التوراة والإنجيل والكتب البوذية (Lotus sutra, Heart Sutra, Diamond Sutra) والهندية (The Upanishads, The Baghvad Gita) نجد المضمون نفسه، أو «الرسالة» نفسها، ولكن بلغات مختلفة، في الهند، مثلاً، كان يتعايش المسلمون، والبوذيون، والهندوسيون، والجائيون معاً لمدة قرون حتى ظهور الدولة الحديثة؛ التي تعتمد على الدين أساساً للانتماء، مثل الدولة الباكستانية، وغيرها، هناك رواية ومضمونها: أن الله تعالى قد بعث مئة وأربعة وعشرين ألف نبي قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: لا يمكن أن نتعامل مع الآخر على أساس أنّه «كافر»، أو نفعل مثلما فعل ابن تيميّة، أو سيد قطب، عندما كفّرا كل من لا يوافق آراءهما.

إبراهيم الصمدي: كيف تتلقى المؤسسات الدينية التعليمية الدعوة إلى إخلاء المناهج التعليمية من الأفكار المحرضة على العنف؟

عبد الله لوكس: إن موضوع التسامح بين الأديان هو في صلب موضوع الاستشراق. إنّ الكلام عن «العنف» أو عدم التسامح، عادة، يوجّه إلى المسلمين بشكل خاص، وكأن الإسلام هو الدين الوحيد الغير متسامح، أو الذي يدعو للعنف، إن هذا الكلام غير دقيق في الحقيقة. إن الدراسات التي تعنى بكل الأديان تعالج موضوع عدم التسامح، وعلاقته بالدولة الحديثة، ومسألة الأقليات والدين في إطار قوانين الدولة، هناك الكثير من الأبحاث التي تعالج مسألة الأقليات في الهند وفي «الدولة العربية«، ويتكلم الكثيرون عن العنف في العالم العربي، أو في فلسطين، كأن الإسلام يسمح بالعنف دون قيود، ولكن هؤلاء يتجاهلون أسباب وجذور العنف. كثيراً ما نجد أن المسلمين يدافعون عن أنفسهم، وأهلهم، وأراضيهم... إلخ، في أماكن كثيرة مثل بوسنيا، أو تشيشنيا، أو بورما، أو الفليبين... إلخ. إنّ الله تعالى في حكمه وضع شروطاً كثيرة حول استعمال العنف، وكيفيته. وفي هذا السؤال تظهر مسألة «المرجعية»، فموضوع «الجهاد» أو العنف في الإسلام مرتبط بتفسير القرآن وأحكامه، وإذا أردنا أن نناقش هذا الأمر فعلينا أن ندخل في نقاش موضوع «الناسخ والمنسوخ»، وإمكانية وقوعه، أو عدم إمكانيته في القرآن الكريم، أخذ رأي ابن تيميّة أنّ «آية السيف» ناسخة لمئة وأربع وعشرين آية أخرى من القرآن الكريم، فمن يقبل هذه الفكرة فمن الممكن أن يجد نفسه يوافق خط تنظيم «داعش».

أما إذا أردنا أن نتبنى منهجاً آخر، مثل منهج الإمام أبي الحسن الخوئي (العراقي)، يمكننا أن نصل إلى نتيجة أخرى، وفي هذا السياق الخوئي لم ير وجود حالة «النسخ» في نص القرآن الكريم، بل قال بـــ: «التخصيص»، وهو عبارة عن حالات متغيّرة حسب الظروف، أو الشروط، يعني: «الجهاد» له شروط، فقد يكون واجباً في بعض الحالات، وممنوعاً في البعض الآخر، شرب الماء، مثلاً، له شروط، وعادة شرب الماء أمر مباح، ولكن أثناء ساعات النهار في شهر رمضان يعدّ حراماً، ولكن أيضاً في حالة المرض فإن شربه لازم، وحتى وإن كان في شهر رمضان إن كان ذلك يؤدي إلى العلاج، أو حفظ صحة المريض... إلخ.

إبراهيم الصمدي: في نظركم أيتم تدريس الدين الإسلامي من وجهة نظر إيمانية، أم وجهة نظر معرفية، أم يوجد توازن بينهما؟

عبد الله لوكس: في رأيي لا توجد أية تناقضات بين الإسلام والعلم طالما نتبنى منهجاً مرناً، ونفسر أو نُؤوِّل بعض الآيات أو الأحاديث على أساس أنها «مجاز»، وعلى سبيل المثال: نقرأ في القرآن الكريم: و، و، فيمكننا أن نفسّر أو نؤول الآيتين الأولتين على أساس أنهما «مجاز»، ولكن تدلان على علاقة ما بين هذا النظام الكوني وكيف خلقه الله تعالى. من الممكن أن لا نفهم كلمة «عرش» بمعناها العادي، ولكن يمكن فهمها كرمز، وعندما نأخذ الآية الأخيرة بعين الاعتبار نلاحظ حقيقة علمية مرتبطة بالموضوع، وهي أنّ أيّ كائن حيّ مخلوق من الماء، وجسم الإنسان، مثلاً، هو متكوّن من حوالي خمسة وسبعين بالمئة من الماء.

في مثال آخر، نجد في بعض الروايات عند الشيعة حديثاً مضمونه أن سيدنا آدم هو «رمز»، أو حسب بعض الروايات كان هناك أربعة آلاف «آدم»، أي: سيدنا آدم يمثل جنس البشر، ومن الممكن أن نذهب إلى أبعد من هذا، شخصياً أنا لست من الذين يؤيدون نظريات «داروين» جملة وتفصيلاً، ولكن، حتى في هذا السياق، أنا أرى أن مسألة «التطور» لها علاقة بكيفيّة الخلق، وليست بمسألة فيما إذا كان الله خلق الكون أم لا، فبكل تأكيد هو الخالق، وهناك فرق مطلق بين الخالق وبين المخلوق، في الحقيقة لا خالق غير الله، أمّا مسألة «الكيفيّة» أعني: كيف خلق الله تعالى الكون؟ فالله أعلم.

وأخيراً، في هذا السياق، كان العلامة السيد محمد حسين فضل الله (العراقي - اللبناني) مصرّاً على أن القرآن الكريم «ليس كتاباً علمياً» بمعنى لا يجب أن ندرسه ككتاب علم الفيزياء، أو علم الفلك، وفي الوقت نفسه لا مجال للخوف من العلم، أو من اكتشافات علميّة جديدة في أي مجال، فإذا ظهر «شبه تناقض» بين القرآن الكريم أو العلم؛ في الحقيقة الإشكال كامن في تفسيرنا، أو تأويلنا للكتاب، وليس في الكتاب في حد ذاته، بعبارة أخرى: إن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يشجعاننا على طلب العلم، وكمسلمين نحب العلم، ونحب أن نتعلم. باب المعرفة (مثل باب الاجتهاد) دائماً مفتوح.

إبراهيم الصمدي: كيف تحضر صورة المرأة في المنهاج التعليمي الديني؟

عبد الله لوكس: قد يكون آخر سؤال هو الأهم، إن كان «الفكر الديني» بحاجة إلى الإصلاح أو «التصحيح» في أي مجال؛ فإني أعتقد أن مجال «صورة المرأة» قد يكون الأولى، فما زالت المرأة المسلمة تعاني من ظلم بعد ظلم، وتشويه صورتها منذ القدم. قام الرسول صلى الله عليه وسلم بثورة راديكالية غير مسبوقة في تاريخ البشر، وفي الحقيقة إنه قد حرّر المرأة من قيودها، وقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم أوّل من جعل المرأة على مستوى الرجل نفسه أمام الله تعالى تاريخياً.

وعندما نتأمّل علاقته عليه السلام مع أزواجه، مثل أم المؤمنين خديجة، أو بنته فاطمة الزهراء، أو غيرهما، فلا يمكننا أن نقبل أيّ حديث يشوّه صورة المرأة من أية ناحية، (يوجد بحث علمي وموضوعي من قبل باحث هولندي، استعمل الحاسوب فيه، وقد ثبت، ببرهان قطعي، أن الحديث الذي مضمونه أنّ «معظم أصحاب جهنم نساء»[3] لم يكن من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل مصدر هذا الكذب هو شخص اسمه «أسامة» عاش بعد مئتي سنة من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنّه من المعروف في كتب الطبقات والوفيات أنّ «أسامة» هذا كره النساء كرهاً شديداً.

نجد «أحاديث» لا يمكن أن تكون صحيحة في مضمونها أن المرأة «شرّ» (مثل حديث منسوب لعلي بن أبي طالب: «المرأة شرّ لا بد منه»)[4] وهذا بالإضافة إلى الفكرة القائلة بأنّ المرأة «ناقصة» في عقلها[5]، أو قدرتها... إلخ، وفوق كل هذا هي «ملك» لزوجها، ولا يمكنها أن تغادر بيت زوجها إلا بإذنه[6]... إلخ، طيّب، عندما نقرأ كتب التاريخ نجد سيدتنا عائشة تقود «معركة الجمل» بالعراق في بقعة من الأرض على بعد حوالي ألفي كيلومتر من بيتها في المدينة، وهي راكبة على ظهر جمل، فمن الذي يقول بأن المرأة لا يجوز لها أن تقود سيارة؟، في هذا المجال على المرأة المسلمة والعربية أن تدافع عن نفسها، وعن حقوقها، وعلى المسلم أن يتخيّل نفسه في مكان المرأة كي يفهم وجهة نظرها، وأيضاً لكي لا يرتكب ظلماً في حق المرأة.

مع كل هذا هناك بعض الملاحظات، إنّ الحديث عن هذا الموضوع، بشكل تجريدي، غير دقيق، فبعد الثورة الصناعية تغير نمط الحياة البشرية بأكمله، وجذرياً، وخاصة بعد الحرب العالميّة الأولى والثانية، قد دخلت المرأة في خط الإنتاج في المصانع الحربيّة وغيرها عند الضرورة، ثم فيما بعد ظلّت في مكانها الجديد، أو قرّر بعض النساء أن لا يعدن إلى بيوتهن مع بقائهن في صفوف العمال، ثم في الستينيات والسبعينيات تغيّر نمط الإنتاج، ونمط الحياة أكثر وأكثر في الغرب حتى يومنا هذا، وأدوار الرجال والنساء التقليدية انتهت (في الغرب، أو في الصين على الأقل). الآن أصبح كل من المرأة والرجل يتنافسان في السوق، وفوق كل هذا أصبحت الفرص للعمل أقل بكثير، وفي هذا الوضع عادة ما نجد أن مسألة عمل المرأة (أو الأم) خارج بيتها ليست مسألة اختيارية، بل هي مضطرة أن تعمل كي تكسب المال؛ لأن راتب زوجها - في حالة إن وجد عملاً أصلاً - لا يكفي لحاجات الأسرة، ومع العولمة وهيمنة «الآلة» أصبح الوضع أكثر سوءاً. المهم، هذا الوضع، أو نمط الحياة، لم يكن موجوداً إطلاقاً قبل هذا العصر، فعندما نطرح أسئلة في سياق «الإسلام» قبل ألف وأربعمئة سنة لا نجد نموذجاً أو رديفاً لها في التراث، أعني: لا أساس للمقارنة، أو حتى للقياس.

كان الإسلام، آنذاك، يستوعب شؤون المجتمع (أو الأمّة)، ويطبّق على نمط الحياة البسيط، إذا أردنا، فمن الممكن أن نأخذ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بمعنى حرفيّ: «فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»[7]. أي: قد نفهم من هذا الحديث أن السبيل الرشيد هو العودة إلى نمط الحياة قبل ألف وأربعمئة سنة، ونعيش دون كهرباء، ودون سيارات، ولا حواسيب، وفعلاً قد تكون الحياة أحلى وأجمل بكثير من حياتنا المعاصرة، وفي الحقيقة لا بد من تقليل أو تخفيف الاعتماد على «الآلة» (de- mechanization)، ولكن أعتقد أن لا أحد - حتى «السلفية» أو السعوديون الذين يحبّون تكرار هذا الحديث - مستعد أن يفسّر الحديث على هذا الأساس، أو يستغني عن سيارته، أو هاتفه الجوّال.

ومعنى هذا أنه علينا أن نكتشف كيف من الممكن أن يطبّق الإسلام في حياتنا، لا أحد يقول: إن النظام العالمي السائد هو «إسلامي» - أبداً لا، وأصعب الأسئلة هي تلك الأسئلة من هذا النوع؛ لأنه لو كان نمط حياتنا - الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية - «إسلاميّاً» لكانت حياتنا مختلفة تماماً، وبكلمة أخرى: ليس النظام الليبرالي نظاماً إسلاميّاً، ولكن أنا مؤمن بأنّنا مكلّفون ومسؤولون، ومن الممكن أن نغيّر كل شيء إذا بدأنا نتعاون ونشتغل معاً، ومن جديد. من الممكن أن نتفق - وبسهولة - على مقاطعة ما، مثلاً، ومن الممكن أن نبدأ نتعامل مع الآخرين كأننا أفراد أسرة واحدة ونتعاون بشكل مباشر، وليس عن طريق المؤسسات - مثل البنوك -، فإذا لم نُنْهِ هذا النظام الربويّ العالمي سوف نموت من الجوع.


[1]- نشر هذا الحوار في إطار المشروع البحثي "تجديد التعليم الديني من المقصودات الكلاسيكية إلى المقصودات الحديثة".

[2]- ذكره أبو نعيم في حلية الأولياء 9/292.

[3]- رواه البخاري، رقم: 1462.

[4]- نهج البلاغة، الحكمة رقم 238.

[5]- رواه البخاري، رقم: 1463.

[6]- رواه ابن حيان في صحيحه، 2/239، وذكره ابن حجر في المطالب العالية 2/199.

[7]- رواه النسائي في سننه، رقم 1577.


مقالات ذات صلة

المزيد