عن الإرهاب والحرب العالميَّة الرابعة: قراءة في كتاب روح الإرهاب لجان بودريار

فئة :  قراءات في كتب

عن الإرهاب والحرب العالميَّة الرابعة: قراءة في كتاب روح الإرهاب لجان بودريار

ربما كان مفهوم الإرهاب من أكثر المفاهيم الغامضة والمرتبكة في دلالتها. فقد استعملت هذه الكلمة في الغرب منذ قرنين تقريباً، وتفيد منذ ذلك الحين "كلّ استعمال للعنف لتغيير النظام السياسي في بلد معيَّن". غير أنَّ هذا المعنى ذاته ليس مستقراً، بل يتمُّ استخدامه وفقاً للسياق الذي يحدث فيه تجليات هذا المعنى وتمثلاته على أرض الواقع، فهو يمتلك من المرونة ما يجعله خاضعاً لقواعد المصالح والمواقف السياسيَّة المتباينة. غير أنَّه ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ هذا المفهوم يُعدُّ أحد المفاهيم الأكثر مركزيَّة في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. مفهوم روَّج له الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكيَّة، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكان له السبق الرئيس في تشكيل خارطة العالم الجديد وفقاً للمقولة الشهيرة التي عبَّر عنها الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش بطريقته الاستعراضيَّة الشهيرة "من ليس معنا فهو عدوُّنا".

والواقع أنَّ مفهوم الإرهاب ليس واضحاً بالقدر الذي يجعل استعماله سليماً دون خوف من الانزلاق في متاهات إيديولوجيَّة كما نستعمل مثلاً مقولات فلسفيَّة أو مفاهيم علميَّة. فهو يتغير بتغير الظروف والملابسات السياسيَّة، فإرهابي الأمس قد يكون زعيم الغد، والمنظمة التي كانت تصنفها بعض الدول، مثلاً، بوصفها منظمة أحرار لأنَّها كانت تقاوم الشيوعيين في أفغانستان، أصبحت بعد ذلك إرهابيَّة لأنَّها تعرَّضت للمصالح الحيويَّة لتلك الدول.

ومن بين الأفكار المهمَّة التي روَّج لها الغرب فكرة الارتباط الشرطي بين مفهوم الإرهاب والإسلام، بحيث أصبحا متلازمين، إذا حضر أحدهما حضر الآخر. والواقع أنَّ كلمة إرهاب غامضة المقاصد غير دقيقة المعنى، "فقد استُعملت هذه الكلمة في الغرب منذ قرنين تقريباً، وتفيد منذ ذلك الحين كلَّ استعمال للعنف لتغيير النظام السياسي في بلد معيَّن"[1]. غير أنَّ هذا المعنى ربما يهدف إلى تكريس شكل معيَّن للتغيير يوصف ما هو دونه بالإرهاب. فقد نفهم من هذا المعني لكلمة إرهاب أنَّ النظام السياسي لا يمكن أن يتغير إلا سلمياً بواسطة الآليات الديمقراطيَّة التي يخولها القانون مثلاً، باعتبار أنَّ هذا النظام هو تعبير لإرادة الشعب ونتيجة لاختياراته الديمقراطيَّة. ولكنَّ التاريخ قد بيَّن لنا بكل وضوح أنَّه أحياناً لا بدَّ من استعمال العنف لقلب أوضاع النظام السياسي. من هنا يستدعي التريكي مجموعة من التساؤلات المنطقيَّة التي تنسف تاريخياً هذا المعنى أو على الأقل تشكّك في مصداقيته: فهل نسمّي مثلاً حركات التحرُّر من الاستعمار إرهاباً، والثورة الصينية إرهاباً والمقاومين الفرنسيين ضدَّ الهيمنة النازية إرهابيين، وهلمَّ جراً؟ هناك ميل عند الاستراتيجيين الأمريكيين للإجابة عن هذا التساؤل بالإيجاب، بما أنَّهم قد اعتبروا منظمات الصمود والمقاومة ضدَّ الاستعمار بشتَّى أشكاله منظمات إرهابية كمنظمة ANC لنيلسون مانديللا الذي أصبح بعد تحرير بلاده من النظام العنصري رئيساً لجمهورية إفريقيا الجنوبية في فترة معينة. إنَّ فكرة عدم استخدام العنف في التغيير هي فكرة غير دقيقة من الناحية التاريخيَّة، فمانديللا تحوَّل إلى رمز للنضال ولحركات التحرُّر الوطني، كما تحوَّل جيفارا إلى رمز عالمي وأيقونة ثوريَّة رغم تبنيّه العنف منهجاً له (المقاومة المسلحة). كما دعا صاحب المعذَّبون في الأرض إلى التغيير من خلال القوة، ولم يضع قيوداً من أجل الدفاع عن قضايا التحرُّر.

وقد قدَّم الأستاذ سيار الجميل تحليلاً لهذا المصطلح، فبيَّن أنَّه لا وجود له في الأدبيات الكلاسيكيَّة القديمة لدى ثقافات الشعوب قاطبة، ولم يكن يُعرف مطلقاً بهذا الاسم في النصف الأول من القرن العشرين. ولكنَّ معناه المكتسب قد دلَّت عليه كتابات عديدة منذ القرن التاسع عشر كما جاء سابقاً. وهو على كلّ حال ظاهرة معاصرة كما أكَّد ذلك د. سيار الجميل، محدداً الإرهاب كما يلي: هو عمليَّة أو مجموعة من العمليات مضادَّة للآخر وتقتص منه عشوائياً بعد أن يتمَّ التخطيط للعمليات أو محاولات تنفيذها بشكل منظم ودقيق من أجل كبح جماح الآخر ومعاقبته مهما كان الثمن وبوسائل غير مشروعة.[2]

غير أنَّ كلَّ بحث في معنى هذا المصطلح لن يكون دقيقاً إذا اعتمد على دلالات ما قبل صورة الحادي عشر من سبتمبر، لأنَّ الصورة هنا نسخت ما قبلها وكتبت معنى خاصاً يصدر عن تلك الصورة ويحيل إليها. ولم يبقَ على الإنسانية بعد ذلك إلا أن تسلم بهذا المعنى، بعد أن انهزمت كلُّ مصطلحات الفكر الذي صار في تلك اللحظة تقليدياً وغير عملي وغير مقبول.

كان المفكر الفرنسي جان بودريار (1929- 2007) Jean Baudrillard من المفكرين الذين توقفوا أمام ارتباك هذا المفهوم، بغية توضيحه أو ربما فكّ الارتباط الشرطي بينه وبين الإسلام. وهو الارتباط الذي حاول الغرب التسويق له بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من أجل خلق صورة ذهنيَّة عن الإسلام بوصفه ديناً للعنف، ومن ثمَّ الإرهاب. وكان هذا المفهوم تمهيداً لحديثه عن الحرب العالميَّة الرابعة، وهو ما سنشير إليه في نهاية المقال.

يذهب بودريار في مؤلفه قوة الجحيم Power Inferno (2002) الذي كرَّسه تحديداً لموضوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، [3] إلى أنَّ النظام العالمي الجديد لا يترك مجالاً للتمايزات، وكلُّ ما يخرج عن النظام ينبغي مواجهته بالقوة. وفي هذا الكتاب ينتقد بودريار الإمبرياليَّة الغربيَّة التي تتحكَّم في طبيعة العالم من حولنا "لا يتعلق الأمر بصراع الحضارات، بل بمواجهة أنثربولوجيَّة بين ثقافة عالميَّة متماثلة وكلّ ما يحتفظ في أيّ مجال بشيء من التمايز يحول دون تذويبه في تلك الثقافة. ووفقاً لتلك الثقافة العالميَّة تغدو كلُّ الأشكال المختلفة للخصوصيَّة بمثابة هرطقات، تماماً كما هو الحال في الأصولية الدينية. إنَّ رسالة الغرب تتمثل في إخضاع الثقافات المتعددة لقانون المعادلة القهري بكافة الوسائل الممكنة. إنَّ مثل هذا النظام يرى في كلّ شكل عصي عليه إرهاباً مفترضاً. هكذا حال أفغانستان، فالعالم الحر لا يتحمَّل بلداً يمنع الحريَّات الديمقراطيَّة - الموسيقى والتلفاز ووجوه النساء. ولا يتحمَّل أن يقف بلد ما في مواجهته، مهما كانت خلفيته الدينيَّة التي يستند إليها، فمن غير المسموح الاعتراض على الحداثة في نزعتها الكونيَّة"[4].

لقد صار الحادي عشر من سبتمبر علامة ثقافيَّة عالميَّة، وهو اليوم الذي أفاق فيه الناس على صورة طائرتين تخترقان برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، واحدة تلو الأخرى. كانت الصورة وهي تبث تلفزيونياً تحمل كلَّ مقومات الإخراج السينمائي، وتضاهي أدقَّ فنيَّات السينما، حتى في الإثارة والتشويق. وبما أنَّها صورة غير عاديَّة وغير تقليديَّة فقد توفر لها من وسائل الإشهار والتعميم ما جعلها صورة كونيَّة يشترك كلُّ البشر في تلقيها وتأويلها. لقد كانت صورة ناسخة لكلّ ما سواها من صور، وبلغت قوتها النسخيَّة أن ألغت كلَّ ما سبقها، وصارت المصدر التأويلي لكلّ ما بعدها، وهي بهذا صورة تترجم كلَّ عناصر الهيمنة الثقافيَّة والبصريَّة، حيث يتقابل طرفان لم يكن من الممكن أن يتقابلا قبل ذلك التاريخ، وفي قلب نيويورك تحدث معركة عالميَّة بين قوتين إحداهما عظمى ويرمز لها البرجان الفارهان، والأخرى ناشئة لا تملك غير إرادة المواجهة.

وقد صارت المواجهة سافرة هناك. هناك في الولايات المتحدة الأمريكيَّة. فكيما يتحقق إخراج صورة كونيَّة للحدث أراد صانعوه أن يكون عالمياً وخطَّطوا لإخراجه وإنتاجه لكي يحققوا أعلى درجة من عالميَّة الصورة، وهو تخطيط ينافس في دقته أرقى أنواع الإخراج السينمائي في هوليود. ومن المؤكد أنَّ مفجّري البرجين قد وضعوا في تصورهم ما يمكن أن تكون عليه صورة الحدث في التغطيات التلفزيونيَّة. وفي المقابل فإنَّ المستهدَف الأمريكي قد سعى إلى توظيف تلك الصورة توظيفاً يضمن له تحقيق أكبر قدر من التأثير عبر تلك الصورة، ممَّا يعني أنَّ الطرفين كانا يمارسان لعبة في الإخراج والمونتاج من أجل إنتاج تأثير خاص تحدثه صورة البرجين وهما ينفجران ثم ينهاران، ويكون ذلك فاتحة إخباريَّة عالميَّة وصورة كونيَّة تلغي كلَّ ما قبلها، وتعيد كتابة التاريخ من لحظتها وصاعداً، لكي تتغير اللغة ذاتها وتتبدَّل المصطلحات، وليس الأحداث فقط. فما حدث قد كتب لغة مختلفة وسجَّل مصطلحاً ذا قيمة دلاليَّة خاصة تعود إلى تلك الصورة وتحيل إليها، أي أنَ الصورة صارت هي المرجعيَّة الدلاليَّة للمصطلحات. وأوَّل هذه المصطلحات وأخطرها وأكثرها فاعلية ومركزيَّة، وفقا لبودريار، هو مصطلح الإرهاب. وكلُّ بحث في معنى هذا المصطلح لن يكون دقيقاً إذا اعتمد على دلالات ما قبل صورة الحادي عشر من سبتمبر، لأنَّ الصورة قد نسخت ما قبلها وكتبت معنى خاصاً يصدر عن تلك الصورة ويحيل إليها. ولم يبقَ على الإنسانيَّة بعد ذلك إلا أن تسلّم بهذا المعنى، بعد أن انهزمت كلُّ مصطلحات الفكر الذي صار في تلك اللحظة تقليدياً وغير عملي وغير مقبول.

في الواقع، كما يرى بودريار، كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تغيراً عالمياً كونياً يحدث للثقافة البشريَّة، حيث تتولى الصورة رسم المعاني وتغيير المصطلحات. بهذا المعنى نفهم لماذا دعا بودريار إلى التفكير في أحداث 11 سبتمبر في ما وراء الخير والشر، أي في ما وراء النزعة الأخلاقيَّة الكلاسيكيَّة؛ والنظر إليها من جهة النظام le système الذي أثرت عليه هذه الأحداث، بحيث خلخلت قطبيَّة رمزيَّة معيَّنة.

ويعيد بودريار تلك الضربة الرمزيَّة كما يسميها هو، إلى المنظومة نفسها التي أنتجتها، وكأنَّه يريد أن يكرّر قول هيجل إنَّه من القضية يتولد نقيضها، يقول: "هم الذين نفذوا أحداث الحادي عشر من سبتمبر لكنَّنا نحن من أراده، وإذا لم نأخذ في الاعتبار هذه الحقيقة، فإنَّ الحدث يفقد أبعاده الرمزيَّة كلها، ويصبح مجرَّد حدث عادي يمكن اختزاله في مجرَّد عمل إرهابي وينتهي الأمر عند هذا الحد. لكنَّنا نعرف أنَّ الأمور ليست بهذه البساطة، وأنَّ ما حدث يتكئ على تواطؤ دفين يجد جذوره في أمكنة متنوعة. إنَّه صدى لفرض كلّ ما هو مُطلق ولكلّ قوة نهائيّة، وإنَّ مبنيي مركز التجارة العالمي كانا التجسيد لهذه القوة المطلقة".[5] والانهيار الذي تعرَّض له المبنيان يفوق بأبعاده الرمزيَّة ما تعرَّض له البنتاجون لأنَّه يمثل صورة لانهيار نسق كامل. ومعمقاً تحليله لفكر الإرهاب، يكتب جان بودريار: "الإرهاب شيء لا أخلاقي، والضربة الإرهابيَّة التي استهدفت برجي التجارة العالمي في نيويورك، هذا التحدي الرمزي، لا أخلاقيَّة، وهي جواب عن عولمة هي نفسها لا أخلاقيَّة. وإذن فلنكن نحن أيضاً لا أخلاقيين، وإذا ما نحن أردنا أن نفهم شيئاً فإنَّه يتوجب علينا أن نمضي إلى ما وراء الخير والشر. ولأنَّنا نجد أنفسنا لأوَّل مرَّة أمام حدث لا يتحدى الأخلاق فقط، وإنَّما كلَّ شكل للتفسير أو التحليل، فإنَّه يتحتَّم علينا أن نكتسب ذكاء الشر (...)، لقد ظللنا نحن الأوروبيين نعتقد بنوع من السذاجة أنَّ تطوُّر الخير، وانتشاره في كل المجالات (العلوم، التكنولوجيا، الديمقراطيَّة، حقوق الإنسان)، يمكن أن يقود إلى هزيمة الشر. لا يبدو أنَّ هناك أحداً أدرك أنَّ الشرَّ والخير يتقدَّمان ويتطوَّران معاً، وفي الوقت نفسه، وبالحركة نفسها، وأنَّ انتصار أحدهما لا يؤدّي بالضرورة إلى هزيمة الآخر، بل إلى عكس ذلك تماماً".

ويرى جان بودريار أنَّنا أمام شكل جديد من أشكال الإرهاب، فالإرهابيون الجدد تمكَّنوا من الاستحواذ على الأسلحة نفسها التي تمتلكها القوة المهيمنة على العالم أي الولايات المتحدة الأمريكيَّة، فهم يملكون المال ويتقنون جيداً استعمال التكنولوجيا ووسائل الإعلام وجميع أدوات الحداثة والعولمة، غير أنَّ هدفهم الأساسي هو تحطيم هذه الحداثة وهذه العولمة، دافعين حياتهم ثمناً لذلك. غير أنَّ الإرهاب الانتحاري هذا هو أيضاً جديد، ففي السابق كان هذا الشكل من أشكال الانتحار مقترناً بالفقراء وبالمستضعفين في الأرض، أمَّا الآن فهو سلاح الأغنياء، وهذا ما يخيفنا ويرعبنا.

ما الحل؟

عن هذا السؤال يجيب جان بودريار قائلاً: "ليس هناك حلٌّ في نظري لهذه الحالة القصوى، وعلى أيَّة حال، لا أعتقد أنَّ الحرب بهذه الكميَّة الهائلة من الأسلحة المدمّرة، وبهذا العدد المخيف من الجيوش، وبهذه الأخبار الكاذبة، وهذه الخطب المزيفة والمضحكة، قادرة على أن تقضي على الإرهاب وجذوره...". وفي نهاية مقاله يتركنا جان بودريار أمام فراغ مخيف، إذ لا فكرة لديه عمَّا ينتظر العالم وهو يخطو الخطوات الأولى في القرن الحادي والعشرين.

يتكشف من ذلك التحليل إذن أنَّ بودريار لا يحمّل الطرف المعتدي كافة المسؤوليَّة الأخلاقيَّة عن الحدث، بل هو يحمّل بالمثل الطرف المعتدى عليه قدراً مشابهاً من المسؤوليَّة. فما حدث هو أحد نتائج النظام الأحادي، وهو يقول في هذا الصدد: "عندما يأخذ نظام ما لنفسه كلَّ الأوراق، فهو يدفع بالآخر إلى تغيير قواعد اللعبة. والقواعد الجديدة متوحشة لا ريب، لأنَّ طبيعة هذا التحدي هي نفسها متوحشة"[6].

إنَّ المشهد الذي تحيل عليه أحداث البرجين تحكمه مفارقة تبلغ حدَّ التداخل بين الشجب الأخلاقي والاتحاد المقدَّس ضدَّ الإرهاب، وبين التهلل الاستثنائي لرؤية هذه القوة الفائقة وهي تدمّر نفسها بنفسها، وكأنَّها ترتكب انتحاراً مشهوداً، ذلك "أنَّها نظراً لقوَّتها التي لا تحتمل، أججَّت كلَّ هذا العنف المبثوث في أرجاء العالم. وهي التي أثارت هذه المخيلة الإرهابيَّة التي تسكننا جميعاً".[7] ووفق هذه النظرة فإنَّ الحدث يتعدَّى بكثير مجرَّد الحقد على قوة عالميَّة مسيطرة، فمن المنطق أن يؤجّج تفاقم قوة القوة وتركزها الرغبة في تدميرها، وأن تكون شريكة في تدميرها الخاص، فالغرب الذي يتصف، حسب بودريار، كما لو أنَّه في موقع (الله) ذي القدرة الإلهيَّة الكليَّة والشرعيَّة الأخلاقيَّة المطلقة يغدو انتحارياً ويعلن الحرب على نفسه، وكان انهيار برجي مركز التجارة وكأنَّه تواطؤ غير متوقَّع بين الطرفين، المعتدي والمعتدى عليه. ويعتقد بودريار أنَّ النظام العالمي المهيمن يستلزم ضرورة وجود إرهاب كي يستمر في العمل والسيطرة، لأنَّه بدون نقيضه سينهار هذا النظام، بل إنَّ تواطؤاً عميقاً ينشأ بين الخصمين، وبالتالي يمكن التساؤل بهذا المعنى حول من منهما يستخدم الآخر.

لقد حاولت وسائل الإعلام، بحسب بودريار، أن تلصق تهمة الإرهاب بالإسلام، فالنظام العالمي، المتمثل في شبكة المصالح الرأسماليَّة العالميَّة، لا بدَّ أن يخلق لذاته عدواً محدَّد المعالم يستطيع من خلاله أن يحقق مصالحه، فكان هذا العدو هو الإرهاب، وكيما يصبح محدَّد المعالم تمَّ لصقه بالإسلام. في حين أنَّ هذا الارتباط غير حقيقي في جوهره، لأنَّ الإرهاب تمَّ توليده من داخل النظام ذاته ولم يأتِ من خارجه، "لا يتعلق الأمر بصدام الحضارات أو الأديان، كما يتعدَّى بكثير محاولة اختزاله في المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكيَّة والإسلام. صحيح أنَّ هناك تقابلاً بينهما، لكنَّه تقابل يكشف، عبر طيف أمريكا (التي ربما كانت مركز العولمة، لكنَّها بالتأكيد ليست بمفردها) وعبر طيف الإسلام (الذي لا يرادف أيضاً الإرهاب)، يكشف أنَّ العولمة تخوض صراعاً مع ذاتها"[8]. ويستطرد بودريار قائلاً "الحرب تلازم كلّ نظام عالمي وكلّ سيطرة مهيمنة، ولو كان الإسلام يسيطر على العالم لوقف الإرهاب ضدَّ الإسلام"[9].

ممّا سبق نستطيع أن نستنبط أنَّ التواطؤ في هذا النظام العالمي يمرُّ من خلال:[10]

أولاً: "كلما غدا النظام عالمياً بحيث لا يشكل في حدّه الأقصى سوى شبكة واحدة ازداد تعرضه للمخاطر". إنَّ الضغط الداخلي في تفاعلات هذا النظام -الإرهاب والقوة- ينتج عن تنافس في الهيمنة وصراع في مصالح القوة، يتولد عنه انفجار مهول إذا تعرضت (الهيمنة، المصالح) إلى تجاوزات أحد طرفي النظام. لقد أحسَّت طالبان والقاعدة بحجم الهيمنة الأمريكيَّة المعبرة عن تفاقم القوة فجابهتها بردَّة فعل الإرهاب، وهي تعلم أنَّها لايمكن أن تقضي على القوة الأمريكيَّة، لكن تحاول إعادتها إلى خطوط الضغط المتبادل بينهما والتنافس الذي لا يتجاوز حدوده المرسومة له وفق النظام الدولي للقوة والإرهاب.

هكذا تتركَّب ذهنية الإرهاب والقوة المتفاقمة، إنَّها لا تسمح بتعدي خطوط المواجهة المعلنة إعلامياً وسياسياً وأحياناً عسكرياً، على ضوء ذلك نستطيع أن نفسّر هذا التلكؤ الأمريكي والغربي في مواجهة أخطر تنظيمات الإرهاب "داعش" في سوريا والعراق، ومن قبلها تصريحات بوش الابن في نقل معركة أمريكا مع الإرهاب إلى خارج الأراضي الأمريكية غداة حرب العراق، علينا ان نتذكر أنَّ مقالة بودريار كتبت قبل أكثر من عقد من ظهور داعش وقبل ثلاث سنوات من حرب العراق. ولا يفوتنا أن نشير أيضاً إلى وجهات النظر التي ترى أنَّ هناك دوراً أمريكياً في صناعة القاعدة وطالبان يعبّر عن سعة مجال القوة لديها في إدماج أعدائها في مخططاتها كأعداء مؤشرين أو متوقعين، لكن بإمكانها الحد من مخاطرهم في المخطط النهائي للقوة النهائيَّة.

ثانياً: رعب مقابل رعب. واستنتاجاً عن بودريار أو مقاربة له مؤكدة، فإنَّ ما يسمح بإشاعة هذا النوع من الرعب المتبادل أو المتقابل بين القوة المتفاقمة للإمبرياليَّة الأمريكيَّة ومنظومة الإرهاب الفكريَّة والقتاليَّة ـ الانتحاريَّة، أنَّ امتلاك كلّ منهما الطاقة على مواجهة الآخر أو على الأقل هكذا يبدو لهما، فالأمر وفق بودريار هو موضوع "طاقة تغذي الرعب"، ومجال المواجهة ليس أيديولوجيات تحرك الطرفين بل حتى الأيديولوجيَّة الأصوليَّة ـ الإسلاميَّة لا علاقة لها. وإنَّ إقامة عالم وفق ادعاء كلّ أيديولوجيا سواء، العولمة، السوق الحرة، أو العالم الخالي من كلّ ما يغيظ الأصوليَّة الإسلاميَّة، أيضاً لا علاقة له بالمواجهة المركَّبة، إنَّ بودريار يقول: "لم يعد الأمر منوطاً حتى بتحويل العالم"، إنَّ النظام وفق بودريار يهدف إلى تحقيق ذاته عبر القوة، لم يبقَ هناك مجال لفكرة التضحية القديمة، الانتحاريون لا يفكرون بالتضحية بناء على بودريار بل يفكرون بالقوة.

ثالثاً: "حقن عالمي متواصل للإرهاب" نتيجة هذه السيطرة التي لا تريد أن تقف عند حدود معيَّنة، فالعالم، الدول، الأسواق، المنظمات الدوليَّة، الصناعات الكبرى، خارج الولايات المتحدة، السياسات الدوليَّة، خاضعة إلى محدّدات تلك السيطرة. إنَّ إدارة العالم بهذا الشكل من السيطرة يجعل الإرهاب وفق بودريار هو الظلّ الملازم لهذا النظام من السيطرة، هناك ازدواجيَّة في هذا النظام، بل يذهب بودريار إلى عدم وجود خط فاصل بين مكوني هذا النظام.

إنَّه يؤكد أنَّ القوة المتفاقمة لها مضاد تنتجه في الثقافات المضادَّة لها، وواحدة من صور هذه التضادات التي تغرسها هي صور الاستغلال البشعة في مجالات الآخرين من "المستغلين والمتخلفين في مواجهة العالم الغربي الذي يرفد سراً الشرخ الداخلي في النظام المسيطر".

ورغم إمكان هذه السيطرة الكونيَّة في أن تجابه كلَّ تضاداتها، وإمكانية نجاح الإمبرياليَّة في صراعاتها مع المستغلين اقتصادياً، إلا أنَّ الإرهاب يشكّل فيروساً يداهم أجهزة السيطرة، لأنَّه وفق بودريار جزء من أجهزة السيطرة في تعزيز المضادات لها.

وفيروس الإرهاب، وفق تحليل بودريار السابق، يتولّد بشكل آلي عن تفاقم القوة في الهيمنة والسيطرة، لكنَّه يوظف باتجاه تعزيز مناعة هذه الهيمنة الإمبرياليَّة، ويصفه بودريار (الإرهاب ـ الفيروس) بأنَّه ارتكاس شبه آلي لجهاز السيطرة وقوته، وهو حين لا يفعل شيئاً أمام الإرهاب لأنَّ "الإرهاب هو الذبذبة الصادمة لهذا الارتكاس الصامت"، يخلص بودريار من هذا، كما سبق وأشرنا، إلى أنَّه ليس صدام حضارات ولا صدام أديان، وأنَّه يتعدَّى بكثير أمريكا والإسلام رغم محاولات حصر النزاع بينهما، لكنَّ الواقعة في رأيه تكمن في أنَّ هذا التضاد، هذا الصراع، يبين عبر طيف أمريكا وعبر طيف الإسلام" أنَّ العولمة المنتصرة "تخوض صراعاً مع ذاتها"، وقد تكون حرباً عالميَّة قادمة رهاناتها العولمة ذاتها.

من هنا، يمكن الحديث، وفقا لبودريار، عن حرب عالميَّة رابعة وليست ثالثة، ذلك أنَّ محورها الرئيس هو العولمة[11]. فالحربان العالميتان الأوليان تعكسان الصورة الكلاسيكيَّة للحرب. الأولى وضعت حدّاً لتفوق أوروبا وللعهد الاستعماري، والثانية حطَّمت النازيَّة، والثالثة وقعت تحت ما يُسمَّى الحرب الباردة، وانتهت بالقضاء على الشيوعيَّة. وكلُّ حرب من هذه الحروب قادتنا إلى وضع عالمي جديد. أمَّا الحرب الجديدة فيعتقد جان بودريار أنَّها أصبحت شاملة، بحيث لم يعد بإمكان أحد الفرار منها أو تجنّبها. إنَّها في قلب هذا النظام العالمي الجديد.

 

مراجع:

الإنجليزية:

Jean Baudrillard, J. The Spirit of Terrorism and Requiem for the Twin Towers. Trans. C. Turner (London: Verso. 2002).

العربية:

ـ فتحي التريكي، من معاني الإرهاب، مقال منشور على موقع:

www.sayyaraljamil.com/printarticle.php?id=1047

ـ سيار الجميل، الإرهاب: المصطلح والدلالة، جريدة الزمان 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001.

ـ جان بودريار، عنف العالم، مقال منشور في جان بودريار وإدجار موران، عنف العالم، ترجمة إبراهيم محمود (اللاذقية: دار الحوار، 2005) ص 45- 65.

ـ حكمت البخاتي، ذهنية الإرهاب عند جان بودريار، مقال منشور في:

http://annabaa.org/arabic/violenceandterror/3978


[1] ـ فتحي التريكي، من معاني الإرهاب، مقال منشور على موقع:

www.sayyaraljamil.com/printarticle.php?id=1047

[2] ـ سيار الجميل، الإرهاب: المصطلح والدلالة، جريدة الزمان 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 ص 13

[3] ـ هذا الكتاب قد ترجم إلى الإنجليزية في عام صدوره نفسه، بعنوان روح الإرهاب ورثاء البرجين التوأم:

The Spirit of Terrorism and Requiem for the Twin Towers.

[4]. Jean Baudrillard, J. The Spirit of Terrorism and Requiem for the Twin Towers. Trans. C. Turner (London: Verso. 2002) p 91.

[5]. Jean Baudrillard, J. Ibid, p 76.

[6]. Jean Baudrillard, J. Ibid, p 77.

[7]. Jean Baudrillard, J. Ibid, p 78.

[8]. Jean Baudrillard, J. Ibid, p 93.

راجع أيضاً مقالته بعنوان "عنف العالم" المنشورة في جان بودريار وإدجار موران، عنف العالم، ترجمة إبراهيم محمود (اللاذقية: دار الحوار، 2005) ص ص 45 - 65

[9]. Jean Baudrillard, J. Ibid, p 94.

[10] ـ (بتصرف) حكمت البخاتي، ذهنية الإرهاب عند جان بودريار، مقال منشور في:

http://annabaa.org/arabic/violenceandterror/3978

[11]. JeanBaudrillard, J. Ibid, p 101.