عودة الفاعل إلى حقل العلوم الإنسانية

فئة :  قراءات في كتب

عودة الفاعل إلى حقل العلوم الإنسانية

 عودة الفاعل إلى حقل العلوم الإنسانية

قـراءة في كتاب البيوغرافيـا والتاريخ، خالد طحطح، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2014


1- من أجل رؤية منهجية

ظلّت العلاقة بين التّاريخ والبيوغرافيا مشوبة بالتوجُّس والارتياب، مُحاطة بغير قليل من الحذر والشكّ، على الأقل في مدار الفكر التّاريخي الفرنسيّ، وعلَّه في العُمق تعبيرٌ عن صِراعٍ منهجيّ قديمٍ ارتدى فجأة وِشاحا جديداً بفعل التّغيرات الجديدة التي عرفها حقل العلوم الإنسانيّة بصفة عامّة، وحقل التّاريخ بصفة خاصّة. لقد اخترق جدل التّاريخ والبيوغرافيا النِّقاشات بين الأكاديميّين فجأة، وَهَمّ التّعارض الحاد اختلاف المنطلقات بيْن حقل إنسانيٍّ مُؤسَّسٍ على تقاليدَ منهجيّة صارمة، وجنس معرفيّ تشويقيّ غريزيّ يستند على ثنائية الفرد والسّرد، وهو ما كان مرفوضا بشكل قاطع خلال مرحلة هيمنة التّيار البنيوي على حقل العلوم الإنسانيّة خلال مرحلة السّبعينيّات من القرن الماضي.

منشأ هذا الجدل الإبستمولوجي المتواصل في مختلف الجامعات الكبرى، سطوة مباحث الأنثروبولوجيا التاريخية والأدب وعلم النفس وعلم الاجتماع على حقل التّاريخ في لحظة ما بعد البنيوية، فبفضل هذه المباحث الجاذبة أعيد الفاعل الإنساني إلى باحة العلوم الإنسانية، بعد سنوات من الحجب والإقصاء، بحجة كتابة تاريخ شمولي انبرت له قلعة الحوليات الفرنسية مع الجيل الثاني، فكيف تُقرأ اليوم هذه العودة للفرد والسّرد؟ هل هي عودة موجّهة ضِدَّ قلعة الحوليات العتيدة؟ أم دعوة إلى الانفتاح على تجارب استوغرافية جديدة خارج مدار الفكر التّاريخي الفرنسيّ؟ وكيف يمكن لهذه العودة أن تُسهم في بناء سرديّة جديدة ومتجدِّدة لحقل التّاريخ المُنحبس، الذي يبدو أنه يشهد اليوم تهاوي المرجعيّات الكُبرى في قراءة وتوصيف الواقع، باستعارة مِن صاحب "في معنى ما بعد الحداثة" الفيلسوف جان فرانسوا ليوتار؟[1]

لا يمكن فهم وهَج البيوغرافيا في حقول العلوم الإنسانية اليوم دون إدراكٍ عميقٍ للوثبات المعرفية الكبرى التي شهدها مسار الفكر الإنساني منذ منتصف القرن الماضي على الأقل، مع ما حَبلت به من مخاضات إبستمولوجية بين عرَّابي البيوغرافيا ومُناهضيها، في سياق سياسي شديد التحول والالتباس، أفرز عدّة فرضيات معرفيّة لتفسير إنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية.

يَلحظ قارئ المتن الاستوغرافي اليوم، سواء في شقِّه الأجنبي، أو حتى المحلّي، سواء كان قارئا متخصصا أو عاديا، حضورا مكثَّفا لأجناسٍ متعددة من البيوغرافيا في مختلف حقول العلوم الإنسانية. وقد تتعدد مفترضات هذا الانبعاث، بسبب حدوث حركتي عرض وطلب واسع على هذا النّوع من الدِّراسات التّشويقية شعبيا، فرضته من جهة أولى سوق النّشر والقراءة على حساب الدِّراسات الأكاديمية، ومن جهة أخرى وقوع البيوغرافيا كجنس معرفي في خط التّوتّر والتّماس بين مباحث عدة مجاورة.

إن الطلب المتزايد على جنس البيوغرافيا، الذي تمتح مرجعياته من إواليات متعدِّدة، سيُسهم في توليد متجدِّدٍ لعمليّة الكتابة والتفكير التّاريخي في الماضي، بل وسيقود نحو ولادة أجناس بيوغرافية متعددة، تُغري القارئ بالاكتشاف، وتشتغل على مساحة المحظور والغرائبي في صيرورة الوجود الإنساني المتعدّد، فبالإضافة إلى السِّير الجماعية أو ما يسمَّى بالبرسبوغرافيات، والتي تُعنى بالأساس بدراسة سير المجموعات البشرية من خلال تقاطعات الأفراد الذين لهم ميزات مشتركة، مثل الانتماء لنفس المهنة، أو الحرفة، أو الطائفة، أو التخصص، أو الوظيفة الاجتماعية[2]، ثمة أيضا السِّير المتوازية، والسِّير المتقاطعة، إضافة إلى السِّير الفِكرية وسير النّاس العاديّين.

استُبعدت البيوغرافيا إلى وقت غير يسير من خارطة انشغالات الفِكر التّاريخي الفرنسي، لأسباب مركّبة، وظلّت جنسا مكروها ومنبوذا إلى حَدٍّ مَا، لكن تجديد حقل المعرفة التّاريخية، وإعادة صياغة مفترضات إشكاليّة ونفسانيّة ووجدانيّة جديدة ساهم في إحياء ورش الذاكرة التاريخية، بما هو ورش في بناء مستمر ومتواصل، في مدار جعل جنس السيرة ينتقل من السطح نحو الدهليز بتعبير إلين بارو، وينتقل من تتبع سِيَرِ العظماء والخالدين نحو تتبع سِيَرِ العاديين والبسطاء من النّاس.

هل هذه العودة تُعيد إلى الأذهان من جديد شبح أطياف المدرسة الوضعانية أم أنها رؤى مختلفة؟ بالتأكيد ليس للأمر أية علاقة بالطّيف الكلاسيكي الوضعاني، وإنما حصل انتعاش خارج المدار الفرنسي، فمع مدرسة التّاريخ من أسفل البريطانية، ومدرسة الميكراستوريا الإيطاليّة، ومدرسة التّاريخ اليومي الألمانيّة، ومدرسة التّابع الهندية، نكون أمام توجّهات وخِيّارات جديدة ارتكزت على الاهتمام بالفرد وبالفاعل وبالمعيش.

2- هندسة الكتاب:

صدر كتاب البيوغرافيا والتاريخ للباحث المغربي خالد طحطح، عن دار توبقال للنشر، سنة 2014، في حوالي 166 صفحة من الحجم المتوسط، في خمسة فصول، مُذيّل بمسرد بيبليوغرافي. والكتاب في الأصل تأليف ابستمولوجي يدخل ضمن اهتمامات الباحث المنهجية، التي بدأها منذ بداية العقد الأخير، بإصدار مؤلفه "فلسفة التاريخ" (2009) عن الدار العربية للعلوم ناشرون، متبوعا بــ"الكتابة التاريخية" (2012) و"عودة الحدث التاريخي" (2014) الصادرين عن دار توبقال.

3- مضامين الكتاب:

يتوخَّى كِتاب البيوغرافيا والتاريخ تقديم صورة شموليّة ومُركّزة لمسار جنس معرفي هجين، بدأ يخترق أروقة المعرفة التّاريخية شيئا فشيئا، ويفرض حضوره باستمرار على مُختصِّي الزّمن، لإعادة اكتشاف مناطق ظل محتجبة عن باردايغم المؤرخين، عبر إعادة محورية ثُلاثيّة الفرد والحكاية والسّرد إلى حضن عملية الإنتاج التّاريخي، وكترسيمة مركزية في حقل العلوم الإنسانية، أوَ ليس التّاريخ في نهاية المطاف مادّة مشحونة بالأدب كما يُفيد صاحب الزمان والسرد الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، رغم كل المحاولات الإبستمولوجية التي أرادت أن تقحمه في خانة العلوم الإنسانية.

كتاب البوغرافيا والتاريخ هو تأريخ ابستمولوجي لمسار حكاية جنس معرفي مثير، تستتبعه دوما تساؤلات حارقة، عن حدود التداخلات والتقاطعات. هو بمثابة سفر افتراضي مشاكس في رحلة البحث عن هويّة هذا الجنس الهجين، المُحايث للتّجربة الإنسانيّة. وبقدر ما ظل قابعا في أقبية النِّسيان خلال فترة هيمنة الحوليّات الفرنسية على حقل التاريخ، بقدر ما صار جاذبا لاهتمامات مُختصي العلوم الانسانية بمختلف تلاوينهم، وإن بدرجات متباينة، من أجل تعميق نظرة الإنسان إلى ذاته أولا، وإلى ماضيه ومحيطه ثانيا.

يمكن تقسيم محتويات الكتاب إلى ترسيمة موضوعاتيّة على الشّكل التالي:

- البيوغرافيا من الحظر إلى الانبعاث

يرصُد الفصل الأول من الكتاب جاذبيّة الفرضيّة البنيويّة في حقل العلوم الإنسانية خلال الستينيات من القرن العشرين، كفرضية بحثيّة استحوذت على انشغالات الفلاسفة والأدباء وعلماء الاجتماع وعلماء النفس. لقد صارت مُوضة فكرية شاعت شيوعا تجاوز حدود المعقول[3]، وهي ترمي بالفرضيّة الساّرترية المُتأسسة على مقولات الإحساس بالذات، والإدراك الواعي للفرد إلى الهامش. بَيْدَ أنه مع بداية الثمانينيات، وتحت تأثير الأفكار الأنجلوساكسونية التي رفعت لواءها أسماء وزانة داخل فرنسا من أمثال جون فرانسوا ليوتار وميشال سار وجاك دريدا ودون بيار ديباي وآلان تورين، بدأ يتّضح، وبما لا يدع مجالا للشك، عودة الفاعل مجدَّدا إلى ميدان العلوم الإنسانية، الذي أضحى يحتل مساحة مهمة ضمن علم الاجتماع الفرنسي. إنها عودة تُحيل على تحول ابستمولوجي عميق، يُعيد الاعتبار لنظريات الفعل، ولدور الفرد في التّاريخ.

لسوف تُسهم هذه العودة القويّة في إحداث رجّة عنيفة في حقل المعرفة التاريخيّة، بدأت تقضم في العمق مُكتسبات منهجيّة رَافَع من أجلها طويلا رُوّاد مدرسة الحوليّات، منذ لوسيان فيفر وحتى جاك لوغوف، في تصور كتابة تاريخ كلي شمولي، تاريخ طويل وممتد في الزمان. لقد استُعيض عن التّاريخ الشمولي وتاريخ البنيات بتاريخ مختلف، تاريخ يصنعه الإسكافي والطّحان والرّاعي، تاريخ ميكروسكوبي يرفع صوت المقهورين إلى الأعلى، ويجعلهم فاعلين منتجين لشروط التاريخ، إنه منعطف حاسم في مجرى التّفكير التّاريخي حول الماجرى، يُسائل الوقائع من منظور مُخالف، ويرسم لنفسه مسارا جديدا ضمن خارطة الفكر التّاريخي.

نستقي هذا التّحول البنيوي الذي اعترى مسار الكتابة التّاريخية من خلال قراءة أعداد مجلة الحوليّات الفرنسية، التي عنونت مقالها الافتتاحي الصادر في نونبر- دجنبر 1989 بـ"لنحاول التجربة"، وهو بمثابة اعتراف ضمني على بداية خفوت بريق الفرضيّة البنيويّة، وبروز فرضيّات جديدة في كتابة التّاريخ. إنه زمن الرِّيبة والشك الذي عاد من جديد ليحوم حول حقل التّاريخ بتوصيف فرانسوا دوس صاحب التاريخ المفتث[4]، زمن الفوضى الإبستمولوجية التي عرفتها الكتابة التاريخية ما بين 1980-1990، والتي تُلخِّص أزمة هويّة التّاريخ وأزمة وضوح المؤرخين.

استُبعدت البيوغرافيا لردح غير يسير من الزّمن من مُختبر التّاريخ، على الأقل مع الجيل الثاني من مدرسة الحوليّات الفرنسيّة، وظلّت محظورة وكريهة في مختلف الأوساط العلمية، فقد اتهمت بقلة الضبط، وأحيانا بالإفراط في الخيال والتخييل، أو حتى بالانتماء إلى التاريخ السّردي الوضعاني المنبوذ والمقيت، لكن تحت تأثير إسهامات كلِّ من علم الاجتماع وعلم النّفس والأنثربولوجيا والإثنولوجيا، بدأ جنس البيوغرافيا يستعيد ألقه المعرفيّ وتوهُّجًهُ، ويرسم معالم مسار داخل ورش الكتابة التّاريخية، يتوافق مع التّفكير المُعمَّق حول الفردانيّات[5]. إنه حقا زمن "الانفجار البيوغرافي" الذي بدأ يخيِّم على حياة الفكر الفرنسي، كما وصفته مجلة لوفيغارو الفرنسية، زمن "الاقلاع البيوغرافي" على حد وصف دانييل مادلينا، لا يتعلق الأمر بعودة جديدة للسّرد الخطِّي، أو للسِّيرة التِّقليديّة، بقدر ما هي عودة لأشكال أخرى مختلفة من السِّير، أو ما سيُعرف بالبيوغرافيات الجديدة.

انتصب جاك لوغوف كواحد من أشد المناصبين عداء لهذا التوجُّه البيوغرافي، معتبرا بأن هذه العودة موجّهة بالأساس ضد تاريخ الحوليّات، وضد مكتسباتها المنهجية، إنها على حد وصفه مجرد مؤلفات مخيِّبة للآمال، عاجزة عن إظهار الدّلالات التّاريخية للسِّيَر الفردية، سطحية وطرائفية لا تخلو من طابع حكائي[6].

تحت تأثير وقْع التَّكيُّفِ الذي فرضه جنس البيوغرافيا على جيل الحوليات الثالث، برزت إسهامات بيوغرافية خصبة، استمدت الكثير من أدوات التّحليل النفسي، واستثمرت خلاصات علم الاجتماع، وقد شجَّعت على هذا الانتعاش تنافسيّة دور النّشر الكُبرى، من أجل كسب رهان تحقيق الماركتينغ الرِّبحي، وتلبية مطالب شريحة واسعة من القراء المتعطِّش لاكتشاف ما هو خفيّ وغامض في حياة الآخرين. هذه التغيُّرات ساقت ولادة مرصد خاص أطلق عليه اسم "مرصد البيوغرافيا التاريخية" Observatoire de la biographie historique سنة 1999، برئاسة فرانسوا ليبرون، ونفس التحول نقرأه في إقدام جامعة السوربون معقل الحوليات على تنظيم ملتقى بتاريخ 30 يناير 2009، تحت عنوان "الخلاف ما بين القدامى والمعاصرين: البيوغرافيا التاريخية بين التقليد والتجديد"، بإشراف الأستاذ كيوم باين المتخصص في التاريخ الألماني المعاصر.

وضمن نفس الإطار، يُعزى انبعاث جنس البيوغرافيا إلى إرث المدرسة الوجودية، فسارتر المنبوذ من طرف البنيويين أفرد بيوغرافية دسمة عن حياة عميد الأدب الفرنسي خلال القرن التاسع عشر غوستاف فلوبير بعنوان "أبله العائلة"، استخدم فيه منهج التحليل النفسي الوجودي ومنهج التحليل الأنتربولوجي[7]، بينما ظَلَّ صاحب روايتي "الغريب" و"الطاعون" مُؤثرا في حياة الأدب الفرنسي، رغم نتوءات الخصومة التي رافقت مساره الأدبي مع سارتر بسبب اختلاف مواقفهما السياسية.

بعيدا عن فرنسا، نقف أمام الطّفرات المنهجية التي ساقتها الكتابة التاريخية بالعالم الجديد، لسوف يرتسم توجّه تاريخي مختلف، يهتم بمرويات التّاريخ الشّفهي، بما هي مرويات تمثل بنك ذاكراتي متنقل بين الأجيال، تُسهم في تحليل عناصر ومأثورات الثّقافة الشّعبية، وهو توجه يتساوق منهجيا مع تحليلات الأنتروبولوجيين الأنجلوساكسونيين، من أجل إعادة قراءة وكتابة الماضي الاستعماري من وجهة نظر المهزومين، وفي سياق دراسات ما بعد الكولونيالية، بحثا عن صياغة جديدة لسردية التّاريخ المحلي لأولئك الذين لم يُسمح لصوتهم أن يعتلي صدارة التاريخ خلال مرحلة الاستعمار.

من بين الإسهامات المرجعية التي أسَّست لهذا الخطاب، نذكر كتاب نتان واتشيل "نظرة المهزومين: هنود البيرو إزاء الغزو الاسباني"، وكتاب هواردن زن حول "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأمريكية"، دون أن نغفل إسهامات كل من مدرسة التّاريخ من أسفل، ومدرسة الميكراستوريا الايطالية، ومدرسة التاريخ اليومي الألمانية، ومدرسة التابع الهندية.

أثارت دعوة إحياء نظرة المهزومين من طرف مختصي الإناسة إلى إعادة الاعتبار للموروث الشّفاهي السّردي لثقافة الشعوب المُضطهَدة، تشهد على هذا المنحى أعمال رائدة مؤسسة، صاغها كل من ادوارد طومبسون حول "ثقافة الدهماء"، وبيتر بوركي حول "الثقافة الشعبية الأوروبية"، وروبار موشبلاد حول "العلاقة بين الثقافة الشعبية وثقافة النخب". وعلى نحو مشابه، تشهد مرويات سنوات الجمر والرصاص عن تحول في مسار الكتابة التّاريخية بالمغرب، من خلال الاهتمام بقضايا التاريخ القريب من الذّاكرة، أو التّاريخ الفوري بعبارة الصحفي جون لاكوتير.

- تقاطعات منهجية في استوغرافيات غير فرنسية:

تتبّع الأستاذ خالد طحطح جذور نشأة ما يسمّى بالتّاريخ من أسفل، من خلال أعمال مؤسسها البريطاني إدوارد طومبسون، الذي يبدو أنه أول من استعمل عبارة "التاريخ من أسفل" وذلك سنة 1966 في مقالة له، وقد كان الهدف من وراء ذلك تجاوز التاريخ البنيوي الذي أسّست له مدرسة الحوليّات بتاريخ آخر يُسهم فيه الفاعلون التاريخيّون[8]. لقد أسست أعمال إدوارد طومبسون لحقل تاريخي ولتوجه بديل، أصبح فيه الطّحان والفلاح والرّاعي والمُعَزِّم فاعلون في التاريخ وصانعوه. إنّه توجه جديد يروم إعادة إنصاف أصوات المظلومين والمضطهدين، بما يمكن وسمه بنوع من دمقرطة التاريخ الممهدة لدمقرطة المجتمع، فمن لا يملك الحكاية لا يملك أرض الحكاية بتوصيف الشاعر محمود درويش.

وبدورها ساهمت مدرسة الميكواستوريا الإيطالية في بعث دينامية جديدة لجنس البيوغرافيا التاريخية، وهي تستند في تحليلاتها على موضوعات تنتمي إلى الحياة الخاصّة، وتفاصيل المعيش اليومي للأفراد الذين لم يكتب لهم أن يعتلوا قمة التاريخ، بخلفية منهجية تعتمد تخفيض مقياس المراقبة، والقيام بدراسة مكثفة للمادة الوثائقية.

اعتبرت مدرسة الميكواستوريا أن من شأن استثمار مواضيع صغيرة الحجم استخلاص نتائج عامة ذات طبيعة ماكروأنثربولوجية، وهو ما تجسده أعمال الرُّواد أمثال كارلو كينزبورغ في كتابه "الجبن والدود"، وجيوفاني ليفي في كتابه "السلطة في القرية: مهنة معزم في البيمونت في القرن السادس عشر". وبقدر ما ركّزت مدرسة الميكرواستوريا على تاريخ الأفراد، وعلى العادي الاستثنائي، وعلى المتفرد والخصوصي، وعلى تاريخ الدهاليز المطمورة، وعلى الهامش والمهمش، بقدر ما ستحفِّز هذه التجربة مؤرخين آخرين، وهذه المرة من فرنسا "القلعة الممانعة"، إذ ستنال الإشادة من كل من بول ريكور ومشيل دوسرتو وفرنسوا دوس جاك روفيل، وهو ما أهَّلها لأن تفرض نفسها كتيّار رئيسي في الكتابة التاريخيّة الفرنسية.

النموذج الثالث الذي يستند إليه الباحث خالد طحطح في رصد المقاربات البيوغرافيّة، يتجسد في نموذج مدرسة الحياة اليوميّة الألمانيّة، التي استطاعت أن تفتح ملفات حارقة في تاريخ ألمانيا الدرامي، ولعل تبلور هذه المدرسة التّاريخية تولّد كرد فعل تجاه أزمة الشك التي اعترت حقل التاريخ لحظة ما بعد البنيوية، من طرف هانس ميديك أستاذ الأنثربولوجيا التّاريخية بجامعة غوتنغن، وأولف لوطك أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة هانوفر.

تاريخ ألماني جديد استهدف تحطيم ما تبقى من قلعة التاريخ الاجتماعي الذي هيمن على المشهد التاريخي الألماني، واستبدله بتاريخ آخر يعطي الأولوية لسير الأفراد والفئات الدنيا والأحداث والوقائع الصغيرة من معيش المجتمع الألماني، تاريخ يكاد يُماثل تجربة الميكراستوريا الإيطالية، وهو ما جعله يصطدم بسجالات حادّة حول مواضيع تنتمي إلى التاريخ الحارق، تاريخ النازية ومعاداة السامية، باختصار صراع التّاريخ والذاكرة[9].

- من سير العظماء إلى بيوغرافيات العاديين:

في الفصل الثّالث من الكتاب، يستقي الباحث ثلاثة نماذج من بيوغرافية أشخاص هامشيين، لإعادة قراءتها على ضوء تراكمات التّاريخ الاجتماعي، يتعلّق الأمر بمحاولات كل من الإثنولوجي الأمريكي لويس أوسكار، والفرنسي ألان كوربان، والأنثربولوجية أورسولا كينغسمايل زوجة الأنتربولوجي دافييد هارت.

تتبع الباحث خالد طحطح خيوط تحليل مفهوم "ثقافة الفقر"، كما قدَّمها الإثنولوجي الأمريكي لويس أوسكار من جامعة شيكاكو، كنموذج لجنس الاثنوبيوغرافيا، عبر تتبع تفاصيل حياة سيرةِ أسرةٍ مكسيكية تحكي عن أطفال سانشيز، برؤية منهجية تعتمد على الحوارات، سواء كانت انفرادية، أو ثنائية، وتجنب الوسيط أو المُخبر، والعمل على كسب ثقة أفراد الأسرة، والتّركيز على الاختلافات الفردية البينية لأفراد الأسرة.

قدّم أوسكار لويس تفسيرا اثنولوجيا مغايرا للتّفسيرات البنيوية والمؤسساتية عن مفهوم "ثقافة الفقر"، فالفقر ثقافة تنتقل من جيل إلى جيل عبر مسارات العائلة، لأن الأطفال يتشربون عادة القيم والسلوكيّات الأساسيّة لثقافتهم، مما يجعلهم غير مهيئين نفسيا للاستفادة من الفرص التي تتاح لهم لإحداث تغيير حقيقي في حياتهم مستقبلا[10].

من جهة أخرى، تنتمي مساهمة الان كوربان الموسُومة بـ "العالم المكتشف للويس فرانسوا بيناكو: على خطى مجهول (1798-1876)" إلى حقل تاريخ الذهنيات، إسهام متميز في استعادة جزء من التّاريخ المنسي أو التّاريخ الصامت، لإعادة اكتشاف تفاصيل الحياة الخاصّة لأولئك الأشخاص الهامشيّين، كحلقة مفقودة من هذا العالم المفقود، يتعلق الأمر بسيرة قباقيبي (إسكافي) هامشي، يُدعى لويس فرانسوا بيناكو، أمي، متزوج من خيّاطة، وأب لثمانية أطفال، سيرة قروي بسيط، تشكل حياته نافدة لقراءة جزء من الحياة الرّيفية الفرنسية في القرن التاسع عشر.

كتاب أرسولا كينغسمايل "وراء باب الفناء، الحياة اليومية للنساء الريفيات" تأليف أنثربولوجي دسم، يقدم وميضا اثنوغرافيا عن تاريخ الأسرة المغربية بعد الاستقلال، من خلال معايشة مجهرية للذّات الباحثة في عمق الحياة اليومية للمرأة الريفية المعزولة داخل فناء المنزل، إسهام تصويري دقيق عن العالم السِّري لحياة النساء الرِّيفيات، برؤية لا تنفك تنقل الأحاسيس والعواطف والانفعالات والاحباطات[11]، هو توثيق رصين لمظاهر التّحولات التي ستطرأ على هذه الحياة بفعل الهجرة، في تأليف ماتع يقدم معطيات بيوغرافية دقيقة عن عائلة موحند (عمر أوزكاغ). لقد تمكنت أرسولا كينغسمايل من أن تقترب من الحديقة السرية لحياة الريف المغربي، تلك الحديقة التي لطالما كانت مُوصدة بأقفال الأعراف والعادات بسبب استحكام العقلية الذكورية داخل المجتمع الريفي، كل ذلك في مدار لا يفارق المزج بين صرامة الباحثة الأنتربولوجية مع حرارة العلاقات الإنسانية.

- بيوغرافيات المثقفين:

يخصص الباحث الفصل الرّابع من الكِتاب لتفصيل السِّير الثّقافية التي أنتجها مؤرخون عن حياة بعض المفكِّرين والفلاسفة والأدباء، من منظور ربط الصِّلة بين الفكر والوجود، بين الأفكار والمعيش اليومي، بين السّيرة الفكرية والسّيرة الإجتماعية، ضمن هذا السياق، يستعيد الباحث أعمال المؤرخ الفرنسي فرانسوا دوس حول بول ريكور وجيل دولوز وفليكس غاتاري ومشيل دوسرتو وبيير نورا، كدراسات مؤسسة للتاريخ الثقافي وتأريخ التاريخ. ويقدم في هذا الصدد نموذج "التلمذة الفكرية" لهانز جورج غادامير قارئا لسيرة أستاذه هايدغر، الذي هو في الأصل بحث في عمق التحولات السّياسية الكبرى التي بصمت حياة ألمانيا ما قبل وما بعد النازية، وتوقف عند طبيعة المناخ الفكري التي أحاطت بحياة المساعد الأول لهوسرل عرّاب الفينومينولوجيا[12].

ولسوف تُعيد أيضا الأزمة الاقتصادية التي عصفت بعدد من الدول الأروبية سنة 2008 إلى إعادة قراءة تنظيرات المفكر الألماني كارل ماركس، وستنبعث من داخل دور النشر الأوروبية والأمريكية مؤلفاته الكبرى، عن قوى وعلاقات الإنتاج، وصراع الطبقات، وستقدم العديد من الدراسات كمُفكر غير قابل للاختزال والنَّمذجة.

- البيوغرافيات الجديدة تصنع الحدث

يتطرق الفصل الخامس من الكتاب إلى علاقة التاريخ بالرّواية، إلى رصد تداخلاتهما المنهجية، فبقدر ما تتأسس الكتابة التاريخية على مقدار من الخيال يقربها من جنس البيوغرافيا، بقدر ما هناك جزء من الحقيقة في البيوغرافيا يقرِّبها من التاريخ.

البيوغرافيا من حيث هي جنس معرفي تبقى ملحقة أدبية بامتياز، فالتّاريخ سعي علمي إلى حكي الوقائع التاريخية، بينما الأدب هو رحلة حكي لحدث متخيّل غير حقيقي، فقد تستعير الرواية من التاريخ الأحداث والزمان والمكان، بينما التاريخ يُحافظ على صرامته في بناء حقبة من الماضي وإن بطريقة تخيلية حين تغيب المعطيات الدقيقة.

يتوقف الباحث خالد طحطح كثيرا عند علاقة التاريخ بالسّرد، مستحضرا النصوص المرجعية الكبرى المؤسسة لهذه العلاقة، عبر قراءة مستفيضة لكل من هايدن وايت وبول ريكور ولورنس ستون. فإذا كانت الكتابة التاريخية استبعدت التخييل والسرد في ما مضى، فإننا نشهد اليوم عودة قوية له ضمن عملية الكتابة التاريخية، ذلك أن الأخيرة تقع اليوم في ملتقى تقاطع مع عدة مباحث نظرية، تتوطن ضمن منطقة توتر بين الحقيقة والخيال، وبين الصحافة والتاريخ، وبين الحياة الخاصة والحياة العامة، وبين الفكر والحياة.

كتابة البيوغرافيا الجديدة مغامرة ومخاطرة تنطوي على مخاطر ومزالق كثيرة، فالبيوغرافي هو من يمنح حياة جديدة للموتى، إنه "متسكع" يبحث عن البقايا بتعبير مشيل دوسرتو، لأن القصص الإنسانية تروى ولا تعاش، والحياة تعاش ولا تروى. يجد البيوغرافي نفسه في موقع رسام البورتريهات، فكلما كان خياله أوسع اقترب أكثر من الحقيقة، ومادام الكل واحد ومتعدد ومتفرد بتعبير جيل دولوز وفليكس غاتاري، ومادامت البيوغرافيا الجديدة تغتني بأدوات علوم التحليل النفسي، فإن ذلك يجعل كتابة البيوغرافيا ممكنا. فحينما نفكر في البيوغرافيا كجنس معرفي يحمل فرادة في ذاته، فنحن نستعيد جذوة الأمل في إعادة إيقاع الحياة حتى لأولئك الذين رحلوا في صمت.

كل إسهام بيوغرافي هو بالأساس عمل مفتوح على كل التأويلات والقراءات، هو عمل لا نهائي، متجدد بتجدد الأسئلة ذاتها، واللحظة ذاتها، لأن البيوغرافيا في نهاية المطاف عملية مزج بين حقائق التاريخ وقوة التخييل وبراعة الكاتب، زواج غير شرعي بين الخيال والعلم بإفادة فرانسوا دوس، ولذلك فهو الجنس الصعب المنال.

على سبيل الختم:

تفتح محتويات هذا الكتاب شهيّة القراءة ومتعة الاستكشاف، فعلى طول صفحاته ثمة حياة جديدة، ولادة جديدة لفاعلين لم يسمح التاريخ، أو بالأحرى المؤرخون بظهورهم على واجهة الأحداث، فإلى أي حد يمكن لهذه المساهمة المنهجيّة أن تحفِّز على ولادة أوراش بحثية جديدة ومتجددة في حقل الكتابة التاريخية؟

فَتْحُ مبحث البيوغرافيا على التّاريخ يظل فتحا مشوبا بدرجة عالية من الحساسيّة، ويُقدر لي أنها حساسيّة مُصطنعة، مادام الأفق يصبو إلى الاقتراب من حقيقة الذّات البشرية، فكما هو تنسيب نظرة الإنسان إلى الماضي التاريخي كذلك الأمر بالنسبة للبيوغرافيا. لا شك أن اعتماد البيوغرافيا كمدخل من شأنه تثمين المتن الأستوغرافي، بل إنه سيساعدنا على تبيان سياقات وظروف العصر انطلاقا من تاريخ الأفراد. كما سيضمن لنا ذلك قرّاء ومهتمين جُدد بالحقل التّاريخي.


[1] جان فرانسوا ليوتار، في معنى ما بعد الحداثة، نصوص في الفلسفة والفن، ترجمة وتعليق السعيد لبيب، مراجعة عبد العلي معزوز، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2016

[2] خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 2014، ص 20

[3] نفسه، ص 9

[4] فرانسوا دوس، التاريخ المفتت، ترجمة محمد الطاهر المنصوري، مراجعة جوزيف شريم، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، يناير 2009، ص 270

[5] خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، م س، ص 15

[6] Jacques le Goff, Le saint Louis, Edition Gallimard, 1996, p14

[7] خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، ص 27

[8] نفسه، ص 43

[9] الهادي التيمومي، المدارس التاريخية الحديثة، دار محمد علي، تونس، 2012، ص 59

[10] خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، مرجع سابق، ص 66

[11] لويس أوسكار "ثقافة الفقر"، ضمن كتاب، من الحداثة إلى العولمة، رؤى ووجهات نظر في قضية التطور الاجتماعي، تأليف ج تيمونز روبيرتس، ايمي هايت، ترجمة سمير الشيشكلي، مراجعة محمود ماجد عمر، كتاب عالم المعرفة، العدد 309، 2004، ص 186/170

[12] خالد طحطح، البيوغرافيا والتاريخ، م، س، ص 92


مقالات ذات صلة

المزيد