عودة شبح كارل ماركس

فئة :  قراءات في كتب

عودة شبح كارل ماركس

صدرت في الآونة الأخيرة ترجمة لكتاب هام جداً بعنوان: كيفية تغيير العالم حكايات عن ماركس والماركسية (عن المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، مارس 2015، في 334 صفحة)، لصاحبه إيريك هوبزبهاوم (1917-2012) أستاذ التاريخ، ورئيس جامعة بيربيك سابقاً، والذي تركزت أعماله الرئيسة على تحليل تطور المجتمع الأوروبي منذ الثورتين الفرنسية والصناعية، وهو الأمر الذي توضحه الكتب الأربعة الشهيرة التي ألفها تباعاً: "أوروبا: عصر الثورة 1789-1848" و"عصر رأس المال 1848-1875" و"عصر الإمبراطورية 1875-1949)" و"عصر التطرّفات".

رأى الكتاب، موضوع القراءة، النور في طبعته الأولى بإنجلترا، البلد الذي يحمل المؤلف جنسيته، وقد أعيد طبعه بعد ذلك مرّات عديدة، كما تمّت ترجمته إلى أكثر من 19 لغة، ومنها الترجمة العربية التي جاءت ضمن هذا السياق المحموم، وقد تكفل بها الجامعي المتخصص في الفلسفة، وأستاذ الترجمة في الجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا، حيدر حاج اسماعيل[1]، والكتاب صدر في لغته الأصلية سنة 2011، أي قُبيل وفاة مؤلفه بسنة واحدة.

)Eric John Ernest Hobsbawm, How to Change the World: Marx and Marxism 1840-2011; Hardcover, 470 pages(

نحن في حاجة إلى أن نحسب ألف حساب لكارل ماركس اليوم وفق المؤرخ البريطاني ذي التوجه اليساري إريك هوبزباوم، الذي يشار إليه في الغالب باعتباره "المؤرخ الماركسي"، لاستلهامه من ماركس أكثر من أي مصدر آخر، ففي كتابه كيفية تغيير العالم حكايات عن ماركس والماركسية. يناقش المنافح الشرس عن الماركسية تأثيرات أفكار عدو الرأسمالية الأول والأقوى من خلال ستة فصول، وهي في الأصل مجموعة دراسات كتبت على فترات متباعدة، وهي جزء من الحوارات الدائرة حول الماركسية ومكانة الفكر الماركسي، وتتجلى أهميتها في كونها ثمرة متابعة لصيقة للإصدارات والأبحاث الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال، وأيضاً نتيجة لمناقشات مستفيضة مع عدد كبير من المختصين في الفكر الماركسي، وبالخصوص الماركسيين الإنجليز الجدد.

يحتوي الكتاب على دراسات متنوعة يلامس بعضها جوانب خفية من فكر ماركس وإنجلز، ومنها مقدمة صغيرة نسبياً كتبها هذا الأخير عن وضعية الطبقة العاملة في إنكلترا، لكنه توقف بشكل كبير عند عمل لكارل ماركس لم يكتمل والمعروف اختصاراً باسم Grundrisse. وتقدّم باقي المقالات الأخرى لمحة عامة عن منعرجات تطور الماركسية منذ وفاة ماركس.

يطمح المؤلف إلى ربح رهان كتابة قصة الماركسية أو على الأقل محاولة صياغة رسم تاريخ موجز لها لكن بشكل عميق جداً، ونلمس ذلك بوضوح في المقدمة التي عبَّر فيها بشكل جلي عن هذا المسعى. وقد نجح فعلاً في استكناه جينيالوجيا مبادئ الفكر الاشتراكي من خلال الكشف عن الجذور لدى الرواد الأوائل، قبل أن يخصص المجال الأكبر للإسهامات الكبرى التي قدّمها الفيلسوف الألماني كارل ماركس وصديقه فريديريك إنجلز الذي لا ينفصل عنه، والإيطالي أنطونيو غرامشي من بعدهما، مع تبيان التأثيرات التي خلفها الفكر الماركسي خلال مرحلة القرن العشرين، وبالخصوص خلال مرحلة الحرب الباردة، وإلى الآن. لكن يبقى جوهر الكتاب فصله الأول الذي يضع الماركسية اليوم في محك الاختبار بتبيان العلاقة بينها وبين ما يقع في الراهن، من خلال استحضار سياق تنامي تطرفات السوق الحرّة الحالية ليؤكد المؤلف هوبزباوم، بكثير من الإصرار والقوة بل والحماس، أنّ إعادة قراءة كارل ماركس مهمة أكثر من أي وقت مضى؛ ووجب أن تتمّ بعيداً عن التصنيفات الإيديولوجية التقليدية، إذ أنّ دراسة هذا الفكر الإنساني لا يمكن حصرها الى الأبد في الجدل التاريخي لصالح جهة ضدّ جهات أخرى، فكيف يجب أن نفكر بالماركسية في عصر ما بعد الشيوعية؟ يؤكد هوبزباوم من جهة أولى على ضرورة تحرير فكر ماركس من جبة المفسّرين الأرثوذوكس، وإعادته إلى الساحة العلمية كمفكر وفيلسوف جنباً إلى جنب مع شخصيات من قبيل: نيتشه وفرويد. ومن جهة ثانية يؤكد على ضرورة تحرير الفكر الماركسي من التأويلات والتعدديات المذهبية التي لحقته، وبالخصوص بعد انهيار تجربة الاتحاد السوفياتي سنة 1991، والتي حررت ماركس من التطابق المشاع بينه وبينها نظرياً. وهو أمر تنبه إليه المؤرخ المغربي عبد الله العروي الذي اعتبر أنّ الاشتراكية ليست دائماً ماركسية، ورغم ذلك ما تزال تختلط في أذهان الناس الاشتراكية التي هي مجموعة أهداف سياسية واجتماعية وأخلاقية، والماركسية التي هي طريقة لتحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية[2].

ما مظاهر عودة الاهتمام بكارل ماركس اليوم؟ وكيف يجب أن ننظر إليه؟

تتحول الذكرى التي تصادف تاريخ وفاة أو ميلاد عدد من الشخصيات السياسية أو الفكرية إلى يوم للاحتفاء بذاكرتهم وإنجازاتهم، وتختلف طبيعة هذا التقليد حسب ثقافة المجتمعات والدول، وتتراوح ما بين التمجيد والنقد، وقد تساهم بعض الوقائع الراهنة في ربط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى تناول شخصيات ما زالت تخلق أفكارها إلى اليوم تأثيرات وجذب، وفي هذا الإطار يمكن الربط بين الأزمة الاقتصادية والاهتمام مجدداً بأطروحات المفكرين الاقتصاديين وسيرهم؛ فنسجل عودة اهتمام الكتابات الاقتصادية بموضوع الرأسمالية، وخصوصاً بعد الأزمة المالية الأخيرة التي فاجأت العالم مع بداية العقد الأول من القرن الحالي.

في هذا الإطار تأتي عودة الاهتمام مجدداً بكارل ماركس، الذي تحلّ الذكرى السنوية لوفاته في 14 آذار/مارس من كلّ سنة، وهي مناسبة يتمّ خلالها تنظيم قراءات لكتاباته وأفكاره من طرف عدد من الباحثين المتخصصين، الذين ليسوا شيوعيين بالضرورة. كما تكتسح كتبه المتاجر، وخصوصاً كتابه الذائع الصيت "رأس المال"، الذي عاد بقوة إلى الواجهة عقب الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت الغرب ابتداء من سنة 2008، فما إن بدأت تلوح في الأفق بوادر الأزمة المالية العالمية حتى عادت صورة هذا الفيلسوف إلى ‏الواجهة على صفحات المجلات والكتب ووسائل الإعلام، فغدا حاضراً أكثر من غيره من المفكرين الاقتصاديين.

في سنة 2000 نشرت مجلة فاينانشل تايمز مقالاً بعنوان الرأسمالية في اضطراب عنيف، ولم يبقَ هناك أي شك في أنّ ماركس عاد إلى المشهد العام بصورة مختلفة عمّا كان عليه خلال القرن العشرين، خصوصاً وأنّ عدداً كبيراً من الخبراء الاقتصاديين يرتابون اليوم أكثر من أي وقت مضى في شفاء الرأسمالية أو استعادة عافيتها، بل إنّهم أصبحوا يؤكدون على عجزهم عن طرح حلول للمسائل التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين دون استحضار الأفكار التي طرحها كارل ماركس. فقد أكَّد في السياق ذاته هورست آفهيلد عضو معهد ماكس بلانك، المتخصص في أسس التقدم العلمي وقضايا السلم العالمي، وبالخصوص في كتابه اقتصاد يغدق فقراً، أنّ التنمية لن تحل المشاكل التي يعانيها الاقتصاد العالمي حالياً. فليس النمو المستدام فقط هو السَّراب الذي لا وجود له على أرض الواقع، وإنّما الحديث عن قدرة النُّمو الاقتصادي على تحقيق الرفاهية للجميع أمسى هو الآخر سراباً لا وجود له في الحياة العملية، ممّا يُفَنِّدُ بنحو أكيد النظرية القائلة إنّ تحرير التجارة العالمية يزيد من فرص التنمية؛ فالأمل المعقود في أن يحل انتعاش النشاط الاقتصادي مشاكل تفاقم البطالة والمديونية الحكومية أشبه ما يكون بانتظار وفاء عرقوب بوعوده التي قطعها على نفسه[3]. ويوافقه من وجهة النَّظر هذه الاقتصادي البيروفي أزوالدو دي ريفيرو، الذي شكَّك في فوائد التنمية التي جرى التحدّث عنها كثيراً في السنوات الخمسين الماضية، والتي لم تتحقّق لدى غالبية سكان العالم ولن تتحقّق[4]. أمّا جيريمي سيبروك فقد ركَّز من جانبه على تبيان دكتاتورية السوق المتعاظمة، من خلال التنبيه على أخطارها، وذلك عبر توضيح مقدار التناقض الموجود بين من يعلقون أمنياتهم على آلية السوق، كما لو أنّها حمّالة الآمال المستقبلية، وبين من يرى فيها الطريق نحو التفسخ الاجتماعي، وآلية من آليات الإقصاء والقضاء على الثقافات المحلية في العالم الثالث[5].

لأجل هذا كله عاد كارل ماركس للظهور بكثرة مؤخراً، وصار واضحاً بعد أزيد من قرن وثلاثة عقود على وفاته أنّ الماركسية انتعشت من جديد بعد أن كانت قد تراجعت فعلاً، فصور هذا المناضل الثوري بلحيته البيضاء الكثيفة وعينيه الثاقبتين تصدرت أغلفة العديد من كبريات المجلات والصحف العالمية وبعناوين بارزة من قبيل: "كارل ماركس: العودة"، "كارل ماركس: مفكر الألفية الثالثة"، "كارل ماركس: تحليل لم يفقد راهنيته"، "كارل ماركس لم يمت". هذا الاهتمام المتزايد أصبح ظاهرة عامة أطلقت عليها وسائل الإعلام "عودة كارل ماركس". ولو كتبت اسمه في غوغل فستجد أكثر من 33 مليون مرجع عنه، وهو بالتأكيد رقم مهول يوضح مدى الاهتمام الذي حظي به، وليس من الغريب أن يستعاد في فترات معينة الإرث الهائل لهذا الفيلسوف الكبير، الذي ساهمت أفكاره في صياغة العالم السياسي للقرن العشرين، وأدت إلى بروز الأنظمة الاشتراكية، وألهمت الأحزاب السياسية في العديد من البلدان. فبعد سبعين سنة من وفاته كان ثلث البشر يعيشون في ظلّ أنظمة تحكمها أحزاب شيوعية. ولذا فإن كان هناك مفكر واحد ترك تأثيراً كبيراً في القرن العشرين لا يمكن محوه ولا تبخيسه فهو بدون شك كارل ماركس.

لقد دعت على سبيل المثال الجريدة الاقتصادية الليبرالية الذائعة الصيت فايننشيال تايمز في مقال صدر بها إلى إعادة قراءة أعمال كارل ماركس وبالخصوص مؤلفه الشهير "رأس المال" معتبرة أنّ لهذا الفيلسوف المكانة نفسها التي يحتلها آدم سميث في الاقتصاد، وأضافت الجريدة المذكورة قائلة "لقد كان ماركس أول من حلل بدقة وعمق جوانب السوق الضعيفة"، والمعرفة بالاقتصاد الماركسي في نظر المجلة "كان بإمكانها أن تجنب رجال المال ورجال السياسة الأزمة الحالية للرأسمالية، أو تخفف من وطأتها على الأقل".

وفي سياق الأزمة المالية ذاته أعادت العديد من دور النشر طبع كتابات كارل ماركس، فقد تمّ إعادة طبع الكتاب الذي سبق وأن نشرته دار فيارد الفرنسية سنة 2005 للمؤلف جاك أتالي Jacques Attali، مرّة ثانية، وفيه تتبع سيرة حياة كارل ماركس. كما قامت دار النشر الفرنسية غاليمار بخوض تجربة إعادة نشر كتابه "رأس المال" سنة 2008م على شكل كتاب الجيب، وقامت أيضاً بإعادة طبع كتابه "صراع الطبقات في فرنسا" الذي قدّم فيه تحليلاً عميقاً لأوضاع الطبقة العاملة الفرنسية وللثورات التي عرفتها أوروبا عام 1848م (ربيع الشعوب). وقد حقق الكتابان معاً نجاحات كبيرة ومشجعة على مستوى المبيعات، وهو الأمر الذي يفسّر عودة الاهتمام بكارل ماركس لدى القراء والمهتمين، فقد أشار المؤرخ هوبزباوم في حوار له مع مجلة لونوفيل أوبزرفاتور أنّه بعد الأزمة العالمية الحالية استُدعي اسم كارل ماركس وكتابه "رأس المال" بكثرة بسبب الاهتمام بما ورد فيه من تحليل وانتقاد للرأسمالية.

الأمر نفسه ينطبق على سوق الكتاب بمسقط رأس كارل ماركس، فقد سجلت دور النشر الألمانية ارتفاعاً مهماً في مبيعات كتاب "رأس المال"، وقد صرّح أحد الناشرين أنّ عدد النسخ المبيعة من هذا المؤلَّف تزايد منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، وحسب مسؤولي دار النشر "كارل-دييتز-فرلاغ" ببرلين التي تنشر أعمال كارل ماركس باللغة الألمانية فقد تزايد القراء الحاليين له من جيل المثقفين الجدد الذين اكتشفوا بوادر أزمة الليبرالية الجديدة.

أصبحت مؤلفات كارل ماركس ونظرياته عن الرأسمالية ودور الدولة في تسيير الاقتصاد واحدة من الكتب القليلة التي زادت مبيعاتها مؤخراً وسط حالة الركود الراهنة التي يعرفها سوق الكتاب، فقد باعت دار النشر السابقة الذكر من كتابه "رأس المال" في شهر واحد أكثر من خمسة أضعاف ما كانت تبيعه في عام كامل. كما أضحت قراءة وإعادة قراءة كتب ماركس وخاصة كتابه الشهير "رأس المال" تقليداً يومياً مشتركاً بين مواطني جلّ الدول الرأسمالية، وذلك بسبب واقع الأزمة العالمية الحالية وما تطرحه ميكانيزماتها وتمظهراتها وامتداداتها من علامات استفهام مؤرقة، فالاهتمامات والقضايا المركزية التي شغلت اهتمام رواد الماركسية الأوائل مازالت نفسها إلى اليوم.

ومن أهم الكتابات التي صدرت في السنوات الأخيرة كتاب "كارل ماركس غير القابل للاختزال" عن منشورات لوموند الفرنسية، وهو عمل مشترك يتضمن مساهمات لمجموعة من المفكرين والفلاسفة والمؤرخين. وكان المحور الأساسي والمنطلق الذي ارتكز عليه المؤلف الجماعي تقديم إجابات عن مدى راهنية فكر كارل ماركس أمام المشاكل التي يتخبط فيها العالم الرأسمالي حالياً من خلال إعادة طرح سؤال دور الاشتراكية في عالم اليوم.

تتبع الكتاب أهم المحطات البيوغرافية من حياة ماركس، مع التركيز على أعماله الفكرية من خلال نشر مساهمات متميزة لأشخاص مختصين في الماركسية أو احتكوا خلال مراحل من حياتهم بالماركسية أمثال فرانسوا هولاند، جان جوريس، رايمون أرون، جاك دريدا، بيار دادو، كريستيان لافال، كلود لوفور، ميشال فوكو، كورنيليوس كاستورياديس، بيار داردو، ماكسيمليان روبيل...

"الماركسية قصة رجل اسمه كارل ماركس"، عنوان مستوحى من كتاب كان آنذاك قيد الطبع (صدر في بداية شهر مارس 2012 عن دار النشر غاليمار)[6]، يطرح فيه المؤلفان السوسيولوجي والباحث الأكاديمي كريستيان لافال والفيلسوف المختص في فكر الماركسية بيار داردو ضرورة إعادة اكتشاف كارل ماركس المختفي وراء قناع الشيوعية، وذلك بإعادة قراءته من خلال العودة إلى الجذور لتجنب الخلط بين نظرياته وممارسات الشيوعيين من بعده. إنّ هذه الرؤية تتوخى إعادة الاعتبار لكارل ماركس الذي اتهمه خصوم الماركسية والشيوعية بمسؤولياته المباشرة عن الجرائم والممارسات الستالينية بالاتحاد السوفياتي سابقاً.

وفي مقتطف مأخوذ من كتاب "أشباح ماركس" لجاك دريدا[7]، يتتبع الفيلسوف التفكيكي مخاوف الغرب من عودة الماركسية، فرغم وفاة كارل ماركس وسقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي سنة1991، مازالت الأشباح التي تسكن نصوص ماركس تطارد أوروبا، إنّه الخوف من عودة الشيوعية مرّة أخرى، في حين تناولت أطروحة الفيلسوف ميشال فوكو موضوع السلطة في ارتباطاتها المتشابكة والمعقدة بصراع الطبقات.

هل تمّ تجاوز كارل ماركس؟ إنّه التساؤل الذي طرحه هنري لوفيفر في كتابه عن الماركسية، معتبراً أنّ مشروع التجاوز المطروح قد لا يكون له كثير من المعنى ولا كثير من المستقبل، ويختم كتابه بطرح التساؤل الآتي: كيف السبيل إلى تجاوز تصور عن العالم يحتوي هو ذاته على نظرية التجاوز[8]؟

ماركس إذن لم يمت، والمقصود بالطبع أفكاره ونظرياته بشأن نقد الرأسمالية؛ فالشواغل المركزية للماركسية التي وضع أسسها هذا الفيلسوف الألماني مازالت آنيّة، ولذلك فالماركسية بهذا الشكل لم تنته وآن الأوان لاستعادتها مرة أخرى. إذ كارل ماركس كان محقاً في عدد من تحاليله المتعلقة بطبيعة النظام الرأسمالي، ففكرته التي كانت عرضة للانتقادات بسبب تكهنات سابقة لأوانها عن نهاية المجتمع البرجوازي، والتي كانت تنتعش عند كل منعطف أو أزمة اقتصادية لم تتهاوَ كليّاً، ذلك أنّ الرأسمالية، في رأي هوبزباوم، غير محصنة من الانهيار، وأنّ الانهيار المالي الذي عرفه العالم منذ 2008 قد يكون بالفعل بداية نهاية الرأسمالية.

هذه الفكرة سبق أن أكدها هوبزباوم في كتابه "الإمبراطورية، الديمقراطية والإرهاب"؛ فماركس حسب هذا المؤرخ، وبخلاف باقي علماء الاقتصاد، تنبّه مبكراً إلى أنّ الرأسمالية نظام يتطور بطريقة غير مستقرة أثناء الأزمات، وهو الأمر الذي حدث باستمرار خلال النصف الثاني من القرن العشرين. بيد أنّ هوبزباوم أكد من جهة أخرى أنّ الرأسمالية قادرة على تجديد نفسها بتطوير آلياتها ووسائلها والتكيف مع الأوضاع المتغيرة، مستدلاً بما حدث عقب الأزمة الاقتصادية التي عرفها العالم سنة 1929م، لكنّ الأزمة التي تواجه قرننا الحالي لا تستطيع الليبرالية الاقتصادية والسياسية بمفردها حلها، لذا آن الأوان من جديد للنظر إلى الماركسية نظرة جديدة، باعتبارها أداة لتحليل الرأسمالية قبل كلّ شيء، وباعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية والعالمية اليوم.

 

مسرد الهوامش والمراجع

باللغة العربية:

- إريك هوبزباوم، كيفية تغيير العالم: حكايات عن ماركس والماركسية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2015

- أزوالدو دي ريفيرو، خرافة التنمية الاقتصادية، اقتصاديات مستنفدة في القرن الحادي والعشرين، الشركة العالمية للكتاب، 2003

ـ جيريمي سيبروك، خرافة السوق، وعود وأوهام، ترجمة: أمين الأيوبي، دار كلمة، التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، الطبعة الأولى.

ـ عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، يوليو 1992، الطبعة الثالثة.

- هنري لوفيفر، الماركسية، ترجمة نصر الله نصر الله، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2012

ـ هورست آفهيلد، اقتصاد يغدق فقراً، التحول من دولة التكافل الاجتماعي إلى المجتمع المنقسم على نفسه، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت، الطبعة الأولى، 2007

باللغة الأجنبية:

- Jacques Derrida. Spectres de Marx. Editeur: Galilée (14 octobre1993).

- Pierre Dardot et Christian Laval. Marx, prénom: Karl. Collection: NRF Essais: Editions Gallimard (2012).


[1] إريك هوبزباوم، كيفية تغيير العالم: حكايات عن ماركس والماركسية، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، 2015

[2] عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، يوليو 1992، الطبعة الثالثة، ص ص 8-9

[3] هورست آفهيلد، اقتصاد يغدق فقرا، التحول من دولة التكافل الاجتماعي إلى المجتمع المنقسم على نفسه، ترجمة عدنان عباس علي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت ص 38، الطبعة الأولى، 2007، ص ص 38-42، 43

[4] أزوالدو دي ريفيرو، خرافة التنمية الاقتصادية، اقتصاديات مستنفدة في القرن الحادي والعشرين، الشركة العالمية للكتاب، 2003

[5] جيريمي سيبروك، خرافة السوق .. وعود وأوهام، ترجمة: أمين الأيوبي، دار كلمة، التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، الطبعة الأولى.

[6] Pierre Dardot et Christian Laval. Marx, prénom: Karl. Collection: NRF Essais: Editions Gallimard (2012).

[7] Jacques Derrida. Spectres de Marx .Editeur: Galilée (14 octobre 1993)

[8] هنري لوفيفر، الماركسية، ترجمة نصر الله نصر الله، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2012، ص 151