فتحي المسكيني: الكراهية ثقب أسود يمتصّ كلّ ما هو إيجابي ويلفظه في شكل فراغ أخلاقيّ مرعب

فئة :  حوارات

فتحي المسكيني: الكراهية ثقب أسود يمتصّ كلّ ما هو إيجابي ويلفظه في شكل فراغ أخلاقيّ مرعب

قال الأستاذ فتحي المسكيني، إنّ للكراهية تاريخاً فلسفيّاً عريقاً لا يخلو منه بحث فلسفي من أفلاطون إلى نيتشه، ومن أرسطو إلى هايدغر، مبيّناً أنّ الكراهية تنتمي إلى عائلة مفهوميّة أوسع ترتبط فيها بالإنسان أو بالعقل أو بالغضب أو بالحسد أو بالشرّ... إلخ

وأكّد الفيلسوف التونسي أنّ كلّ أعمال التطرّف، إنّما هي "أعمال انفعاليّة"، وأنّه لا وجود لـ"تفكير متطرّف أو إرهابيّ"، وفرّق بين ما يسمّيه "معارك الجماعة" و"مشاكل المناعة"، موضّحاً أنّ التطرّف والإرهاب يندرجان تحت المفهوم الثاني. ونفى المسكيني نفيا قاطعاً حاجة الدين إلى من يدافع عنه.

ودعا صاحب "الهجرة إلى الإنسانيّة" إلى ضرورة التفريق بين نقد الدين بوصفه مشكلاً فلسفيّاً حديثاً، وبين نقد اللاّهوت السياسيّ بما هو "تأسيس هوويّ للدولة على الدين". وأشار المسكيني إلى أنّ هناك إشكالاً معاصراً في عالمنا العربي الإسلامي يتعلّق بمفهوم المشروعيّة أدّى إلى القتل باسم الدين، مؤكّداً أنّ ظاهرة الإرهاب أكثر من أن تؤسّس على مفهوم الكراهية وحده.

والمسكيني مولود في مدينة (جندوبة) بتونس عام 1961، حاصل على دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 2003، بدأ رحلة التأليف في تسعينيّات القرن الماضي وراكم، إلى جانب التدريس في الجامعة التونسيّة، عدداً من المؤلَّفات، منها: هيغل ونهاية الميتافيزيقا، تونس، 1997. وفلسفة الثوابت، بيروت، 1997. والهويّة والزمان، بيروت، 2001. ونقد العقل التأويليّ، بيروت، 2005. والهويّة والحرية، بيروت، 2011. والتفكير بعد هيدغر، بيروت، 2011. وفي الترجمة نشر كتاب فردريك نيتشه: جينالوجيا الأخلاق، تونس، 2010. وكتاب إيمانويل كانط: "الدين في حدود مجرّد العقل"، بيروت، 2012.

وفي ما يلي نصّ الحوار كاملاً:

عيسى جابلي: مفهوم "الكراهية" رجراج منفلت من الضبط، إلى أيّ مدى يمكن ملاحقته فلسفيّاً في ظلّ تفشّي آثاره في أصقاع الأرض بدرجات بلغت حدّاً لا يطاق؟

د. فتحي المسكيني: في الحقيقة هناك تاريخ فلسفيّ عريق لمفهوم "الكراهية"، وكتبت بحوث عن "الفلاسفة والكراهية". ولا يخلو متن فلسفيّ كبير من تصدّ لإشكال الكراهية أو من نبذة رشيقة عنه. ومن أفلاطون إلى نيتشه، ومن أرسطو إلى هايدغر، قالت الفلاسفة في معنى الكراهية. وهذا يعني أنّ الأمر يتعلّق بانفعال مقيت متجذّر في طبيعة البشر وتطلّب في كلّ عصر وثقافة معالجة نظريّة وأخلاقية معيّنة. لكنّ ذلك لا يعني أنّه توجد فلسفة "في" الكراهية أو ينبغي على الفلاسفة (كما يبدو مثلاً من كتابات ميشال أونفراي عن الإسلام) تطوير نظريّة في الكراهية، بل هي مفهوم يدور دوماً حول ما لا يجدر بالمتفلسف أن يعدّه جزءاً من فضيلة أحد. الكراهية تتنافى مع الفلسفة، لأنّها لا معقولة دوماً. لكن ليس هذا ما يجعلها أمراً مرفوضاً.

وفي الواقع، الكراهية عضو أساسيّ في عائلة مفهوميّة أوسع نطاقاً تضمّ مثلاً "كراهية الإنسان" - "ميزونثروبيا" - و"كراهية العقل" - "ميزولوجيا" (أفلاطون، كانط) أو الغضب (حسب أرسطو)، أو الحسد (حسب بلوتارك، ت. 125 م)، أو الشرّ (ديكارت)، أو الحزن (حسب سبينوزا)، أو شقاء الغير والتألّم لسعادته (هيوم)، أو الضغينة (نيتشه)، أو التمرّد (كامو)، أو الفشل في إلغاء الآخر (سارتر)، أو مركّب من الرغبات والاعتقادات (الفلسفة التحليلية)، إلخ. وبالتالي، لا يمكن تحديد مفهوم الكراهية من دون تنزيله في عائلة أخلاقيّة منها يستقي دلالته في كلّ مرّة. ثمّة منطق للكراهية، وعلينا أن نفهمه كما يقول نفسه، وليس كما نرفضه. الكراهية ليست مجرّد حكم قيمة فقط. بل هي علاقة بشريّة متّسقة جدّاً، وجهاز معنى قائم الذات.

في كتاب الخطابة، ينبّهنا أرسطو إلى أنّ الكره ليس مجرّد غضب. فالغضب شخصيّ دوماً، لكنّ الكره "مستقلّ عمّا يتعلّق بشخصنا"، ويمكن أن يطال طبقة كاملة من الناس. ولذلك، فالغضب يمكن أن يشفى مع الزمن لكنّ الكره لا يشفى. وعلى خلاف الغاضب الذي يشعر ببعض الأذى من غضبه، ويتمنّى للخصم أن يتألّم هو بدوره، لا يشعر الكاره بأيّ أذى، ولا يقصد أقلّ من زوال المكروه.

وديكارت في إحدى رسائله ينبّه إلى أنّ "الكراهية لا تقترح على نفسها إلاّ الشرّ"، وأنّ مواجهة العداوة بالعداوة يدرّب الناس شيئاً فشيئاً على الكراهية، لكنّه يؤكّد أنّ الكراهية ليس لها قوّة الحبّ، وأنّ الغضب يجعل الناس قساة، لكنّه يستقي قوّته من محبّة أنفسنا، وهي أساس الغضب دائماً؛ على خلاف الكراهية فهي تكتفي بأن "تصاحبها" فقط، وأنّ علينا أن نميّز الكراهية عن "اليأس" و"الخوف": فاليأس قد يؤدّي حسب ديكارت إلى أنواع من الشجاعة؛ والخوف إلى أنواع من القسوة. لكن، هناك فرق كبير حسب رأيه بين هذه الانفعالات وبين الكراهية.

إلاّ أنّ ديكارت يفاجئنا بالتنبيه إلى أنّ الحبّ والكره كلاهما "اختلالان" (deux dérèglements)، المشكل هو في أيّهما هو الأسوأ. مثلاً هو يفترض أنّ "الحبّ الذي نصرّفه إزاء شيء لا يستحقّ أن نحبّه، يمكن أن يجعلنا في حال أسوأ من الكراهية التي نصرّفها إزاء شيء آخر كان يجب علينا أن نحبّه". وذلك أنّ الكره لا يمتدّ إلاّ إلى الشيء المكروه، أمّا "الحبّ المختلّ" فهو لا يبقي على أيّ شيء. وهكذا ينبّه ديكارت إلى أنّ الحبّ غير المناسب هو أكثر ذنباً من الكره الناجم عن الشرّ فإنّ حبّ شيء واحد قد يجعلنا نكره أشياء كثيرة أخرى.

عيسى جابلي: في مجالنا العربي الإسلامي تشتغل سرديّات الكراهية على نحو غير مسبوق ضدّ الآخر الغربيّ أو اليهوديّ أو الصليبيّ أو الرأسماليّ.. إلخ، كيف يفسّر الأستاذ المسكيني اشتغال هذه السرديّات؟

د. فتحي المسكيني: يقول سارتر في كتابه الكينونة والعدم: "إنّ الكراهية هي كراهية كلّ الآخرين في شخص واحد". فمن يكره لا يكره واحداً بعينه بل يريد إلغاء وجود الغير في جملته. وبعبارة واضحة: لا يوجد كرهٌ بلا آخر. ومن العبث أن نعد الناس بكراهية من دون آخر. طبعاً، للآخر دوماً صفات ووجوه وملامح. والآخر في ثقافتنا السائدة هو الآخر الغربيّ أو اليهوديّ أو الصليبيّ، إلخ.. لكنّنا لا نتفطّن عادة إلى أنّ الآخر هو نحن. "نحن" نحتمل كلّ أنواع "الآخريّة"، ولا يمكن أن توجد "نحن" دون قدرة على مغايرة ذاتها. وذلك فقط لأنّ أيّ وعد بانعدام القدرة على الآخريّة يعني غلق الذات على هويّة مفرغة من العالم والقدرة على العالم. وحسب سارتر "الكراهية هي شعور أسود، أي شعور يهدف إلى إزالة الآخر" لكنّه شعور فاشل. إنّ من يريد إبطال وجود الغير في الوقت الحاضر لا يمكنه أن يبطل وجوده في الماضي. لا يمكن أن يزيل ذاكرته، وهو يفترض نوعاً مؤلماً من الاعتراف بأنّ الآخر "قد كان موجوداً". وعندما يصبح الآخر جزءاً من ماضيّ العميق، من "الكانيّة" الخاصة بي، هو يصبح بُعداً لا يمكن محوه من أبعاد ذاتي. ولا يمكنني أن أتحرّر منه. ويصبح موت الآخر جزءاً من موتي. وهكذا يقف الكره على فشله في محو الآخر. ومن هنا يدعونا سارتر إلى معاملة الكره بوصفه المحاولة الأخيرة لليأس من موت الآخر، بوصفه دائرة لا يمكن الخروج منها. ولن يبقى للذات سوى أن تقبل الدخول في هذه الدائرة بوصفها مشروعاً خاصّاً لا واقعة غريبة. إنّ الآخر كان دوماً هنا.

عيسى جابلي: طيب، وما مدى حقيقة هذه الانفعالات، هل هي المسؤولة حقيقة عمّا نراه من أعمال تطرّف وإرهاب في نظرك؟

د. فتحي المسكيني: كلّ أعمال التطرّف أو الإرهاب هي أعمال انفعاليّة. لا يوجد تفكير متطرّف أو إرهابيّ، فهو عندئذ ليس تفكيراً. ومن يكتب نصوصاً تدعو إلى التطرّف أو الإرهاب هو لا يفكّر بل فقط يحبّر سرديّة من الانفعالات الحزينة للرهط الذي يخاطبه. لكن علينا أن نوضّح أنّ الانفعالات ليست مشكلاً شخصيّاً بالضرورة. ثمّة عدوى للانفعالات تخترق كلّ تحصينات الوعي حتى المستنير منها، وتحوّل المصاب بالعدوى إلى حامل لفيروس جماعيّ لا يسيطر عليه. ربّما نحن ننتقل من معارك "الجماعة" إلى مشاكل "المناعة". والتطرّف أو الإرهاب ليس من معارك الجماعة، وإن كان يبدو كذلك في الظاهر، بل هو من مشاكل المناعة التي لم نعثر لها إلى حدّ الآن على علاج فعاّل، علاج الانفعالات الحزينة التي تصيب مجتمعاً أو مجموعة من المجتمعات هو أمر لا يمكن أن يكون فرديّاً. وأنا أتساءل إن كان التنوير، أي الاستعمال العمومي للعقل الحديث، قادراً في الوقت الراهن على مساعدتنا. كأنّ وقت التنوير قد فات. ونحن مقدمون على طور آخر من مشاكل المناعة الأخلاقيّة لأنفسنا الهشّة أكثر فأكثر نتيجة تأخّر طرح الأسئلة العميقة حول مصادر أنفسنا.

عيسى جابلي: من جهة أخرى، ثمّة من يرى أنّ الكراهية يمكن أن تكون "إيجابية" إذا تعلّقت بقضايا مصيرية مثل الدفاع عن الدين أو عن قضيّة عادلة أو قيمة سامية تُنتهك، أي أن نجعلها طاقة "نضالية" للمقاومة، هل تتفق مع هذا الرأي؟

د. فتحي المسكيني: يقول سبينوزا: "ليست الكراهية شيئاً آخر غير حزن مصحوب بفكرة علّة خارجيّة"[1]، وبالتالي "أن نكره أحداً هو أن نتخيّله بوصفه سبباً للحزن"[2]. وعليه، فإنّ "الكراهية لا يمكن أبداً أن تكون حسنة"[3]. وسبينوزا يخصّص هنا بأنّه لا يقصد إلاّ كراهية الإنسان. الجواب إذن هو: لا وجود لكراهية "إيجابية". وفي معجم فلسفي يعني ذلك أنّ "كوجيطو الكراهية" (أي "أنا أكره إذن أنا موجود") هو موقف عدميّ ولا يؤدّي إلاّ إلى تدمير العلاقة الإنسانيّة بعامّة. طبعاً، يوجد مفكّرون كبار (مثل عالم الاجتماع جان بودريار) يبشّرون بأنّ الهوية اليوم توجد في خانة الرفض؛ فهي لم تعد تملك هيكلاً موجباً.

ومع ذلك، علينا أن نفرّق جيّداً بين أن نكره أحداً وأن ندافع عن أنفسنا. الكره هوويّ في معنى أنّه يحتاج دوماً إلى "آخر" كي يتعرّف على نفسه. لكنّ الدفاع عن "أنفسنا" هو مشكل "حيويّ": ليست الذاتيّة غير شكل من الحياة نحن نحرسه بنوع من الانتماء لأنّنا وجدنا أنفسنا على هذا النحو. لا أحد يمكنه أن يغيّر انتماءه أو مصيره "العرقيّ" أو "الحضاريّ" أو "الدينيّ" أو حتى "الجندريّ" (الرجالي أو النسائي) إلاّ في طور متقدّم جدّاً من تهذيب النفس. وحدها نفوس حرّة وتملك شجاعة الانتماء الأصيل، أي شجاعة المصير، يمكنها أن تغيّر هويّتها دون أن تختلّ من الداخل وتتحوّل إلى فوضى أخلاقيّة. الدين جهاز انتماء لكنّه ليس مشكلاً هوويّاً. هو فضاء تشكيلي يمكن أن ينتمي إليه أيّ كان دون أن يغيّر عرقه أو هويّته...إلخ. إذن الانتماء شيء والعقيدة شيء آخر. ولا معنى للدفاع الهوويّ عن الدين بما هو كذلك. لا يحتاج أيّ دين عظيم إلى من يدافع عنه. هو دوماً أفق أخلاقيّ تأسيسيّ يمكن لأيّ كان أن ينتمي إليه من أجل تطوير ذاته وتحريرها من شكل انتماء سابق. الدين ليس ذاتاً لأحد. وحده دين حزين يختزل نفسه في مكنة هوويّة بلا عالم خارجي. ومن السخف الإيمان بإله خالق جبّار والدعوة في نفس الوقت إلى الدفاع عنه ضدّ المخلوقات الفانية. الدين في أقصى ممكناته الموجبة هو رصيد أخلاقيّ للإنسانيّة عليها أن تحافظ عليه من أجل أيّام ميتافيزيقية ذات هول كوكبيّ قد يهدّد في المستقبل انقراض النوع. هذه حاجة استراتيجيّة إلى الأديان العالميّة علينا وضعها بين قوسين، وخاصّة حمايتها من الأيادي العابثة؛ أي من الأيادي السياسيّة. كلّ من "يستعمل" الدين بوصفه جهازاً سياسيّاً في معارك المواطنة هو لاعب لا يفرّق بين قواعد اللّعب وتقنيات الغشّ. كذلك لا توجد قضيّة عادلة أو قيمة سامية تحتاج إلى الكراهية. الكراهية ثقب أسود يمتصّ كلّ ما هو إيجابي في أيّ كائن ويلفظه في شكل فراغ أخلاقيّ مرعب. لا يمكن للكراهية أن تكون طاقة نضاليّة للمقاومة، فمن يكره لا يناضل ضدّ أحد. علينا أن نفرّق بشكل قويّ بين العدالة والثأر، كما بين الحاجة إلى الكراهية وبين النضال.

يقول نيتشه في كتاب جنيالوجيا الأخلاق: "إنّ الكهّان هم أشرّ الأعداء- ولكن لماذا؟ لأنّهم أكثر الناس عجزاً. ومن العجز يتولّد عندهمُ الكرهُ، مرعباً وموحشاً، روحيّاً ومسموماً كأشدّ ما يكون. لقد كان أشدّ الناس كرهاً في تاريخ العالم على الدوام كهّاناً، وكان هؤلاء الكارهون أيضاً من أشدّ الأرواح مكراً: - فإزاء روح الثأر التي تسكن الكهّان يكاد لا يدخل أيُّ روح آخر في الاعتبار" (المقالة، الأولى، الفقرة 7).

لا نتحرّر من الحاجة إلى الكراهية حتى نفصل بين معارك العدالة ومعارك الثأر. وعندئذ يتبيّن لنا أنّ الدفاع عن الدين هو أضعف الانفعالات الإيجابيّة تجاهه. لا يحتاج الله أو القرآن أو الرسول إلى من يدافع عنه، بل فقط إلى من يستحقّ الانتماء إليه. القضيّة العادلة ليست حجة جيّدة كي نكره أحداً. ومن يفعل ذلك هو يشرّع لثقافة الكره بوصفها السقف الأخلاقيّ الأعلى لنفوسنا، وهو لن يفعل ذلك إلاّ لأنّه عاجز عن أيّ نوع تأسيسيّ من المحبّة. يقول سبينوزا: "تزداد الكراهية حينما تكون متبادلة؛ ولا يمكن القضاء عليها إلاّ بالمحبّة". وبقدر ما يعجز أحدهم عن المحبّة هو يتشبّه بعدوّه.

عيسى جابلي: إذا قاربنا المفهوم في علاقته بالدين عامّة، تقول كل الأديان تقريباً، إنّها دعوة إلى التسامح والاحترام والتعايش وغيرها من المفاهيم التي يحدّ الواقع من صدقها، خصوصاً بالنّظر إلى واقعنا المعاصر، حيث الدين وسيلة للتقتيل في أبشع صوره في حالات كثيرة، ما العلاقة بين الدين والكراهية؟

د. فتحي المسكيني: كما لمشاعر الكراهية تاريخ خاصّ، علينا أن نؤرّخ للأديان بوصفها خطابات لا تقول نفسها بنفس الطريقة في كلّ مرّة. ربّما كان الدين ميدان عبور لفكرة "الأبديّة" في أفق البشر، لكنّه ليس جهازاً أبديّاً. هو فقط نوع من الخطاب يحتاجه الناس في وقت مخصوص من تاريخ أنفسهم العميقة. وهذا الخطاب ينجح دوماً في ادّعاء محتوى هوويّ متغيّر إلاّ أنّه يفعل ذلك في كلّ مرة بواسطة نفس النصوص. لذلك، علينا أن نفصل بين مسألة تكذيب ما تقوله النصوص عن نفسها، وبين "ما يقع باسم" الأديان في كلّ مرّة. لا يعني ذلك أنّ النصوص الدينيّة صحيحة بمعايير الصدق والكذب، بل فقط أنّ المعركة النقديّة أو الإبتستمولوجيّة مع معجمها أو خطابها أو مقولاتها، هي معركة مختلفة تماماً عن "الاستعمالات" المعاصرة للخطاب الديني في أيّ مكان. ربما علينا أن نتمثّل هنا باللّغة العربية بما هي كذلك، وهي فلسفيّاً تمتلك نفس الخطورة الميتافيزيقيّة التي يمتلكها المصحف القرآني الذي بين أيدي الناس. وهما على الأرجح حدثان روحيّان جذريّان وقعا في حركة تاريخيّة وتأسيسيّة واحدة لم نفرغ بعد من مساءلتها والتأريخ لها من الداخل. نقول: علينا أن نفصل بين ما تقوله اللّغة العربيّة عن نفسها وبين استعمالاتنا لها راهناً. ومن يأخذ استعمالنا لها اليوم، سوف يحكم لا محالة بقرب انقراضها. وعليه، إنّ ما تقوله الأديان عن نفسها ليس مقياساً للحكم على ما يتمّ باسمها، والأمر يعكس. ولذلك، علينا أن نفصل بين نقد الدين بما هو كذلك وبين نقد اللاّهوت السياسيّ. نقد الدين مشكل فلسفيّ حديث، ظهر في آخر أطوار فلسفة الوعي، حيث أخذ مفهوم الإيمان يتقلّص إلى رتبة تمثيل ذاتيّ لنوع من المشاعر التي تدور في فلك مسائل "الجليل"؛ أي ما يدعو إلى التفكير فيه بوصفه حدساً للكون أو لكائن أسمى، ولكنّه يتجاوز قدرتنا العقلانية على البتّ في صلاحيّته. أمّا اللاهوت السياسي، فهو تأسيس هوويّ للدولة على الدين. ومن ثمّ هو تطبيق نموذج سيادة مغلق يستمدّ من فكرة التعالي تبريره الأخلاقيّ، ويُنزل "المواطنين" إلى رتبة "الرعيّة"، ويعامل "القانون" الوضعي بوصفه سلوكاً وثنيّاً لا يرقى إلى رتبة "الشريعة" الإلهية، إلخ... كلّ هذا هو تأسيس صريح للدين على الهويّة بمجرّدها، ومن ثمّ على الحاجة النسقيّة إلى خدمات الكراهية. نواة الإشكال الذي يثيره اللاهوت السياسي لا توجد في خطاب الدين كما قال نفسه في نصوصه التأسيسيّة، بل في تصوّر السلطة الذي تؤسّس عليه الحركات الدينيّة مشروعها السياسي: إنّه تصوّر يعتبر عناصر "الاستبداد" الشرقيّ جزءاً لا يتجزّأ من "الوحي" التوحيدي. طبعاً، يمكن استخراج عناصر استبداديّة من ظاهرة "التعالي" التي يفترضها الوحي الإبراهيمي: الإله الواحد / الملك الواحد؛ الكتاب المقدّس / حكم الشريعة؛ النبيّ / الخليفة؛ التعالي / السيادة؛ المؤمن / الرعيّة؛ إلخ... لكنّ هذا المسلك، ليس فقط لم يعد له من مبرّر تاريخي، بل هو ليس - ولم يكن - المسلك الوحيد لتدبير أمر المحكومين في أفق الإسلام.

وعليه، فإنّ استعمال الدين وسيلة لتبرير التقتيل ضدّ أبرياء لا نعرفهم ليس من ماهية الدين في شيء، ولا يوجد أيّ دين يعتبر القتل برنامجاً أخلاقيّاً لتربية الناشئة عنده. إنّ المماهاة بين الدين والقتل هي مجرّد استيلاء على قارّة الدين وتحويلها إلى مزرعة خاصّة لنوع من التنظيمات أو الدول التي تزعم تطبيق الشريعة من أجل تبرير وجودها الأخلاقي. لا يمكن لأيّة دولة معاصرة أن تتحوّل إلى "ملّة" (وهذا هو نوع تدبير المدن التي يسكنها مؤمنون) دون أن تدمّر الهويّة الشخصيّة الحديثة للمنتسبين إليها. فمجرّد معاملة "المواطنين" بوصفهم "رعية" تحت الوصاية الدينيّة هو يجرّدهم من كلّ مسارات التذوّت والتذاوت التي طوّرتها الهويّة الحديثة لأعضاء الإنسانيّة الحاليّة.

التسامح والاحترام والتعايش قيم طوّرتها الإنسانية الحديثة، انطلاقاً من حدوس أخلاقيّة ودينيّة سابقة على الحداثة، وكان للأديان العالميّة دور ما في بلورتها، وإنْ كان ذلك داخل معاجم معياريّة لا تتأسّس عليها ولا تدور حولها صراحة، نعني أنّها تبنّتها "دنيويّاً"، في سجّلها الفقهيّ، في مقابل تنازلات "أخرويّة" مرعبة. إنّ مبدأ "لا إكراه في الدين" القرآني لا يعني مفهوم "التسامح" المسيحي والحديث، بل يشير إلى قاعدة أخلاقيّة مختلفة. أن "نتسامح" (tolerare) عند المسيحيين يعني أن نتحمّل؛ أي أن نقبل بما لا نقبل به عادة أو عفواً، أي ما كنّا لنرفضه لو كان باختيارنا. وفي آخر الأمر كما يقول جون لوك في القرن السابع عشر "أن نكفّ عن محاربة ما لا يمكننا أن نغيّره"، رغم أنّه مخالف للأخلاق التي نؤمن بصحّتها. ويذهب جون رولز في القرن العشرين إلى حدّ التسامح مع "عدم المتسامحين" لأنّ ذلك بمثابة فضيلة مدنيّة في مجتمع عادل. أمّا مبدأ "لا إكراه في الدين" فهو قول موجب وإثباتيّ وصادر عن إرادة مقتدرة (ربّما كان موجّها إلى أيّ إنسان أو غريب أو كتابيّ أو ذمّي أو معاهد أو مستأمن أو مجوسيّ...). هي تعني فقط "بالنسبة إلينا اليوم" ما فهمه فقهاء الملّة في زمن قوّتها: حريّة المعتقد. لا يمكن أن نجبر أحداً على اعتناق دين لا يؤمن به.

إنّ السؤال المحرج هو: ماذا تبقّى من هذا المبدأ؟ ألا نشهد عمليّة نقل حثيثة له من اختيار حكم "اللاّ-إكراه" إلى فرض ثقافة "الكراهية"؟ هذا هو الانتقال من معنى الدين (كما قال نفسه ذات يوم للمؤمنين به) وبين اللاّهوت السياسي (الذي يدعو إلى تحويل المواطن الحديث إلى رعيّة من القرون الوسطى). وهذا هو معنى مريب للقول بأنّ هذه الآية منسوخة بآيات القتال.

عيسى جابلي: اسمح لي أن أتفاعل مع فكرة أنّه "لا يوجد أيّ دين يعتبر القتل برنامجا أخلاقيّا لتربية الناشئة عنده" التي قد "تتناقض" مع ما يعتبره آخرون حقيقة: تستمدّ جماعات الإرهاب "مشروعيّة" التقتيل الذي تمارسه بأبشع الطرق من نصوص دينية (اقتلوهم حيث ثقفتموهم) وغيرها من النصوص التي تحثّ على الجهاد والقتال، وتتوافق الجماعات الإرهابيّة في هذا الزعم مع كثير من العلمانيين والحداثيين وغير المتديّنين الذين يعتبرون أن القرآن تضمّن دعوات صريحة إلى القتل بالفعل وتعتمد هذا الأساس للقطع الجذري مع الإسلام والقرآن وما اتصل بهما، ألا يعني هذا تناقضاً مع فكرتك؟

د. فتحي المسكيني: إنّ الربط بين "مشروعيّة" القتل وبين النصوص الدينية أيّا كانت هو ربط تحكّميّ من الجهتين، أكان ذلك للتبرير (الإرهابي) أو للنقد (التنويري). المشكل هو أنّ القتل يمكن تبريره بأيّة وسيلة معياريّة مهما كانت طبيعتها. أجل، الكتب المقدّسة المختلفة تحتوي على دعوات للقتال ضدّ من تسمّيهم في عصرها باسم "الكفّار" أو "المشركين"، إلخ. لكنّ دساتير الدول العلمانيّة الحديثة تحتوي على قدر مماثل من الدعوات للقتال ضدّ "الأعداء" جميعاً (من قبيل المستعمر والمحتلّ والمعتدي والمجرم، الخ.). إذن لبّ الإشكال في مفهوم "المشروعيّة" وليس فعل القتال. ومع ذلك، فإنّ استدعاء النصوص المقدّسة لتبرير مشروعيّة "التقتيل" مختلف تماماً عن استدعاء تلك النصوص للدعوة إلى "القتال" دفاعاً عن الوطن أو الإنسانيّة. بقي أنّ علينا أن نقول إنّ القرآن ليس استثناءً هنا في عائلة الكتب المقدّسة التوحيديّة. ولذلك، فإنّ عزل القرآن وكأنّه شيء اخترعه "الإسلاميّون" وتعمّد شيطنته وكأنّه من تأليف الإرهابيين المعاصرين هو خطّة مريبة. القرآن حلقة من حلقات التوحيد الإبراهيميّ، وهو لا يختلف في شيء عن التوراة العبرانية ولا حتى عن الأناجيل في تضمّن مشاهد العنف. كلّ النصوص التوحيديّة تحتوي على قدر مفزع من العنف، بل إنّها توحي بأنّ الإله التوحيدي (يهوه، المسيح، الله...) له صورةُ إلهٍ عنيف بشكل مرعب، وهو معنى "الجبّار" لدينا وجملة الصفات الجلاليّة.

لا يحتوي القرآن على شيء غريب عمّا تحتويه كلّ النصوص التأسيسيّة مهما كان عصرها أو نوعها. كلّ النصوص التأسيسيّة (من كتب مقدّسة وفلسفات سياسية ودساتير علمانية ونظريّات قانونيّة...) "تشرّع" لنوع معيّن من استعمال القوة ضدّ "عدّو" مفترض؛ أي أنّ القتال هو ظاهرة مرتبطة بشكل الحياة الخاصّ بالبشر. واحتكار الاستعمال الشرعيّ للعنف هو أحد تعريفات الدولة الحديثة. ولذلك فالقرآن ليس استثناء. ومن يقول ذلك هو فقط يطبّق الصورة السائدة عن النموذج المسيحي للكتاب المقدّس (نسخ الأناجيل) على القرآن، وكأنّ الكتابات المقدّسة المسيحيّة (وما تقوله عن نفسها كديانة "محبّة" ... إلخ) هي براديغم المقدّس بعامّة، بل حتّى براديغم الأديان العالمية الكبيرة المعروفة. والحال أنّ التوراة العبرانية التي تنهل منها الأناجيل هي أكبر مجمّع لعمليّات القتل في السرديّات القديمة (علينا أن نذكر مثلاً ما جاء في قصّة سفر الملوك الأول من أنّ إيليا قد ذبح 450 نبيّاً من أنبياء البعل، أو ما جاء في سفر إستير من مذابح بالمئات). ولكن حتى العهد الجديد لا يخلو من مواقف حيث يبدو المسيح عنيفاً (مثلاً عمليّة طرد الباعة من المعبد).

ما هو المغزى من هذا التوضيح؟ - أنّ الكتب التأسيسيّة كلّها، والتوحيدية منها، لا تخلو من الدعوة إلى القتال. وسوف تُكتب نصوص قانونية في المستقبل تشرّع للقتال بين البشر، وربما مع كائنات أخرى. لكنّ المشكل ليس في الدعوة إلى القتال بل في شرعنة التقتيل باسم الدين، وباسم دين بعينه. لذلك يشترك الإسلاميّون (الإرهابيون) والعلمانيّون (التنويريون) في تحميل القرآن مسؤوليّة التشريع للقتل. ولذلك، فإنّ اتفاق الجانبين على أنّ القرآن يدعو إلى القتال هو اتفاق عرضي ولا يؤسّس شيئاً. إنّ المشكل في مستوى آخر: هو مستوى الشرعنة بوصفها قضيّة معياريّة وأخلاقيّة وقانونيّة ضخمة لا يمكن حسمها بمجرّد تحميل هذا الدين أو ذاك مسؤوليّة الدعوة إلى العنف، بل هذا النوع من النقاش حول علاقة القرآن بالعنف هو مجرّد عارض خطابي على أزمة أشدّ عمقاً هي أزمة المشروعيّة بما هي كذلك: نحن لم نخض أيّ نقاش جذري حول الشرعنة في أفقنا الحديث. والخلط بين الشرعيّ والقانونيّ هو أمارة على هشاشة تصوّراتنا عن السلم في مجتمعاتنا. لا ينبغي الوقوف عند نقد دين بعينه (مثلا النقد العلماني للإسلام أو للقرآن) فهذا لا يخلو من مشاعر اضطغانيّة كان نيتشه قد نبّه المعاصرين منها، بل ينبغي إخراج جميع النصوص المقدّسة من دائرة النقاش العموميّ حول الشرعيّة في أفق الدولة الحديثة، باعتبارها، كما قال هابرماس الأخير، نصوصاً محتاجة إلى الترجمة التواصليّة حتى يمكن قراءتها من جديد، نعني ترجمتها في المعجم التداوليّ للدولة الديمقراطيّة، وهو اختيار صعب لا يلتزم به حتى العلمانيّون. الإرهاب لا يأتي من خارج عقولنا دوما. إنّه يأتي أيضا من ضعف نقاشاتنا حول شرعيّة الدولة أو حقيقة السلطة أو معياريّة القانون أو أساس الأخلاق أو حريّة التفكير أو سياسات الهويّة، بل حتى عن مفهوم إنسانيّتنا، إلخ.

عيسى جابلي: هل يمكن ربط ظاهرة الإرهاب التي تستمدّ مقولاتها ظاهريّاً من الدين، بالكراهية؟ هل هي ناتجة عن "حالة امتلاء" بالكراهية؟

د. فتحي المسكيني: لو كان يمكن عزل ظاهرة "الإرهاب" في أصولها النفسيّة لكان يمكن حقّاً أن نؤسّس مفهوم الإرهاب على الكراهية. لكنّ الأمر أكثر تعقيداً. طبعاً، ليس الإرهاب درساً في المحبّة، وإن كان يزعم ذلك في مستوى من خطابات المنتسبين إليه. إذْ لا يمكن إقناع هذا العدد الهائل من الناس بالموت من أجل ما يعتقدونه دون منحهم جرعة كافية من المحبّة. وكما ينبغي الفصل بين الدين واللاّهوت السياسيّ، كذلك ينبغي الفصل بين الإرهاب والكراهية. أجل، إنّ ثقافة الكراهية هي أفضل غذاء أخلاقيّ للتكفيريّين. إنّ ثقافة الكراهية عمل تكفيري أو لا تكون. من يكفّر فنّاناً أو كاتباً مثلاً هو يشرّع لقتله بواسطة جهاز الكراهية الذي يوجد في جراب الإرهابيّين. وذلك يعني أنّه يخلق أفقَ انتظار سرديّاً ناجعاً تماماً من أجل دفع أحدهم إلى الإقدام على الولوج إلى فضاء التجربة. لا يقتل الناس دوماً إلاّ داخل قصّة ما. من يخلق القصّة يجعل كلّ الأدوار ممكنة. ومع ذلك قد توجد حالة امتلاء بالكراهية لكنّها لا تنتج إرهاباً أو تكفيراً. وذلك أنّها كراهية من جنس آخر، ونعني تحديداً أنّها لا علاقة لها بالدين التوحيدي. الكراهية لا مضمون لها، في حين أنّ الإرهاب هو عمل موقَّع دوماً.


[1]- Spinoza, Ethique. Livre III, Prop; 13, scolie.

[2]- Spinoza, Ethique. Livre III, prop. 39. Démonstration.

[3]- Spinoza, Ethique. Livre IV, prop. 45.