فضل الرحمن والفهم الرحماني الأخلاقي للقرآن

فئة :  مقالات

فضل الرحمن والفهم الرحماني الأخلاقي للقرآن

فضل الرحمن والفهم الرحماني الأخلاقي للقرآن(*)


مازالت الدراسات الإسلامية في المحيط العربي لا تعرف إلّا القليل عن مفكري الإسلام في شبه القارة الهندية، على الرغم من أن شيئاً من المقولات الاعتقادية والمفاهيم الكلية قد استعارها بعضُ المفكرين والكتّاب العرب والإيرانيين منهم، على اختلاف في طبيعة ما هو مستعارٌ إيرانياً وعربياً، كلٌّ حسب أفق انتظاره وخلفياته وسياقات اجتماعه الديني. وأضحت تلك المقولات والمفاهيم فيما بعد منهلاً لإلهام بعض الأدبيات الدينية المختلفة، تبعاً للاختلاف والتنوع في التفكير الديني لعالم الإسلام في شبه القارة الهندية. الإحيائيون من السلفيين والأصوليين استعاروا ما يسوغ ويكرّس أفكارهم في الدعوة لإقامة الدولة الدينية، في حين استعار الإصلاحيون والمجددون ما يفتقدونه في محيطهم، ما شكّل أفقاً لبناء رؤيتهم في التوحيد والوحي والنبوة.

كان ولي الله الدهلوي "1703 - 1762"، الذي يسميه بعض الباحثين مجدّد القرن الثامن عشر، يمتلك رؤية تتسع لعبور التراث، وتحاول أن تعيد قراءة القرآن والحديث في ضوء الأفق التاريخي لعصر البعثة، إذ أزاح شيئاً من ركام التفاسير المكررة والشروح التي دفنت القرآن وغيبت المقاصد الكلية للرسالة الإسلامية، وحاول أن يرى النص القرآني بلا وسائط تحجبه. بالرغم من أن برامج التعليم الديني لولي الله تركز على الحديث والعلوم التقليدية، لكنه شدّد على ضرورة التعامل مع القرآن مباشرة خارج التفاسير، ولم يقبل من التفسير إلا بحدود ما يشرح معاني الألفاظ وإعرابها نحوياً، كما أدرج التصوف في نهاية برنامجه التعليمي، وهو ما لم تألفه برامج التعليم الديني من قبل في شبه القارة الهندية. وكان لولي الله أثر ملموس في انتشار دراسة الحديث، وهيمنة المدرسة الحديثية، لكن انتهت هذه المدرسة إلى مواقف متشدّدة في شبه القارة الهندية لاحقاً.

نعثر على شذرات في آثار الدهلوي، تلمح إلى آراء اجتهادية، لا تكرر المكرر في التراث. وقد أضاءت هذه الآراء لبعض مفكري الإسلام الهندي في القرنين التاسع عشر والعشرين شيئاً من عتمة حاضرهم، وأسهمت في توجيه بوصلة تفكيرهم الديني.

اهتم ولي الله الدهلوي بالتنقيب عن الأهداف والقيم الكامنة خلف الشرائع، فأشار إلى أنها وإن كانت حاكية عن طبيعة البيئة المحلية لمجتمعاتها، لكنها تنشد أهدافاً اعتقادية وغايات أخلاقية جوهرية وراء أحكامها ووصاياها.

اصطلح ولي الله على تعبير الشرائع عن مجتمعاتها بـ "الارتفاقات"[1]، وهي تعني أن شرائع النبوات تتناسب وإيقاع حياة ونمط عيش المجتمعات التي ظهرت فيها، ولا تخرج إلا بشكل محدود عن طبيعة حياتهم وظروفهم وعاداتهم وتقاليدهم. بمعنى أن هناك "ارتفاقا" أي تناغماً بين الشريعة وحاجات المجتمع، إذ تنسجم الشرائع مع الأحوال الاجتماعية وطبائع الأقوام، لذلك تختلف وتتفاوت تبعا لاختلاف المجتمعات، وعلى حسب تعبير الدهلوي: "مظان المصالح تختلف باختلاف الأعصار والعادات، ولذلك صح وقوع النسخ. وإنما مثله كمثل الطبيب يعمد إلى حفظ المزاج المعتدل في جميع الأحوال، فتختلف أحكامه باختلاف الأشخاص والزمان، فمن عرف أصل الدين وأسباب اختلاف المناهج، لم يكن عنده تغيير ولا تبديل. ولذلك نسب الشرائع إلى أقوامها"[2].

وفي التفاتة دالّة يؤشر ولي الله إلى أن الشرائع مثلما تعكس طبائع المجتمعات وأحوالها ومتطلباتها، كذلك تعبر عن شخصية النبي وحياته وبيئته. فمثلاً يكتب في جواب سؤال عن تفسير الآية: "كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"[3]، قائلاً: "تفسيرها أن يعقوب مرض مرضاً شديداً، فنذر لأن عافاه الله ليحرّمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه، فلما عوفي حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، واقتدى به بنوه في تحريمها، ومضى على ذلك القرون، حتى أضمروا في نفوسهم التفريط في حق الأنبياء أن خالفوهم بأكلها، فنزل التوراة بالتحريم. ولما بين النبي أنه على ملة إبراهيم، قالت اليهود: كيف يكون على ملته، وهو يأكل لحوم الإبل وألبانها، فرد عليهم: أن كل الطعام كان حلا في الأصل، وإنما حرمت الإبل لعارض لحق باليهود... واعلم أنما اختلفت شرائع الأنبياء لأسباب ومصالح، وذلك أن شعائر الله إنما كانت شعائر لمعدات. وأن المقادير يلاحظ في شرعها حال المكلفين وعاداتهم"[4].

لا يرى ولي الله الدهلوي أن دور النبي في تلقيه الوحي كان سلبياً، فليس هو مجرد صدى تمر من خلاله كلمات الله، وإنما "عندما يريد الله إيصال هدى معيّن، يقدّر له أن يدوم إلى نهاية العالم، يخضع نفس الرسول ليرسل الكتاب الإلهي في قلبه الطاهر، بطريقة خفية وشاملة... فتنطبع الرسالة في قلب الرسول كما وجدت في العالم السماوي. وهكذا يعرف الرسول ويقتنع أن ذاك هو كلام الله... بعد ذلك، وتبعاً للحاجات ينطق الرسول بخطاب بديع الصنعة، هو ثمرة لقدراته العقلانية، ولعون الملاك"[5]. ويعتقد الدهلوي أن وحي القرآن إنما يحدث في "قالب كلمات واصطلاحات وصياغات سبق أن وجدت في ثقافة النبي"[6]. ونقرأ ما يشي بشيء من إيماءات هذا الفهم أخيراً لدى محمد مجتهد شبستري، في سلسلة محاضراته الموسومة: "القراءة النبوية للعالم".

مصائر الأفكار لا تنتمي لبداياتها دائماً، فقد تنتهي آراء عقلية حرة إلى مصير مريع، بعد أن تمسي مغلقة مفرغة من أية بصمة للعقل. هذا هو المآل الذي انتهى إليه ميراث الدهلوي في شبه القارة الهندية، فقد استحوذ عليه تيار أهل الحديث السلفي المناهض لكل أشكال التفكير العقلي، والذي لم يوفر حتى علم الكلام.

الفضاء الروحي في شبه القارة الهندية يستوعب الكثير من الديانات والمذاهب الحية، وتتلوّن دياناته بإثنيات ولغات وثقافات متنوعة، لا نعثر على ما يماثلها في بلاد أخرى. ومع كل هذا التنوع والاختلاف مازالت تتعايش كل الديانات في فسيفساء تلك الديموغرافيا الواسعة.

لم يكن الإسلام في الهند ديانة للمسلمين فقط، بل هويتهم القومية أيضاً. الإسلام هويتهم المركزية التي تتفرع عنها كل الهويات الإثنية وغيرها؛ وذلك هو الذي دعا المسلمين إلى تأسيس دولتهم الخاصة بباكستان، خارج الفضاء الروحي والثقافي للهند.

في هذه التضاريس البشرية والروحية ولد فضل الرحمن عام 1919 في الهند، لأب وأم متدينين، كانا منبعاً لإلهام حياته الروحية في طفولته، وبناء معتقداته، وأخلاقياته، وشخصيته. يصف فضل الرحمن ما استلهمه من أبويه بقوله: "كان لوالدتي ووالدي تأثير حاسم في تكوّن طباعي ومعتقداتي الأولى؛ فقد تعلّمت من والدتي فضائل الصدق والرحمة والثبات، وقبل ذلك الحب. وكان والدي باحثاً دينياً مطّلعاً على الفكر الإسلامي التقليدي، على النقيض من معظم الباحثين الإسلاميين التقليديين في ذلك الوقت، الذين كانوا يعتبرون التعليم الحديث هو سمّ للإيمان والأخلاق على السواء. كان والدي مقتنعاً بأنه ينبغي على الإسلام التعامل مع الحداثة بأنها تحدّ وفرصة في الوقت نفسه. ومازلت أشاطر والدي الرأي نفسه حتى يومنا هذا"[7].

كان فضل الرحمن -كما يؤكد تلامذته ومريدوه – مثالاً نموذجياً للمثقف المسلم الملتزم الشجاع، فقد كان تفكيره مرآة لالتزامه وشجاعته، والتزامه وشجاعته مرآة لتفكيره. وما أقل هذا المثال في حياة اليوم. ظل فضل الرحمن وفياً لأفكاره، ولم يتراجع أبداً أو يراوغ أو يتردد، رغم ما تعرض له من هجمات قاسية في باكستان، اضطرته أخيراً لمغادرة موطنه والهجرة إلى الولايات المتحدة عام 1968، والتي مكث فيها أستاذاً وباحثاً حتى وفاته 1988.

يفرض فضل الرحمن على القارئ احترام اختياراته الفكرية ومنهجه وأخلاقياته في البحث والكتابة، وإن اختلف القارئ معه. تتسم كتابته بجدية وصرامة وتكثيف متين، يبتعد عن الفائض اللفظي، والتبسيط في التحليل، فهو لا يذكر معلومة إلا ويحيل إلى مرجعها، ولا يتبنى فكرة من دون أن يدلل عليها. ولا يذكر رأياً أو مفهوماً يختلف معه إلّا ببيان يحكيه من دون نوايا مضمرة، ويحاول أن يلتمس له الحجة إن كان له إليها سبيل. وهكذا يتعاطى مع الآراء والمواقف الفكرية المختلفة معه بإنصاف وموضوعية.

تسود كتابات فضل الرحمن دعوة لتموضع الإسلام في سياقه الأخلاقي، وقراءة القرآن أيضاً في ضوء ذلك، تؤكد دعوته أن الإسلام دين أخلاقي، والقرآن وثيقة أخلاقية ثرية، وهي دعوة ترتسم صورتها، وتجد تطبيقاتها أولاً في كتاباته، وهو ما يرد التوكيد عليه في مواضع مختلفة من كتاباته، فمثلاً يقول: "لقد أكدنا أكثر من مرة، فيما سبق، أن الدافع الحيوي للإسلام كان دافعاً أخلاقياً، وأشرنا إلى أن التصورات المتعلقة بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية في القرآن، استنبطت منه"[8].

فضل الرحمن باحث أخلاقي من طراز فريد في تكوينه ومنهجه. أتمنى أن يترسم الجيل الجديد من الباحثين المسلمين أخلاقيات البحث العلمي لديه، وطريقة تكوينه وتعليمه الرصين؛ فقد كان يتعامل بأخلاقية رفيعة مع أشرس خصمين من جيله، تلقى منهما ضربات مؤلمة في باكستان؛ إذ يكتب، وهو يثني على جهودهما بتبجيل، في تصدير كتابه "الإسلام وضرورة التحديث"، بالرغم من قسوتهما البالغة عليه: "أود أن أذكر اثنين من المثقفين الباكستانيين، أبو الأعلى المودودي واشتياق حسين قريشي، وقد رحلا عن عالمنا في أيلول (سبتمبر) 1979، وكانون الثاني (يناير) 1981. ولقد كان رحيلهما خسارة للإسلام، رغم انتقادي القاسي، والمبرر كل التبرير كما أعتقد، لهما"[9]. كانت مواقف المودودي من فكر فضل الرحمن جذرية في إشاعة التشكيك بأفكاره ورفضها، وعلى أثر هذه المواقف عمل أتباع المودودي وجماعته على تأليب الشارع وتجييش الجمهور الباكستاني ضد فضل الرحمن، إلى حد حدوث سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرت والاعتصامات انتهت بتهديده بالقتل، وتخلي الرئيس أيوب خان عنه في تلك اللحظة الحرجة. فاضطر فضل الرحمن أخيراً للاستقالة من رئاسة المعهد الذي كان يقوده، والهجرة إلى الولايات المتحدة.

حفظ فضل الرحمن القرآن بعمر عشر سنوات بتوجيه وإشراف والده. وتعلّم على يده في المنزل معارف الدين التراثية، وكان أبوه تعلّم هذه المعارف في مدرسة "ديوبند" شمال الهند. انخرط فضل الرحمن عام 1933 في الكلية بلاهور، ونال شهادة الماجستير من جامعة البنجاب عام 1942. وفي عام 1949حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة أكسفورد. وأصاب تكويناً لغوياً متنوعاً، فكان يعرف مضافاً إلى لغته الأم الأردية: العربية والفارسية والإنجليزية والألمانية والفرنسية والتركية والأندونيسية، والإغريقية واللاتينية القديمتين.

يسعى فضل الرحمن في مختلف كتاباته إلى أن يحيل على القرآن، ويتخذه مرجعية في تفكيره واجتهاداته، وهو في ذلك يحذر من أن يقع في أسر رؤية المفسرين، أو يغرق في آثارهم الغزيرة، فهو يرى أن "التفاسير بطبيعة منهجها لا يمكن أن تؤدي إلى تبصر كامل بالقرآن الكريم، وإعطاء نظرة متماسكة عن العالم الغني الذي يزخر به"[10]. لذلك، يقترح منهجاً موضوعياً ينظر للقرآن ككل، ولا يقطعه فيأخذه آية آية، وينظر إلى كل آية، وهي منفصلة عن سياقها القرآني الكلي. كما ينبه فضل الرحمن إلى أن أية قراءة ترمي إلى أغراض خاصة تنتهك حرمة القرآن، عندما يقول: "القرآن يجب أن يدرس دراسة تظهر وحدته في كلّيتها. أما اختيار بعض الآيات من القرآن لتلبية الأغراض الذاتية للملاحظ أو الدارس، فإن الاختيار سيؤدي بالضرورة إلى انتهاك حرمة القرآن، وينتهي أثر ذلك إلى اختصارات مبتسرة لا تخفى خطورتها"[11].

القرآن كتاب تسري فيه روح واحدة، مضامينه تتوحد في نسيج عضوي متماسك، ويسوده نظام كلي، يتطلب فهمه أن نكتشف المنطق الذاتي الذي يتحدث فيه القرآن عن نفسه. ففي القرآن تتحدث كل فكرة ومفهوم ومقولة للأخرى، وتتبصر كل آية دلالتها ووجهتها في أفق آياته الأخرى بمجموعها. القرآن كتاب تحيل فيه الفروع على الأصول، والجزئيات على الكليات، والصغريات على الكبريات. التوحيد هو حجر الزاوية في كل ذلك، التوحيد ينبثق منه، ويتفرع عنه، ويعود اليه كلُّ شيء أورده القرآن. لذلك اتبع فضل الرحمن في فهمه للقرآن منهجاً يبتني على "التركيب المنطقي" للموضوعات، ولم يعمد إلى الترتيب الزمني، أو التفسير التجزيئي. إنه منهج يضئ القرآن بلغته، ويكشف عن دلالات شبكة مصطلحاته بمعجمه الخاص، ويقترح فضل الرحمن طريقة في التفسير "تقوم على أساس حركة مزدوجة: من الوضعية الراهنة إلى الأزمان القرآنية، ثم في عودة إلى الزمن الراهن... بمقدار ما سيكون بإمكاننا أن نقوم بهاتين الحركتين بنجاح، فسوف تصبح تعاليم القرآن حية، وفعالة مرة أخرى"[12].

ومع أن هذا المنهج دعا إليه وتبناه بعض المفسرين والباحثين في العصر الحديث، غير أننا قلما نقرأ محاولة متماسكة منتظمة ترتقي إلى الضبط المنهجي والدقة التي اتسمت بها جهود فضل الرحمن. ولعلنا لا نبالغ حين نصف منجزه في هذا الحقل البالغ الأهمية بأنه مسعى جاد لتكريس منهج في فهم القرآن يحرّره من أكثر أسوار الأفق التاريخي التكراري المغلق للمفسرين الذي أفضى لانحسار حضور القرآن في حياة المسلم، على الرغم من ضجيج أصوات الإسلاميين وتفاقم صيحات شعاراتهم عن القرآن، وكلامهم في نسبة كل شيء، على الضدّ من منطق القرآن وما ينشده إليه. إن هذا الفهم تفرضه ضرورة إعادة اكتشاف الأبعاد المضيئة للحياة الروحية والأخلاقية القرآنية، والافتقار المعنوي للمسلم اليوم لهذه الحياة، وضياعه في كهوف التراث التي لا تقوده إلا لمزيد من الضياع.

ومع أننا نجد فضل الرحمن في غير موضع من كتاباته يدعونا إلى الانتباه لأولئك الذين "يسقطون على القرآن وجهات نظرهم، أو نظر المدارس الفكرية التي ينتمون إليها... يجب رفض اتخاذ القرآن سترة تخفي عورة الآراء المنحازة لبعض المثقفين"[13]. لكن فضل الرحمن لم يتنبه إلى أنه لم يصل المديات التي كانت ترمي إليها دعوته، ولم يستطع أن ينجز كل وعوده، لأن قراءته للنص القرآني، ككل عملية قراءة لأي نص هي عملية تبادلية، يشترك في إنتاج المعنى فيها النصُّ والقارئ. القارئ ليس آلة تسجيل صامتة صماء، تتلقى المعنى كما هو، وإنما مثلما يبوح النص للقارئ بمعناه، يلوّن القارئ المعنى بالأفق التاريخي الذي يعيش فيه، حتى التفسير الذي يتحدث فيه القرآن عن القرآن، والذي ينشده فضل الرحمن وغيره، لا يمكنه الإفلات من ذلك.

ينظر فضل الرحمن إلى القرآن بوصفه كتاباً أخلاقياً، تتلخص رسالته في الرحمة والأخلاق؛ ففي تعليله للوحي يذهب إلى أن الوحيَ مظهرٌ لرحمة الله من جهة، وتعبيرٌ عن ضعف خبرة البشر أو غيابها، في حين يخص إدراكَه وحوافزَه الأخلاقية من جهة أخرى. ويشير إلى "أن الرحمن هو الاسم النعتي الوحيد الذي يستعمل كثيراً في القرآن كمرادف للفظ الله"[14]. وينبه إلى أن "غريزة الرحمة" متأصلة في الرسول عليه السلام "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وأنه المثل الأعلى في الأخلاق، "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم".

لا يكرّر فضل الرحمن مفهوم المتكلمين المسلمين للوحي، وإنما يصوغ مفهومه الذي يقترب من مفهوم بعض المتصوفة؛ فالوحي كما يرى تجربة عميقة يتفاعل معها النبي، وتعمل على إعادة بناء البعد الروحي لشخصيته. يكتب فضل الرحمن: "إن تجارب الوحي تشمل تمدداً أو توسعاً لذات الرسول التي بواسطتها استطاع أن يطوق كل الحقيقة في شموليتها"[15]. أما القرآن، فهو من منظور فضل الرحمن كلُّه كلمة الله وكلُّه بلغة محمد "ص"، وكأنه يريد القول إن القرآن كتاب يتجلى فيه اللهُ للناس، مثلما تتجلى فيه شخصيةُ النبي لهم أيضاً. وكان فضل الرحمن قد أشار إلى هذه القضية في كتابه "الإسلام"، فأصبحت الوثيقة الأبرز لإدانته، بموازاة الآراء الأخرى له المخالفة للتيار التقليدي، ومنها رأيه في الفوائد البنكية، وتنظيم الأسرة، والذبح الآلي. تشبث خصوم فضل الرحمن بتفسيره للوحي، واتهموه بأنه يريد القول إن القرآن كتاب اشترك النبي فيه مع الله. وقد كتب فضل الرحمن مدافعاً عن موقفه هذا يقول: (دافعت عن فكرة أن القرآن نزل بوحي شفهي، وهو الاعتقاد الكوني. لكن بدا لي، أن الروايات التقليدية المتداولة عن الوحي تنقل صورة ميكانيكية وخارجية وظاهرية عن العلاقة بين محمد "ص" والقرآن. يأتي جبريل وينقل إليه رسائل الله، وكأنه ساعي بريد يقوم بتوصيل الرسائل. يورد القرآن أن الملاك "نزل على قلب" محمد "ص". لقد قلتُ إن القرآن هو بكامله كلمة الله، بما يعني أنه معصومٌ عن الخطأِ وخالٍ من الزور، لكنه جاء بكامله على لسان النبي "ص" وهو نابع من قلبه)[16]. وكأننا مع كلام فضل الرحمن نتحسس شيئاً من صدى صوت محيي الدين بن عربي الذي اختصر مفهومه للوحي بقوله: "فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه"[17].

ونجد ما يحاكي هذا الفهم فيما أسماه عبدالكريم سروش: "بسط التجربة النبوية"، و"كلام محمد"، وهو يتحدث عن كيفية تلقي النبي للوحي، وكيف أنه كالنحلة التي تعيد تكوين الرحيق عسلاً، وليس كالببغاء التي هي صدى لما تسمع[18]. والقبض والبسط مصطلحان يستعيرهما سروش من المعجم الصوفي.

تتجلى براعة المفكر في مقدرته على اجتراح قاموسه الاصطلاحي في ضوء منظومته الفكرية، ويلتقي قارئ فضل الرحمن بشبكة مصطلحات لا يعثر على بعضها عند غيره، فهو يعبر بما يسميه: "إسلام الحد الأدنى" عن الموقف الذي يختصر الشريعة بالأركان الخمسة، وقوانين الأحوال الشخصية، في حين يسمي من يضيف إلى ذلك الحدود بـ "الإسلام السلبي أو العقابي"[19]. ويناظر ذلك استعمال عبدالكريم سروش لمصطلح "الأقلي والأكثري في الدين والفقه"[20].

أعمال فضل الرحمن تتوكأ على القرآن وتتخذه دليلاً في ما تبحث عنه وترشد إليه من مفاهيم ومواقف، وهي ميزة لا نعثر عليها في أكثر أعمال غيره، خاصة خارج الفضاء اللغوي للعربية، فربما لا يحيل بعضهم إلّا إلى جلال الدين الرومي، ونادراً ما يستشهد بغير المثنوي، فيما يكتبه ويتحدث به عن الدين والإسلام والقرآن، حتى كأنك وأنت تقرؤه أو تسمعه تجلس في محضر حكواتي صوفي.

ألّفَ فضل الرحمن كتاب "الإسلام" عام 1965، وقدّم فيه عرضاً تحليلياً مكثفاً، لا يخلو من نقد، لنشأة وتطور معارف الدين الاسلامي، وكيفية تمثُّل المسلمين لهذه المعارف في أربعة عشر قرناً، والآثار التي تمخضت عن ذلك في ثقافتهم وأنماط تدينهم. يرسم لنا هذا الكتاب خارطة ترشدنا إلى عالم مفاهيم فضل الرحمن وجذور أفكاره ونواتها الجنينية التي تجلت بوضوح في مؤلفاته اللاحقة.

وعلى الرغم من النقد المهم الذي يسدّده فضل الرحمن لتراث التفسير، والحديث، وعلم الكلام، الأشعري خاصة، والفقه وأصول الفقه، والفلسفة والتصوف. وبالرغم من إلحاحه على ضرورة إعادة اكتشاف رسالة الإسلام الأخلاقية في سياق قرآني، وبناء فهم ديناميكي للتوحيد في سياق قرآني، وإنتاج فقه في سياق قرآني، إلّا أن فضل الرحمن لم يحدثنا في كتابه هذا أو آثاره الأخرى عن آلية للتعاطي مع القرآن، تكشف لنا طاقته الحيوية الديناميكية، ونتبصر فيها رسالته الأخلاقية؛ أي أنه لم يقترح أدوات نظر ومناهج بديلة، يتحرر فيها فهمُ القرآن من أدوات نظر ومناهج القدماء التي أنتجت كل ذلك التراث، الذي يطالب فضل الرحمن بعبوره، لأنه لا ينتمي إلى عصرنا، وإنما ينتمي إلى عصر إنتاجه بكل ملابساته، ولأنه لم ينطق بروح القرآن ويبوح بما ينشده، بل عمل على إهدار طاقة القرآن الأخلاقية الروحية الخلاقة.

فهل يمكننا أن ننتج رؤية جديدة للقرآن والحديث في آفاق أدوات النظر والمناهج الموروثة للمفسرين والمحدثين والمتكلمين والأصوليين والفقهاء والمتصوفة والفلاسفة والمناطقة والنحويين والبلاغيين، أو يتطلب الفهم الجديد الذي يصرّ عليه فضل الرحمن الانتقال من زاوية نظر القدماء إلى زاوية نظر تتموضع في الأفق التاريخي الذي نعيشه؟

لاشك أن حجر الزاوية في الفهم الجديد هو قدرتنا على إنتاج مناهجنا ومنطقنا في الفهم وأدوات قراءتنا للنصوص الدينية؛ فمشكلة تفكيرنا الديني أنه ما يزال عاجزاً عن عبور أسوار التراث المغلقة، وما دمنا نجول في مدارات هذه الأسوار لن نتبصر الطريق الذي يقودنا للخلاص.

تنبغي الإشادة بجهود الصديق البروفيسور حسون السراي في نقل هذا الكتاب إلى العربية وحرصه الشديد على العودة إلى المراجع العربية في النصوص التي نقلها وترجمها المؤلف. وقد تطلبت عملية التنقيب عن النصوص العربية في مظانها من المترجم أن يطالع عدة مجلدات أحياناً بحثاً عنها. وأعان المترجم إتقانه للفرنسية بموازاة الإنجليزية ولغته الأم العربية على تعريب ما ورد في الكتاب من نصوصٍ ومصطلحات بالفرنسية.


* مقدمة لكتاب د. فضل الرحمن: الإسلام. ترجمة: د. حسّون السراي. مراجعة وتقديم: د. عبدالجبار الرفاعي. يصدر الكتاب قريباً عن: الشبكة العربية للأبحاث والنشر ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[1] يرتفق أي ينتفع، والارتفاقات بمعنى الانتفاعات. يستخدم ولي الله هذا المصطلح بمعنى كيفية إشباع الإنسان لحاجاته المتنوعة في الحياة.

[2] ولي الله الدهلوي. حجة الله البالغة. ج1: ص 90

[3] آل عمران، 93

[4] ولي الله الدهلوي. حجة الله البالغة. ج1: ص 88 - 90. قارن بما اصطلح عليه عبدالكريم سروش: "الذاتي والعرضي في الأديان"، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ع 22 "2003".

[5] رشيد بن زين. المفكرون الجدد في الإسلام. نقله عن الفرنسية: حسان عباس. تونس: دار الجنوب للنشر، 2009، ص 136 – 137. عن كتاب الدهلوي: فيوض الحرمين.

[6] نفس المصدر. ص 136. عن كتاب الدهلوي: شطحات.

[7] دونالد بيري. الإسلام والحداثة من خلال كتابات المفكّر فضل الرحمن. ترجمة: ميرنا معلوف ونسرين ناضر. تنقيح لغوي: د. رياض عثمان. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2013، ص 57. عن سيرة ذاتية كتبها فضل الرحمن، بعنوان: "شجاعة الاقتناع".

[8] فضل الرحمن. الإسلام. ترجمة: د. حسون السراي. مراجعة وتقديم: د. عبدالجبار الرفاعي.

[9] فضل الرحمن. الإسلام وضرورة التحديث. ترجمة: إبراهيم العريس. بيروت: دار الساقي، 2015، ص 7

[10] فضل الرحمن. المسائل الكبرى في القرآن الكريم. نقله إلى العربية: محمد أعفيف. بيروت: دار جداول، 2013، ص 7

[11] المصدر نفسه، ص 48

[12] فضل الرحمن. الإسلام وضرورة التحديث. ص 14، 17

[13] المصدر نفسه، ص ص 48 - 49

[14] فضل الرحمن. الاسلام. مصدر سابق.

[15] المصدر نفسه. ص 195

[16] دونالد بيري. مصدر سابق. ص 64

[17] داود القيصري. شرح فصوص الحكم. تحقيق: حسن حسن زاده آملي. قم: 1424 هـ. ج1: ص 386

[18] خصصنا محور العدد الخامس عشر الصادر 2001، من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لمناقشة نظرية القبض والبسط لسروش، كما خصصنا ملفاً في عدد لاحق لمناقشة: "بسط التجربة النبوية".

[19] فضل الرحمن. الإسلام وضرورة التحديث. ترجمة: إبراهيم العريس. بيروت: دار الساقي، 2015، 49 – 50

[20]مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ع26 "2004".