فكرة النبي في الفكر العربي المعاصر

فئة :  مقالات

فكرة النبي في الفكر العربي المعاصر

فكرة النبي في الفكر العربي المعاصر([1])


تحت أسماءِ كثيرٍ منّا يرقد نبيّ: اسمُ نبيّ لم نفكّر فيه بما هو كذلك. كم من محمّد، ومن يوسف، ومن إبراهيم... في كلّ عائلة. وليس من المصادفة أنّ الألمان، مثلاً، إلى حدود كانط، كانوا يسمّون المسلمين باسم «المحمّديين». وحين ظهر كانط قالوا هو موسى الألمان، هذا بألواحه، وذاك بلوحاته. ربّما لا ننتبه، إلا بأَخرة، إلى أنّ معنى النبيّ لم يمت تحت أسمائنا، وأنّه أبّ، أو أخ، أو جدّ، لنا، على نحو ميتافيزيقي فظيع.

لم يعلم دريدا، مثلاً، إلا متأخّراً، أنّ اسمه الحقيقي هو «إيليا» (بالعبرية «إلياهو»، وبالعربية «إلياس»)، حيث إنّ اسمه الكامل، إن شئنا، هو «جاك إلياس دريدا». إلياس يعني بالعبرية: «إلهي هو يهوه». كان إخوة دريدا ثلاثة ذكور: الأكبر «إبراهيم»؛ والأوسط «موسى»؛ والأخير «إلياهو»/ إلياس دريدا.

ويجدر بنا أن نسأل عندئذ: لمن نسيء إذا أسأنا إلى نبيّ؟

نحن نأخذ هذا العنصر البيوغرافي الخاص بدريدا وكأنّه امتحان ذاتي لكلّ الإبراهيميين: نحن جميعاً أنسباء نبيّ ما، ولا يتعلق الأمر بمجرد استعمال سيميوطيقي عابر؛ بل بوضعية تأويلية عميقة خاصّة بنوع ثقافي بعينه. نحن نوع ثقافي يحمل وضعية تأويلية جاهزة سلفاً، سابقة إلى القلب، هي أنّنا منحدرون من نسب نبويّ ما، يؤدي فيه الاسم دوراً حاسماً. الاسم في أفق أنفسنا العميق أخطر من أيّ نقاش حول المفاهيم. في استفهامنا عن ذواتنا العميقة نحن لا نفكّر بشكل يوناني؛ بل بشكل إبراهيمي. ميتافيزيقا الاسم مختلفة بشكل مخيف عن ميتافيزيقا المفهوم.

ولذلك، الإساءة إلى الاسم معقّدة جدّاً، وتختلف عن الإساءة إلى مفهوم. ويبدو لنا أنّ الإلحاد الحديث مفهوم، وليس اسماً. على خلاف معنى الشرك، أو الكفر، في أفقنا. ثمّة توقيع ما وراء كلّ أسئلتنا عن مصادر أنفسنا، ولا تؤدّي السببية، هنا، أيّ دور حقيقي.

لذلك سوف يدور بحثنا حول هذا الاستفهام المزدوج: بأيّ معنى علينا أن نؤوّل استئناف بعض العرب المعاصرين (وخاصة جبران ونعيمة) لاسم (النبي)، باعتباره أنموذجاً للكتابة الإبداعية العميقة حول المصير الخلاصي لكينونة الإنسان في ذواتنا المعاصرة؟ ثمّ كيف نفسّر انسداد أفق هذا الاستئناف الرومانسي الرائع لفكرة النبوّة، وانخراط العرب، بدلاً من ذلك، في استعمال شبه حربي لشخصية (النبي)، كبطل نهائيّ في مقالات التكفير (سيد قطب، المودودي). وعامّةً، كيف نؤوّل انتقال فكرة النبي من أنموذج رومانسي إلى بطل تكفيري في أفق الفكر العربي المعاصر؟ ومن ثمّ، ما طبيعة العلاقة بين التأويل والتكفير؟

والملحّ، الآن، على مستوى التفكير لدينا، بوصفنا نحن ميتافيزيقية خاصّة، السؤالُ عن مصير (النبي) في أفقنا، ليس أفقنا الروحي فحسب؛ بل أفقنا القيمي خاصّة، أو المعياري عامة. انتهت أوربا إلى موت الإله كأفق معياري منذ القرن التاسع عشر، وأطلقت عليه اسم «العدمية». وهذا القرار الميتافيزيقي لا يلزمنا في شيء. نحن نشعر بأنّ لدينا مشكلاً من نوع آخر؛ إلهنا من نوع لا يموت؛ لأنّه غير تشبيهي، ولا يوجد على صعيد العنصر الإنساني بما هو كذلك. والموت يوجد خارج أفقه تماماً.

هنا يبدو النبي بمثابة المقابل الحقيقي لما ينبغي التفكير فيه؛ موت المقدّس الديني في أفقنا يجرى التفاوض حوله في خانة النبي، وليس الإله.

قال نيتشه: «نحن الذين قتلناه». هل يمكن إطلاق هذا الاستدراك الميتافيزيقي على شخص (النبي) في أفق الفكر العربي المعاصر؟

يبدو أنّ الموت الأخلاقي لفكرة النبي قد قطعت شوطاً هائلاً منذ دخول ثقافتنا في أفق الأزمنة الجديدة المسمّاة ذاتيّاً بكونها «حديثة»، أو «أنوارية»، أو «متقدّمة»، أو «غربية»، أو «أوربية»... إلخ. واقع الحال - ونحن لا نفكّر منذ قرنين إلا في «واقعة»، أو «واقعانية»، الحداثة، وليس في الحداثة؛ لأنّها مشكل يقع خارج أفقنا - واقع الحال هو أنّ التحديث لدينا ارتبط بأفق معلمن، انتهى إلى تحويل أجهزة التشريع التقليدية، ومنها، بالتأكيد، جهاز النبوّة، إلى محميات أخلاقية غير قادرة على أداء الدور التقليدي لها. هناك فشل إنجازي أصاب فكرة النبي، وحوّلها إلى حالة استثنائية، حالة أخلاقية، أو معيارية، استثنائية، تصلح للزيارة الميتافيزيقية، وليس للاستعمال العمومي.

لقد تمّ التخلي عن أنموذج النبي، واستُعيض عنه بأنموذج آخر، له أسماء «حديثة» متعددة ومتنافسة، إلا أنّها ترجع إلى أصل واحد هو: الإنسان. هناك عودة حثيثة إلى الإنسان في أفقنا الأخلاقي. وأسماؤنا الجديدة، أو «الحديثة»، جماليّاً هي دليل مثير. وقع تحوّل في الأسماء منذ بعض الوقت من الأسماء النبويّة إلى الأسماء الجمالية. ثمّ وقت ردّة لا تزال سارية المفعول.

هنا، يمكننا الحديث عن عمليات ثأر أخلاقية تتالت في أفق الفكر العربي المعاصر لاسترجاع شطر من ألق الشخصية النبوية، وإعادتها إلى الخدمة. وأقوى من خاض هذا الغمار الخاص هم الشعراء والأدباء، ولاسيّما الشعراء أو الأدباء السيّئين؛ أي الذين حوّلوا سردياتهم إلى أجهزة إيديولوجية، ولاسيّما أنّهم تعاصروا مع أفق الدولة - الأمة، التي اخترعت الوعي الإيديولوجي، وعاشت عليه من خلال مفهوم «الهوية» بمختلف أسمائها الوطنية، والقومية، والفردية، ولكن، أيضاً، الدينية، والطائفية، والجماعوية، والحضارية، والثقافية... إلخ.

عن الزمرة الأولى، يمكننا أن نذكر جبران، ونعيمة، والشابي، والمسعدي... إلخ، وعن الزمرة الثانية، يمكننا أن نذكر سيّد قطب، والمودودي، وكل الشخوص الإسلاموية الراديكالية إلى اليوم. الأولى رومانسية، أمّا الثانية فيمكن وصفها بالعدمية السياسية.

بيد أنّ ثمّة بؤرة اهتمام خلفية ثالثة يدور فيها النقاش حول النبيّ/ الإنسان، أو إنسانيّة النبيّ، أو تاريخيّة النبيّ: الشخصية النبويّة باعتبارها مثلاً إنسانيّاً أعلى (كما تعامل كانط مع المسيح، باعتباره مثلاً أخلاقياً أعلى)؛ مثلاً كتابات طه حسين، والعقّاد، ومحمد حُسَين هيكل... في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. وشارك في هذا النوع من البحث حتى الفكر المسيحي العربي، مثل القبطي الدكتور نظمي لوقا في كتابيه (محمد الرسالة والرسول)، و(وامحمداه)، اللذين ألّفهما في نهاية الخمسينيات. وهو ما وجد في كتابات هشام جعيط، أو محمد عابد الجابري، صيغته التنويرية والأكاديمية المعاصرة.

مثلاً: طه حسين، على هامش السيرة (1933م)؛ كتاب محمد حُسَيْن هيكل (حياة محمّد) (1935م)؛ وكتاب عباس محمود العقاّد (عبقريّة محمّد) (المنشور سنة 1941م).

يمكن اعتبار كتاب (عبقريّة محمّد) أنموذجاً كاملاً عمّا يمكن أن نسمّيه الإنقاذ الأخلاقي، أو الأدبي، للشخصيّة النبويّة. وفي واقع الأمر، هو إنقاذ أخلاقي لمحمّد/ الإنسان من الدور الديني للنبيّ، حيث يتمّ إبراز عبقريّة محمّد الأخلاقية في سكوت مقصود عن نبوّته. بالمعنى التقني. هنا، نجد أنفسنا أمام بورتريه شخصي مثير لمحمّد/ القائد البصير، محمد الصديق، الزوج الكريم والرصين، ومحمد/ الأب، ومحمد/ السيد الرؤوف بخدمه، ومحمّد/ الرجل صاحب الدعابة والأريحية... ولكن في غياب صارخ لمحمّد النبيّ، لمحمد كما أراد أن يكون لنفسه، حيث يتمّ الاستغناء، بشكل سردي هادئ، عن كلّ الملامح الدينية للنبيّ.

ولا مناص، عندئذ، من مقابلة هذا السؤال: هل من حقّنا، فعلاً، إجراء إنقاذ أخلاقي «حديث» (على طراز يرضي ضمير الإنسان الأوربي، أو الإنسان الليبرالي، ...) لشخصية النبيّ، باللجوء إلى عمليّة إبوخيا غريبة تردّ النبيّ إلى إنسانيته المحضة، وتضع بين قوسين كلّ ملامحه الدينية؟ وعندئذٍ: ما الفرق بين النفس الفاضلة الوثنية، التي صاغها أفلاطون، أو أرسطو، وبين النبيّ الإبراهيمي؟ هل فعلاً يمكن الاكتفاء بالجانب الإنساني من شخصيّة النبيّ، والاستغناء المنهجي عن دوره النبويّ بما هو كذلك؟

أليس في ذلك أكبر عمليّة إخصاء رمزي أهليّ للنبي الإسلامي، وتحويله إلى مسخ أخلاقي، حسب مقاييس الضمير المسيحي المعلمن، الذي فرضته أوروبا المعاصرة على بقية الإنسانية؟

وهنا، يمكننا أن نلقي ضوءاً آخر على كتابات جعيط والجابري فيما يخصّ النبيّ: إنّها كتابات تؤرّخ لنبوّة محمّد، ولكن من دون الإفلات من الأنموذج الأخلاقي، والتنويري، والإنسانوي، الحديث؛ ولذلك لا عجب في أن نجد أنّ الرهان، في الحالتين، هو توفير محمّد قابل للاستعمال التنويري، أو للاستعمال الحديث، حسب مطالب أفق انتظار محدّد بشدّة. كان الهدف المنهجي هو تأويل شخصية النبيّ، بكل ملامحها، على نحو يتمّ إجراء عقلنة هادئة للأنموذج الذاتي الذي اقترحه وطبّقه، وتطهيره بشكل نقدي، ولغوي، وتأويلي، وأخلاقي، من كلّ ملامحه المتعارضة مع الفهم الحديث لمفهوم النبيّ، وذلك يعني مع الفهم المسيحي المعلمن لمفهوم النبوّة.

وهي نقاشات انتهت، راهناً، إلى إثارة السؤال عن الكتابات والرسوم المسيئة لشخصية النبيّ؛ وهذا المحور يشكّل الوضع التأويلي الراهن، الذي بدأ، ربّما، منذ (2005م)، تاريخ نشر الرسوم المسيئة، وتزامن معه، مثلاً، نشر الكتاب المنسوب إلى الشاعر العراقي معروف الرصافي (الشخصية المحمّدية) سنة (2007م)(ولكن المكتوب ما بين 1933 و1941م).

هنا نشأت جبهة لاهوتيّة حامية أخرى هي الدفاع عن النبيّ الدّيني في سيرته النبويّة التقليديّة، التي بنى عليها الإسلام تاريخه الهووي. وهي تعارض كلّ تأويل إنسانوي أو تاريخي لشخصية النبي. وذلك من دون تفريق حقيقي بين الإساءة لحرمة النبيّ، في سيرة الرصافي، أو في الرسوم الكاريكاتورية لصحيفة (شارلي ايبدو)، التي تجد جذورها البعيدة في التنميط الاستشراقي لصورة النبيّ الإسلامي، وبين الجهد التأويلي التنويري من طرف مفكّرين مسلمين، وإن لم يكونوا إسلاميين، مثل الجابري، أو جعيط.

 

فلسفيّاً، علينا ردّ هذه القضايا مجتمعة إلى أصل إشكالي واحد، ألا وهو: المسألة المعيارية. مادام الأمر يتعلق بنمط التقويم الميتافيزيقي لوجودنا المعاصر، فلا فرق، عندئذٍ، بين الشعراء والفقهاء: ما نوع القيمة التي نمنحها لشكل الحياة التي تخصّنا؟ من هذه الزاوية، لا يزال نيتشه قادراً على مساعدتنا. نحن - «غير الغربيين» من الساميين - لا نمثّل، اليوم، أكثر من سؤال معياري مختلف. نحن شكل حياة تفرض سؤالاً مختلفاً عن القيم...إلخ. وهذه المعيارية الذاتية هي المكسب الذي يمكّننا من أن نزعم أنّنا ظفرنا به، أو استولينا عليه في غزوة الحداثة التي غزتنا. كلّ اعتراض «علمي» على الغرب هو خبل لاهوتي. لكنّ ذلك لا يعني أنّ معارك المصير؛ أي معارك فكّ الارتباط الإبستمولوجي مع الغرب، هي بلا معنى.

بل بالعكس، لم نكن يوماً أقدر على طرح هذا الإشكال ممّا نحن الآن. كلّ تفكير، اليوم، هو تفكير معياريّ، ومن ثمّ هو ليس له من صلاحية كونية غير شكل الحياة الذي يدافع عنه. الحياة هي الشكل المعياري الراهن الوحيد للكونية. ما عدا ذلك كونياتٌ إمّا ليست موضع نقاش (المسائل العلمية)، وإما هي كونيّات مسلّحة (من طبيعة إمبراطورية).

النبي هو جهاز معياري من طراز استثنائي، وهو اختراع الإبراهيميين الأخير، بعد اختراعات آدم، والله الخالق، والعالم المخلوق، والكتب المقدّسة، والآخرة... إلخ. لا يتعلّق الأمر بمجرد الدين؛ بل بجهاز تشريع روحي واسع النطاق اخترعته شعوب من الشرق الأوسط القديم، وتحوّلت، بفضله، إلى جماعات روحية مترحّلة أو مفتوحة، ومازالت تصرّ على أنّه ادّعاء صلاحية معيارية قابل للكونية؛ لأنّه شكل حياة لا يزال قابلاً للسكن.

وبعبارة حادّة: لم يعد النبي مصطلحاً لاهوتياً أو دينياً، منذ وقت طويل. وفي الظاهر فحسب، أو عرضاً فحسب، نحن نواصل الاهتمام بهالته الدينية أو العقدية. إنّ النبي قد دخل الأزمنة الجديدة، وتحوّل إلى «رمز» يُشير إلى جهاز مقدّسات يعمل وفقاً لإوالية خاصّة. وعلينا، ربما، أن نسأل: كيف تحوّل النبي من «رسول الله» إلى مجرّد «رمز ديني»؟ من نبيّ الملّة إلى أيقونة عمومية في فضاء الدولة الحديثة؟

نحن أمام استعمال عمومي لأيقونة «النبي»، ولم نعد أمام سلوك ديني، أو غير ديني، إزاء صحّة رسالته، أو عدم صحّتها. وبعبارة أخرى: نحن أمام علمنة حثيثة وحادّة لشخصية النبيّ حتى تصبح قابلة للاستعمال العمومي داخل شبكة القيم، أو المعايير، التي فرضتها الرؤية الحديثة للعالم وللإنسان. ولم نعد أمام التصوّر الديني لرسول الله في أفق الملّة.

هنا، يتبيّن أنّه ما كان يمكن أن يتحوّل النبي إلى أيقونة رومانسية معلمَنة لدى جبران، أو الشابي، أو نعيمة، أو إلى أيقونة سياسية معسكَرة لدى سيد قطب، أو المودودي، لولا الانسحاب الميتافيزيقي لنبي الملّة/ «رسول الله»، وتعويضه بأيقونة النبي/ الرمز العمومي، أو الشخصية المحميّة بقانون المقدسات في دستور الدولة الحديثة. لكنّ هذا التحوّل التاريخي العميق في معياريّة النبي في أفق الفكر العربي المعاصر هو جزء لا يتجزّأ من زحزحة الأفق الأخلاقي للإنسانية من أفق الملل الدينية، والصور الدينية للعالم، إلى أفق الدولة الحديثة، والصورة المنزوعة السحر عن العالم.

في هذا السياق، فقط، يمكننا تنزيل أيّ إساءة «فنّية»، أو «سياسية»، لشخصية النبي، في أفقنا الروحي المعاصر. لقد سبق هذه الإساءة تحويل معياري لفكرة النبي أدّى إلى علمنتها في شكل رمز قابل للاستعمال العمومي؛ لأنّه جزء من جهاز المقدسات، الذي أقرّته الدولة الحديثة، واعتبرته مصدراً من مصادر شرعيتها.

ومع ذلك، علينا أن نسأل: إذا كان الأمر يتعلّق بمجرّد رمز دينيّ مُعلمَن، وجزء من جهاز مقدّسات مستعمل بشكل عمومي، فكيف نفهم السخط الأخلاقي الواسع النطاق، الذي نجم عن الرسوم المسيئة لشخصية النبي في المدّة الأخيرة؟

هذه الإساءة لها تاريخ نائم علينا إثارته، وإلا فإنّ النقاش حولها سوف يظلّ نقاشاً لاهوتياً بين ملحدين.

إنّ تجرّأ جبران، أو الشابي، أو نعيمة، على استدعاء اسم النبيّ في دائرة الإبداع الحديث، ليس تجديفاً غير مبرّر على رمز مقدّس؛ بل هو جزء من مشهد تأويلي معاصر يجد جذوره في الحركات الرومانسية، وتظهر آثاره القويّة لدى كتاب كثيرين، مثل بودلير، ونوفاليس، وهوغو، وهاين، ورمبو... وكلّ أعمال هؤلاء، من ناحية أنموذج الذات، تدور حول شخصية «الشاعر/ النبي».

أيتعلّق الأمر بمجرّد رمز أو استعارة، أم أنّ الأمر أخطر من ذلك؟ أي أنّ الشعراء المعاصرين يدّعون، في قرارة أنفسهم، أنّهم مؤهّلون ميتافيزيقياً لأداء هذا الدور التأويلي الاستثنائي: دور النبي؟

يجدر بنا أن نذكّر بأنّ اللاتينية تشتقُّ اسميْ «النبيّ» و«الشاعر» من جذرٍ لغوي واحد هو (vates)، الذي يرجع إلى شيء مثل (videre أو viere)؛ أي «وصل» و«ربط». النبوة مثل الشعر نوع استثنائي من الوصل مع عالم آخر. وبلغة بلونشو، انطلاقاً من ليفناس، مع «الآخر»، الآخر الكبير. ليس أقلّ من شاعر أو نبيّ للدخول في علاقة استفهام كبيرة مع الآخر الكبير، مع الله.

بطبيعة الحال، منذ فيثاغورس، يتكلّم الشعر عن المقدّس، لكنّ مجال اشتغال العنف المقدّس تغيّر؛ تغيّر دور النبي.

قال بلانشو: النبيّ لا يعلن أيّ نهاية؛ بل هو: «يكسّر الطابع المستحيل للمستقبل». المستقبل هو شكل الانتظار، الذي حوّلته ثقافة ما إلى هويّة؛ أي إلى آخرة يوميّة قابلة للسكن. وعلينا أن نسأل: هل الانتظار عمل محايد؟

وقال بلانشو: «من يكتب هو في منفى الكتابة: هناك يوجد موطنه، حيث لا يستطيع أن يكون نبيّاً».

هنا نقع على عبارة مزعجة كثيراً ما يُتمثّل بها: «لا نبيّ في قومه، أو في موطنه».

بما أنّ النبوّة مستحيلة في موطنها، فلماذا نشعر بالإساءة؟

الموطن ليس الوطن؛ هو نمط انتماء بلا إقليم نهائي؛ ولذلك هو «أرض»، وليس إقليماً. وحين تنعدم الحدود ينفتح موطن لا يمكن لأحد أن يدّعي امتلاكه. ونجد أنفسنا أمام نبوّة مستحيلة، حيث تعمل ذاكرة، أو ماهية مجروحة.

وقال بلانشو: «يمكن أن نداوي الجرح، ولكنّنا لا نستطيع أن نداوي ماهيّة جرحٍ ما».

أصبح النبي كائناً (inavouable): لا يمكن البوح به، لا نستطيع الكلام عنه، النطق به... وعلى مفترق صعوبتين، يكشف النبي عن وجهه؛ هو مَن لا نستطيع البوح به كما هو، كما لا يحقّ لنا الكلام عنه بما نحن؛ اختلط المقدّس بالممنوع، وبدأ تدنيس الآلهة في أفق البشر.

يفرض النبي علينا مسؤولية تتخطانا، أو لا ترانا. لا نحن ندافع عنه كما يستحق، ولا نحن نسكت عنه كما نريد أن نظهر لأنفسنا. بطبيعة الحال لم يصبح النبي أيّاً كان، بعدُ، لكنّه يعاني من الوحدة. العظمة نوع من الوحدة، وليس من السهل أن يخترع شعب من الشعوب أنواعاً جديدة وملائمة من الوحدة.

من يسيء إلى نبيّ، يسيء إلى وحدته.

ولكن، مادام الأنبياء قد عادوا إلى التأثير الفظيع في عالمنا، فإنّه علينا أن نجرّهم إلى الحفرة التاريخية التي سقطنا فيها، وأن نجرّب مصائرنا اليومية بوساطة آلامهم.

في صفحة من يومياته، يقول كافكا: «أنا مواطن من عالم آخر هو بالنسبة إلى العالم العادي كما الصحراء مع العالم الفلاحي». ثم يضيف: «منذ أربعين عاماً وأنا تائه نحو كنعان».

بطبيعة الحال، هناك حلّ جورج باتاي: (l’athéologie): الحياة الروحية، التي «موضوعها المجهول»، وليس هذا الإله أو ذاك. وحيث «التجربة الباطنية هي السلطة الوحيدة».

إلاّ أنّ السؤال الذي يؤرّقنا هنا: كيف أمكن لشعراء أو أدباء «ملحدين» أن يقتربوا، كلّ هذا الاقتراب المحرج، والمزعج، والعميق، من شخصية النبي عامّة؟

يقف النبي كحالة روحية قصوى، يحسّ كلّ شاعر كبير، منذ الرومانسيين إلى الآن، بأنّ عليه أن يأخذها على عاتقه، أو أن يتماهى معها، وإن كان ذلك في نطاق برنامج روحي غير-لاهوتي بشكل شرس.

ثمّ يأتي جيل من حركات اللاهوت السياسي (في واقع الأمر هي حركات غير دينية تماماً، ولا تُسمّى «حركات دينية» إلا تجوّزاً، أو مغالطةً أو كسلاً اصطلاحيّاً) وينشّط أنموذج النبيّ/ البطل التاريخي، ويحوّله إلى قائد حربي من طراز ما بعد-الحديث: كلّ الأنبياء الذين تمّ استدعاؤهم، اليوم، هم أنبياء من طراز ما بعد الحديث.

«ما بعد-الحديث» يعني، هنا، أمرين على الأقل: أنّه نبيّ لم يعد يمكن تدجينه في أيّ أيقونة مؤسساتية، أو دينية، أو أخلاقية رسميّة، من النوع الحديث، حيث يمكن أدلجتها تحت سلطة قانونية من نوع هوبسي؛ وأنّه نبيّ لم يعد يمكن استيعابه بشكل رومانسي في صيغة نبيّ ملحد، قادر على امتصاص كلّ أنواع العدمية، التي نجمت عن الانهيار المعياري للدولة/ الأمة، وتحوّلها إلى آلة سلطة «استيطانية»، تستعمل الأجساد اليومية بلا أيّ وعود روحية لأفراد بلا إيمان.

والسؤال هو: كيف نفهم الانزلاق تحت-التاريخي، الذي وقع من النبي الرومانسي - نبي جبران وأحفاد زرادشت - إلى النبي العدمي - نبي سيّد قطب، والمودودي، ورهطه؟

هل كان أنموذج النبي الملحد - زرادشت، نيتشه، في صيغه المختلفة، من جبران إلى درويش - لحظة انتقال ضروريّة إلى طور النبيّ/ ما بعد الديني للجهاديين؟

الرومانسيون هم في علاقة «لامرئيّة» (حسب عبارة بلانشو) مع التراث الديني. هم ملحدون، ولكنّ تجارب المعنى، التي خاضوها، هي من نوع روحاني. وفي هذا الأفق، لا توجد شخصية بإمكانها مزاحمة فكرة النبي في ترجمة كلّ الانفعال ما بعد الديني لأجيال ملحدة. - قد يتعلّق الأمر بفقر أسلوبي. ودولوز يتصوّر الأسلوب بوصفه نوعاً من «الوكوكة»، أو «الفأفأة»، لمن يتكلّم لغة لا يعرفها أو لا تقوله. النبي مشكل أسلوبي إذاً، وعلينا أن نؤرّخ لهذا النوع من الثراء الروحي، الذي لم يجد غير الفن كي يعبّر عن نفسه في أفق المعاصرين غير الراضين عن برنامج التنوير إلى حدّ الآن. إنّ تجربة الهاوية، مع باسكال، تخترق كلّ نصوص الرومانسيين: صار النبي هو شكل العبور الوحيد المتبقي للمرور فوق الهاوية. وهي ثيمة تتكرّر تحت قلم جبران، أو المسعدي، مثلاً. أمّا العدميون، فيرفعون ما سمّاه كانط، ذات مرة، «جنّة محمّد»؛ حيث لا يتحقق إلا الجانب الحماسي ممّا هو بشري. ذلك أنّ النبي الجهادي لم يحقّق على الأرض الواقع إلا الجحيم.

- من المفيد أن نثبت أنّ الرومانسيين قد جرّدوا شخصية النبي، ليس من كلّ خصائصها الدينية التقليدية فحسب؛ بل من كلّ أثر للأخطاء الأخلاقية، التي اقترن باسمها في الكتب المقدّسة.

ومع ذلك، إنّ النبيّ قد عاد، على نحو مربك جدّاً، إلى تقلّد المهمّات ما فوق الأخلاقية للبطل الديني: القتل باسم الإله، أو تنفيذ أوامر إله محارب، أو إله قاتل، أو إله منتقم. وصرنا أمام جريمة المقدّس. وهنا، نجد أنفسنا أمام هذا الإشكال: إلى أيّ حدّ يمكن للضمير الحديث أن يتعفّف عن الإيمان بإله قاتل؟ وأن يعوّض ذلك، كما فعل الرومانسيون بشخصية أسلوبية، أو إستاطيقية، للنبي. النبي، كأيقونة أدبية، تمّ تعطيل ملكة أو زرّ القتل داخلها؟

من المثير للقلق أن نذكر أنّ فيلسوفاً معاصراً كبيراً من حجم إيمانويل ليفيناس يدافع عمّا جاء في الكتاب المقدّس من أوامر إلهية بالقتل. ويعترض على انزعاج مفكّرين، مثل سيمون فايل، من أمر الإله العبراني بإعدام الكنعانيين، أو استياء مارتن بوبر من مذبحة الملك شاول للعماليق رجالاً ونساءً ورضّعاً.

يبدو أنّ أفضل ما أتى به المحدثون، هنا، هو آلة الضمير المعلمن، القادر على الاعتراض على طاقة القتل التي تنطوي عليها الكتب المقدّسة. والحلّ الأخلاقي الوحيد الممكن، هنا، هو التأويل: خيّر مارتن بوبر أن يقول: «إنّ النبيّ صمويل لم يكن فهم ما أمره به الربّ».

إذاً: إمّا أنّ النبيّ الديني لم يفهم ما أمره به الربّ؛ إذ لا يمكن لنا - نحن المحدثين - أن نعبد إلهاً قاتلاً؛ وإمّا أن نقبل بما جاء في الكتب المقدّسة، ونؤمن بأنّ القتل جزء من الألوهية. وعندئذٍ نفتح وجودنا المعاصر على ما يسمّيه بلانشو «الخارج»؛ خارجٌ لا يمكن أن يسكنه إلا المجهول.

كلّ حركات اللاهوت السياسي تقف في نوع من «الخارج» الأخلاقي، حيث يصبح كلّ سلّم القيم الحديثة معلّقاً أو معطّلاً. - مررنا من «الهاوية» (هاوية الرومانسيين) إلى «الخارج» (خارج العدميين).

يمكن أن نستفيد، هنا، من التقابل الذي بناه ليفناس بين «أوليس»، والنبي إبراهيم؛ بين من تؤرقه رحلة العودة إلى موطنه الأسطوري، إثاكا (Ιθάκη). وبين من دعاه إلهُه إلى ترك موطنه بلا رجعة، حاملاً نفسه وابنه إلى أرض تظلّ، بالنسبة إليه، غير معروفة إلى الأبد. وربما نقطة الوهن الروحي، الذي أنهك النبي الملحد للرومانسيين، هو أنّه نبي «أوليسي»، وليس إبراهيمياً. هو نبي/ موطن، وليس نبي/ أرض.

هنا تكمن خطورة النبي/ الجهادي، نبي/ القتل الإلهي، إنّه من جنس إبراهيمي؛ بمعنى أنّه مدعوّ إلى أرض تظل بالنسبة إليه مجهولة بلا رجعة، وعلى الرغم من ذلك عليه أن يدعو نفسه وأبناءه إليها إلى الأبد. وما يسميه ليفناس «أثر الآخر» - هو أثر الإله الذي يدعو إلى أرض مجهولة على الإبراهيميين ألا يكفّوا عن الرحلة إليها، دون أيّ معرفة بها.

ولأنّ النبي الإبراهيمي هو نبي دعويّ يُنفّذ ما يُؤمر به، فهو لا يرى أيّ أفق أخلاقي محايث للعقل، أو للنوع البشري. هو لا يسكن طبيعته البشرية، أو يستعملها، كما فعل اليونان؛ بل هو يسخّرها. والفرق بين استعمال الأجسام، وبين تسخير الأجساد، هو الفرق نفسه بين أوليس/ العائد إلى موطنه، حيث تنتظره ذاكرة ما، وبين إبراهيم/ المهاجر إلى أرض موعودة لا يعرفها، عليه أن يخلق القصّة التي تناسبها. القصّة ضدّ الذاكرة، هذا هو الفرق بين آلهة الإغريق وبين إله الإبراهيميين.

وبشكل عام، يبدو أنّنا نميل إلى هذا الافتراض: إنّ «الرسول»، بالمعنى الديني المحصور، انتهى بوجه من الوجوه بالنسبة إلينا؛ أي خرج عن أفقنا؛ لكنّ «النبيّ» ربما لم يبدأ بعدُ بالشكل المناسب.

هنا، يمكننا أن نستضيء بالتمييز الدارج في اللاتينية المسيحية واللغات الحديثة، كالفرنسية، بين (apôtre) من اليونانية (apostolos)، وهو الاسم الذي أطلقه القديس بولس على نفسه، وبين (prophète) من اليونانية (prophêtês) وهو مؤوّل الكلام الإلهي، ولاسيّما الملهم بالإنباء عن أحداث في المستقبل، وبين (De divinatione) اللاتين و(mantikê tékhnê) اليونان؛ أي ما سمّاه العرب فنّ الكهانة عن المستقبل، أو الماضي، أو الكنوز، أو الأمراض الخفية...، وحسب تعليق أغامبن على مصطلح (apostolos)، فإنّ بولس كان مبعوثاً (un envoyé) من يسوع كي يسلّم الرسالة المسيحية (le message méssianique). كان مكلّفاً بتبليغ شيء محدّد، ولم يكن نبيّاً؛ أي متكلّماً رأساً بالكلمة الإلهية. المبعوث أو الرسول يتكلم في الحاضر؛ أي انطلاقاً من وحي تمّ بالفعل، وهو، هنا، مجيء المسيح (أو «الماشيح» حسب اليهود). أمّا النبيّ فهو في اتصال بالمستقبل.

زمن الرسول هو زمن البعثة أو البعث؛ حين كُلّف بمهمّة. وهو يوجد بين الزمن الوثني (chronos) وبين نهاية الزمان (apocalypse). زمن الرسول هو «بقيّة» الوقت الذي تبقّى بين هذا العالم والعالم الآخر. هنا يبدو النداء المسيحي، أو المشيحي، غير محدّد. ويعاني من تناهٍ مرعب. وأغمبن يقارنه بيوم السبت اليهودي؛ يوم يكتمل العمل بانقطاعه.

لو عدنا، الآن، إلى فكرة النبي في الفكر العربي «المعاصر»، فإنّ علينا أن نلاحظ مصيرين مختلفين لكلّ من مصطلح «الرسول» ومصطلح «النبي»؛ ففي حين أنّ فكرة الرسول قد ظلّت محصورة في خطاب المؤسسة الدينية عن السيرة النبوية، ومن ثمّ انقطعت عنّا من الداخل، نرى أن فكرة النبي قد تحوّلت إلى أيقونة أسلوبية ومعياريّة خطيرة جدّاً، ربما هي المجاز اللامرئي، الذي يحكم علاقة العرب المعاصرين بأنفسهم العميقة؛ مجاز لامرئيّ للهوية وللسلطة في آن.

ربما يجدر بنا، هنا، أن نوضّح أنّ القرآن نفسه قد تغيّر مصيره هو بدوره؛ لقد تحوّل إلى موضوع؛ موضوع للدراسات القرآنية بلغات عدّة. لكنّه، أيضاً، موضوع للاستعمال المؤسساتي أو الدعوي، سواء تحت لواء الدولة، أم لواء الحركات الإسلاموية. لقد كفّ القرآن عن حدثيّته؛ لم يعد حدثاً روحانياً استثنائياً بالنسبة إلينا، وخرج، شيئاً فشيئاً، عن أفق الفهم الأصيل لأنفسنا.

ومع ذلك، إنّ مفهوم النبي قد أخذ طريقاً آخر. ربّما لأنّ النبيّ هو الجانب الحدثي، الحيوي، القابل للتجريب، القابل للسكن، أو القابل للعيش (vivable) من الدين؛ أي من جملة مصادر أنفسنا العميقة.

ومع ذلك، يبدو أنّ مفهوم «النبي» قد عانى من إهمال بنيوي في كتابات المعاصرين، باستثناء ما كتب ما بين (1933م) و(1941م) تقريباً. وهذه طفرة غريبة علينا أن نؤوّلها. ولكن علينا أن نسأل: لماذا هذا الإهمال؟ مثلاً، كتابات المودودي، أو سيد قطب، حيث يؤدي مفهوم «الإله» دوراً مركزياً، ولا نعثر على ما يقابل معنى «الحاكمية» في مفهوم النبي لدى الإسلاميين المعاصرين.

- يبدو لنا أنّه يمكن بلورة الفرضية الآتية: إنّ تأسيس فكرة الإسلام السياسي على مبدأ الحاكميّة لله هو الإطار النظري الذي أدّى إلى نتيجتين مترابطتين؛ أولاهما: مبدأ التكفير؛ والثاني: غياب دور مركزي لفكرة النبيّ. إنّ مبدأ التكفير أدّى إلى اهتمام استراتيجي بالدراسات القرآنية، سواء من طرف الإسلاميين، كالمودودي، أم من طرف التنويريين، مثل الجابري؛ في حين أنّ إهمال دور النبيّ قد يتمّ تعويضه في نوع من الاستدراك السردي بإنتاج كتابات عن «السيرة النبوية». والاهتمام بشخصية النبيّ نوع من التعويض السردي (الدعوي)، فقط، في مقابل اهتمام مركزي بأحكام القرآن، باعتباره، هذه المرّة، دستوراً إلهياً.

ثمّة اهتمامات جانبية أخرى بالنبيّ، لكنّها كلّها، تقريباً، لئن لم تكن من نوع التعويض السردي، فهي من قبيل المزايدة التنويرية (الاستشراقية). ونذكر على الخصوص نقاش جعيط والجابري مثلاً حول معنى عبارة «النبيّ الأمّي»؛ حيث يخلصان إلى أنّ الأمّي يعني من ليس له كتاب، مثل اليهودي، أو النصراني؛ وليس من لا يعرف الكتابة والقراءة. وهذا مكسب تنويري ضعيف، لا يخلق لنا أيّ أفق حقيقي لفهم فكرة النبيّ اليوم. - مع الإشارة إلى أنّ الجابري هو الآخر قد منح القرآن دوراً مركزياً في مقابل اهتمام جانبي بمفهوم النبي.

قال فريدريك شليغل: «المؤرّخ بمثابة نبيّ الماضي».

ولكن يبدو أنّنا مؤرّخون سيّئون لماضٍ لم يعد يكلّمنا. وما قام به الجابري، أو جعيط، مثلاً، هو رسم ملامح نبيّ الماضي ليس إلاّ. نبيّ المستقبل لم تُرسَم ملامحه بعد.

- وحتى نختم، مؤقّتاً، هذه التعليقات على أنفسنا العميقة، نقول:

في كتابه (أيّوب، أو قوّة العبد) (الصادر بالفرنسية، سنة 2005م)، يقول أنطونيو نغري: «بدأت كتابة هذا النصّ منذ وقت طويل. كان وضعي يائساً تماماً؛ كنت في سجن تحت حراسة مشدّدة منذ ثلاثة أعوام خلت لأسباب سياسية، ولا أعرف كيف يمكنني أن أصمد أكثر، وكنت أبحث في تحليل الألم والعذاب عن مفتاح ما للصمود والمقاومة».

كان هذا المفتاح هو سفر أيّوب. أصبح النبيّ أيّوب، بالنسبة إليه، أنموذجاً للمقاومة، مأخوذة في معناها الذاتي الجذري؛ مقاومة العذاب كتمرين شخصيّ جدّاً ضدّ نوع من العالم، حيث تصبح الحياة غير قابلة للحياة. فأيّ تجربة عذاب أو ألم يمكن للنبي محمّد هو دون سواه أن يساعدنا على احتماله؟


[1] ألقيت هذه الورقة في ندوة: "التأويل في الفكر العربي والإسلامي المعاصر"، المنعقدة بتونس: 11 و12 فبراير/شباط 2015م، تنسيق: د. محمد محجوب. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.