فيصل سعد: المتخيّل الدّينيّ؛ من براديغم الخصوصيّة الثّقافيّة إلى براديغم الكونيّة الإنسانيّة

فئة :  حوارات

فيصل سعد: المتخيّل الدّينيّ؛ من براديغم الخصوصيّة الثّقافيّة إلى براديغم الكونيّة الإنسانيّة

حوار مع الأستاذ الجامعيّ فيصل سعد

المتخيّل الدّينيّ؛ من براديغم الخصوصيّة الثّقافيّة إلى براديغم الكونيّة الإنسانيّة


بسّام الجمل: كيف تقدّمون سيرتكم العلميّة والبحثيّة إلى القرّاء الكرام؟

فيصل سعد: أنا الأستاذ فيصل سعد، أستاذ محاضر في كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس، حاصل على التّبريز في اللّغة والآداب والحضارة الإسلاميّة منذ عام 1992م، ثمّ على الدّكتوراه في الحضارة العربيّة الإسلاميّة القديمة عام2004 م، عنوانها "الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر في الفكر الإسلاميّ القديم"، نشرها المركز الثّقافيّ العربيّ ومؤسّسة "مؤمنون بلا حدود" للدّراسات والأبحاث عام 2014م، الدّار البيضاء، بيروت.

ثمّ تحصّلت على التّأهيل الجامعيّ من كليّة الآداب في صفاقس عام2013 م، عن مشروع بحث في المتخيّل الدّينيّ الإسلاميّ؛ يهتمّ بعقيدة الجزاء في القبر - ثوابًا وعقابًا - وعنوانه: عذاب القبر في المتخيّل الإسلاميّ، منشورات وحدة البحث في المتخيّل في كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس، تونس، 2012م.

لي مشاركات أخرى في إطار تطوير رسالة الدّكتوراه، تُعنى بالمؤسّسة الدّينيّة الواقعة والمتخيّلة في آن واحد، وبمؤسسة الحِسْبة - في الأساس - هذه المؤسّسة الّتي تواصلَ العملُ بها في بعض المجتمعات الإسلاميّة إلى اليوم، بوصفها تطبيقًا عمليًّا لفرض الأمر بالمعروف والنّهيّ عن المنكر، حسب زعم القائمين على هذه المجتمعات.

بسّام الجمل: لقد أنجزتم أطروحة دكتوراه في موضوع مهمّ، مداره حول الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. فما أهمّ الاستنتاجات والنّتائج الّتي استخلصتموها من هذا العمل الأكاديميّ؟

فيصل سعد: أنجزت أطروحة الدكتوراه - هذه - وأنا أستحضر مؤسّسة الحسبة التّاريخيّة في دولة الخلافة السُنّية؛ فقد ظلّت هذه المؤسّسة خاضعة إلى إكراهين تاريخيّين على الأقلّ: إكراه الواقع الإسلاميّ المتغيّر، ومقتضيات الاجتماع البشريّ في الدّولة الإسلاميّة - تنظيميًّا وإداريًّا وترتيبياّ - (ضبط طرائق المراقبة في الأسواق والفضاءات العامّة، فضلًا عن وظائف سياسيّة، كان على هذه المؤسّسة الاضطّلاع بها، ضمانًا لاستمرار هذه الدّولة، وتوخّيا لتسرّب أعدائها إلى الدّاخل، هذا من ناحية - ويفترض أنّها الثّانية في التّرتيب - ومن ناحية ثانية - هي المقدَّمة في الأصل - نجد خطاب الشّارع الّذي يقضي بأنّ الأمر بالمعروف فرض عام، ومن ثمّ؛ هو فرض كفاية، فضلًا عن كونه غير مشروط بكيفيّة أو بطريقة أداء، وهو في التّطوّع أدخل، وعن التّكليف أبعد، ولكنّ المنظومة الأصوليّة السُنيّة وجدت كثيرًا من الحرج في إجرائه في الواقع، وانتهى بها الأمر إلى إثارة ثلاث مسائل مركزيّة، قصد الخروج من مآزق تطبيقه، وتلخّصها الأسئلة الآتية: مَنْ يأمر ومَنْ ينهي؟ كيف يأمر وكيف ينهى؟ وبِمَ يأمر وعمّ ينهى؟ وآثرت التّدرّج في أدائه (باليد، فباللّسان، فبالقلب، وإن كان ذلك أضعف الإيمان)، واستخلصنا من نتائج هذين الإكراهين: أنّ هذه المنظومة - أو مثلما يحلو للبعض أن يدعوها - التّرسانة التّشريعيّة، إن أُسِّست - في مستوى النّظر - على نوع من المثاليّة الصّارمة في الغالب؛ فإنّ القبول بخرقها في مستوى التّطبيق، أضحى سمة لازمة لها، وتشهد هذه الخاصيّة للفقه الإسلاميّ - في أصل نشأته - بالواقعيّة؛ إذ قد جُعل بالأساس ليكون عمليًّا، وهذا أحد عناصر قوّته، لكنّ دارس هذه المسألة - اليوم - لا بدّ أن يراعي تغيّر الأزمنة والوقائع، ومن ثمّ؛ ضرورة تغيّر النّظرة إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر - خاصّة - إذا تجاوزنا التّأويلات التّاريخيّة له في دولة الخلافة (مؤسّسة الحسبة)، ونفذنا إلى صميم النّصّ القرآنيّ المؤسّس له، فهذا المعروف متغيّر متحوّل حسب المجتمعات، وما كان منكرًا في المجتمعات التّقليديّة المحافظة، لم يعد - بالضّرورة - منكرًا في المجتمعات الحديثة، هذا فضلًا عن أنّ نظام القيم الّتي كان بذل المعروف على رأسها، لم يعد وجوده ممكنًا، لتغيّر طبيعة المجتمعات الحديثة ونمط الإنتاج فيها، والأسس المعرفيّة والأبستيمولوجية الّتي نشأ فيها، ونلاحظ من جهة أخرى؛ قابلية هذا الفرض العامّ للتّطوير والتّضخيم، وفق تصوّرات وتخيّلات ترى في تطبيقه - وفق المنظومة الأصوليّة النّصيّة - وفاء للإسلام وجهادًا في سبيله، ولو على حساب حرّيّة الإنسان والضّمير - اليوم - ومكاسب الحداثة، ومختلف التّشريعات الّتي توفّرها للإنسانيّة مع التّشريعات الدّينيّة، ومن ثمّ؛ يدرك الدّارس: أنّ الفهم المقاصديّ لروح النّصّ، كفيل بالخروج من المأزق الحادّ بين الوفاء الحرفيّ للنّصوص، ومراعاة الواقع بتغيّراته الّتي لا تتوقّف يومًا.

بسّام الجمل: أنتم مهتموّن بسؤال المتخيّل الدّينيّ - خاصّة - أنّكم منخرطون - منذ أكثر من عقد - في هيكل بحثيّ جامعيّ متخصّص في دراسة المتخيّل بصفة عامّة، فما أبرز مساهماتكم في هذا الباب؟

فيصل سعد: سؤال المتخيّل الدّينيّ عامّة، والمتخيّل الإسلاميّ بصفة خاصّة، هداني إليهما تمثّل مؤسّسات تاريخيّة شأن "مؤسّسة الحسبة"، الّتي كنت أتحدّث عنها، تمثّلًا ينمّ عن فهم ظاهرٍ للنّصوص المؤسّسة - قرآنًا وسُنّة - وهو من فرط تحكّمه في المعرفة الإسلاميّة عبر التّاريخ، يصبح واقعًا متخيّلًا أشدّ واقعيّة من الواقع نفسه، وقس على ذلك؛ عقيدة الجزاء - ثوابًا وعقابًا - في كثير من المباحث الّتي يكون النّص المؤسّس براء منها، وأخصُّها (عقيدة العقاب في القبر)؛ الّتي طغت على جانب التّنعيم فيه، ثمّ إنّ هذه العقيدة - فضلًا عن عدم تورّط النّصّ القرآنيّ في بيانها، أو حتى مجرّد ذكرها والتّنصيص عليها - خضعت للتّوظيف والتّضخيم، عبر آليّات اصطنعها رواة الأخبار عن القبور وعالم البرزخ، تأثّرًا بما عرفته عقيدة البعث والجزاء في الأديان - الكتابيّة وغير الكتابيّة - السّابقة على الإسلام أو المعاصرة له؛ فقد ألفينا أثرًا من هذه العقائد في كلّ من؛ المرجع الفرعونيّ، والبابليّ، والفارسيّ، واليهوديّ، ومن ثمّ؛ استنتجنا أنّ هذا المتخيّل الجزائيّ يخترق - كما يخترق المتخيّل الدّينيّ - كلَّ العقائد والثّقافات؛ لكونه يمثّل بُعدًا أنثروبولوجيًّا حميميًّا للإنسان - فردًا وجماعةً - فضلّا عن اضطّلاعه بوظائف متعدّدة، منذ نشأته في عصور الدّولة الإسلاميّة الناشئة: وظائف إيمانيّة نفسيّة، وإيديولوجيّة، وسياسيّة، وفنّيّة جماليّة، واستند هذا المتخيّل إلى محامل تعبير رمزيّة، خصّت الأمكنة، والأزمنة، والألوان، والأعداد، لتعانق المتخيّل الإنسانيّ عامّة، وتخرج - بذلك - من طبيعة باراديغمات الخصوصيّة الثّقافيّة إلى الكونيّة الشّاملة، رغم ذلك؛ نبّهنا الدّارسين إلى ضرورة توطين/ تبيئة المتخيّل العربيّ - الإسلاميّ منه على الخصوص - مراعاة لطبيعة الوسائط الّتي يتبدّى فيها في الثّقافة الإسلاميّة، سواء في مستوى المحكيّات السّرديّة، الّتي تعتمد على الخبر من جهة العلم، أو في مستوى الصّياغة اللّغويّة، وضروب البلاغة، ونظام التّمثيل البيانيّ، ونعتقد أنّنا نظفر بخصوصيّة - وأيّ خصوصيّة - في اللّغة العربيّة بمختلف محاملها، فضلًا عن عسر العبور إلى الثّقافة الغربيّة من جهة البراديغمات والمفاهيم، في سعي الدّارسين - اليوم - إلى محاكاتها أو الاهتداء بها في كلّ الحالات، ومن هذه الزّاوية كان انشغالي بسؤال التّرجمة.

بسّام الجمل: قبل أن نسألكم عن التّرجمة؛ بمَ تفسّرون تزايد اهتمام الباحثين والدّارسين بموضوع المتخيّل الدّينيّ الّذي كان - إلى سنوات غير بعيدة - يلقى تهميشًا وإهمالًا تامّين - أو شبه تامّين - من الأوساط البحثيّة؟

فيصل سعد: يفسّر هذا التّزايد من ناحية معرفيّة إبستمولوجيّة تخصّ تاريخ العلم - أساسًا - فالعقل الكلاسيكيّ الغربيّ، بعد المرحلة الوضعيّة والواقعيّة التجريبيّة، أمكنه أن يقدّم نقده الذّاتيّ لاستتباعات هذه المرحلة ونتائجها، في مستويات عدّة، أخلاقيّة ونفسيّة خاصّة، وأقصد من ذلك: تلك النّتائج الفظيعة الّتي تركتها الحربان العالميّتان، لكونهما ثمرة من ثمار العقلانيّة الموضوعيّة الفجّة، غير المصحوبة بنظام أخلاقيّ يوجّه أو ينتقد مسار المعرفة العلميّة الصّلبة، قلنا - إذن: إنّ هذا العقل أفاق بقصور المقاربات الّتي تهمّش اللّاوعي والخيال، باسم الذّرائعيّة النّفعيّة المباشرة، وكانت هذه الإفاقة - بالأساس - مع مدرسة فرانكفرت الألمانيّة في الفلسفة، وعلم الاجتماع والتّاريخ (مدرسة الحوليّات، والنّقد التّاريخيّ الحديث الّتي عكفت في فرنسا - خاصّة - على مراجعات العقل الغربيّ الكلاسيكيّ)، وعاضدتها في ذلك؛ المدرسة الفينومولوجيّة الظاهراتيّة الّتي أعادت التّأسيس الفلسفيّ للوعي بظاهر الأشياء، من ثمّ؛ أسّست لفكرة مركزيّة، مفادها: أنّ كلّ عقلانيّة تفترض لاعقلانيّتها، فهما - كالوجه والقفا - متلازمتان، دون أن يحدث قصور في التّصوّر والفهم، واقتضى هذا الوعي الجديد؛ إعادة تنظيم العلاقة مع العالم الظّاهر، والأشياء، وتنسيب مدارات العقلانيّة الصّارمة، ليتاح للوعي بها مجالات من التّفسير والفهم والتّأويل، باتت ضروريّة - كلّ الضّرورة - لإنتاج متخيّل مبدع خلّاق، لا يتناقض - في أصل الوضع - مع أيّ عقلنة، هذا من ناحية إبستمولوجيا المعرفة في الغرب، وما سلف قولُه؛ يدفعنا إلى تقويم مدى نجاح مشروع الحداثة في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة المعاصرة؛ فقد صاحب النّجاح المحدود لهذه الحداثة في غير منابتها الغربيّة، عودة الحنين إلى ماضي سلف الأمّة، والاحتماء بالتّراث - خيره وشرّه - والتّحصّن به من غوائل الحداثة الغربيّة، وآلتها المزعزعة لكثير من الثّوابت باستمرار، وكان من جملة الحلول الّتي ارتأتها كياناتٌ مستحدثة تدّعي الانتصار للإسلام، وترعاها دول وممالك عربيّة، وتسهر على تنفيذ برامجها، فتُثبّت عقيدة المتقدّمين من هذا السّلف، وتصوّراتهم للدّين، ولسائر مجالات الحياة في مختلف أشكال التّديّن الإيديولوجيّة الواعية، أو الانسيابيّة المظهريّة المقلّدة، وأمكن لهذه التمثّلات المتخيّلة أن تتسرّب - من جديد - من هؤلاء بتلافيف الواقع المعاصر، وعيوب الحداثة المرفوضة، وظلّت هذه التّمثّلات كامنة فيه إلى حين، تظهر وتختفي حسب درجة قبول المجتمعات المسلّمة بالتّحديث أو رفضه - خاصّة - في فترات النّكوص والتّراجع للأمثلة والنّماذج، والرّموز القوميّة والقطريّة، الّتي تعّول عليها لإحداث انتصارات على أعدائها، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ بدءًا من هزيمة الجيوش العربيّة في فلسطين عام 1948م، واحتلال فلسطين، مرورًا بنكسة عام 1967م، وتراجع المدّ القوميّ الناصريّ، وصولًا إلى الحرب على العراق، ثمّ احتلاله، ..إلخ، لذلك؛ سجّلنا في ما كتبناه عن عودة المتخيّل المصاحب لأخبار القبر وعذاباته، عندما يصاحب انتشار الدّين على أوسع الطّبقات الاجتماعيّة، طغيان النّزعة إلى تغليب ما يتجاوب مع الذهنيّة الشعبيّة ذات الثّقافة المحدودة، وعندما يتبنّى الفكر العالم المقولات الّتي كانت متداولة شفويًّا، ثمّ أصبحت راسخة - شيئًا فشيئًا - ثمّ دُوّنت في الكتب، لتمثّل في عصور الانحطاط والتّراجع، المرجع الأساس لهذا الفكر، وعندما نفكّر في المتخيّل السّياسيّ في مطلع القرن الحادي والعشرين، وفي عشريّته الثّانية - تحديدًا - ونرى ونسمع ما يفيض عن الثّورات على أنظمة الحكم العربيّة، من مقولات جديدة، وشعارات - مستحدثة وقديمة - في وقت واحد، ذات مضمون سياسيّ متخيّل (الخلافة، الخلافة يا مسلمون، لا حكم إلّا لله، دولة الإسلام في العراق والشّام (داعش)، وواجب نصرة الشّريعة، .....إلخ)، عندئذ، لا نرتاب من القول: إنّ هذا المتخيّل واقع في صلب التّاريخ والمجتمع، ومن ثمّ؛ في صلب إبداع ميثاته ويوتوبياته، وأنّه من المتعذّر تصوّر تاريخ خارج هذا المتخيّل المنتِج الخلاّق.

بسّام الجمل: لقد أشرفتم على تنظيم ندوة علميّة، مدارها حول "المقدّس والدّنيويّ"، فما هي أهمّ الإشكاليّات الّتي يطرحها هذا الموضوع على الصّعيديْن؛ المنهجيّ والمعرفيّ - خاصّة - بعد المساهمات القيّمية الّتي قام بها (مرسيا إلياد) منذ منتصف القرن العشرين على الخصوص؟

فيصل سعد: مسألة المقدّس والدّنيويّ؛ مسألة قديمة وحديثة ومتجدّدة في وقت واحد، لكونها خاصّية أنثروبولوجيّة يعيش بها الفرد، وتتواصل بها المجتمعات، وهي وجه من أوجه العلاقة بالعالم المعيش والعالم المتخيّل المحفوف بالتّهيّب والقداسة، ولهذا الأمر وشبهه؛ كان من أهمّ الرّهانات الّتي أوليناها اهتمامنا في الورقة العلميّة، هو أنّ بين المقدّس والدّنيويّ أو المُدَنّس - كما يطيب لبعضهم تسميته - وشائج قربى وعلاقات معقّدة، رغم ما توحي به هذه الثنائيّة من تقابل وانفصال؛ فهذا المقدّس قديم قِدَم الوجود البشريّ، وضارب في عصور لا نعلم بداياتها بالتّحديد، وملازم لحياة الإنسان المعاصر يضفي على وجوده معنى، ومن ثمّ؛ ألفيناه يرقى به إلى معانقة رموزه الحميميّة، ومعبوداته، وسائر القوى الّتي لها عليه سلطان، وحسبنا في ذلك أمثلة وشواهد عديدة من القيم الماديّة، وحتّى الأخلاقيّة والسّياسيّة والإيديولوجيّات، كلّها شهود على هذا المنزع، هذا من ناحية المتلازميْن اللذيْن يقوم بهما وجود الإنسان في أصل المنشأ والوضع، ومن ناحية ثانية؛ صرنا نرى كثيرًا من المقدّسات تتهاوى تحت ضربات التّاريخ المتحوّل؛ بل والسّاخن - كما يقول أستوخرافيون - أمام تيار الحداثة الجارف، واستتباعاتها على منظومة القيم التّقليديّة في المجتمعات العربيّة الإسلاميّة - على الخصوص - ولكن ما يلفت النّظر في منظومة الحداثة، رغم ما حقّقته من نزع القداسة والسّحر عن العالم التّقليديّ إلى حدّ ما، بفعل التّقدّم الّذي بشّرت به: هو أنّ البشرية - اليوم - أضحت أكثر تقديسًا لمنظومات الأفكار والقيم والمذاهب القديمة، ممّا يؤسّس لعودة المقدّس بديلًا عن حداثة لم تستكمل شروطها التّاريخية والمعرفيّة؛ إذ لم تدركها كلّ الشّعوب بالقدر نفسه، وتساءلنا - في نهاية الورقة العلميّة - عن علاقة المبحث بالرّموز المعبّرة عن المقدّس والدّنيويّ، بوصفها رموزًا تاريخيّة ثقافيّة متحوّلة، ومن ثمّ؛ نسبيّة ذات دلالات متفاوتة - زمانًا ومكانًا - وعناصر بشريّة، أو مجتمعات بأسرها، وبناءً عليه؛ وهذا ما دعانا إلى الرّبط بجهود علماء الأديان والإنثروبولوجيا في منتصف القرن العشرين، شأن (مرسيا إلياد وكلود ليفي ستروش)، تغدو أنظمة التّمثّلات والتّصوّرات المتخيّلة للأشياء؛ هي المحدّد للمقدّس والدّنيويّ بدرجة أولى - أكثر من دلالة المقدّسات في حدّ ذاتها - معزولة عن سياق منشئها.

بسّام الجمل: اشتغلتم - أيضًا - بسؤال التّرجمة، وترونه مهمّا في ضوء تخلّف البحوث العلميّة العربيّة في الإنسانيّات خاصّة، مقارنة بما يُنجز في العالم الغربيّ أو العالم المتقدّم عمومًا؛ فما المعايير الّتي ينبغي اعتمادها في اختيار النّصوص الجديرة بالتّعريب؟ وهل هناك أولويّات أو خطّة معيّنة يجب اتّباعها في هذا الشّأن؟

فيصل سعد: بالفعل، كان انشغالي بسؤال التّرجمة على صلة بمبحث المتخيّل الدّينيّ عامّة، والمتخيّل العربيّ الإسلاميّ على الخصوص، وكم يحتاج هذا المتخيّل في ثقافتنا، إلى معرفة ما توصّل إليه الباحثون الأجانب الناطقون باللّغتين (الفرنسيّة والإنكليزية) على الأقلّ، من نتائج في إقامة الفوارق بين المصطلحات والبراديغمات والمفاهيم، وأعتقد أنّه لا سبيل إلى الدّخول إلى علم ما، دون رصد مفاهيمه الّتي أُسّس وفقها، هذا فضلًا عن المنهج، والغاية من التّلازم بين هذه العناصر الثّلاثة - خاصّة - أنّنا نريد أن نصل بالبحث في دائرة المتخيّل إلى ما يمكن أن نسمّيه علم المتخيّل، وهذا طموح تحثّني ومجموعة من الزّملاء النّاشطين في وحدة بحث المتخيّل - في كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة في صفاقس – رغبةً في إقامة صرحه، بعد أن قطعنا أشواطًا في صياغة المفاهيم، وإقامة الفروق بينها، ومثال ذلك؛ تبرير الفروق بين المخيال والمتخيّل والمخيّلة والتّخيّل والخيال، وأمام تخلّف البحوث العربيّة في الإنسانيّات - عمومًا - مقارنة بما ينجز في الدّراسات الغربيّة، تظّل التّرجمة وكدَنَا ويدَنَنَا، وليس أيّة ترجمّة - بالطّبع - إنّما ترجمة مصطلحات العلوم الّتي هي المدخل الأساس لفهمها وتطويرها من الدّاخل، ولهذا السّبب وأمثاله؛ دعونا أنفسنا إلى ترجمة مقدّمة "معجم الرّموز" لجان شوفالييه وألان قيربرانت؛ فقد ظلّ الرّمز في المتخيّل الدّينيّ حاضرًا باستمرار، ولمّا كان على قدر من التّنوّع والاستطراف؛ فقد بات يغري بالمتابعة في حقل الدّراسات الدّينية والأنثروبولوجيّة عامّة، وأعتقد أنّ هذا الاهتمام بترجمة هذه المقدّمة الطّويلة لمصدر أثير بحجم "معجم الرّموز": هو من أهمّ المعايير الّتي ينبغي اعتمادها في اختيار النّصوص الجديرة بالتّعريب، فهذا المعجم توالت طبعاته منذ أوّل طبعة له سنة 1969م، وتُعُهِّدت بالمراجعة والإضافة والتّنقيح في العقد الأخير من القرن العشرين، حتّى الطّبعة الحادية عشرة الصّادرة سنة 1990م، ومازلنا نعتقد أنّ لهذه الموسوعة - المتخصّصة بالرّموز - من الكفاية المعرفيّة ما يجعلها حقيقة بهذه العناية، هذا فضلًا عن أنّ الدّراسات أو المعاجم المؤلّفة في الغرض، شأن "معجم الرّموز والأساطير والخرافات" لديدياي كولان (2000)، لم تقدر على تجاوزه، إن لم تكن عالة عليها لعمق مباحثها وشمولها مختلف الثّقافات، والعزم منّا صادق على النّفاذ إلى محتوى هذه الموسوعة - تعريبًا أو ترجمة - إلى لغات أخرى، أمّا الأولويّات أو الخطّة الواجب اتباعها في قلم التّرجمة؛ فلا أقلّ من أن تكون كلّ ما تجود به جهود البحث في المتخيّل الدّينيّ، أو الدّرس الأنثربولوجيّ المحيَّن، وما له صلة بالمتقبّل اليوم، طالبًا في الجامعة، أو مثقّفًا عامّا خارجها، ونحن أساتذة نقدّر حاجة طلبتنا اليوم - للأسف - إلى ما يكتب بالعربيّة مترجمًا، في وضع صاروا فيه متنكبّين عن اللّغات الأجنبيّة، لعجزهم عن فهمها، وضعف تكوينهم الأساسيّ فيها منذ مرحلة التّعليم الثّانويّ، الّتي تتوّج بنظام توجيه تقنيّ فاشل - في الغالب - إلى الجامعة، ونحن على علم أنّ طالب الإنسانيّات واللّغات في الجامعات العربيّة، وحتّى الأجنبيّة أحيانًا، صار يميل إلى الجهد الأدنى في البحث؛ فيكتفي بما يكتب في لغته، هروبًا من الحرج الّذي يلقاه جرّاء التّعامل مع اللّغات الأجنبيّة، وهو وضع غير طبيعيّ بالطّبع، وينبغي ألّا نبرّره - أبدًا - في البحث الأكاديميّ، ولكن مهمّتنا: أن نفهم ما يحصل مع أهمّ الأطراف في العمليّة التّعليميّة التّعلميّة، ومن مقتضياتها؛ أنّ شروط التّقبّل تقتضي من المعلِّم/ المدرِّس، وهو يضع نصب عينيه مهمّة النّقل الدّيداكتيكيّ للمعرفة، أن يوطّئ أكناف المسائل الّتي يدرّسها حتّى تحصل الفائدة، ولو بدرجة غير مأمولة، وقليل يدوم خير من كثير ينقطع.

بسّام الجمل: ما هي الموضوعات الّتي ترونها اليوم جديرة بالبحث والدّراسة في باب الفكر الإسلاميّ، الّتي يُعوّل في إنجازها على الجيل الحاليّ من الشّباب العربيّ؟

فيصل سعد: يحتاج الفكر الإسلاميّ اليوم إلى مزيد تعريف وتوضيح في الدّرس الأكاديميّ؛ إذ يتساءل الدّارس "ما المقصود بالفكر الإسلاميّ؟"، ويتبع هذا السّؤال سؤال آخر مرادف: "ما الفرق بين الإسلام؛ نصوصًا وعقيدة، والفكر الإسلاميّ؛ فهمًا وتمثّلًا لهذه العقيدة، وتأويلًا لهذه النّصوص؟"، والجواب عنهما يكمن في تبيّن الفروق الضّروريّة بين النّصوص، الأُول: المؤسّسة للعقيدة الّتي على أساسها بُنِي الإسلام (نقصد منها القرآن أساسًا، وما وافقه من الحديث، ولم يناقضه بحال، وصحّ اعتباره والأخذ به عند الجمهور، وهم العلماء من غير أهل الأهواء)، ثمّ النّصوص اللّاحقة بها، (وهي مجمل المصنّفات الّتي ألّفت في التّفسير والحديث وشروح العقيدة، والآراء والمقالات الكلاميّة، وسائر تمثّلات المتصوّفة وأهل الباطن، وأهل الظّاهر، وأقوال الفلاسفة والحكماء، وغيرهم ممّن تداولوا على هذه النّصوص - فهمًا وتمثّلًا - إلى اليوم، لماذا نذكّر بهذا؟

لأنّ كثيرًا من المشاكل الحاصلة اليوم - وحتّى قبل اليوم - باسم الدّين، ناجمة عن الالتباس في فهم الإسلام (بداية بخطاب التّكفير، والقتل، والاتّهام بالردّة، والخروج من ملّة الإسلام)؛ بل إنّ السّرّ كامن في تقديس النّصوص الثّواني، وإضفاء الشّرعيّة المطلقة عليها، حتّى يضحي الاعتداد بها مقدّمًا على النّصوص الأولى، ويصبح مشروعًا لأصحابها التكلّم باسم الشّرع والتّعبير عن مراد الله فيها، وهذا ما جرّ علينا ويلات في القديم، ومازال يؤدّي إلى نكبات وفواجع وإزهاق أرواح، في كلّ يوم من أيّامنا هذه، هذا هو جانب التّمثّل المنحرف والمغلوط؛ كونه عدولًا وانزياحًا عن مقصود الشّارع من الشّرع، وهو: أن يحفظ على الخلق دينهم، وأنفسهم، ودماءهم، ونسلهم، وأموالهم، وأعراضهم، هذا ما توصّل إليه علماء المقاصد في القديم، وما أحوجنا اليوم إلى عدد غير قليل من المقاصد المتجدّدة بتجدّد الحياة، وتبدّل الأحوال والهيئات والظّروف، فأن يظلّ الشّباب المسلم وذوو التّكوين الجامعيّ - خاصّة - أسرى فهم إمام متشدّد ساهمت الأطر الاجتماعيّة للمعرفة - في عصره - في نشر أفكاره وفتاواه، شأن ابن تيميّة أو أحد تلامذته من مجدّدي المذهب الحنبلي في الفقه، في ظروف تاريخيّة كان العالم الإسلاميّ فيها، في مواجهة مع الخطر المسيحيّ الصّليبيّ القادم من الشّرق والغرب، وذلك يعني؛ أنّ هذا الشّباب ألغى أكثر من سبعة قرون من التّطوّر والاجتهاد، المفترض وجودهما في الفكر الإسلاميّ، ليبقى أسير الفهم الّذي قدّمه ابن تيميّة أو غيره لذلك الجيل، وهنا يكمن المشكل الحقيقيّ في تقديس مواقف تاريخيّة للأئمّة والفقهاء والمقلّدين، ولسان حال هؤلاء الشّباب، يقول: "من قلّد عالمًا، لقي الله سالمًا"، وصولًا إلى تبنّي العقيدة الوهّابيّة الّتي ردّتها الأوساطُ الزّيتونيّة - منذ القرن التّاسع عشر - وضلّلتْ صاحبَها محمّد بن عبد الوهّاب.

على هذا الأساس؛ يكون من واجب الشّباب العربيّ الباحث الّذي ترشّحونه لمواصلة الرّسالة التّنويريّة في الفكر الإسلاميّ، أن يحرص على تقديم بحوث يميّز فيها؛ بين ما تقوله النّصوص المؤسّسة وتتغيّاه للبشريّة في كلّ الأزمنة والأمكنة - من حيث كلّياتها ومقاصدها بالطّبع - والمفترض كونها - في الأساس - ناطقة برسالة الهداية والإرشاد إلى الحقّ والعدل، وغيرهما من القيم السّامية، وكونها - أيضًا - أميل إلى العفو والتّيسير، ورفع الحرج والمشقّة عن الخلق، وهي مقاصد غيّبتها كثير من المواقف الفقهيّة والأصوليّة في التّاريخ الإسلاميّ، وآثر أصحابها - في المقابل - التّشدّد في الأحكام، والأخذ بالأسلم في تطبيقها، مفرّطين في مساحة العفو والنّزول عن الحقّ، عملًا بالعرف حينًا، وتفضّلًا من صاحب الحقّ وتكرّمًا - حينًا آخر - والنّصوص الثّواني المؤوّلة، وهي: في التّاريخ أدخل، وفي البشريّ أنسبُ، وإلى الثّقافة الدّينيّة العامّة أمْيلُ.

إذا اتفقنا - الآن - على هذا الفهم، ونجحنا في توصيف المرحلة الفكريّة الّتي يمرّ بها الفكر الإسلاميّ؛ فكلّ ما سيأتي من البحوث منسجمًا مع هذه الرؤية، صالح لأن يقدّم بالبحث، ويحمل على التّطوير والتّحديث، ومن ثمّ؛ على المراجعة والنّقد التّاريخيّين، فلا ننسى أنّنا اليوم إزاء عصر من المعلومات، لا يمكن للمعلومة فيه أن يحتكرها شخص أو جهة، وقد ولّى عصر المعرفة الكمّيّة النّقليّة، وانتهى أبستمولوجيًّا، وحلّ محلّه عصر المعرفة الكيفيّة؛ أي الطّرائق الجديدة في تقديم المعرفة وترويجها (وهو ما يُصطلح عليه - اليوم - بالمعرفة الذّكيّة وبمجتمع المعرفة)، ذلك أنّ المعلومة متوفّرة لدى طالبها؛ بل هي أشبه بالمعاني عند الجاحظ، ملقاة على الطّريق؛ إنّما الشّأن في طرائق إجرائها وكيفيّة استغلالها وتوظيفها، فماذا ينفعك - اليوم - أن تقدّم تفسيرًا للقرآن بالمأثور بعد محمّد بن جرير الطّبريّ، أو بالبلاغة بعد الزّمخشريّ، أو بالأصول الشّافعيّة بعد الفخر الرّازيّ، على طريقة القدامى في تقسيم المناهج المعرفيّة، وإن كان ذلك ضروريًّا في تلك المرحلة التّاريخيّة، ومبرّرًا من النّاحية الأبستمولوجيّة، أمّا اليوم؛ فالحاجة ماسّة إلى تفاسير أخرى، ليس أقلّها تفسير بالمقاصد والغايات، يتجاوز مجرّد ظاهر النّصوص وبيانها إلى صميم المطالب الحداثيّة الآنيّة، ولِمَ لا، تفسيرًا تاريخيًّا للنّصوص الشّرعيّة يرتّب الآيات حسب تاريخ نزولها، وناسخها ومنسوخها، كما يعيد النّظر في منسوخ الحديث النّبويّ وناسخه، ويراجع معايير جمعه وتبويبه، وحُجّيّة عدد غير قليل من الأحاديث، ومنطق الأحكام فيها قياسًا بالقرآن الكريم، والحاجة - بعد ذلك - إلى مراجعة المقدّمات والمسلّمات الأصوليّة البيانيّة، الّتي بنى عليها هذا العلمُ وقواعدَه ونتائجَه، وفي هذا الإطار؛ تصبح دراسات المتخيّل الدّينيّ عمومًا، والمتخيّل الإسلاميّ خصوصًا، ضروريّة لتمييز النّصوص المؤسِّسة من النّصوص المعدول بها عن أصلها.