في مفهوم التجربة الفلسفية

فئة :  مقالات

في مفهوم التجربة الفلسفية

كل تجربة فلسفية جديرة بهذه التسمية، هي بكل بساطة "تجربة تفلسف"، حيث يغدو التفلسف هو التجربة ذاتها، دون أن يعني ذلك قطعًا أنّ التجربة هي التفلسف بالضرورة، فليست كل تجربة تفلسفًا، مما يدل على أنّ هناك كيفيات متعددة للتجربة. ومادامنا لا نستطيع أن نتعلم الفلسفة، بل التفلسف فحسب كما زعم "كانط"، فإنّنا لن نبلغ التفلسف إلا بوضع تفكيرنا على محك التجربة. فالتفلسف ضرب من التجريب، أو هو كيفية للتفلسف الذي يصير شكلاً من أشكال الحقيقة التي نرسمها انطلاقًا من عالم العيش، العالم الذي نختبر فيه قدراتنا على الفكر، غير أنّ القدرة على الفكر، ليست إلا تفعيلًا لقوتنا على الفعل الذي يحول تأملاتنا، إلى كيفية نجرب فيها قوة فكرنا على ابتكار عالمنا بما هو إعادة بناء للوجود. ومن ثمة فالتفلسف هو قدرة على التجريب.

وهو ما يعني أنّ جل الفلسفات التي أسْهمت في بناء تصورات العالم، هي تعبير عن تجربة الفكر، وهو ما يعني أنّ ولادة الفيلسوف ليست مقترنة بما تعلمه من نظريات فلسفية، وليست مقترنة بمهارته في تدريس تاريخ الأفكار الفلسفية، ولكنها مشروطة بقدرته على اختبار تجربة الفكر بما هي تجربة تفلسف. والتفلسف شرط ضروري للابتكار والإبداع. وهو ما يعني أنّ الإبداع ذاته هو نتاج تجربة التفلسف. والتفلسف هو الذي يضفي على الفلسفة طابعًا تجريبيًّا، ليس بالمعنى التجريبي للعلم، وإنّما يظهرها ككيفية حياة، كتمرن على التفكير العقلي، بما هو تجريب يعلي من قدرتنا على تأمل المشكلات التي ما تفتأ تتجدد، محفزة العقل على تجربة الفكر، التي تخلصه من عجزه، أي توقظ جرأته على المعرفة، على الحقيقة. ذلك لأنّ تجربة الفكر/ التفلسف بما هي تجربة قلق أصيلة، هي المخرج الوحيد للانفلات من هيمنة التأثر المذهبي الميتافيزيقي، أي من هيمنة تخضع العقل المستكين المطمئن إلى تصورات العالم السائدة، ومن ثمة فهي تجربة ضد مذهبية، مادامت تتطلع دومًا إلى تحقيق ضرب من التجاوز الذي يحفزها على تفلسف يرضي أفقها الجديد. حينها يغدو كل تفلسف نمطًا خاصًا للكينونة، يتميز بكونه استئنافًا لمهمة العقل المتفلسف، وتأسيسًا للحياة الفلسفية بما هي الشكل الروحي لتجليات الوعي.

غير أنّ مسار تجلي الوعي مرتبط بلحظات اغترابه عن نفسه، وحركة اغترابه عن نفسه وعودته إلى ذاته يسميها "هيجل" بالتجربة. ذلك لأنّ الوجود المباشر للروح الذي هو الوعي "يحتوي على لحظتين: لحظة المعرفة، ولحظة الموضوعية السالبة لأجل المعرفة، ومادام الروح ينمو وينشر في هذا العنصر لحظاته المختلفة، فإنّ هذا التضاد ينفذ فيها فتبدو بمثابة وجوه للوعي. والوعي بهذا المسلك هو علم التجربة التي يجربها الوعي: فالجوهر الذي ثم اختباره كما هو وحركته أصبحا موضوعًا للوعي. فالوعي لا يعرف ولا يتصور إلا ما يدخل في تجربته؛ ولأنّ ما يدخل فيها هو وحده الجوهر الروحاني، بوصفه موضوعًا لذاته. غير أنّ الروح يصير موضوعًا، لأنّه هو هذه الحركة التي تقوم على أن يصير بالنسبة إلى ذاته آخر، أي موضوعًا لذاته عينها، ثم القضاء على هذه الغيرية. نسمي "التجربة" تحديدًا هذه الحركة التي فيها المباشر، والمتواري عن التجربة، أي المجرد، سواء ما تعلق بالكائن المحسوس، أو ما يتعلق بمجرد الفكر فقط، يغترب عن نفسه، ثم يعود من هذا الاغتراب إلى ذاته- عينها، ثم يعود فيظهر في فعاليته ويغدو ملكًا للوعي".[1]

إذن فالوعي هو هذا "الكيان المباشر للروح"، لكن الوعي لا علم له بذلك. وذلك لأنّ الوعي لا يعرف ولا يتصور إلا ما يوجد ضمن تجربته". يستجمع هذا الوصف حسب "فتحي المسكيني" كل عناصر الجدة التي تنافس المحدثون على تحويلها ليس فقط إلى سلوك نظري إزاء الموجود بعامة، بل إلى رؤية للعالم الجديد، وهي تعود على الأغلب إلى:

أ- تنصيب "الوعي الطبيعي" بوصفه الركح الذي "يظهر عليه" أي شكل من أشكال "اليقين" في أفق العقل البشري.

ب- أنّ المعرفة هي "التصور" الذي نبنيه عن موضوع وعينا.

ج- أنّ الموضوع هو فقط "ما يوجد في نطاق تجربتنا".[2]

إنّنا إزاء "تجربة الوعي"، بما هي مضمون عيني وحيد لهذا الوعي الذي لا يعرف من نفسه غير تجربته، وما يسميه "هيجل" بالتجربة ليس سوى "هذه الحركة التي ضمنها يغترب ما هو مباشر وما هو غير مجرب، أي ما هو مجرد... ثم من رحم هذا الاغتراب هو يعود إلى ذاته، ولأول مرة هو يمثل بذلك في فعليته وحقيقته كأنّما هو ملك للوعي".[3]

فصيرورة الروح وتطوره، تكشفها تجربة الوعي الذي يحوز معرفته بذاته بما يختبره في الحركة التي يغترب فيها ما هو مباشر ليصير على غير ما كان عليه وقد أضحى حائزًا ذاته، فما يسميه "هيجل" بالتجربة ليس سوى "الحركة الجدلية" التي يمارسها الوعي على ذاته من تلقاء معرفته كما في موضوعه بحيث أنّه بالنسبة إليه من هذه الحركة ينجم الموضوع الجديد، وبدلالتها هذه تظل التجربة رهينة الوعي وبالتالي رهينة الذات، وحتى إذا منحناها دلالة موضوعية فإنّها تظل دلالة لاحقة منوطة بالحركة التي يعود بها الوعي على ذاته".[4] وهذه الطريق التي "تقود الوعي إلى اجتياز جملة "تشكلاته"، لا تلقي به في "عدم" فارغ، بل تقترح عليه أن يحتمل "هيئات نفسه" بوصفها في حقيقتها "محطات مودعة فيه سلفًا من قبل طبيعته" ومن ثم لا يستطيع لها ردًّا.[5]

يرى "المسكيني" بأنّ هيجل اخترع معنى غير مسبوق لمصطلح "التجربة (Erfahrung)، فهو لم يكتفِ بفهم تجربة الوعي الحديثة بوصفها ضربًا من "علمنة" الروح، .. بل فهم التجربة بوصفها جهاز "اغتراب" داخلي هو مطية الوعي الوحيدة للعودة إلى ذاته، فلم تعد تجربة الوعي مرتبطة بهذا الموضوع أو ذاك، بل بذات نفسها، بوصفها حركة تعبرها من الداخل.[6]

وفي السياق ذاته يرى "كوجيف" بأنّ "تجربة" الوعي الهيجلية تجربة فريدة من نوعها، فهي تختلف عن تجربة العلم المألوف. فهذه تجريها ذات مستقلة عن الموضوع، ومن المفروض أن تكشف الموضوع الذي يوجد مستقلاًّ عن الذات، أي أنّ التجربة يقوم بها إنسان حي في حصن الطبيعة التي هو مرتبط بها، غير أنّه أيضًا مضاد لها، ويهدف إلى تغييرها: فالعلم يولد من رغبة تغيير العالم لصالح الإنسان، وغايته الأخيرة هي التطبيق التقني. ولهذا فإنّ المعرفة العلمية ليست قط سلبية، ولا هي تأملية خالصة ووصفية[7]... أما "التجربة الهيجلية" فهي مختلفة عن تلك، أي تجربة العلم: فهي تكشف الواقعة الملموسة من غير تعديلها أو "خلخلتها" ولهذا فعندما نصف حقًّا هذه التجربة، نجد أنّها تمثل حقيقة ما بالمعنى الشديد للكلمة. ولهذا ليس لها منهج يكون خاصًّا بها، بوصفها تجربة، فكرًا أو وصفًا قوليًّا، ولا يكون في ذات الوقت بمثابة بنية "موضوعية" للواقع الملموس ذاته الذي تكشفه وهي تصفه.

إنّ الواقع الملموس هو في الوقت ذاته واقع منكشف بالخطاب، وهو خطاب كاشف للواقع، أما التجربة الهيجلية فلا تنتسب لا الواقع، ولا إلى الخطاب في عزلته، بل تنتسب إلى وحدتهما المترابطة. وبما أنّه هو ذاته خطاب كاشف، فإنّه هو ذاته مظهر للواقع الملموس الذي يصفه. إنّه لا يحمل شيئًا من الخارج، وأما الفكر أو الخطاب الذي ينتج عنه فليس تأملاً حول الواقع: إنّه الواقع ذاته الذي يفتكر ذاته، أو ينعكس في الخطاب بما هو خطاب. وإذا كان فكر "هيجل" أو الحكيم وخطابه ديالكتيكيين، فلأنّهما يعكسان بأمانة "الحركة الديالكتيكية" للواقع الذي يكونان جزءًا منه، والذي يقومان بتجريبه بكيفية مطابقة فيقبلان عليه من غير منهج متصور قبليًّا".[8] يخلص "كوجيف" إلى أنّ الديالكتيك الهيجلي ليس منهجًا للبحث أو العرض الفلسفي، ولكنه وصف مطابق لبنية الكينونة، ولتحقق وظهور الكينونة أيضًا.[9]

ومن ثمّ يمكننا أن نصف "تجربة الوعي" بأنّها تجربة تفلسف كاشفة للحظة تحقق الروح وظهوره في الكينونة. إنّها تجربة بلوغ المطلق بامتياز.

وما يهمنا في الموقف الهيجلي هو هذا الربط ما بين الفكر و"تجربة الوعي"، وبالتالي يمكننا أن نعتبر التفلسف بالنسبة إلى هيجل تجربة استعادة الوعي لنفسه، وانكشافه لذاته. وليست "الفينومونولوجيا" في نهاية المطاف سوى تعبير عن تجربة الوعي، وأنّ التفلسف هو كيفية لاكتشاف تجلياته عبر مجرى الزمان. غير أنّ لهذه التجربة أفقًا غائبًا مرتبطًا بتجليها الأخير الذي يزول فيه اغتراب الوعي عن ذاته، ويتحقق في وجوده الحق بحيث يدل "الوعي وهو يدرك ماهيته على المعرفة المطلقة ذاتها"[10]. غير أنّ الجدير بالذكر في الموقف الهيجلي هو أنّ الفلسفة لم تَعد نظرية مجردة بل صارت تجربة فلسفية قائمة على حركة جدلية مقترنة بصيرورة الروح وبتجليه في الزمان.

وبهذا المعنى ليست الفلسفة مجرد واقعة تاريخية فحسب، بل تكون لها وظيفة عظيمة وحيوية في تطور الحياة الإنسانية، أي أنّها "تسمو بالتجربة الحية، وبالحكمة في عصرها إلى أقصى درجة ممكنة".[11]

يرى "هوسرل" بأنّ التجربة من حيث هي ملكة Habitus شخصية إنّما هي ذلك المتبقي من أفعال موقف تجريبي طبيعي في أفعال الحياة، وهذه الملكة مشروطة في جوهرها بالأسلوب الذي بمقتضاه تدع الشخصية، من حيث هي هذه الفردية الخاصة، نَفسها تتأثر بأفعال تجربتها. هي الخاصة، ومشروطة على نحو لا يقل عن ذلك بالأسلوب الذي بمقتضاه تدع الشخصية تجارب الآخرين تؤثر فيها بحسب موقفها الخاص منها: قبولاً أو رفضًا.[12]

ليست التجربة وفق هذا التصور سوى ملكة شخصية مشروطة بالكيفية التي تنهجها الشخصية في تأثرها بتجربتها الخاصة أو بتجارب الآخرين. ذلك لأنّ التجربة ليست مجرد واقعة اختبارية محايدة، بل هي تعبير عن أسلوبين في الحياة تنهجهما الشخصية. ومن ثمّ فكل تجربة هي تجربة ليست تشخيصية فحسب بل هي تجربة شخصية. وقد سبق لبركلي Berkely أن لاحظ بأنّه من الصعب معرفة ما هي الشجرة عامة (فكرة الشجرة)، لأنّ ما يتحصل في ذهننا عندما نفكر في فكرة الشجرة، هو دومًا شجرة خاصة بعينها. وهذا ما ينطبق على مفهوم التجربة، ليس ثمة تجربة عامة، وإنّما هناك تجارب خصوصية. معنى ذلك أنّ كل "تجربة معيشة من تجارب التيار التي يمكن لنظر التفكر أن يلتقي بها، هي تجربة لها ماهية ذاتية تقبل الإدراك الحدسي، ولها مضمون يقبل الملاحظة من حيث كونه ذاته الخاصة".[13]

ذلك لأنّ أحوال الوعي التجريبية مهما تغيرت، فإنّها تُبقي على تيار التجربة المطلق الذي يحافظ على ماهيته الذاتية، كما تبقي على ما تحققه التجربة من حيث هي "تقبل التصور كأحوال أنا شخصي تعلن صفاته الشخصية، الثابتة عن تغيُّره، فيكون بوسعنا أن نعالج هذه الاستيعابات فنحلل الأشكال القصدية التي تكونها ونرجعها إلى التجارب الخالصة".[14] ومن ثمّ يكون بوسعنا أن نتفكر وأن نجْعل أنفسنا واعين بتجاربنا الذاتية المعيشة، والتفكر هو أيضًا العنوان المناسب لأصناف التجارب المعيشة المترابطة جوهريًّا، وكل تفكر له خاصية تحول في الوعي مادام صادرًا عن تغييرات في الموقف يحصل بواسطتها تغيير معين لتجربة معيشة معطاة سابقًا، يكون بالذات في كيفية الوعي غير المتفكر. وحتى التجربة المعيشة المعطاة سابقًا فإنّه يمكن أن يكون لها خاصية وعي متفكر بحيث يكون التحول تحولاً من درجة أرفع، لكننا في الغاية نرجع إلى التجارب المعيشة المطلقة "اللاتفكر" ومالها من معطيات فعلية أو قصدية. ويمكن الآن لكل تجربة معيشة بمقتضى قانون الجوهر أن تنقل إلى تحول متفكر وذلك في اتجاهات مختلفة، وهكذا يشمل مفهوم التفكر كل ضروب اكتناه الماهيات المحايث، كما يشمل كل التجربة المحايثة.[15]

وفق المنظور الظاهراتي يمكننا أن نعتبر التجربة الفلسفية تجربة معيشة قصدية بالمعنى الهوسرلي أي أنّها مثل الإدراك لها "موضوعها القصدي" أي معناها الموضوعي، وكون الشيء له معنى، أي كون المرء له "شيء في عنايته" هو الطابع الأساسي لكل وعي، ومن ثم فليس هو مجرد تجربة عامة بل هو (وعي) استمهائي ذو معنى".[16] والمعنى هو ما يشير إلى الموضوع القصدي، ويتجه نحوه من حيث أنّه متعلق قصديًّا بفعل الوعي، ومن ثمّ فكل تجربة معيشة قصدية تفهم بوصفها عطاءً للمعنى وتأسيسًا له، أو بكونها المعنى أو مضمونه. والمعنى مهم في التحليل الفنومونولوجي من جهتين: من جهة إيضاح بنياته الداخلية، ومن جهة أخرى في وصف وظيفته المؤسسة للعالم المجَرَّب، فهذا "العالم الموجود بالنسبة إلينا دائمًا في تغيّر منساب لكيفيات العطاء هو مكتسب روحي شامل، وأنّه في الوقت نفسه يستمر في صيرورته كوحدة لشكل روحي، كتشكيلة للمعنى، لذاتية شاملة تلعب الدور الأخير"[17] تسعى فينومونولوجيا "هوسرل" إلى تجربة فلسفية تقوم على أساس التحول من الموقف الطبيعي إلى الموقف الفلسفي. وهكذا يغدو أفق العالم مجالاً لإمكانيات تجربة المتفلسف الخاصة، ومن ثمّ فسيكون اهتمامه به منصبًّا لا على الموضوعات كما في الموقف الطبيعي، ولكن على كيفيات العطاء، أي في كيفيات عطاء الموضوع للوعي.

يتخذ المتفلسف موقف "الإيبوخي" فيتوقف عن إنجاز موقف إزاء وجودها سلبًا أو إيجابًا أو وسطًا بينهما، أي أنّه يقوم بتعليق الحكم، وهو ما يسمح له بإرجاع الموضوعات والعالم إلى كيفيات عطائها، "إنّ كل أفعال المجربة والمفكرة، والمقومة، وغيرها تبقى قائمة لدي وتستمر في جريانها، إلا أنّ ما يقوم فيها أمام عيني كعالم يتوفر بالنسبة لي على وجود وصلاحية يصبح مجرد ظاهرة، وذلك فيما يتعلق بكل التحديدات التي تنتمي إليه. في "الإيبوخي" تحولت هي كلها والعالم ذاته إلى أفكار لي، إنّها مكونات لأفعال تفكيري لا يمكن، بصفتها مفكَّراتها، فصلها عنها. هاهنا لدينا دائرة للوجود قطعية مطلقًا يشملها عنوان الأنا وليس فقط مجرد قضية "أكسيومية" أنا أفكر (ego cogito) أو أنا مفكر (Swm cogitans)"[18] وبفضل الإيبوخي "نفذت إلى تلك الدائرة من الوجود التي تسبق مبدئيا كل موجود يمكنني تصوره وقطاعات وجوده بصفتها الشرط القطعي مطلقًا لهذه القطاعات".[19]

يؤكد هوسرل بأنّ "الأنا المتفلسف يبلغ، بفضل الإيبوخي (Epoché) إمكانية بداهة متحررة شخصية بصدد الهدف والمنهج، إنّ إرادته تعطل التقليد، وبذلك تكون له إمكانية نقد وحسم جذري ومتحرر".[20] ذلك لأنّ الفلسفة تظهر في العالم البشري، مهما كانت حوافزها التاريخية، كمشروع جديد، وكفكرة لمنتوج جديد، وليس كنمط تقليدي من المشاريع تم مسبقًا تحقيقها في منتجات يعود تدشينها إلى شخصيات حاولت "في نزوع غامض" تحقيقها في منتجات".[21]

يقترن "الإيبوخي" بنوع جديد من التجربة الفلسفية، التي ينجزها المتفلسف: "إنّنا، نحن المتفلسفون الجدد، ننجز الإيبوخي كتعبير من موقف الوجود البشري الطبيعي الذي هو الموقف الأسبق، ليس لأسباب عرضية، بل ماهوية، أي انطلاقًا من ذلك الموقف الذي لم ينقطع أبدًا في الحياة والعلم طوال تاريخية الوجود البشر بأكملها... مع الإيبوخي يصبح نظر الفيلسوف متحررًا تمامًا، وقبل كل شيء من قيد العطاء المسبق للعالم. ومع هذا التحرر، وفيه يتم اكتشاف ذلك التعالق الشامل، المنغلق مطلقًا على ذاته والمستقل مطلقًا، بين العالم ذاته ووعي العالم".[22] والوعي المقصود هو وعي الذاتية المنجزة لصلاحية العالم، والتي تمتلك بما هي ذاتية العالم، بفضل مكتسباتها المستمرة، وتعيد دائمًا تشكيله بكيفية فعالة. كما يظهر شكل من التعالق المطلق بين الكائن من كل نوع وكل معنى، والذاتية المطلقة باعتبارها تبني في هذه الكيفية الأشمل المعنى وصلاحية الوجود. ويبين "هوسرل" مسألة هامة تتعلق بأهمية اليبوخي قائلًا: ينبغي خاصة وقبل كل شيء أن يبين بأنّه بفضل "الإيبوخي" يَنفتح للمتفلسف نوع جديد من التجربة والتفكير والتنظير يكون فيه فوق وجوده الطبيعي، وفوق العالم الطبيعي دون أن يفقد شيئًا من معناه وحقائقه الموضوعية، وليس عمومًا من المكتسبات الروحية لحياته في العالم وللحياة الجماعية بأسرها".[23]

تكشف تجربة "الإيبوخي" بما هي تجربة فلسفية، عن حقيقة مفادها، أنّ تأسيس الحياة الفلسفية مشروط بتجربة أو تجارب التفلسف، فإذا كان "اليبوخي" الهسرولي تعبيرًا عن تفلسف يستند إلى موقف فلسفي يتحرر فيه المتفلسف، بوصفه فيلسوفًا جديدًا من قيد العطاء المسبق للعالم، تكون مهمته إعادة تدشين للفلسفة بما هي فكر جديد، يستهدف بناء كيفية جديدة للفكر تعبر عن الحياة الروحية للإنسانية، وهذه هي أهم خلاصة نستفيدها من فينومولوجيا "هوسرل"، بخصوص التجربة الفلسفية.

إذن كل تجربة تفلسف، هي نوع جديد من التفكير، يكشف عن موقف مغاير من الوجود والعالم، ومن التصورات الفلسفية السائدة. ومن ثمّ تغدو مهمة المتفلسف صعبة، مادامت غايته الأساسية تتمثل في عمله على التخلص من خضوعه لتأثيرات الفلسفات المهيمنة، ذلك لأنّ انشغالنا بالفلسفة يجعلنا متحمسين للتصورات الفلسفية التي ساهمت في تشكيل أفقنا الروحي. غير أنّنا لن نغدو فلاسفة بحق ما لم نكن متفلسفين، فالتفلسف هو نوع من استثمار تأثرنا بفلسفة فيلسوف ما. فولادة فيلسوف عظيم كـ "كانط" لم تكن باليسر الذي نتصوره لولا تأثره بـ "هيوم" الذي أيقظه من سباته وحفزه على التفكير من وجهة جديدة، وهو ما يعترف به "كانط" نفسه قائلاً: "أعترف بأنّ تنبيه "دفيد هيوم" أيقظني أولاً من سباتي "الدوغماطيقي" من سنين مضت، ووجه بحوثي في الفلسفة النظرية وجهة جديدة تمامًا".[24]

في التفلسف يكون ما تأثرنا به وسيلة نحو تشكيل أفق جديد، أي أفق أنفسنا بما هو نوع التحول من موقف الانفعالية إلى موقف الفعالية. غالباً ما يجعلُ التأثر علاقة الإنسان بالأفكار والتصورات الفلسفية قائمة على الانفعال، غير أنّه إذا لم يُحدث التنبيه الذي يقضّ مضجع تفكير المنشغل بالفلسفة، فلن يحدث تفلسف، أقصى ما يمكن أن يحدث هو انشغاله بفكر الفيلسوف إلى حد الانتماء المذهبي. ذلك لأنّ غاية الفيلسوف ليست هي إنشاء مذهب، وإنّما فلسفة تدشن نمط تفلسف جديد.

غير أنّ ثمة سؤالاً محرجًا لنا نحن - المنشغلين بالفلسفة -، سؤال يقضّ عقولنا المنبهرة بالتجارب الفلسفية الكونية، التي نجد أنفسنا مهتمين بإنجازاتها الكبرى، منهمكين باستعادتها، فلا يبلغ أقصى جهدنا واجتهادنا سوى إعادة صياغتها، من غير أن تبلغ بنا الجرأة إلى ولوج عتبة تجربة التفلسف، بما هو عتبة الإبداع الفلسفي؟

ربما تكمن علة هذا الأمر - في منظوري الشخصي - في ما أسميه "حجاب التجربة". فما معنى "حجاب التجربة"؟

يعبر "حجاب التجربة" عن وضعيتي التالية، بما هي وضعية –مشكلة، كوني إنسانًا ينتمي إلى جماعة الإنسانية وإلى أفقها الفكري وإلى تراثها العقلي الحالي، والذي أعي صيرورته عمومًا أو أعي جزءًا من تجلياته في صيغ تجارب فلسفية بعينها، غير أنّي بالرغم من كل هذا التفاعل، لا أجرؤ على التفكير، بل على التفلسف. وضعيتي الحالية هي وضعية المنفعل الذي أقصى ما يفكر فيه، هو ما تم التفكير فيه، ومن ثمّ فأنا ما زلت بعد مفصولاً عن قدرتي على التفكير فيما هو شكل جديد لتجربتي الروحية. حجاب التجربة يقلص قوتي على التفكير، فلا يجعل مني بوصفي كائنًا مفكرًا سوى ذلك الباحث عن موضع لا يحقق سوى مهارتي في استقبال المفاهيم الفلسفية، دون أن أتمكن من تلمس طريقي نحو التجربة، نحو الفعل الذي ينتشل قوتي من نمط انفعالها أو تأثرها السلبي، ويفعل قدرتها على تجريب نمطها الفلسفي، بما هو نمط غير مسبوق من الإبداع.

إذن "حجاب التجربة" هو ما يعبر عن موقف "اللاتفلسف" أو العجز عن التجربة الفلسفية، ثمة شيء ما يحول دون ولوج التجربة، يجعلني لا أقف سوى عند حدودها العازلة، وهو شيء يشبه إلى حد ما "حجاب التنوير" بما هو اكتفاء بما اكتسبته فقط من تعلُّم الأفكار الفلسفية، من غير أن أتمكن من تفعيل ما اكتسبته من موارد فلسفية في حل المشكلات التي ما تفتأ تتجدد باستمرار، أي المشكلات التي تضعني مباشرة أمام محك التجربة. وضعيتي الحالية هي وضعية قصور فكري، فأنا لم أجرؤ بعد على التفكير.

معنى ذلك أنّ التجربة الفلسفية تبدأ من حيث أتجاوز لحظة القصور، فأغدو راشدًا يتفلسف. يتعلق الأمر بتحويل ضروري وجريء لسيرورة تعلم الفلسفة، يقتضي الدخول في مغامرة التفاعل مع الموارد الفلسفية، من أجل توظيفها باتجاه حل مشكلات عالم العيش، بحيث يغدو المعيش ذاته موضوع تجربة فلسفية.

إذن فالمتفلسف هو من ينطلق من "المعيش" اللافلسفي، فيتناول هذا الوجود باعتباره موضوعًا للتفلسف، فتصير الفلسفة اختبارًا لما يعيشه انطلاقًا من اليومي. غير أنّه وهو يحيل هذا الاختبار إلى تجربة فريدة للتفكر، فإنّه يدشن أسلوبًا جديدًا في أفق الفلسفة. وهكذا فالتجربة كما يقول "بلانشو" بصدد "باطاي"، هي التفكير في ذاك الذي لا يفكر فيه. "الفكر يفكر أكثر مما يستطيع التفكير، في تأكيد يؤكد أكثر مما يمكن تأكيده، هذا الأكثر هو التجربة التي لا تؤكد إلا بزيادة التأكيد، والتي تؤكد، في هذا الفائض، بدون شيء يتوكد، وبالنهاية لا تؤكد شيئًا، إنّها تأكيد ينجو فيه كل شيء، وينجو هو نفسه من الوحدة. حتى إنّ هذا هو ما في وسعنا إعلانه بشأنها: إنّها لا تُوحِّد ولا توَحَّدُ، ومن هنا يبدو أنّها تؤدِّي بالأحرى من جهة المتعدد. وبفضل ما يمسه "جورج باطاي" "الحظ": كما لو أنّه لتأديتها، كان لابد ليس فحسب من محاولة تسلم الفكر للمصادقة، بل من تسليم أمرنا للفكر وحده الذي يرسل أيضًا، في عالم موحد مبدئيًّا ومجرد من كل مصادقة، ضربة نَرد مفكرًا بالطريقة التأكيدية الوحيدة على مستوى التأكيد الصرف: تأكيد التجربة الداخلية".[25]

ولذلك يسمى "باطاي" التجربة بسفر نحو حدود إمكانات الإنسان. بإمكان أي امرئ أن لا يقوم بهذا السفر غير أنّه في حال قيامه به، فذاك يفترض نَفيْ السُّلط، القيم الموجودة التي تحد من الممكن، ومن حيث أنّ التجربة نفي لقيم ولِسلط أخرى، فإنّ لها وجودًا توكيديًّا يصبح هو ذاته القيمة والسلطة.[26] يتطلب الأمر نوعًا من الجرأة الضرورية التي تقتضي مقاومة ما نسميه "حجاب التفلسف" الذي يحول بين الإنسان وإمكاناته اللامحدودة في التفكير. ومن ثمّ فالتجربة كما يقول "بلانشو" هي "هذه الضرورة، فهي غير موجودة إلا كضرورة، وبصفتها هذه لا تعتبر أبدًا ناجزة، بما أنّ أي ذكرى لا تستطيع تأكيدها، وبما أنّها تتجاوز كل ذاكرة، وبما أنّ النسيان هو وحده على مستواها، النسيان الهائل الذي يحمله الكلام".[27]

كما تجيب التجربة "الجوانية" كما يقول "باطاي" عن "الضرورة التي أوجد فيها - الوجود الإنساني بمَعية أناي - بوضع كل شيء موضع تساؤل من غير هوادة. وهذه الضرورة لها دورها بالرغم من العقائد الدينية، غير أنّ لها نتائج أكثر شمولية من تلك العقائد. تضع الفرضيات القبلية الدوغمائية حدودًا للتجربة: فالذي يَعْلم سَلفًا لا يمكنه الذهاب إلى ما وراء الأفق المعلوم".[28] ما يتوخاه "باطاي" هو أن تقود التجربة نحو ما تمضي إليه، وليس نحو هدف معطى سلفًا. ويؤكد أنّها لا تقود نحو أي مأوى بل إلى موضع التيه، واللامعنى. فمبدأ هذه التجربة هو اللا-معرفة الذي تولد فيه وتدوم"[29].

يمكننا أن نؤول انطلاقًا من "باطاي" المعرفة المعطاة سلفًا بأنّها عائق نحو التفلسف بما هو التجربة ذاتها، هذه المعرفة هي التي تضع "حجاب التفكير" فيما يمكن أن يفكر فيه، ومن ثمّ فالتفلسف مغامرة تقتضي نسيان المعرفة الجاهزة بشكل قبليْ من أجل اختيار إمكانياتنا الفريدة في التفكير، فلا يمكننا أن نجرب الفكر، ونحن نقف عند حدود ما أنتجته أنساق المعرفة التي تشكل أفقًا غدا مهيمنًا على عقولنا. فالتجربة بما هي تفلسف تبدأ من حيث تُحفزنا "اللامعرفة" على اختبار إمكانية ما لم نفكر فيه بعد بوصفه حدًّا لم يَتعين بعد في المعرفة، حيث يولد تفكير جديد، وحيث ينتصب الفكر بوصفه موضع التجربة الذي يدعونا إلى اللحاق به كإمكانية وحيدة قوتنا من نسيج المعرفة المعطاة لنا والتي نستكين لها ولإنجازاتها ولكنها تصيرنا مسلوبي القدرة على استئناف طريق الفكر اللامتناهي. ذلك لأنّ المعرفة مَهْما انكشفت معالمها تظل هي علامة لا تشير إلى حد مكشوف، فهو ما يتعذر عن الحد، بوصفه لا محدودًا ولا متناهيًا في الوقت ذاته، أما الجانب المنكشف فيه فهو ليس إلا معرفة، وما لا ينكشف هو الفكر بوصفه موضوع التجربة اللامتناهية. ومن ثمّ نستطيع أن نقول بعبارة "هيدغر": لَمْ نفكر بعد. أي أنّ إمكانات الفكر تظل دائمًا غير قابلة للاستنفاذ، بما هي إمكاناتنا وهي غير مطابقة لهدف أو غاية، وما هو متوارٍ في الفكر محجوب عنا ما يفتأ ينادي إمكانيتنا ف تجريب قدرتنا على أن نفكر انطلاقًا من صيغة تشكلنا في الوجود باعتبارنا أحوالاً وكيفيات للوجود. وبما أنّنا لسنا مجرد "ماهيات"، بل أنماطًا، فإنّنا بوصفنا كذلك نعيش في التجربة، ونعيشها بما هي توجه نحو ما يجب التفكير فيه، وما يجب التفكير به هو الذي يمنح كينونتنا بعد المستقبل والذي نمنحه بدورنا بعد الحاضر، بما أنّ تجربتنا هي التي قادته باتجاهنا. فنحن لن نغدو متفلسفين حقًّا إلا بقدر ما نتمكن من تجربة ما يجب التفكير فيه، أي هذا الذي بإمكاننا اقتطاعه من سَديم الفكر "اللامتناهي"، هذا الذي يمنح لتجربتنا بعد التأسيس لأنماط متجددة في الفكر. إذن فالتجربة محايثة لكل فكر يصير تفلسفًا معطيًا لمنظورات تسهم في منح حياة جديدة للفلسفة.


[1] Hegel: Phénoménologie de l’esprit. Traduction Jean-Pierre Lefebvre. Le monde de la philosophie-Flammarion 2008-p36.

[2] فتحي المسكيني: الهوية والحرية، نحو أنوار جديدة، جداول للنشر. بيروت 2011، ص 136

[3] نفسه، ص 137

[4] عبد العزيز العيادي: فلسفة الفعل، مكتبة علاء الدين، صفاقس، تونس 2007، ص 60

[5] فتحي المسكيني: الهوية والحرية، ص 137

[6] نفسه ص 137

[7] Kojeve: introduction à la lecture de Hegel. éd Gallimard, 1947, p454.

[8] Ibid, P455.

[9] Ibid, P527.

[10] Hegel: Phénoménologie de l’esprit, P87

[11] هوسرل: الفلسفة علماً دقيقًا، ترجمة وتقديم: محمود رجب، المركز القومي للترجمة، العدد 489/2 الطبعة 2، القاهرة 2009، ص 86

[12] هوسرل: الفلسفة علماً دقيقًا، ترجمة محمود رجب، المركز القومي للترجمة، ع 479/2، الطبعة 2، القاهرة 2009، ص 86

[13] إدموند هوسرل: أفكار ممهدة لعلم الظاهريات الخالص وللفلسفة الظاهرياتية. ترجمة: أبو يعرب المرزوقي. جداول، بيروت.

[14] نفسه، ص 142، 2011، ص 95

[15] نفسه، ص 191

[16] نفسه، ص 232

[17] إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوروبية والفنومونولوجيا الترنسندنتالية. ترجمة إسماعيل المصدق، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2008، ص 190

[18] نفسه، ص 144

[19] نفسه، ص 144

[20] نفسه، ص 614

[21] نفسه، ص 620

[22] نفسه، ص 241

[23] نفسه، ص 241

[24] إمانويل كنط: مقدمة لكل ميتافزيقا مقبلة يمكن أن تصير علمًا. ترجمة نازلي إسماعيل حسين، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر. القاهرة 1968، ص 28

[25] موريس بلانشو: التجربة –الحد، ترجمة جورج أبي صالح، مجلة العرب والفكر العالمي ع10. ربيع 1990، ص 65

[26] Georges Bataille, L’expérience intérieure, Tél, Gallimard, 2011. P: 19.

[27] بلانشو: المرجع السابق، ص 66

[28] Bataille: L’expérience intérieure. p15.

[29] ibid p 16