لا إمام سوى العقل: مقدّمة لدراسة (رسائل الجاحظ)

فئة :  مقالات

لا إمام سوى العقل: مقدّمة لدراسة (رسائل الجاحظ)

لا إمام سوى العقل([1])

مقدّمة لدراسة (رسائل الجاحظ)


1- الجاحظ وقرّاؤه القدامى والمعاصرون:

لم تنل شخصية عربية قديمة من الشهرة وذيوع الصيت ما ناله الجاحظ في الثقافة العربية الإسلامية؛ فهو، حقاً، شخصية فريدة، سواء في تكوينها العلمي والمعرفي أم في منجزها الأدبي والفكري، الذي ظلّ إلى اليوم أصدق تعبير عن صورة العصر العباسي في القرن الثاني والثالث للهجرة. وقد نال الجاحظ من التقريظ والمدح ما ناله من النقد والذّم؛ فقد وضع التوحيدي (ت 330هـ/414هـ) رسالة عنونها بــــ: (تقريظ الجاحظ)، وفيها ميّز الجاحظ عن رجالات عصره من الأدباء والمثقفين، وخصّه بمقارنات ومفاضلات تؤشّر إلى منزلته الرفيعة في الثقافة العربية. وفي معرض حديثه عن الفوارق بين الجاحظ وبين أبي حنيفة، يقول التوحيدي: «أبو حنيفة أكثر بداوة وأبو عثمان أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أغرب، وأعرب، وأدخل في أساليب العرب»[2].

ولم يكن هذا الاعتراف بمنزلة الجاحظ صادراً عن مريديه وأتباعه فحسب؛ بل إنّ بعضاً من خصومه، لاسيما ابن قتيبة الدينوري، قد أقرّ بأنّ الجاحظ هو «آخر المتكلمين، والمعاير على المتقدّمين، وأحسنهم للحجّة استثارة»[3].

وأيّاً كان الموقف منه، ومن كتاباته وشخصيته، فقد كان الجاحظ شخصية محورية في النثر العربي، وفي الكتابة النثرية بوجه خاص. وينزّله المستشرق الفرنسي شارل بيلا (Charles Pellat) منزلة فريدة في الثقافة العربية؛ فهو يضع أدب الجاحظ ضمن دائرتين يمكن التمييز بينهما «الدائرة التي ينتمي إليها الأدب الجاحظي، والتي توجه بأسلوب مرح إلى تعليم القارئ... والدائرة الثانية تحتفي بالكتابات الأصيلة والتحارير، التي تجلو فيها موهبة الكاتب، وإلى حد ما جهود المفكّر»[4].

ولم تشذّ الدراسات الاستشراقية والكلاسيكية عن توصيف شارل بيلا للجاحظ، فقد عدّه أندري ميكال «أحد أعاظم أعلام الأدب العربي... وهو صرح كامل للمعرفة... وهو ينتسب إلى هذه المدرسة العقلية من مدارس الإسلام التي تسمى الاعتزال»[5]. وتُجمِع هذه الدراسات والآراء على انتماء كتابات الجاحظ إلى مفهوم مخصوص للأدب من جهة أنّه «أضواء على كلّ شيء»[6]، أو، بحسب العبارة الجاحظية الشهيرة: «الأخذ من كلّ شيء بطرف». وقد تمثّل بعض الباحثين النزعة الموسوعية للجاحظ؛ إذ «يتكلم في القرآن والحديث، وفي الفلسفة والمنطق، في الشعر والنثر...»[7]. وانتبه بعض آخر إلى الوقوف على النظام الإبستيمي، الذي ينهض عليه التفكير الجاحظي، وهو في التوفيق ما بين منطق العقل وما بين ضرورات الشرع، واعتبر أنّ «العقل الصحيح أساس من أسس التشريع»[8]. وقد ذهب المستشرق شارل بيلا إلى الأهمية القصوى للبصرة بيئة حضرية في تكوين الجاحظ النقدي والفكري، وذلك قبل انتقاله إلى بغداد بناء على دعوة من الخليفة المأمون (ت 218هـ).

إن قرّاء الجاحظ متّفقون على منزلة العقل والتفكير المنطقي في أدبه وفي ثقافته، وأيّاً كان المبحث الذي يتناوله أو يدرسه، فإنّ الاحتكام إلى العقل هو المصادرة الأولى، التي تحكم منهجه في الكتابة. وهناك إجماع من لدن هؤلاء القرّاء على أنّ الاعتزال يمثل الخلفية الإبستيمية والمرجعية الفلسفية، التي يستمدّ منها الجاحظ آراءه في الدين، وفي المجتمع، وفي الإنسان، وفي شؤون الحكم، وفي النبوة، وفي قضايا البلاغة والبيان، ويعترف الجاحظ بوضوح العبارة بهذه المرجعية، قائلاً: «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل، فإن لم أقل ولولا أصحاب إبراهيم لهلكت العوام من المعتزلة، فإني أقول إنه قد أنهج لهم سبلاً، وفتق لهم أموراً، واختصر أبواباً ظهرت فيها المنفعة»[9]. وهذا يسمح باستنتاج أنّ آراء الجاحظ وأفكاره كانت تمثّل تعضيداً حقيقياً للدولة العباسية زمن المأمون، الذي اتخذ «الاعتزال مذهباً رسمياً للدولة»[10]، وأمسى الجاحظ في منزلة كبار المنظرين والمشرعين للخلافة العباسية إلى أن أفل نجم الاعتزال في آخر عهد الخليفة الواثق (ت 232هـ/847م)، ولاسيما زمن المتوكل (232/247هـ - 847/861م)، الذي قضى تماماً على النفوذ الاعتزالي في فلسفة الدولة، وفي القضاء، وفي الإدارة.

إنّ قراء الجاحظ قد انتبهوا إلى أسلوبه في الكتابة النثرية، وعدّوه مؤسّساً لنمط من النثر تعتدل فيه العلاقة بين اللفظ والمعنى من دون أن ينتصر أحدهما على الآخر. وهناك قولة ذائعة الصيت للجاحظ تبين مذهبه في الكتابة، وهي: «على الأديب أن يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني»[11]، وذلك للوصول إلى مقصد مهم هو «ألّا يحتاج السامع أو القارئ إلى التّأويل»[12]. وهذه النظرة الجاحظية للكتابة تنحدر من مفهومه الخاص للغة؛ إذ إنّ «وظيفتها هي الإبانة» كما يقول في بعض رسائله. ومن أجل ذلك كانت الكتابة لدى الجاحظ تنحو دوماً إلى التوسط والاعتدال، فهو يمجّ الغموض، والتقعّر اللفظي، والإغراب في الاستعارة وفي التشبيه، وهذا ما جعل الكتابة لديه مخاطبة للعقل ومتثافقة مع تراث القدماء، لاسيما اليونان؛ إذ احتكّ الجاحظ بأفكارهم - عبر وسائط الترجمة - لمّا كان في البصرة قريباً من حلقات أهل الاعتزال، ثمّ واحداً منهم، وأعظمهم منزلة.

إنّ قرّاء الجاحظ قد تعمّقوا في دراسة أسلوبه وكتابته وطريقته في الكلام عن «الأدب» بالمعنى الموسوعي الشامل، الذي حدّده الجاحظ، وأبانه شارل بيلا في مقالته في الأنسيكلوبيديا الإسلامية، ولكنّ في مؤلفات الجاحظ جانباً آخر أكثر خطراً وخطورة، وهو التفكير البلاغي، وعلاقته بالخطاب؛ فهو - دون أدنى شك - «منشئ البلاغة العربية»[13]. لكنّ منزلته الكبرى تتمثّل في وضع نظرية تتفاعل فيها البلاغة، من جهة كونها جزءاً من علم البيان، مع البرهان ومع الحجاج باعتبارهما منهجاً للإقناع، وللردّ على الخصوم. ويبدو لنا أنّ أوّل دراسة تعمّقت في هذا الموضوع هي تلك التي أعدّها الباحث البارز حمادي صمود في مشروع قراءته للتفكير البلاغي عند العرب؛ إذ عدّ «الحدث الجاحظي»[14] حدثاً فيصلاً في نظام الثقافة العربية، فقد نقل البلاغة من بلاغة للعبارة والكلمة والجملة، بما يختزلها في فنون الزخرفة وتزيين الكلام، إلى بلاغة الخطاب، بما ينهض عليه من الحجاج والمناظرة والجدال؛ فالجاحظ قد أحدث، بهذا المعنى، تأسيساً إبستمولوجياً للبلاغة العربية، وحرّكها، وحرّك مفاهيمها في صلـب الخطـاب بكـلّ أبعـاده الشـــكلية والســـيميائية والإيديولوجيـة المختلفـة.

إنّ هذا التأسيس هو الإسهام المعرفي الأهمّ للجاحظ في البلاغة العربية، وفي الثقافة العربية، وفي بنية العقل العربي على حدّ سواء. وإذا ما كان كتاب (البيان والتبيين) معبراً عن «نصاعة البدايات، وفوران المادة المروية المتأتي من عطش التدوين، والجمع في هذه الفترة المبكرة»[15]، فإنّ (رسائل الجاحظ)، وهو الكتاب، الذي نعتزم تقديمه، يمثّل وجهاً آخر من وجوه الإبداع الجاحظي، وقد ألفه الجاحظ في فترات متباعدة، ولكن يمكن حصرها فيما بين صعود المأمون إلى الخلافة بعد صراعه الدامي مع الأمين، واعتلاء الواثق الحكم؛ أي تقريباً من سنة (193هـ) (سنة موت الأمين) إلى (227هـ).

وفي هذه الحقبة، ازدهرت كتابة الجاحظ، واشتهر فيها بوصفه متكلّماً اعتزالياً، ورجلاً بليغاً، ومثقفاً من كبار مثقفي الدولة؛ بل النظام العباسي بوجه خاص، وذلك قبل أفول نجم الاعتزال مع الخليفة المتوكل، الذي غيّر إيديولوجيا الدولة العباسية من الاعتزال إلى الانتصار لأهل السنة (232هــ/247هــ).

2- التقديم المادّي للرّسائل:

إنّ رسائل الجاحظ، التي نعتزم تقديمها، قد حققها وشرحها الباحث عبد السلام محمد هارون، وقد أوردها في كتاب يشتمل على جزأين. ويحتوي الجزءان (31) رسالة، أطلق عليها المحقّق «مجموعة داماد»؛ إذ إنه قد عثر على هذه المجموعة الجليلة القدر (...) في مكتبه داماد إبراهيم في تركيا[16].

وقد نهض عبد السلام هارون بتحقيق هذه الرّسائل كاملة لا نقصان فيها، اعتباراً إلى أنّ بعض الرّسائل قد وقع تحقيقها، وإن على مراحل، وبصورة مجتزأة ومتقطّعة، ما يجعل عمل عبد السلام هارون الأكمل والأوفى.

وبالنسبة الى تاريخ كتابة الرّسائل، فإنّ الأبحاث والدراسات لم تهتدِ إلى وضع تاريخ محدّد، على عكس زمن كتابة (البيان والتبيين) أو كتاب (البخلاء). ولكن يمكن القول: إنّ هناك رسالة واحدة كتبها الجاحظ قبل لقائه المأمون هي (رسالة الإمامة)، وهي التي نال بها الحظوة لديه؛ إذ تماهى فيها عقل الرّجل المفكّر مع عقل الرّجل السياسي. ويمكن القول، بناء على ذلك، إنّ سنة (210هـ) هي سنة مفصلية في ثقافة الجاحظ، وفي مشروعه الفكري والأدبي والاجتماعي (والسياسي أيضاً).

أمّا بقية الرّسائل، فقد ألّفها على امتداد أكثر من عقدين من الزمن، على إيقاع التطور السياسي والفكري، الذي شهدته الدولة العباسية في أكثر عصورها ازدهاراً وقوة.

وبالعودة إلى تحقيق الرّسائل، يذكر هارون، في مقدّمته، أن بعض الرّسائل قد وقع تحقيقها من قبل آخرين، دون أن يطلع البعض على جهود البعض الآخر.

وأوّل من انتقل إلى تحقيقها المستشرق فان فلوتن، الذي حقق (3) رسائل هي: (مناقب الترك)، و(كتاب فخر السودان على البيضان)، و(كتاب التربيع والتدوير)، وكان ذلك سنة (1903م)، ثم تتابعت التحقيقات والشروحات على يد نخبة من الأدباء والشرّاح، من بينهم محمد ساسي، الذي حقّق (11) رسالة، ثمّ تأتي مجموعة ريشر (Rusher)، سنة (1931م)، تعقبها مجموعة حسن السندوبي، وتشتمل على (13) رسالة، من بينها (رسائل الجاحظ الخاصّة).

ثم تأتي مجموعة باول كراوس، وطه الحاجري، وعنوانها (مجموعة رسائل الجاحظ)، سنة (1943م)، وبها (4) رسائل. ويُعدّ عمل الباحثين من أجود أعمال التحقيق، وأكثرها استجابة للشروط العلمية.

على أيّة حال، إنّ رسائل الجاحظ لم يعثر عليها دفعة واحدة، وإنما على دفعات ومراحل. وقد خلق هذا الأمر إرباكاً لدى الباحثين والقرّاء، لاسيما فيما يتّصل بتداخل بعض الرسائل بعضها ببعض، واجتزاء بعضها الآخر. وقد أدرك الباحث صالح بن رمضان هذا التصرّف في الرسائل، وعزاه إلى صعوبة نقل الآثار الأدبية من المشافهة إلى التدوين، أو إلى تصرّف خاص من لدن النساخين أنفسهم. ويقول في هذا المعنى: «ولعل أعمق مستويات التصرّف في رواية الرسائل يتجلّى في تجزئة الرسالة الواحدة إلى مقاطع مستقلة بعضها عن بعض، وفي رواية كلّ واحد منها على أنّه رواية مستقلة»[17].

وفي سياق متصل، يقول أيضاً: «تفريع الأصل الواحد إلى رسائل متعددة، نذكر، على سبيل المثال، رسالة الجدّ والهزل، أو المزاح والجدّ، فهي من النصوص التي تعدّدت رواياتها ونسخها في المصادر القديمة»[18].

وأيّاً كان الأمر، إنّ رسائل الجاحظ، على الرغم من هذه الصعوبات الإجرائية والتقنية في عملية التحقيق، لم يشك أحدٌ في نسبتها إلى الجاحظ، ولم يدفع أحد بنظرية الانتحال أو الوضع، على عكس كتابه (المحاسن والأضداد)، الذي شكّت طائفة من النقاد بنسبته إلى الجاحظ، على أساس أنّ أبا عثمان لم يأتِ على ذكره ضمن لائحة الكتب التي أدرجها في مقدمة (الحيوان)، ووجود فقر بعيدة بأسلوبها وروحها عن الكتابة الجاحظية[19].

وعلى عكس بقية الآثار، إنّ الرسائل، كما أشرنا، لم تقترن بتاريخ محدّد في كتابتها، ما يدلّ على أنّ الجاحظ قد ألفها بصورة منجّمة ومتقطّعة، وبحسب المقام الذي يتنزّل فيه موضوع الرّسالة، وصاحب الرّسالة في آن.

ويمكن ردّ الموضوعات، التي تتناولها الرسائل، إلى (5) هي: شخصية، عقائدية، اجتماعية، سياسية، أدبية، جمالية.

تعدّ الرسائل صورة إبداعية عن رجل مبدع، ومثقف، ذي تأثير حاسم في الثقافة العربية.

3- الحجاج والمضمر السياسي في الرّسائل:

الواقع أنّ فضل الجاحظ، من خلال رسائله، ومن خلال غيرها من المؤلفات، يكمن في تأكيده انتماءه إلى التقاليد العريقة في كتابة أدب الترسّل، وأدب الكاتب، وهي تقاليد أدركت ذروتها الشكلية وشروطها الجمالية مع عبد الحميد الكاتب، الذي كانت رسائله تتميّز «بالتقسيم والمنطق الدقيق»[20]. وكانت مهمّته جزءاً من بنية الدولة العباسية، ويتمثل دوره في «الكتابة بلغة عربية فصيحة وأنيقة، وبأسلوب مشجّر/مزهر القرارات الرسميّة للدولة»[21]. وكان دوره - في الأصل - ذا طبيعة تكنوقراطية، ويفترض أن «تكون للكاتب معارف ذات أبعاد انسيكلوبيدية تتجاوز المحددات التقليدية لوظيفته»[22]. وهذه الملامح والاقتدارات تتوافر في شخصية الجاحظ وفي ثقافته، وهو ما تجلّى بوضوح في كتابة الرسائل، التي عُدّت، بوضوح، صورةً لأنظمة الفكر السائد في عصره، وتعبيراً عن شخصية الجاحظ الموسوعية، التي تأخذ من كلّ شيء بطرف، بحسب المعنى الشهير لديه.

لقد كانت الرسائل، إذاً، فضاء للتعبير عن شواغل العصر، وللإفصاح عن المنهجية التي يمارسها الجاحظ، لحظةَ التقائه بالأفكار، وبالوقائع، وبالشخصيات؛ فهي غنية بالأفكار، وبالآراء، وبالمواقف، يعرضها الجاحظ بأسلوبه، الذي يجمع ما بين الجدّ والهزل، وما بين الإشارة اللطيفة العابرة والتحليل العميق المتوازن. وتكشف الرسائل عن مفهوم الجاحظ للأدب، لا من حيث إنّه عبارات إنشائية، ومؤلفات مرصوفة، وإنما باعتبار الأدب «ابتكاراً منبثقاً أصيلاً يستلهم مادته من كل المصادر»[23]، وباعتباره، أيضاً (وهذا المهم في تقديرنا)، «طريقة في الحياة، ووجهاً من وجوه السلوك»[24]. فمن خلال الرسائل نلاحظ أنّ الجاحظ ينفتح على الآخر، ويتحاور معه، ويستوعبه، إمّا بمنهجية التناص معه، حيث يعمد إلى إيراد أفكاره وآرائه قبل الردّ عليها، أو أثناء الردّ عليها، وهذا ما يظهر بوضوح في رسالة (الرد على النصارى). وإمّا بمنهجية التثاقف معه (...)، أو بمنهجية التحليل والدراسة بعرض أفكاره فكرة فكرة، ثم دحضها بالحجج المضادة، فيما يمثّل أقوى أشكال الحجاج، وأبدع مظهر من مظاهر بلاغة الخطاب.

وفي كلّ الأحوال، إنّ «الآخر» موجود في الرسائل، ويعدّ التثاقف معه في صميم بنية تفكير الجاحظ، إلا أنّ هذا الآخر هو الآخر «اليوناني»، وليس الفارسي الذي يسعى الجاحظ إلى استبعاده، وتهميشه.

على الرغم من المنزلة السياسية والاقتصادية، التي كانت للفرس زمن الخلافة العباسية، فالعمل الجاحظي هو، بمعنى ما، عقل يوناني، ولأجل ذلك وضع بوضوح، في مقدمة الرسائل، المنهجية التي سترافق الرسائل، أياً كانت طبيعة الموضوعات والقضايا، وهي المنهجية، أو المقاربة الحجاجية، ففي رسالة (كتمان السرّ وحفظ اللسان)، بقول: «... ولو اقتصرنا، في هذا الكتاب، على حرف ممّا فيه، لكان، بإذن الله، كافياً لمن له لبّ وعقل، ولكن الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظ في هذا القول كلّه لمن عقله، والأخذ به، أوفر منه لمن قاله ولم يعمل به»[25].

وفي الرسائل كمّ هائل من الأمثال، والقصص، والملح، والأقوال المأثورة، وينظمها الجاحظ تنظيماً حجاجياً، بما يخدم مسعاه في إقناع الطرف الآخر، أو في تبكيت الخصوم، أو إفحام المناوئين. ففي رسالة (فخر السودان على البيضان) يمعن الجاحظ في سرد فضائل ذوي البشرة السوداء (على غير ما هو سائد في المجتمع)، بل يجعل بينهم وبين قبائل العرب نسباً وصلة وقرابة مع الصحابة، وسنداً مع الرسول (قصة بلال الحبشي)، فضلاً عن التأكيد على اقتداراتهم الجسدية والعضلية.

وفي رسالة (الرد على النصارى) يرتّب الجاحظ حججه ترتيباً لا يخضع للتساوي، وإنما للقوة والضعف؛ ففي ردّه على خطابهم في تكلّم المسيح في المهد يشير إلى «الشواهد الظاهرة، والحجج القوية»[26]، وهو، في ردّه عليهم، يبدأ بالحجّة التاريخية في قرابة المسيحيين بالمسلمين، على عكس العداوة مع اليهود، وهذه القرابة والتّوادد بين النصارى والمسلمين قد نشأ بفعل بعد ديار المسيحيين عن ديار العرب، «فكانت النصارى، لبعد ديارهم من مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم ومهاجريه، لا يتكلّفون طعناً، ولا يثيرون كيداً»[27]. ثمّ، بعد ذلك، يؤكّد أنّ كلام الصبي في المهد لا يستقيم عقلاً، ولا يتقبّله أيّ منطق.

وينشأ عن تراكم الحجج الدينية والتاريخية والعقلية ما يسمّى، في علوم الحجاج، بــــ: «كون من الاعتقاد»؛ حيث تصبح أطروحة الباث (نفي كلام المسيح في المهد في رسالة (الرد على النصارى)، ونقد غلاة الشيعة في رسالة الإمامة) هي أطروحة السامع أو المناظر، وهذا ما يبشر بحصول الإقناع والاقتناع، وما يجسر الفجوة بين طرفي الحجاج.

والواقع أنّ الدليل العقلي لدى الجاحظ يتقدّم على الدليل النقلي، ويسبقه في أغلب الرسائل، ففي ردّه على غلاة الشيعة يفكّك الجاحظ تمسّكهم بإمامة علي، ويعمد إلى ضرب منطقهم في تأويل الأحاديث، وتخريج الآيات مخرجاً يحتفي بالظنون وبالشكوك. وفي مقابل ذلك، يطرح نظرية مضادّة للإمامة. ولمّا كان الإمام عقدة مؤسّسة الإمامة أو الخلافة، يقدّم الجاحظ توصيفاً «اعتزالياً» له، وهو «إن قالوا: فما صفة أفضلهم؟ قلنا أن يكون طبائعه عقله، ثمّ يصل قوّة عقله بشدّة الفحص، وكثرة السماع، ثمّ يصل شدّة فحصه وكثرة سماعه بحسن العادة، فإذا جمع إلى قوّة عقله علماً، وإلى علمه حزماً، وإلى حزمه عزماً، فذلك الذي لا بعده»[28].

إنّ الاستراتيجية الحجاجية، التي يعمد إليها الجاحظ، في معرض حديثه عن السلطة والحكم، تنهض على تقديم الخبر/أو الواقعة، ثمّ الحكم، وما بين إيراد الخبر والتلفظ بالحكم ينشأ مسار حجاجي يزدحم بكلّ فنون الحجج، وبكل آيات الإقناع، وغالباً ما يتصدّر الحجّة العقلية ما سواها من ضروب الحجج والأدلّة. وأثناء ذلك، يشفّ كلام الجاحظ عن انتماء واضح وصريح إلى الاعتزال وإلى المعتزلة «لإعطائهم العقل دوراً أوّلياً وسابقاً على الشرع، وجعلوا الدّليل السمعي تابعاً للدليل العقلي، ومترتّباً عليه»[29].

ففي رسالة استحقاق الإمامة ينظر الجاحظ فيه بحسب النظرة الشيعية لها، ثمّ يقلبها في كلّ وجوهها، وينطلق من أطروحة «خلدونية» إن جاز التوصيف، وهي أنّه لا غنى لأيّ مجتمع بشري عن الإمام (أو عن الملك بالتعبير الخلدوني)، ثمّ يستعرض حجج الشيعة واحدة واحدة، داحضاً إيّاها بقوة الدليل العقلي، ولا يستحضر أيّ دليل نقلي (من القرآن أو السنة) إلا في آخر الرسالة، وذلك لاقتران الكلام عن الإمامة بالحدث الجلل، وهو الفتنة الكبرى. وهذا الحدث قد وقع حقاً، ولا تزال استتباعاته مؤثّرة بقوة في عصر الجاحظ والعصور اللاحقة.

إنّ ذكر الحجج النقلية القرآنية، في آخر الرسالة، يتنزل في سياق المبدأ المهمّ في نظرية الاعتزال، وهو «التوحيد»؛ فاختتام الجاحظ حديثه عن الإمامة في آخر الرسالة بآية هي: {اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} [البَقَرَة: 34]، لا يخلو، أيضاً، من بعد حجاجيّ مضمر هو دعوة الشيعة إلى التنازل عن تعصّبهم للحزب العلوي، وانتقاده لهم؛ بل وسخريته منهم، ومن تمسّكهم اللاعقلاني بإمامة علي، والحال أنّ جبريل وميكائيل كانا من المقربين إلى الله، ومع ذلك تنازلا عن حكم الأرض لآدم.

يبدو لنا الجاحظ حريصاً على دحض الأطروحة الشيعية في مسألة الإمامة، وتحت المشروعية الحجاجية لهذا الدحض، يتبلور موقفه المعادي للفرس، وتحيّزه لأهل الاعتزال، وللخلافة العباسية، التي كانت خلافة اعتزالية؛ ففي خطابه حجاج مضادّ للحجاج الشيعي القائم على نصرة أهل البيت، غير أننا نلاحظ أنّ الجاحظ، أيّاً كان الموضوع الذي يطرحه ويتناوله، يستدعي الطرف الثاني للحوار معه، سواء كان الاستدعاء استدعاءً فيزيقياً مباشراً أم استدعاء افتراضياً متخيلاً في قوله «وقد قال ناس»، أو «هذا القول» أو «يقولون»، وفي كلّ الأحوال يبدو لنا - بشيء من التحيّز - رجلاً ديمقراطياً مؤمناً بآلية الحوار والمناظرة، وهي التي ستكون الآلية السابقة لثقافة المسامرة والليالي، كما سيبلورها أبو حيان التوحيدي في (المقابسات) وفي (الإمتاع والمؤانسة).

فالخطاب في (الرسائل) هو خطاب الأضداد والمتناقضات. وتنمو الرسائل حجاجياً عبر آلية المقابلة بين الآراء والأفكار والفلسفات، وهذه المقابلة هي التي تحكم المقام الحجاجي كله، وهي التي ستسمح للمناظرة بأن تصل إلى ذروتها، ليس في تقابل الأفكار وتضادها، وإنما (وهو الأهم) في إنتاج المعرفة، وفي تشغيل العقل في أمّهات القضايا، وفي الكشف عن الإيديولوجيات الثاوية وراء كلّ خطاب.

إنّ للمعارضين في رسائل الجاحظ حضوراً قوياً يكفله الحجاج، ويعبّر عنه شكل المناظرة، وتدل عليه آلية الحوار. هؤلاء المعارضون هم غلاة الشيعة في رسالة (استحقاق الإمامة). وهم النصارى في رسالة (الرد على النصارى)، وهم بقايا الحزب الأموي في رسالة (النّابتة). والجاحظ يعمد إلى الملاءمة بين الوظيفة الحجاجية، التي تندسّ في خطابه، والنزعة الكلامية الخطابية الجدلية، التي تتأسس على مراكمة الحجج، وتوليد بعضها من بعض، وتنويع التمشيات الحجاجية، وعبر آلية المناقضة بين الأطروحات والأفكار، ولكنّ ما نلاحظه في هذا المقام أنّ الجاحظ قلّما يستخدم الحجج ذات البعد القصصي، كتلك التي زخر بها كتاب (كليلة ودمنة) لعبد الله بن المقفع، على الرغم من أنّه كان قارئاً متمعّناً لهذا الكتاب. فنحن لا نكاد نعثر على الأمثال والحكايات والسرديات، وإنما تعريفات وآليات وتوسّعات... بما يدل على أنّ الجاحظ يرى في تلك الأمثال تخييلات لا تخدم الحجاج والإقناع، ويرى فيها محسّنات تستوقف القارئ بجماليتها الفنّية، وليس بقوتها الحجاجية، وبمقاصدها الإقناعية. ولأجل ذلك، غلبت في الرّسائل المقصدية التداولية التي تخاطب العقل، وملكة التفكير، والحس النقدي، والاقتدار على الحجاج على المقصدية الجمالية، التي تنحصر في أدبية الأثر، وفي بلاغة التصوير، وشعرية الوصف وخلافه.

لا ريب في أنّ للجاحظ أساليب أدبية في الحجاج، وهو ما يمكن الاهتداء إليه في كتاب (البخلاء)، ولكن تحت مشروعية الضحك والإضحاك تتولّد خلفيات حجاجية تنقل السخرية والإضحاك في منطق العبارة إلى منطق الخطاب، ففي رسالة (التربيع والتدوير) يصف الجاحظ أحمد بن عبد الوهاب بنوع من المحاكاة الساخرة، التي تبدو كما لو كانت إبداعاً أسلوبياً جاحظياً محضاً، وهذا الإبداع الأسلوبي في لغة النثر يُعدّ، في ذاته، قوّة حجاجية تحطّ من قدر المهجو، وتصوغ الموقف الفكري الخاص، الذي يتسلّل من مشروعية الضحك، فليس هناك ما هو أشنع من إضحاك الناس على أحد، لاسيّما أنّ الإضحاك يُعدّ وسيلة غير عنيفة على الإطلاق. هو قوّة حجاجية ناعمة وهادئة، ويؤصّل النظرية القائلة إنّ «الحجاج بديل للعنف»، ولكنه أقوى أثراً منه، وأكثر قدرة على استمالة القلوب والعواطف من قدرة العنف على الأمر ذاته.

وفي رسالة أخرى هي رسالة نفي التشبيه، يدحض الجاحظ أطروحات النصارى في «أنّ الله اتخذ عبداً من عباده ولداً»[30]، وهو؛ إذ يدحض هذه الأطروحة دحضاً كاملاً، يؤصّل القاعدة الأولى من قواعد الاعتزال، وهي التوحيد، ويسمو بالذات الإلهية عن النظير والشبيه والمثيل. وأثناء هذا الدحض يعمد إلى اجتراح استراتيجية مخصوصة في التأويل، فالجاحظ تستوقفه عبارة النصارى في أنّ «المسيح روح الله وكلمته»[31]، وتستوقف الجاحظ عبارة «كلمته»، ونلاحظ القلق الذي يصيب عقل الرجل من وراء أيّ مفردة مشبعة بالمجاز والاستعارة، ولأجل ذلك نراه يسعى إلى أن ينزع مجازيّتها إلى الحدّ الأدنى حتى يجترج لنفسه مسلكاً للفهم والتأويل.

الواضح لدينا أنّ قلق الجاحظ من الاستعارة هو قلق مندسّ في أعطاف الرسائل، ليس لأنّه عاجز عن تمثّلها، وفهمها، وتأويلها، وإنّما للمشكلات الإبستمولوجية التي تتولّد عنها، وتنتج منها، ولأجل ذلك لاحظنا ندرة الاستعارة في الرسائل، ولاسيما ذاك الضرب من الاستعارة الأكثر إغراباً وإغماضاً. وبعد مئتي عام من وفاة الجاحظ سيكتب الهمذاني مقامة هي (المقامة الجاحظية) ينتقد فيها الجاحظ لندرة أسلوبه من وجوه البيان.

لقد تعمّد الجاحظ، وهو من هو في علم البلاغة، الحدّ من حضور الاستعارة المفضية إلى اللبس والإلغاز، وهو، بذلك، يخدم صيرورة الحجاج في رسائله، على اعتبار وضوح المعنى في اللغة وضوحه في الفكر، فهو يحرّك خطابه في مدارات أقرب ما تكون إلى مدارات الصدق والدقّة فيما ينأى عن مدارات التخيل، والحكي، والقص.

وإذا ما كان هناك بدّ من استخدام أصل من الأصول الكبيرة للكلام، التي هي «التشبيه، والتمثيل، والاستعارة بحسب نظرية الجرجاني»[32]، فإنّ الجاحظ ينزع، في أغلب المقامات الحجاجية، إلى إيثار التشبيه الذي ينهض بوظيفة إيضاح المعنى، وهو ما يطلق عليه علماء البلاغة «التشبيه الجلي»، الذي لا لبس فيه، لوضوحه وضوح الشمس، ويسميه العرب، أيضاً، التشبيه العام، ويعرفه الجرجاني: «هو ما كان وجه الشبه فيه أمراً بيّناً بنفسه لا يحتاج إلى تأويل وصرف عن الظاهر؛ لأن المشبه مشارك للمشبه به في صفته»[33].

إنّ هذا الموقف المرتاب من التشبيه يفسّر بنفور المعتزلة من هذا المصطلح، الذي لا يتضمّن حمولة بلاغيّة فحسب، وإنما، أيضاً، حمولة عقائدية، فهو يحمل، في ممكناته السيميائية الخاصة، قضية التشبيه عن الذات الإلهية، والجهد الذي بذله المعتزلة في نفي التشبيه عنها، فيما يُعدّ ذلك مبدأ مهمّاً من مبادئ مذهبهم، ومقياساً يباعدهم عن العقيدة المسيحية أو غيرها.

وإزاء خلوّ الرسائل المقصود من المحسّنات البلاغية، وتضاؤل الاستعارة والتشبيه، نرى أنّ خطاب الجاحظ يستمدّ كلّ عنفوانه الحجاجي من القيم الحجاجية، التي يزخر بها هذا الخطاب، فنجد «تراكم العلل الذي ينتج حجاجاً»[34]، ونجد «الحجاجات شبه المنطقية»[35] القائمة على بلورة تناقض الآخر مع نفسه، كما نجد البرهنة على الخلف القائمة على ثلاث مراحل هي:

أ- تقديم الأطروحة: الله واحد (التوحيد).

ب- دحض أطروحة النصارى في أنّ لله ابناً.

ج- العودة إلى الأطروحة: الله واحد (التوحيد).

وهذا التمشّي الحجاجي نجده خاصةً في الرسائل ذات الموضوعات الكبرى؛ مثل: رسالة استحقاق الإمامة، وفي الرد على النصارى، وفي رسالة النابتة. وفي هذه الرسائل، وفي هذا الحجاج، يواجه الجاحظ مناظراً قوياً ومتماسكاً وعليماً، وأدّى ذلك إلى أن يصطبغ الحجاج لديه ببعد عقلاني ومنطقي يستلّ فيه الجاحظ الحقيقة من قلب المجاز، واللوغوس من قلب الخيال، والبرهان من صميم النص. وأثناء ذلك «تصبح البلاغة بلاغة خطاب لا بلاغة جملة واحدة»[36].

تغدو الممارسة الحجاجية ممارسة تداولية؛ إذ تتبدّى رغبة الجاحظ في التحوّل من سياسة «القول إلى سياسة الفعل»؛ إذ إنّ المقصد من إبطال التأويلات الشيعية، أو دحض أفكار النابتة، هو في تعضيد الخلافة العباسية، بما يمنحها من أسس نظرية وفلسفية للحكم، وترسيخ بعدها الاعتزالي، باعتباره أفقاً فلسفياً للحكم ذاته.

إنّ المأمون والمعتصم والمتوكل بحاجة إلى إيديولوجيا تتنزّل في كلّ مفاصل الدولة: في الوزارة والكتابة، وفي الإدارة والقضاء، ويأتي الجاحظ لكي يمنح، بسخاء، هذا البعد المهمّ في بنية كلّ حكم.

إننا، في ظاهر الخطاب، نقرأ حجاجاً باعتباره «نشاطاً لغوياً»، ولكننا، في البنية العميقة للخطاب الجاحظي، نقف على ضرب من الممارسة السياسية، وعلى أسلوب في إرداف نظام الحكم السائد؛ بل على سياسة الحياة في المدينة العباسية، وفي مراقبة الفضاءات العامة، المساجد، المحاكم... ويصبح علم الكلام، وعلم الكلام الاعتزالي هو الإيديولوجيا التي تحكم الدولة. ومن الممكن أن تحكم المجتمع. ويقول في هذا المعنى: «ولولا الكلام لم يقم لله دين[37]، ولم تكن بين الباطل والحق فرق، ولا بانت الحجة من الحيلة، والدليل من الشبهة».

إن في دحض مقولات الشيعة دعماً لا حدود له للخلافة العباسية، وغالباً ما يعتمد الجاحظ على قاعدة البرهنة على الخلف، وهي تقوم حجاجياً ومنطقياً على ثلاث مراحل هي:

أ- الدفع بنظرية صلاح الخلافة العباسية.

ب- نقض الأطروحة الشيعية في الإمامة.

ج- الدفع بنظرية صلاح الخلافة العباسية.

فالبعد السياسي يستوطن مبدأ البرهنة على الخلف، ويمنح خطاب الجاحظ معقولية ثابتة، ويخدم المشروع الاعتزالي للحكم الذي ينهض به الخليفة المعتصم.

وفي رسالة أخرى، وهي (مناقب الترك)، يربط الجاحظ بعلاقة استدلالية بين تعداد مناقب الترك وبين دعوة الخليفة العباسي إلى ضمّهم إلى جند الخلافة. فالبلاغة، إذاً، تخلق العلاقات بين الأشياء وبين الظواهر سواء بوساطة التشبيه، أو الاستدلال، أو القياس، وهذا ما يمثّل روح البلاغة في الرسائل، وسرّ الحجاج.

 

قائمة المصادر والمراجع

المصادر:

- الجاحظ:

- رسائل الجاحظ، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، 1991م.

- المحاسن والأضداد، شرح د. يوسف فرحات، دار الجيل، بيروت، 1997م.

المراجع:

- ابن رمضان، صالح، الرسائل الأدبية، جامعة منوبة، تونس، 2001م.

- أبو زيد، نصر حامد، الاتجاه العقلي في التفسير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2003م.

- بلانتان، كريستيان، الحجاج، ترجمة عبد القاهر المهيري، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2008م.

- راشد، صبري إبراهيم، الجاحظ في مرآة أبي حيان، كتاب المجلة العربية، العدد 179، المملكة العربية السعودية، 1432هـ.

- شلحت، فيكتور، النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ، دار المشرق، بيروت، ط4، 2007م.

- الشيخ، محمد عبد الغني، النثر الفني في العصر العباسي الأول، الدار العربية للكتاب، 1988م.

- صمود، حمادي:

- التفكير البلاغي عند العرب، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1981م.

- من تجليات الخطاب البلاغي، دار قرطاج، تونس، 1999م.

- عبد العزيز، عرفة، تربية الذوق البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني، دار الطباعة المحمدية، القاهرة، 1983م.

- العروي، عبد الله، العقل العربي المعاصر، دار الانتشار العربي، بيروت، 1996م.

- فوزي، فاروق عمر، الخلافة العباسية، دار الشروق، بيروت، 2009م.

- ميكال، أندري، الأدب العربي، تعريب رفيق بن وناس وآخرون، الشركة التونسية لفنون الرسم، تونس.

الدوريات:

- أبو الهيجاء، عطية، التشبيه عند عبد القاهر الجرجاني، عالم الفكر، المجلد 42، الكويت، 2013م.

- En langue française:

- Abdelwaheb bouhdiba, l'homme en islam, tunis, sud edition, 2005.

- Andre miquel, l'islam et sa civilization, paris, ed. armand colin, 1977.

- Charles pellat, in l'Encyclopédie de l'slam, article, «jahidh».


[1] نشر ضمن مشروع "الفكر النقدي في الإسلام المعتزلة أنموذجاً (2) صدى المعتزلة في الفكر الإسلامي بين الماضي والحاضر"، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والابحاث.

[2] راشد، إبراهيم صبري، الجاحظ في مرآة أبي حيان، كتاب المجلة العربية 179، المملكة السعودية، 1432هـ، ص 95.

[3]- شلحت، فيكتور، النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ، دار المشرق، بيروت، ط4، 2007م، ص 12.

[4] E.I, article de Charles Pellat.

[5] ميكال، أندري، الأدب العربي، تعريب رفيق بن وناس وآخرون، الشركة التونسية لفنون الرسم، تونس، ص 68.

[6] المرجع نفسه، ص 72.

[7] شلحت، فيكتور، النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ، مرجع سابق، ص 45.

[8] الشيخ، محمد عبد الغني، النثر الفني في العصر العباسي الأول، الدار العربية للكتاب، تونس، 1988م، ص 350.

[9] فوزي، فاروق عمر، الخلافة العباسية، دار الشروق، بيروت، 2009م، ج1، ص 281.

[10] العروي، عبد الله، العقل العربي المعاصر، دار الانتشار العربي، بيروت، 1996م، ص 12.

[11] شلحت، فيكتور، النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ، ص 55.

[12] المرجع نفسه، ص 55.

[13] المرجع نفسه، ص 48.

[14] صمود، حمادي، التفكير البلاغي عند العرب، منشورات الجامعة التونسية، تونس، 1981م.

[15] صمود، حمادي، من تجليات الخطاب البلاغي، دار قرطاج، تونس، ص 87.

[16] رسائل الجاحظ، المقدّمة بقلم عبد السلام محمد هارون، المجلد الأول، دار الجيل، بيروت، 1991م.

[17] ابن رمضان، صالح، الرسائل الأدبية، جامعة منوبة، تونس، 2001م، ص 46.

[18] المرجع نفسه، ص 49.

[19] الجاحظ، المحاسن والأضداد، شرح د. يوسف فرحات، دار الجيل، بيروت، 1997م، ص 6.

[20] شلحت، فيكتور، النزعة الكلامية في أسلوب الجاحظ، ص 12.

[21] André Miquel, l'Islam et sa civilisation, p. 124/125.

[22] André Miquel, I.B.I.D, p. 125.

[23] Abdelwaheb bouhdiba, l'homme en Islam, Tunis, Sud Edition, p. 60.

[24] Abdelwaheb bouhdiba, I.B.I.D, p. 60.

[25] الرسائل، ج2، ص 308.

[26] المصدر نفسه، ج2، ص 308.

[27] المصدر نفسه، ج2، ص 309.

[28] الرسائل ج2، ص 305.

[29] أبو زيد، نصر حامد، الاتجاه العقلي في التفسير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2003م، ص 25.

[30] الرسائل ج2، رسالة الرد على النصارى، ص 326.

[31] أبو الهيجاء، عطية، التشبيه عند عبد القاهر الجرجاني، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 42، ص 25.

[32] عرفة، عبد العزيز، تربية الذوق البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني، دار الطباعة المحمدية، الأزهر، القاهرة، 1983م، ص 519.

[33] بلانتان، كريستيان، الحجاج، ترجمة عبد القادر المهيري، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2008م، ص 31.

[34] المرجع نفسه، ص 66.

[35] صمود، حمادي، من تجليات الخطاب البلاغي، ص 94.

[36] بلانتان، كريستيان، الحجاج، مرجع سابق، ص 31.

[37] الرسائل، ج2، ص 285.