ماركوس كنير: من الحريات إلى التحرر

فئة :  حوارات

ماركوس كنير: من الحريات إلى التحرر

شهدت سنة 2017 ترجمة كتاب لحبابي الشهير "الشخصانية الإسلامية" إلى اللغتين الإيطالية والإسبانية، وكان الكتاب قد ترجم سابقا إلى لغات أخرى منها التركية والألمانية. ولكنا لا نحيط بمجموع فلسفة لحبابي دون الإحاطة بشخصانيته الواقعية، وخصوصا بما كتبه في كتابه "من الحريات إلى التحرر"، هذا الكتاب الذي نشر لأول مرة في السنة نفسها التي حصل فيها المغرب على استقلاله. وبمناسبة صدور ترجمة لهذا الكتاب، هذه السنة إلى اللغة الألمانية، كان لنا هذا اللقاء مع مترجمه الألماني ماركوس كنير، وهو لاهوتي ومحاضر سبق ونشر في العام 2011 ترجمة لـ "الشخصانية الإسلامية" ونصوصا أخرى للفيلسوف المغربي.

رشيد بوطيب: سيد كنير، تكتبون في مقدمتكم للترجمة الألمانية لكتاب محمد عزيزي لحبابي: "من الحريات إلى التحرر"، بأن هذا الكتاب يتمتع براهنية كبيرة في السياق الراهن، ما الذي تعنونه بذلك؟

ماركوس كنير: لربما كان علي أن أعبر عن ذلك بصورة مختلفة، وأعني أنه فقط في ظل السياق الراهن تظهر الأهمية الكبرى لهذا الكتاب. ففي الوضع السابق، كانت مشاريع فكرية أخرى عرفت انتشارا كبيرا، والتي احتلت فيها مفاهيم مثل القومية والكفاح ضد الاستعمار مكانة مركزية. وكان الكثير من المثقفين متأثرين بالنموذج الاجتماعي للاشتراكية، وذلك أيضا انطلاقا من خلفية ترى أن هناك أوجها شبه كبيرة بين الاسلام والاشتراكية. لكن لحبابي يقترح منذ البداية طريقا مختلفة، طريقا لا هي بالقومية، ولا هي بالاشتراكية، مؤكدا بأن الحل يكمن فقط في تكوين كل إنسان فرد بشكل يتحول فيه إلى شخص مسؤول ومواطن حر له حقوق وواجبات. فالقومية كما الاشتراكية يتأسسان على "الجمعي"، في حين تقوم شخصانية لحبابي الواقعية على الأفراد. إن "الواقعي" في فلسفته يكمن في أنه لا ينطلق من فرد حر أو متحرر أو من جماعة، ولكن في الواقع أنه يرى البشر وحتى بعد الاستقلال يعيشون في بنيات وسياقات، تحرمهم من حريتهم. فمع الاستقلال تحققت حرية سلبية أو "حرية من.." القوى الاستعمارية. لكن عبر هذه الحرية لم تتحقق بعد الحرية الإيجابية، أو "الحرية لأجل.." تحقيق حياة مسؤولة ومجتمع عادل. ولهذا فضل لحبابي مفهوم التحرر، والذي يمثل لديه مرادفا للتشخصن.

رشيد بوطيب: يمثل كتاب لحبابي "من الحريات إلى التحرر" نقدا لمفهوم الحرية لدى برغسون. لماذا برأيكم اهتم لحبابي ببرغسون؟

ماركوس كنير: اختيار لحبابي لبرغسون مرتبط من جهة بوضع تاريخي، ومن جهة ثانية بخيار يقوم على محفزات فلسفية. من ناحية تاريخية، فإن البرغسونية عرفت انتشارا في أوروبا والعالم الإسلامي في الوقت نفسه تقريبا. وعلى الرغم من وفاة برغسون في العام 1941، إلا أن فلسفته كانت حاضرة بقوة في عقد الخمسينيات. ويظهر تأثيرها في الفلسفة الوجودية لسارتر وفلسفة غابرييل مارسيل وموريس ميرلو بونتي، بل حتى المنظرين الماركسيين في فرنسا كانوا يرجعون إلى فلسفته. كما أن العلاقة بين البرغسونية والشخصانية قضية معروفة. ومن اهتم في هذه المرحلة بقضية الحرية توجب عليه أن يصطدم ببرغسون. ففي كل كتب برغسون وخصوصا في إصداره الأول: "بحث في المعطيات المباشرة للوعي" الصادر في العام 1889، يدافع عن الحرية الإنسانية ضد المساءلة التي تعرضت لها من طرف العلوم الطبيعية والحتمية العلمية. إن سؤال الحرية الإنسانية شغل لحبابي أيضا الذي بدأ دراسة العلوم الطبيعية في جامعة كاين الفرنسية، لكنه سؤال شغله في سياق اجتماعي ـ سياسي وليس بالعلمي (وهو ما يتم التعبير عنه مثلا في كتاب برغسون: "منبعا الأخلاق والدين")، علاوة على أنه كان هناك استقبال قوي لأعمال برغسون في العالم الإسلامي، ويكفي أن نذكر هنا بالفيلسوف الباكستاني محمد إقبال. لكن من وجهة نظر فلسفية ـ نسقية فإن برغسون مثل بالنسبة إلى الحبابي ذلك الخطاب الذي أمكنه عبره التعبير عن مشاكله. فكبديل عنه، كان عليه أن يختار وضعية أوغست كومت، وهو ما لم يكن ممكنا بالنسبة إلى الحبابي، بالنظر إلى النقد الشامل الذي وجهته الوضعية للدين عامة وللإسلام خاصة (كما الشأن لدى إرنست رينان في محاضرته التي ألقاها في السوربون بتاريخ 29 مارس 1883، والتي حملت عنوان: "الإسلام والعلم"). إن فكر برغسون هو فكر صيرورة، والذي يصلح أكثر من غيره لفهم التشخصن والتحرر كشكل من أشكال التطور. وعلاوة على ذلك، فإننا نجد في البرغسونية انفتاحا كبيرا على الأسئلة الروحية ـ الدينية، والتي لعبت في السياق الإسلامي دورا كبيرا.

رشيد بوطيب: وما الذي يجعل قراءة لحبابي لبرغسون مختلفة عن مثيلاتها في السياق العربي ـ الإسلامي؟

ماركوس كنير: تأثر الكثير من المفكرين في العالم الإسلامي ببرغسون، وعلى رأسهم لا ريب محمد إقبال وبعض رواد البعث. بل وهناك أيضا منتقدون لفلسفته من بينهم صادق جلال العظم. فإذا ما تمكن محمد إقبال بمساعدة فلسفة برغسون من التعبير عن الأنا الإنسانية من وجهة نظر إسلامية كأنا دينامية وخلاقة، فإن نقد العظم للايتيقا البرغسونية كان شاملا، مؤكدا بأنه لا يمكن الحديث عن إيتيقا لدى برغسون. لكن فرادة لحبابي تتمثل في أنه لم يسقط في أي من تلك المواقف المتطرفة، فهو لا يأخذ كل ما قاله برغسون بشكل غير نقدي، ولا يغلق الباب أمام هذه الفلسفة كليا. و"نقده" لبرغسون لا يمكن فهمه كشيء سلبي، ولكن كاستمرارية مبدعة، ظلت مرتبطة ببعض الأفكار التي طرحها فيلسوف الديمومة. إن لحبابي، وخصوصا فيما يتعلق بمفهوم الحرية لدى برغسون، سيوضح بعض المشاكل المتعلقة بهذا المفهوم، انطلاقا من تحليله للوضعية التاريخية. ورغم أنه ينتقد مفهوم برغسون عن الحرية، إلا أن نقده موجه في النهاية وبقوة إلى سارتر وممثلين آخرين للمدرسة الوجودية. إن هذا النقد لسارتر مشروط بيوغرافيا، ذلك أنه لم يجد لدى سارتر في "الكينونة والزمان" أي وعي بوضعية المستعمرين.

رشيد بوطيب: كيف استقبل الكتاب في السياق الفرنسي؟

ماركوس كنير: بدأ ذلك منذ المقدمة التي كتبها موريس دي غونديلاك للكتاب. وسينتبه أستاذ الفلسفة الشهير في جامعة السوربون بأن لحبابي يطور فلسفته، انطلاقا وفي حوار مع شخصانية إمانويل مونيي وجان لاكروا، وأنه يحاول خلق حوار داخل فكره بين الثقافتين الإسلامية والغربية. وإذا ما نظرنا إلى تكوين الكتاب، سيتوضح لنا أن لحبابي يهتم وفي تصاعد ـ في تأثر بالشخصانية ـ بأسئلة من طبيعة اجتماعية وسياسية (العمل، الملكية). وفي تقييمه للكتاب، سيتحدث هنري غوهيي، مؤرخ الفلسفة الكبير، عن الطابع الإنسانوي للكتاب. لكن بعضهم اتهمه بأنه يكتب للنخبة الحاكمة فقط في المجتمعات ما بعد الكولونيالية. لقد بدا لهم كتاب: "من الحريات إلى التحرر" مغرقا في السياسة، ولأنه كذلك، فهو برأيهم كتاب حزبي. لكن إذا ما أخذنا بالاعتبار كتاباته اللاحقة فسيظهر لنا أن اختياره لموضوع الحرية كان له علاقة بتجربة "الاستلاب"، وهي تجربة كان يقتسمها مع كثيرين، وإليهم جميعا كان يتوجه بكتابه.

رشيد بوطيب: لكن هل يمكننا أن نفهم أطروحة الكتاب كتوليف بين الماركسية والشخصانية؟

ماركوس كنير: في نقده لبرغسون سيقحم لحبابي ماركس أيضا، لكنه سيحافظ دائما على مسافة بينه وبين الماركسية وسيدافع أكثر عن أطروحات بيير جوزيف برودون، المنافس الفرنسي لماركس وإنجلز، والذي اشتهر كمنظر للتعاونيات والفيدرالية والفوضوية ونقد الرأسمالية، وفي الآن نفسه سيتأثر لحبابي بمدرسة ليون الفلسفية ـ الاجتماعية، والتي تأثرت ببرودون والشخصانية وفكرت في أشكال اقتصادية بديلة. وخلال قراءتي لكتابه، شعرت بأن لحبابي كان يريد للمغرب نظاما اقتصاديا غير النظام الرأسمالي، يساهم فيه عمل الفرد في تشخصنه وبلغة أخرى عمل يدعم القدرة على الإبداع لدى العامل، فقد نظر إلى النظام الرأسمالي كنظام يؤسس للاستلاب، ويدعم منافسة سيئة (ويقود حتى إلى الحروب)، وهنا يلتقي لحبابي مع تحليلات ماركس ولكنه يقدم ترياقا مختلفا عنه، وهو الشخصانية.

رشيد بوطيب: نلحظ تزايدا في الاهتمام بأعمال لحبابي اليوم، بل وترجمت بعض أعماله التي طواها النسيان، إلى لغات أوروبية، كالإيطالية والإسبانية والألمانية. هل عند لحبابي ما يقوله أيضا للسياق الأوروبي الراهن؟

ماركوس كنير: شخصيا، لا بد لي أن أعترف بأني عبر لحبابي تعرفت على تقليد فلسفي غربي سقط في النسيان هو شخصانية إمانويل مونيي وجماعة مجلة Esprit. إن الشخصانية فلسفة نقدية وفلسفة منفتحة والأهمية التي يتمتع بها اليوم مفهوم الشخص لا يجب أن يدفعنا لنسيان هذه الفلسفة ولكن لمعاودة اكتشافها، بل وخصوصا بالنسبة إلى الفكر العربي ـ الإسلامي يمكن أن يساهم اكتشاف فكر لحبابي من جديد في صياغة بديل للخطابات القومية والإسلاموية والماركسية، دون أن يكون مجرد صورة باهتة للفكر الأوروبي. يتوجب علينا أيضا أن نتساءل لماذا وقع اختيار لحبابي على الشخصانية وليس على الوجودية والماركسية؟ لأن هذا الفكر كان يهتم بالإنسان الفرد، وحتى في بعده الروحاني والديني، وفي الآن نفسه، لأنه فكر يهتم بالعلاقات المحسوسة بين البشر وداخل الجماعة. فالأشخاص لا يوجدون إلا في صيغة التعدد، والخصوصية والتعددية والغيرية هي كلها مفاهيم مشتقة من الفكر الشخصاني. وبالنظر إلى ذلك، فإن الشخصانية الواقعية والشخصانية الإسلامية للحبابي، تحمل ثلاث رسائل بالنسبة إلى السياق الأوروبي، وخصوصا بالنظر إلى وصول لاجئين كثيرين من العالم الإسلامي والمخاوف التي نتجت عن ذلك داخل المجتمعات الأوروبية: أولا: إن التشخصن هو مهمة تعليمية، تتحقق في سياق محسوس. ولهذا، فإن عمل الاندماج من جهة المهاجرين كما من جهة المجتمع المستقبل لهم، أمرا ضروريا، ويتوجب فهم العمل هنا ليس كاستلاب ولكن كإمكانية للتطور الشخصي والمساهمة في المشاركة الاجتماعية. إن الأمر لا يتعلق بتوفير الأمن فقط للاجئين أو العمل المأجور بالنسبة إلى اللاجئين الاقتصاديين، بل العمل خصوصا على تمكينهم من تطوير شخصيتهم. ثانيا: إن الاعتقاد والدين هما عاملان جوهريان في صيرورة التشخصن، ولكنهما لا يستطيعان المساهمة في تطور الشخص إلا إذا تأسسا على الحرية: الحرية الشخصية في أن أمارس ديني والحرية السياسية التي تضمن هذا الحق. لكن حتى الاعتقاد يحتاج إلى تعليم، وهو تعليم، متى أراد أن يساهم في عملية التشخصن، لا بد أن يقوم على الحرية. وتعني حرية التدين أيضا حرية الشخص في تغيير دينه أو حتى الخروج من الدين، إن الحرية هي بذلك شرط الاعتقاد. ثالثا: إن الشخصية والحوارية تحظيان في مجتمعات متعددة الأديان بأهمية كبيرة. إن الآخر ليس منافسا لي، ولكنه مثلي يبحث عن شخصيته الأصيلة. وفي ظل هذه الدينامية وهذا الانفتاح نحتاج لتواصل، لا يرتبط بسلطة جمعية واقعية أو متخيلة، بل يتحقق على مستوى الشخص وفي العلاقة النقدية بالدين والتقاليد، فهكذا يفهم لحبابي الاجتهاد.


مقالات ذات صلة

المزيد