محسن التليلي: من قضايا الفكر الدينيّ: في المقاربة والمنهج والتصنيف الأكاديميّ

فئة :  حوارات

محسن التليلي:  من قضايا الفكر الدينيّ: في المقاربة والمنهج والتصنيف الأكاديميّ

يجمعنا الحوار، ههنا، مع الباحث الجامعي السيّد محسن التليلي، وهو أستاذ تعليم عال بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، جامعة سوسة. امتدّت مسيرته البحثيّة والتدريسيّة، ولا تزال، على عدّة عقود أثمرت عدّة أعمال ومنشورات ومشاركات في ندوات علميّة دوليّة داخل تونس وخارجها من ناحية، وتخرّجت على يديه عدّة أجيال من الطلبة تولّى تدريسهم وتأطيرهم في رسائلهم وأطروحاتهم الجامعيّة من ناحية أخرى. وقد تفضّل الأستاذ محسن التليلي مشكورا بإجراء هذا الحوار الممتع معه موجّهين إليه الأسئلة التالية:

بسّام الجمل: حضرة الأستاذ محسن التليلي، لو تفضّلكم بتقديم سيرتكم الفكريّة والبحثيّة للقرّاء الكرام.

محسن التليلي: شكرا لكم الأستاذ الدكتور بسّام الجمل على هذه الاستضافة العلميّة في حوارات قسم الدراسات الدينيّة لمؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث الرائدة، لقد امتدّت مسيرتي واهتماماتي الفكريّة والبحثيّة في حقل الدراسات الدينيّة والحضاريّة بحكم اختصاصي العلميّ منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتوزّعت على أربعة محاور كبرى:

اهتمّ المحور الأوّل بدراسة مظاهر التديّن الاجتماعيّ في تونس، من خلال البحث المنهجيّ في التاريخين الدينيّ والحضاريّ لظاهرة الزوايا والطُرُق الصوفيّة والأولياء في منطقة الوسط الغربيّ التونسيّ (منطقة ولاية القصرين بحسب التقسيم الإداري للبلاد التونسيّة، في اتّجاه الحدود الجزائريّة) باعتماد نصوص الأرشيف الوطنيّ والمخطوطات والمراسلات المحلّيّة، ودراسة ظاهرة الإسلام البدوي في المجالَيْن العربيّ والإسلاميّ باعتماد التقصّي الميدانيّ والدراسات المختصّة في البداوة والصحراء وأنماط عيشهما الاجتماعيّة، والمقاربات والمناهج المختصّة في الاجتماع الدينيّ والأنثروبولوجيا الثقافيّة. ومن إنتاجي في هذا المحور ثلاثة كتب: زاوية الشيخ أحمد التليلي: المؤسّسة والوظائف (1998) والإسلام البدويّ: إسلام الطوارق أنموذجا (2010) والدين والسلطة: بحث في تاريخ التدين الاجتماعيّ (2016) وشروعي في تأليف كتاب رابع يهتمّ بـ السيرة والرمز في الإسلام الشعبيّ، بالإضافة إلى جملة من المقالات والمساهمات البحثيّة في ندوات علميّة وطنيّة ودوليّة مختصّة.

واهتمّ المحور الثاني بالبحث في بعض المصطلحات والمفاهيم والمقاربات المُستخدَمة في حقل البحث الدينيّ والثقافيّ الإسلاميّ، شمل هذا المحور خاصّة مصطلحَيْ المُقدَّس والمُدنَّس ومفهومَيْ الإسلام الاجتماعيّ والإسلام المعياريّ، ومفهوم الثورة، ومقاربة بعض العقائد والتصوّرات الإسلاميّة كالشفاعة والحشر والصراط وصورة النبيّ محمّد في مكّة وعلامات النبوّة وقضايا الوحي والتنزيل، وأنتج هذا المحور كتاب الشفاعة في الإسلام منطوقا قرآنيّا وتصوّرا اعتقاديّا (2004) ودراسات: الطبري وعلامات نبوّة محمّد (2004) وفي ترجمة مصطلحَيْ Sacré et Profane (2009) والجاحظ مجادلا في مسألة بنوّة المسيح للّه (2011) ورحلة إساف ونائلة من تدنيس المُقدَّس إلى تقديس المُدنَّس (2015) وفي مفهوم الثورة وتداعياته الإجرائيّة (2015) بالإضافة إلى مقالات ودراسات غير منشورة: في الإسلام المعياريّ ومسائله، المفهوم الإسلاميّ للحشر، مقاربة هشام جعيّط مسألة الوحي.

واهتمّ المحور الثالث بالبحث في قضايا علم الكلام الإسلاميّ من خلال دراساتي المنشورة: نظريّة الجويني في الكلام الإلهيّ (1999) ورؤية الله في الكلام الأشعري (2005) وإشكاليّة المنهج الكلامي في كتاب المُحصَّل للفخر الرازي (2014)، وكتابي الذي ينتظر النشر مقالات في علم الكلام الأشعري.

أمّا المحور الرابع، فاهتمَمْت فيه بقضايا حضاريّة معاصرة تقاطعت في المنظور العربيّ الإسلاميّ مع الدين وخصّت وضع بعض الفئات الاجتماعيّة كالمرأة والشباب، وبعض القِيَم كالمدنيّة والمواطنة، وبعض مظاهر الإسلام السياسيّ ومن منشوراتي فيه ضمن تقرير التنمية الإنسانيّة العربيّة التابع لبرنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ دراسة المرأة العربيّة في البوادي وفي الريف المُهمَّش (2006) وضمن دراسات مركز كارنيغي للشرق الأوسط Carnegie Middle East Center دراسة الوعي المدني لدى تلامذة المدارس التونسيّة (2013) وضمن دراسات المعهد الدولي للسلام IPI والمنتدى العربي للمواطنة في المرحلة الانتقاليّة FACT دراسة المواطنة في تونس مفهوما وتمثّلا وآليّات الترقّي بحقوق المرأة (2014) وضمن دراسات مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجيّة قراءة في كتاب السراب للمفكّر الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي تخصّ مسائل المنهج والفكر والأنثروبولوجيا الدينيّة (2016).

بسّام الجمل: اشتغلتم في عدد من بحوثكم بقضايا علم الكلام وبالعقائد الدينيّة في الفكر الإسلامي، واهتممتم بالخصوص ببيان مسالك الانتقال، بشأن تلك القضايا، من النصّ القرآني إلى النصوص الثواني ومن ضمنها مصنّفات علم الكلام، فضلا عن بيان مبرّرات ذلك الانتقال، فما هي أهمّ النتائج والاستنتاجات التي خلصتم إليها في هذا المشغل المعرفي؟

محسن التليلي: الحقّ أنّ مسالك الانتقال هذه - سواء من النصّ القرآني نصّا مركزيّا إلى النصوص الثواني نصوصا لواحق، أو من التفكير الأصوليّ فقها وعقيدة إلى إنتاج العلوم والمؤسّسات والظواهر الدينيّة الرسميّة والشعبيّة - يبرّرها ما انتهى إليه البحث الموضوعيّ في نصوص الحضارة الإسلاميّة وعلومها ومؤسّساتها وظواهرها من نتائج دلّت على أهمّيّة التفريق: بين الدين والتديّن ودرجاته وأصنافه، والدين والتفكير الدينيّ ومستوياته وأنواعه، والدين في النصوص وفي التاريخ وفي الاجتماع والثقافة والسياسة وغيرها من المستويات، كما دلّت على ضرورة التفكير في وضع المسلم المعاصر المشدود إلى دائرة المفاهيم والتصوّرات والتمثّلات النمطيّة.

من أبرز نتائج هذا التمشّي المنهجيّ، أنّ النصّ القرآنيّ منفتح لقرّائه كافّة بحسب قدرتهم على تجديد مناهج قراءته وفهمه، وأنّه بإمكان المسلم المعاصر أن يكون في وضع أفضل من أسلافه لو تعلّقت همّته بأسباب العلم والمعرفة والتقدّم ضمن أنساق المفاهيم والقِيم الإنسانيّة المعاصرة، وأنّ الانتماء الفكريّ الدينيّ في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة اليوم يجب أن يكون جزءا لا يتجزّأ من الانتماء الإنسانيّ وثقافاته المتعدّدة، وما يأتيه هذا الانتماء ليس بأفضل ممّا تأتيه انتماءات الفكر الأخرى في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والعلوم الصحيحة، بل إنّه على الفكر الدينيّ واجب التفاعل مع قِيَم عصره وعلومه ومراجعة أطروحاته ومقالاته في ضوء تطوّر الأفكار والمعارف المُنتَجة بقوّة البرهان وحكمة الاستدلال وعمق الدلالة والرمز والاكتشاف، وأنّ الفهم الإسلاميّ للنصوص والظواهر الدينيّة والإنسانيّة لا بدّ أن يستفيد في هذا العصر، بالإضافة إلى مكاسب العلوم الإسلاميّة التقليديّة القديمة، من مكاسب العلوم الحديثة في تاريخ الأديان، والمقارنة بينها، وفي الاجتماع الدينيّ، وعلم النفس الدينيّ والأنثروبولوجيا الدينيّة وفي التخييل والترميز وغيرها، لأنّ استيعاب هذه العلوم ومناهجها بات اليوم مطلبا مجديا في دراسة الدين واختبار الوعي الدينيّ وتنميته في عصر بات يتميّز بتوظيف المادّة والفكر والإيديولوجيا لفائدة الإنسان وضدّه في الآن نفسه.

إنّ التحوّلات الحادثة في اتّجاه الاستجابة لحاجات الإنسان المعاصر أخذت تتّجه أكثر نحو المسائل الاجتماعيّة بكلّ ما تتضمّنه من مؤسّسات ونُظُم ومجالات تخصّ الفرد والأسرة والتعليم والعمل والبطالة والفنون والمعتقدات وغيرها، وأخذ يدعمها في حقل البحث في الإنسانيّات عامل مهمّ يشدّ انتباه الدارسين إلى مناهج مُبتكرة في مقاربة الأوضاع التي باتت تهزّها بقوّة أنشطة الظواهر الدينيّة وتوظيفاتها الإيديولوجيّة والسياسيّة، خاصّة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة.

بسّام الجمل: خصّصتم تأليفا برمّته للكلام على "الإسلام البدوي" ضمن مشروع بحثي أشرف عليه الأستاذ عبد المجيد الشرفي بعنوان: "الإسلام واحدا ومتعدّدا"، واخترتم الاشتغال على أنموذج إسلام الطوارق؛ فما هي أبرز مقوّمات هذا الإسلام ومظاهره في المعيش اليومي؟

محسن التليلي: تبدو خاصيّات إسلام الطوارق، مقوّماتٍ ومظاهرَ، غنيّة ومُبدعة في التعبير عن أنّ الإسلام، دينًا وتاريخًا وثقافةً، متعدّد الاتّجاهات والتأثيرات العَقَديّة والاجتماعيّة، وأنّ انتشاره في الصحراء الكبرى وإفريقيا كان عن طريق القوافل التجاريّة وارتحال الدعاة وانتشار المرابطين وشيوخ الطرق الصوفيّة في أطراف الصحراء، أي انتشارا اجتماعيّا وثقافيّا سَلِسا وتدريجيّا، سلما لا حربا، ومن أهمّ وأبرز مقوّمات إسلام الطوارق أُنّه يتميّز بنظامين في الحياة مختلفين لكن متداخلين متفاعلين: نظام للعبادات والتديّن تحكمه العقائد والفرائض الإسلاميّة الوافدة، ونظام للمعاملات والعيش تحكمه خصوصيّة الأعراف والتقاليد المحليّة الأصيلة.

يصف الرحّالة ابن بطوطة جانبا من مظاهر هذا النظام في عفويّة وحيرة قائلا: "وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب، فأمّا رجالهم فلا غَيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله. ولا يرث الرجلَ إلاّ أبناءُ أخته دون بنيه، ومنهم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلّم الفقه وحفظ القرآن، وأمّا نساؤهم فلا يحتشمن ولا يحتجبن مع مواظبتهنّ على الصلوات. ومن أراد التزوّجَ منهُنّ تزوّج ولكنّهنّ لا يسافرن مع الزوج، ولو أرادت إحداهنّ ذلك منعها أهلُها" (عن نزهة المشتاق، ط القاهرة 1964، ج2، ص 194) فإسلام الطوارق من الصنف البدويّ الصحراويّ الملتزم بنظام عيش قائم على ممارسة الرعي والترحال والإغارة والنهب وتجارة القوافل وبعض الزراعة في الواحات وسفوح الجبال ضمن نظام اجتماع أموميّ ضارب في العراقة والقدم لدى بعض قبائلهم كقبيلة الهقّار Ahaggar، وللمرأة في هذا النظام مكانة بارزة استغربها الكثيرون ممّن تعوّدوا نظام الاجتماع الذكوريّ كابن بطوطة.

بسّام الجمل: في هذا الموضوع نفسه، ألا ترون أنّ الاشتغال على الإسلام الحيّ يكاد يكون منعدما عند الدارسين العرب المعاصرين، وهو موضوع يكاد يكون مقتصرا على بعض علماء الإناسة الغربيّين مثل أرنست غيلنر (E. Gellner)، وما هي السبل المتاحة اليوم لتفادي هذا النقص؟

محسن التليلي: أرى أنّ إثارة هذا الموضوع في هذا السؤال العلميّ الدقيق على درجة من الأهمّيّة النظريّة والإجرائيّة القصوى بخصوص هذا الصنف من الإسلام الفاعل، خاصّة في التاريخ الاجتماعيّ والسياسيّ المعاصر، لا في اندفاعه وأثره في حدود مجاله العربيّ الإسلاميّ فقط بل خارجها أيضا في المجالَيْن الإقليميّ والدوليّ، هذا الإسلام الحيّ الذي نراه يستوعب من الممارسات والقضايا والمشاريع والطموحات الفرديّة والجمعيّة الكثير، المشروع منها وغير المشروع، المتسامح منها والمتشدّد، المسالم منها والعنيف، في علاقة بقضايا النزاعات والبطالة والفقر والتهميش والهجرة والهويّة والتنمية ومطالب العيش الكريم والتعاطف مع الغير L’empathie، هو إسلام تتقاطع في دراسته والاشتغال به حقول معرفيّة كثيرة، تاريخيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة، تتجاوز حجما وتعقيدا في المجال العربيّ مجهود البحث الفرديّ الذي يكاد يكون منعدما أو قاصرا، لذا أصبح من الضروريّ العمل على مشاريع البحث المُدرجَة ضمن فِرَق ووحدات ومخابر ورؤى وإمكانات استراتيجيّة في علاقة بما تعيشه المجتمعات الشرقيّة من مظاهر اهتزاز وصراع وعنف باتت آثارها متسرّبة إلى مجتمعات غربيّة كان البعض يعتقد أنّها في مأمن منها. فالعولمة، وما وفّرته لجميع المجتمعات والشعوب من أدوات التواصل والتفاعل وسرعة الحركة والتنقّل والإعلام، تُظهر اليوم - في ضوء انتشار ظاهرة الإسلام السياسيّ المتشدّد مثلا - أهمّيّة الاشتغال بالإسلام الحيّ في سياق رؤية علميّة، تكون ميدانيّة واستشرافيّة، ومن باب أولى وأحرى أن تكون للدارسين والباحثين العرب أولويّة اقتحام هذا المجال العلمي ضمن مسار البحث الاجتماعيّ والأنثروبولوجي العربيّ الإسلاميّ الذي مازال في أشدّ الحاجة إلى الدعم والتشجيع.

بسّام الجمل: كانت لكم مساهمات بحثيّة في مجال المتخيّل الديني، ومن بينها النظر في علامات نبوّة محمّد في مصادر التراث الإسلامي. فكيف يمكن مقاربة مثل هذه المواضيع دون السقوط في الوضعانيّة (Positivisme) أو في القراءة التمجيديّة التي تماهي بين وقائع التاريخ والتمثّلات التي تنتجها الذاكرة الجمعيّة؟

محسن التليلي: لا تكاد تخلو ثقافة إنسانيّة من متخيّل دينيّ لأنّ هذا المتخيّل عنصر حيويّ في بنية كلّ دين وثقافة؛ فالإنسان كائن متخيٍّل يعيش بالخيال كما يعيش بالمادّة والروح والوجدان. لكنّنا في مجال اطّلاعنا على نصوص التراث العربيّ الإسلاميّ وأثرها في أبنية المعتقدات الدينيّة وتصوّراتها ذات الصلة بعالمَيْ الغيب والشهادة نرى أنّ منسوب المُتخيَّل الإسلاميّ يرتفع في بعض المراحل التاريخيّة والأوضاع الاجتماعيّة درجات من الشحن الأسطوريّ اللامعقول الذي يتمّ إحياؤه وتوظيفه من قبل بعض القوى الدينيّة التقليديّة لشدّ الفهم إلى تراث تأويليّ قديم يكبّل الفئات الاجتماعيّة الإسلاميّة، ويعوق تقدّمها نحو امتلاك إمكانيّات فهم مختلفة تساعد على تحريرها من هيمنة المرجعيّات القديمة التي كيّفت المعتقدات ووظّفتها في اتّجاه نرى أنّه ليس إلّا إمكانيّة من إمكانيّات الفهم والتأويل المُتاحة لكلّ مسلم دعاه القرآن إلى أن يكون إيمانه على بيّنة عبر صلة روحيّة مباشرة لا تكون النبوّة فيها، تلك التي تولاّها الرسول المصطفى محمّد، إلّا أداة تبليغ وتبشير وتذكير.

من هذا المنطلق نظرنا في المتخيّل الدينيّ الإسلاميّ من خلال بعض العقائد والتصوّرات والعلامات، ومنها عقيدة الشفاعة وتصوّر الحشر وعلامات نبوّة محمّد في بعض مصادر التراث الإسلاميّ: القرآن والتفسير والسيرة النبويّة. وحاولنا مقاربة هذه المسائل نصّيّا في مستوى الملفوظ القرآنيّ عبر استقراء الآيات التي مثّلت مادّة البحث والنظر في هذه المواضيع الدقيقة، ثمّ درسنا تلك المادّة القرآنيّة في مصنّفات التفسير والسيرة لنقف على إضافاتها واتّجاهاتها ومظاهر الانزياح والعدول والتوظيف فيها ودرجتها مقارنة بما أورده النصّ المؤسّس، وبحثنا في دوافع ذلك وأسبابه وأدواته لفهم بنية المُتخيَّل وعناصرها ومكوّناتها وأهدافها في علاقة بوضع التديّن التاريخيّ والاجتماعيّ الذي ساهم في إنتاجها.

يمكن إذن مقاربة هكذا مواضيع مقاربة نصّيّة متحرّرة من كلّ ضغط، مع مراعاة السياقات كلّها، من داخل النصوص ومن خارجها، لفهم آليّات إنتاج المعنى وضبط دلالته وترويجه دون الوقوع تحت تأثير أيّ اتّجاه من اتّجاهات الفهم المُسبَق، وأيّ مسعى من مساعي تكييفه وضعيّا كان أو تمجيديّا أو غيره.

وبالعودة إلى علامات نبوّة محمّد في نصوص التراث الإسلاميّ يمكن في سهولة ملاحظة خلوّ القرآن من تفاصيل تلك المادّة الوفيرة التي تضمّنتها كتب السيرة والتفسير، واستنتاج أنّ أغلبها وليد القصص النبويّ المُشبَع بالمُتخيّل الدينيّ الذي أنتجته الذاكرة الجمعيّة التمجيديّة لاحقا واستخدمته حتّى تُماهي بين وقائع التاريخ وتمثّلاتها، لكنّ هذا الاستنتاج لم يمنع بحثنا من المُضيّ قدما في استقراء مادّة تلك العلامات ومصادرها وتصنيفها والنظر فيها ودرسها للوقوف على آليّة إنتاج المتخيَّل الإسلاميّ في سياق تفاعله مع ثقافة عصره، ثمّ لِمَ وكيف ترسّخت تلك الآليّة وتكرّست لتمتدّ إلى ما بعد عصرها مؤثّرة في تنميط المتخيّل وتعميمه ضمن أنساق تكاد تكون سحريّة سالبة للعقول في بعض أصناف الإسلام ومستوياته، كالإسلام الشعبيّ والهامشيّ والمتشدّد والمذهبيّ (الإيديولوجيّ)، تلك التي قد يحدث بينها تفاعل وتأثير قد يكونا مفاجئين وغريبَيْ الأطوار والنتائج والأبعاد.

بسّام الجمل: بين الدارسين العرب المعاصرين اختلاف في تعريب عدد من المصطلحات المنتمية إلى حقل المتخيّل الديني، ومن أبرزها المصطلح الفرنسي (Profane) في علاقته بمصطلح "المقدّس" (Sacré). وقد كرّستم جانبا من بحوثكم لهذه المسألة، سواء على صعيد إجراء المفهومين أعلاه داخل الثقافة الإسلاميّة، وأيضا على صعيد تدبّر دلالاتهما والعلاقات المتشابكة بينهما من خلال مثال أساف ونائلة. فماهي أهمّ الخلاصات التي انتهيتم إليها في هذا الباب؟

محسن التليلي: يجب التنبّه إلى أنّ مناخ التواصل المعرفيّ بين الثقافات الإنسانيّة وما أنتجه من مفاهيم ومصطلحات بات يمثّل مسألةً مُخصبة لمجال البحث في الإنسانيّات والأديان، لذا فإنّ عمليّات نقل المصطلحات العلميّة تقتضي في إطار الفكر الإسلاميّ المعاصر مساءلة طريقة الاستعارة المفهوميّة بهدف تفهّم القيم الإنسانيّة الجديدة واستيعابها والإفادة منها في دراسة القضايا الإسلاميّة.

تزداد هذه المسألة أهمّيّة مع السؤال عن حدود إجراء المنهج والمصطلح في مراجعة فهم نصوص التراث الإسلاميّ، لأنّ كلّ اختيار منهجيّ يتطلّب بالضرورة مبدأ علميّا أخلاقيّا يتجاوز المركزيّة الثقافيّة التي لا تساعد على تقدّم البحث العلميّ في نظري، وهذا المبدأ ليس خاصّا بدراسة الإسلاميّات وتاريخ الأديان، بل بكلّ المسائل ذات الصلة بالثقافات الإنسانيّة متعدّدة الاتّجاهات والمشارب.

يظلّ المُقدَّس - في تعاليه عن المُدنَّس - مفهوما محوريّا عريقا ما فتئت المؤسّسات الدينيّة على تنوّعها واختلافها تسعى إلى ضبطه وتوظيفه عقديّا بالاستناد في الغالب إلى ثنائيّات رديفة كالخير والشرّ والحلال والحرام والمَحبّة والكُره تتجمّع حوله وتدعمه. لكنّ المفهوم الغربيّ الحديث في بلورته النظريّة والإجرائيّة مصطلحَيْ Sacré et profane للتمييز بين ما هو متعالٍ مُشبَع بالقداسة في المقدّسِ وما هو تاريخيّ منزوع القداسة في المُدنَّس، جعل المصطلحَيْن ومفهومَيْهما متساويَيْن من حيث الأهمّيّة بمُقتَضى التصنيف الموضوعيّ المتجاوز للأحكام والمواقف الدينيّة التقليديّة.

لم يخل اختلاف الدارسين العرب في ترجمة هذين المصطلحَيْن من خلط في استيعاب التطوّر العلميّ الذي أفضى إلى مراجعة مفهوميهما في الفكر الغربيّ الحديث، إلّا أنّ تعريب مصطلح sacré بالمُقدَّس لم يُثر إشكالا يُذكر مقارنة بالمفهوم الإسلاميّ - إذا استثنينا الخلاف النسبيّ في حدّ مجال المُقدَّس وإطلاق صفته من عدمها - فالإشكال يُطرح مع تعريب profane بالمُدَنَّس لأنّ اختيار لفظ مُدنَّس يُظهر تراجعا بيّنا عن تأدية "المعنى الغربيّ الحديث" بما أنّه يَعود ليُحمِّل المفهوم موقفا يُفسد الغاية المنهجيّة والعلميّة التي رمى إليها مرسيا إلياد M. Eliade تلك التي أبرزت تعارضا موضوعيِّا بين مفهومَيْن يمكن مقاربتهما مقاربة موضوعيّة لا أفضليّة فيها للمُقدَّس، فالإنسان الذي يحيا حياة لا يلتزم فيها الدين ومُقدَّسه هو في سياق الحداثة متمثّل تاريخه المادّيّ دون ارتباط بأنماط متعالية لا يراها ضروريّة لعيشه.

إنّ إشكاليّة تعريب profane بالمُدنَّس تظلّ قائمة في مستوى ربط هذا المصطلح ومفهومه بدائرة المُقدَّس استنادا إلى تصوّر دينيّ إسلاميّ راسخ يعتبر المُدنَّس خروجا مُنكَرا عن المُقدَّس، بدا التعريب وكأنّه أُنجِز بخلفيّة عقديّة مُنحازة لا تستجيب للحدّ المعرفيّ الذي بلوره الفكر المنهجيّ الحديث في مقاربة الظاهرة الدينيّة مقاربة حياديّة أساسها تفهُّمُ التعارض الحركيّ بين مفهومَيْن ثقافيَّيْن مُميّزَيْ القيمة.

إنّ دلالة Profane في التعبير الغربيّ الحديث لا صلة لها بالمُدنَّس كما ذهب إلى ذلك المترجِمُ العربيُّ، بل بالتاريخِيِّ المتخلّي عن المرجعيّات الدينيِّة، وبالمادّيِّ المستوعب للأنماطِ العقليّةِ والعلميّةِ، لكنّ مصطلح مُدنَّس في الترجمة العربيّة الحديثة لم يتحرّر من دائرة المعنى الذي حدّده المعجم العربيّ القديم على أساس ما ترسّخ في الاستعمال اللغويّ المشحون دينيّا بمفهوم سلبيِّ تُجاه كلّ ما هو دَنِسٌ.

جاء في لسان العرب "الدَنَسُ في الثياب لَطْخُ الوسخِ وحتّى في الأخلاق" (مادّة د/ن/س) وحتّى الترجمة الثانية التي اقترحت تعريب profane بالدنيويّ نفورا من إحراج عبارة مُدنَّس فيبدو أنّها أغفلت أيضا ما في هذا اللفظ من معنى المقابلة بالأخرويّ، ممّا يجعل اختيارها مشدودا أيضا إلى معنى مركزيّ لا ينفصم عن دلالة المُدنَّس. يقول ابن منظور: "سُمِّيت الدُنيا لدُنُوِّها، ولأنّها دَنت وتأخَّرَت. والأدنَى السَفِلُ، وهوَ منَ الدَناءةِ" (مادّة د/ن/ا).

إنّ التعويل على المعجم العربيّ القديم للتعبير عن سياق حديث تضع المترجم العربيّ، وهو يتفاعل مع المصطلحات والمفاهيم الجديدة، في مواجهة مفتوحة مع ثلاث إشكاليّات كبرى هي بمثابة العوائق المنهجيّة والمعرفيّة الحقيقيّة: تتّصل الإشكاليّة الأولى بتاريخيّة المعجم العربيّ، فمعلوم أنّ ألفاظ اللغة العربيّة تفتقر إلى ما يؤرّخ استعمالها وسياقاته الحافّة، وتتّصل الثانية ببنية الثقافة العربيّة الإسلاميّة، فالتديّن المرتبط بالمعاني التقليديّة الأصيلة هو المُهيمن على هذه الثقافة، يكيّف مخيالها وإنتاجها، وتتّصل الثالثة بتحديث الفكر الإسلاميّ، فهذا الفكر مازال في الكثير من مظاهره قاصرا عن استيعاب مقوّمات الحداثة، فضلا عن تحوّلات ما بعد الحداثة والعولمة وما أنتجاه من تقدّم تقنيّ ومعرفيّ تصعب مجاراة أنساقه.

نحن سعينا من خلال النظر في قصّة أساف ونائلة في التراث العربيّ الإسلاميّ إلى دراسة مثال من أمثلة المُتخيَّل الدينيّ ورمزيّته دراسة نصيّة أنثروبولوجية أبرزت عناصر التوليد والابتكار والحركة في بنية المُتخيّل الثقافيّ العربيّ التي حوّلت قصّة عاشقين من قبيلة جُرهُم اليمنيّة، رحلا إلى مكّة وأقاما فيها، إلى حكاية من حكايات السرد التاريخيّ المشبع بالصراع البطوليّ بين الآلهة والإنسان في جماليّة فنّيّة تعلو بالرمز فوق الزمان والمكان دون أن تتخلّى عن أصل الحكاية القائم على العشق والرحلة والصراع ممّا شرّع انتماءها إلى مدوّنة القصّ الميثولوجي المُقدَّس المتّصل بالمتعالي - في صورتيه الوثنيّة والإسلاميّة - من خلال تلك الأصنام التي رحل بها عمرو بن لُحَيْ زعيم خزاعة من بلاد اليمن لينصبها في مكّة، إلّا أنّ ما تمّ - بحسب الروايات - بين أساف ونائلة من خلوة مُدنَّسة في جوف الكعبة ومن تقبيل أو عناق أو جنس حوّلهما إلى مَسْخٍ في صنمين اُلقيا خارج البيت المُقدَّس ليتحوّلا بعد زمن إلى معبودين. (اُنظر مثلا الزبيدي في تاج العروس، ط 1986، ج 23، ص 16)

ما نستخلصه من المُتداوَل الثقافيّ في قصّة أساف ونائلة: أوّلا أنّ المُتخيَّل العربيّ الإسلاميّ ظلّ دائما نشطا، مشحونا رمزا وحركةً على صعيد دلالات المُقدَّس والمُدنَّس في معانيها وأبعادها الرمزيّة الكثيفة، كما على صعيد نسيج العلاقات المتشابكة ودورانها باعتبار المصطلحين متّصلَيْن في شدّ وجذب، لا معنى لأحدهما دون الآخر، وفي تبادل وظيفيٍّ مُحكَم حتّى بدا وكأنّ "تدنيس" البيت تمّ لإضفاء القداسة على الجنس مولّد الحياة، لذا بدت حكاية أساف ونائلة وكأنّها رحلة من تدنيس المُقدَّس إلى تقديس المُدنَّس، وثانيا أنّه مُتخيَّل بعيد الجذور أصيل التنوّع مُشبَع بالرموز الإنسانيّة التي تضمّنتها الميثولوجيا الإغريقيّة في أسطورة عشق إيبومان Hippomène وأطلانط Atalanteالتي قامت على حدث عناقهما في معبد ديميتار Déméter إلهة الخصب، والميثولوجيا الفينيقيّة في أسطورة عشق أدونيس Adonis وعشتار Astarté إلهة الحبّ والخصب والجمال.

ويلاحظ الباحث استمرار أثر الاعتقاد في أساف ونائلة في شعائر الحجّ الإسلاميّ من خلال شعيرة الركن الثالث السعي بين الصفا (حيث وُضع صنم أساف) والمروة (حيث وُضع صنم نائلة) ممزوجا بأثر المعاني الثقافيّة التي رمز إليها الاعتقاد في الزوج الساميّ العريق بعل وبعلة الذي عرف انتشارا واسعا في الجزيرة العربيّة، وأظهر من عبادته معاني الذكورة المخصبة التي رُمز إليها بِبَعل مالك بعلة وسيّدها، وهي معان متجذّرة في أعراف العرب وتقاليدها كرّست سيادة الذكورة وتبعيّة المرأة لبعلها، ومنها ما ثبّته القرآن انسجاما مع سياقه الاجتماعيّ والثقافيّ في قوله ﴿ولاَ يُبدينَ زينتَهُنَّ إلاّ لبُعُولَتِهِنّ﴾ النور 24/31.

إنّ البحث في المُتخيَّل الإسلاميّ، في أيّ حقل من حقوله المتعدّدة، يُسهم في دراسة تاريخيّة الأفكار والتصوّرات والعقائد الإسلاميّة وتحقيق فهمها، وفي وضع الكثير من مسائلها وقضاياها - حتّى ما بدا منها ظاهريّا بعيدا عن الخيال – ضمن سيرورته الزمنيّة والثقافيّة، وينبّه على ضرورة عقلنته وتثمينه وتنسيبه في ضوء ما تزخر به سائر الثقافات الإنسانيّة من ظواهر وعلامات ورموز ساهمت بدورها في إغناء الثقافة الإسلاميّة متنوّعة الاتّجاهات والألوان والمشارب بفضل إبداعات أصولها المتعدّدة.

بسّام الجمل: ما تقييمكم للدراسات الحضاريّة المنجزة اليوم في الجامعات العربيّة؟ وما هو الدور التي تقوم به الجامعة التونسيّة، ضمن هذا التخصّص البحثي، من أجل تطوير منظومة البحث الجامعي؟

محسن التليلي: نحن ومنطلقنا في هذا التقييم، لأنّ المسألة تعود منهجيّا وتنظيميّا إلى ما نعنيه بالدراسات الحضاريّة في الجامعات العربيّة؟ فهذا الاختصاص الحضاريّ المُؤسَّس والمُعلَن من البداية في بنية الجامعة التونسيّة منذ إحداثها سنة 1958 على أيدي أساتذتنا الروّاد كان القصد منه إنشاء منهج في الدراسة والبحث تتقاطع فيه الآداب مع تاريخ الظواهر والأفكار للاشتغال تدريسا وبحثا وتأطيرا بالمسألة الحضاريّة اشتغالا منهجيّا نقديّا، لكنّنا نرى اليوم أنّ قلّة قليلة من الجامعات العربيّة تُعلن هذا الاختصاص وتتبنّاه، خاصّة إذا تعلّق أمره بالدراسات الدينيّة، فهي تلحقه مباشرة بالتخصّص الدينيّ، وحتّى في الجامعة التونسيّة، فإنّنا نلاحظ نظامَين مختلفين في تدريس الحضارة باختلاف منهج التدريس والبحث بين ما يتمّ في المعهد العالي للحضارة ضمن نظام جامعة الزيتونة وما يتمّ ضمن نظام كلّيّات الآداب والعلوم الإنسانيّة في بقيّة الجامعات، رغم ترابط المسائل وتشابهها في حقل الدراسات الدينيّة.

إنّ ما يعنينا من سؤال التقييم هذا هو في النهاية مطلب الجدوى العلميّة والأكاديميّة في التدريس والبحث والإنتاج في اختصاص الدراسات الحضاريّة في الجامعات العربيّة والتونسيّة، والدور الذي يجب أن تقوم به الجامعة التونسيّة ضمن هذا التخصّص البحثي.

معلوم أنّ الجامعات هي مؤسّسات للبحث والتدريس والتأطير والإنتاج المعرفيّ، وتُقاس عراقة الجامعات وإشعاعها بعراقة مؤسّساتها البحثيّة ونوعيّة خرّيجيها وإنتاجها المعرفيّ، وهي مسألة استراتيجيّة على غاية من الخطر (الأهمّيّة) لابدّ أن تُدرَج ضمن مشاريع ورُؤى بعيدة المدى، تنمويّة استثماريّة للبناء الاجتماعيّ والتقدّم الإنسانيّ، تكون أُسُسُها ومقوّماتها المادّيّة والبشريّة مُحكَمة وأهدافها العلميّة والمعرفيّة مُعلنة ضمن تمشٍّ مرحليٍّ واضح وقابل للمراجعة والتحيين.

طبعا لا يجب أن نتشدّد في تقييم مردود الجامعات العربيّة والتونسيّة لأنّ الكثير من هذه الجامعات في تقدير الزمن والإمكانيّات والمشاريع هو في بداية مسيرة علميّة طويلة وتعترضه صعوبات كثيرة، ولأنّه يسعى جاهدا إلى تنمية بحثه العلميّ وإنتاجه المعرفيّ وفق حدّ من الضوابط الأكاديميّة المطلوبة.

لكنّ نصيب الدراسات الحضاريّة من إنتاج هذه الجامعات في ضوء المقاييس والضوابط المشروطة أكاديميّا يبقى ضئيلا مقارنة بالرهانات والتحدّيات الجسام المطروحة على المجتمعات العربيّة، وعلى جامعاتها باعتبارها مؤسّسات قاطرة للتنمية والنهوض والتقدّم، وهو مشتّت المنحى والاتّجاه بين التاريخيّ والدينيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، متفاوت الحجم والقيمة من جامعة إلى أخرى، ومن فريق بحث إلى آخر، ومن باحث إلى آخر، ومنهم باحثون ومفكّرون أعلام في البلاد العربيّة وخارجها، وهو نصيب إنتاج - على ضآلته - يفتقر في الغالب إلى التعريف والتفعيل في مجتمعاته، وإلى التبادل بين الجامعات العربيّة مشرقا ومغربا لضرورة الاطّلاع والإفادة، فضلا عن التبادل مع الجامعات العالميّة.

أمّا عن الدور الذي تقوم به الجامعة التونسيّة ضمن تخصّص البحث في الحضارة من أجل تطوير منظومة البحث الجامعيّ فنراه دورا مهمّا، خاصّة في مستوى مراجعة التراث الدينيّ وتطوير مناهج التفكير فيه بهدف تجديد قراءته وفهمه، وفي مستوى إنجاز الندوات والأعمال المختصّة وتنشيط مخابر البحث ووحداته لتعميق الدرس وتأطير البحث والباحثين. مع ذلك فإنّ اختصاص الحضارة مازال في حاجة إلى مزيد التثبيت والدعم والاعتراف بالأهمّيّة والجدوى وضرورة التفعيل، خاصّة في مستوى إنشاء الأقطاب والمراكز البحثيّة المختصّة، وتدقيق اختصاصها وتفريعه بالتركيز على دراسة تاريخ الأفكار والمفاهيم والتصوّرات الحضاريّة والثقافيّة ونشر أسباب الوعي الفكريّ والثقافة العقلانيّة من جهة البحث في مظاهر التديّن الاجتماعيّة والسياسيّة باعتماد النصوص والظواهر والعلامات، والشروع في الاهتمام بمتابعة الإنتاج الدينيّ الرقميّ وتحليله وتقييمه، والعمل على أن ينفتح البحث الحضاريّ المختصّ في كلّ مسائله وأدواته ومظاهره على محيطه الاجتماعيّ والإنسانيّ ضمن انفتاح الجامعة وتفاعلها مع محيطها.

بسّام الجمل: في السياق نفسه، هل لديكم بعض التصوّرات التي ترونها ضروريّة، الآن وهنا، من أجل إصلاح التعليم العالي بتونس بغية تجويد الإنتاج المعرفي واحترام معايير البحث الأكاديمي؟

محسن التليلي: التعليم العالي بتونس في حاجة إلى تطوّر نوعيّ في مستوى هيكلة البحث والدرس ومرونة تمويلها وتشجيع إنتاجها والعمل على توزيعها ضمن مهامّ جامعيّة هادفة تدعمها آليّات ومشاريع وبرامج مختصّة ترعى المخابر والوحدات والفِرَق وتُساعدها على ترشيد نفقاتها وحسن التصرّف في مواردها، وتدعم استقلالها عن كلّ التجاذبات التي قد تطرأ في بعض المؤسّسات فتنعكس سلبا على سياق البحث ومردوده، وفي مستوى السعي نحو إنجاز أقطاب جامعيّة على أساس الاحتياجات والتطلّعات النوعيّة التي تتطلّبها منطقة مَا مثلما يحدث في التعليم العالي المتطوّر الذي يساعد على خلق مشاريع التنمية وتسطير مسالكها ضمن تصوّر يجعل من القطب الجامعيّ عامل تنمية واستثمار ورائد نهوض وتقدّم في محيطه، هذا التطوّر النوعيّ سيساهم لا محالة في تجويد التدريس والبحث والتأطير والإنتاج المعرفيّ ضمن مقاييس يُوضع لدرجاتها العلميّة في كلّ اختصاص سُلّم للترتيب والتقييم على أُسُس وبمعايير أكاديميّة بحتة.

ومن أهمّ واجبات التعليم العالي التونسيّ اليوم واجب الاعتناء أكثر بالإنسانيّات وعلومها ومناهجها المُبتكَرة إزاء ما تشهده المجتمعات المعاصرة، ومنها المجتمع التونسيّ، من هزّات وتحوّلات سريعة ومتلاحقة مؤثّرة جدّا في أوضاع الفئات الاجتماعيّة كلّها، وبخاصّة الفئات الهشّة، ومنها فئة طلبة الجامعات المُهدَّدة قبل التخرّج وبعده بالاحتياج المادّيّ والمعنويّ والضغط النفسيّ والاستقطاب الإيديولوجيّ والبطالة والعزوف، وبالتوظيف في مسالك العنف.

نحن نرى أنّ دور الإنسانيّات مركزيّ في بناء شخصيّة الطالب والباحث الجامعيّ في كلّ الاختصاصات، بما فيها الاختصاصات العلميّة والتقنية الدقيقة، بل لعلّ هذه الاختصاصات باتت في حاجة أكثر من غيرها إلى الإنسانيّات لإحداث التوازن الكمّيّ والنوعيّ في مضمون التكوين ومعناه، إضافة إلى جدواه، ضمانا لأثره الإيجابيّ في السلوك الاجتماعيّ والإنسانيّ من خلال التزام قِيَم المدنيّة والمُواطنة.

بسّام الجمل: ما هي مشاريعكم البحثيّة المستقبليّة؟

محسن التليلي: تسير مشاريعي البحثيّة المستقبليّة في اتّجاهين متكاملين:

اتّجاه أوّل أسعى من خلاله إلى استكمال مشروع مباحثي المرسوم في أمثلة ونماذج من قضايا الإسلام الاجتماعيّ ومظاهر التديّن الشعبيّ في تونس التي أُقدّر أنّ ملامحها تبلورت خلال العهد الوسيط مع تأسيس الدولة الحفصيّة، وتركّزت وتمأسست مع الدولة الحسينيّة وخلال مرحلة الاستعمار الفرنسيّ للبلاد، ومن أهمّ مظاهرها حركة شيوخ الدين وتأسيس المقامات والجوامع والمدارس التي ظلّت في علاقة حميمة بالدولة والحكم والمجتمع التقليديّ إلى تاريخ تأسيس الجمهوريّة (25 يوليو/ جويلية 1957) وامتدّت بعد ذلك من خلال مؤسّسات رسميّة وأنماط عيش اجتماعيّة وثقافيّة ذات مرجعيّات دينيّة تقليديّة ولّدت مواجهة مفتوحة بين مشاريع الدولة الوطنيّة الحديثة وحركات الإسلام السياسيّ التي باتت تنشط بكثافة بعد 14 يناير/ جانفي 2011 مستغلّة عمقا دينيّا شعبيّا بات يمثّل جزءا لا يتجزّأ من هويّة المجتمع.

واتّجاه ثانٍ في تواصل مع الأوّل أهتمّ من خلاله بالبحث في مظاهر وقضايا الإسلام المعيش L’Islam vécu في المجتمع التونسيّ المعاصر والمجتمعات العربيّة والإسلاميّة الشبيهة، في بعدَيها التراثيّ والتحديثيّ خاصّة في المجال الاجتماعيّ، وفي مجال بناء المؤسّسات والتنظيمات ونشاط الأحزاب والحركات والجمعيّات، وإنتاج القِيَم وكيفيّة ضبط السلوك وتوجيه الممارسة، وتوظيف المُتخيّل الدينيّ والذاكرة الجمعيّة، والتأثير في بنية الأسرة ووضع المرأة والرجل والطفل، وفي معايير بناء العلاقات وتخيّر أنماط العيش والتزام قِيَم المواطنة وآداب التواصل وغيرها من الظواهر والقِيَم الحديثة.


مقالات ذات صلة

المزيد