محمد العادل لطيّف: حول كتاب "الخوف ببلاد المغرب في العصر الوسيط"

فئة :  حوارات

محمد العادل لطيّف: حول كتاب "الخوف ببلاد المغرب في العصر الوسيط"

 الدّكتور محمد العادل لطيّف: أستاذ جامعيّ في التّاريخ الإسلاميّ الوسيط في الجامعة التّونسيّة، وباحث مشارك بعدّة مخابر بحثية أكاديميّة تونسيّة، صدر له "الخوف ببلاد المغرب في العصر الوسيط"، وكتاب جماعيّ بعنوان: "النّخب والسّلطة السّياسيّة في العالم العربيّ الإسلاميّ من خلال كتب الطّبقات"، وله عدّة مداخلات في ندوات تونسيّة ودوليّة، ودراسات منشورة بدوريّات عربيّة.

يعدّ الدّكتور محمّد العادل لطيّف من أهمّ الباحثين العرب المنتمين إلى مدرسة التّاريخ الجديد، وهو منخرط في البحث العلميّ العقلانيّ الّذي يهدف إلى تفكيك تاريخينا العربيّ الإسلاميّ ومعرفته وفهمه.

نبيل درغوث: صدر لك كتاب بعنوان "الخوف ببلاد المغرب في العصر الوسيط"، ما هي دوافع اهتمامك بالخوف كمبحث تاريخيّ؟

محمد العادل لطيّف: لقد مرّت - في الحقيقة - عدّة سنوات وأنا أفكّر بجدّيّة في هذا الموضوع، إلى أن طالعت دراسة في جريدة "لوموند" الفرنسيّة تحت عنوان: "العالم العربيّ يتحدّى جدار الخوف"[1]، وكان ذلك - مباشرة - إثر سقوط نظام الاستبداد يوم 14 كانون الثّاني 2011م في تونس.

لكن، ما الّذي جعلني أتأخّر في تجسيد أفكاري كتابة؟ هل هي ضبابيّة المنهجيّة، أم إنني سأبرّر هذا التّلكّؤ بتجميع الدّراسات وتنظيم البيبليوغرافيا، وبانحسار الوقت، والانشغال في مسائل أخرى أكثر أولويّة، هل كنت جبانًا، خائفًا، هلوعًا، مضطرّبًا، متردّدًا، خاملًا، أم أنّ كلّ هذه الأحاسيس قد هيمنت على قدرتي في التّفكير والعمل؟ نعم، لقد كنت كلّ هذا في مثل هذه الفترة المشحونة بالأحداث الغريبة، غريبة لأنّها غير مستوعبة وغير مفهومة، غير آمنة العواقب، سواء بالنسبة إليّ أو إلى من أحوم حولهم، غريبة لأنّني - والمحيط الّذي أعيشه - لا نستطيع التّحكّم في بروزها، ولا يمكننا تخيّلها والسّيطرة عليها.

يبدو جليًّا أنّ الخلط المفهوميّ - على مستوى الذّهن - قد يتجلّى في عدّة مستويات من المصطلحات: الشّجاعة والجرأة والجسارة والاستبسال والبطولة والإقدام من ناحية، والخوف والجبن والجزع والرّهبة والحذر والرّعب والرّوع والهلع والوجف والوجل من ناحية أخرى، وبين هذا وذاك، يتعمّق الخلط عندما تتداخل مشاعر الإنسان العربيّ المسلم؛ فلا يفرّق بين الطّمأنينة، والسّكينة، والبرّ، والخشية من الله وتقواه وجلاله وعظمته وواسع رحمته ومغفرته؛ فلم يعد باستطاعته تمثّل حدود الطّاعة والواجب، ومشارف الذّنوب والمحرّمات، وما هي حدود الأعمال الّتي يمكن أن تصل به إلى الشّرك، وهل بإمكانه - وهو المؤمن بالله الواحد الأحد - أن يضمن خلاصه في الآخرة؛ فيظلّ طوال حياته مهمومًا مرعوبًا بين درجات الشّكّ واليقين.

هل يجب الخنوع والاستكانة إلى الرّأي القائل: إنّ العنف الّذي يشهده العالم هو من طبيعة البشر؟ طبيعة عدوانيّة مزاجيّة متقلّبة ومشاكسة؟ وأن جذور هذا العنف تعود إلى منظومة الانسان البيولوجيّة، أو على المؤرّخ أن يجنح إلى مقولة فريديريك أنجلس القائلة: إنّ العنف هو المحرّك الرّئيس للمجتمعات، وهو الجادّة الّتي تؤمّن حراك صراع الطّبقات؟ أخيرًا؛ هل نزكّي رأي عالم الإناسة بيار كلاستر: الّذي أكّد أنّ الحرب هي الوسيلة الوحيدة القادرة على التحكّم في وحدة المجموعة، هذه الوحدة تتطلّب تماسكًا اجتماعيًّا يدفع - بالضّرورة - إلى نفي الآخرين وإقصائهم؛ فالحرب تنتمي إلى عالم الثّقافة، لا إلى عالم الطّبيعة، والمجتمع الإنسانيّ يتعلّق بعلم الاجتماع، لا بعلم الحيوان؛ فالعنف لا يستمدّ معناه إلّا بإرجاعه إلى الشّبكة العامّة للعلاقات الّتي تعمل على محاصرة المجموعات البشريّة.

لقد أقنعنا ميشال فوكو بوجوب إعادة النّظر في كيفيّة كتابة التّاريخ، الّذي لا يمكن أن يفسّر إلّا انطلاقًا من الأسفل، وهو لا يتمّ انطلاقًا ممّا هو أكثر بساطة وأوّليّة ووضوحًا؛ بل ممّا هو أكثر ضبابيّة وغموضًا وتشتّتًا وارتباطًا بالصّدفة، وما يجب أن يُقام له اعتبار - كمبدأ للتّمييز - هو فوضى العنف والأهواء والأحقاد والممارسات الثّأريّة، كذلك، نسيج الظّروف الصّغيرة الّتي تصنع الهزائم والانتصارات.

يبدو أنّ هذه المهمّة - الجسيمة والملحّة - لم تكتس بعدُ أهميّتها القصوى لدى المؤرّخين العرب وطلبتهم، ولا تمثّل انشغالًا في برامج أعمالهم البحثيّة، ليس لنقص في الإدراك أو لعدم المبالاة؛ بل لخوف من تناول الموضوع أو لقصور معرفيّ، ولانعدام الكفاءة الضّروريّة الّتي تتطلّب - أيضًا - طول الصّبر وروح المثابرة، مع التّحكّم في آليّات البحث العلميّ ومناهجه؛ لأنّ الزّعم بإمكانيّة البحث في كيفيّة تشكّل العواطف والأحاسيس؛ هو أمر شديد الإغواء، لكنّه مريع جدًّا في الآن نفسه.

لقد كان الهدف من هذه الدّراسة؛ البحث عن العناصر التّاريخيّة والفكريّة المنطقيّة المشكّلة لأبعاد الخوف، الّتي مثّلت - مجتمعة - أسس وضعيّة سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة متكلّسة منذ قرون خلت، لقد كان العمل شاقًّا، استوجب البحث في العشرات من المصادر المتنوّعة من أجل الكشف عن ركائز العقليّة المغاربيّة، في ظل أطرها المعرفيّة العربيّة والإسلاميّة، والبحث عمّن كان سببًا في تواصل هذه العقليّة المتبلّدة. وقد يؤاخذني البعض على عدم ترك المسافة الضّروريّة الفاصلة، الّتي كان من الأجدر أن تكون بين الباحث وموضوع بحثه، وكان من الأفضل أن تصطبغ الكتابة بأسلوب مرن يتجاوز العبارات الصّلبة الجازمة، وسيتّهمني البعض الآخر بعدم الموضوعيّة، كما سيشكّك آخرون في عروبتي وإسلامي، وتلك كانت مخاوفي، وبما أنّني قرّرت تجاوز هذه المخاوف، لما وصلت إليه من قناعات؛ فالأجدر بي إسقاط كلّ الأقنعة لتقديم الإجابات قبل حصول الاتّهامات، ذلك أنّ الإطار الجغرافيّ والسّياسيّ الّذي أنتمي إليه، والنّتائج الّتي توصّلت إليها، لا تسمح لي بمواصلة المهادنة أو التّسويف بعلّة البحث العلمي "الرصين"؛ الّذي وضع حدوده ومعالمه تلك النّخبة العالمة الّتي ما زالت رموزها وعناصرها جاثمة على صدورنا إلى اليوم، في حين أنّنا نرى ونسمع ونكابد ما تدّعيه من نتائج منهجيتها العلميّة، وحصافة تفكيرها وألمعيّته، ففبركت لنا - على مدى العشرات من السّنين - جيوشًا جرّارة من طلبة الجهاد والجنّة والحوريّات، كلّها ترنو إلى أنهار من الخمر واللّبن والعسل وكلّ الثّمرات.

فزَيْدٌ ينبش عن حجارة رومانيّة لإثبات تواصل (التّعمير) و(الإعمار) بين مختلف الحضارات المتعاقبة على بلاد المغرب، دون أن يميّز بين المصطلحين، وعَمرو يبحث في عظمة الجيش المرابطيّ والأسطول الفاطميّ والموحّديّ، وهذا يستقصي مكانة العلماء ودورهم في الدّفاع عن أرض الإسلام أمام جحافل الكفّار والأعداء والمغرضين، وذاك يتأمّل - بكلّ اعتزاز وحسرة - دَور الوقف والأوقاف في صيانة المجتمع الإسلاميّ، فيرنو إلى الماضي التّليد لأسلافه الأجلّاء، وتُقدّم الأطاريح الأكاديميّة عن معركة الزلّاقة (479هـ/ 1086م)، ونتناسى هزيمة العُقاب (609هـ/ 1212م)، نتباكى على تهجير المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيريّة (897هـ/ 1492م)، ونهلّل لفتح القسطنطينيّة (857هـ/ 1453م)، ثمّ نغضّ الطّرف عن الاحتلال العثمانيّ بجحافله الانكشاريّة وأفراد عسكرها النّغلاء.

إنّ الموقف التّقليديّ لمؤرّخي العصر الحديث في العالم العربيّ، ليس إلّا مواراة لواقع مأساويّ ما فتئ يقبرنا في مهاوي الغرابة والانحراف والحمق، لذلك؛ فإنّني أكرّر صرخة ميشال فوكو الدّاعية إلى وجوب الدّفاع عن المجتمع ضدّ القمع والقهر والجهل المقدّس، أمّا الطّريقة؛ فهي ليست مستحيلة: يجب توضيح وشرح الأحداث والوقائع التّاريخيّة، من أجل الكشف عن الأشكال المتعدّدة للهيمنة والاستعباد - المفضوحة أو المستترة - تحت أنماط من الخطاب الدّوغمائيّ المقدّس، الشّعبويّ والعاطفيّ والرّوحانيّ. إن الأحداث المؤلمة في بداية القرن الحادي والعشرين، سواء في الولايات المتّحدة الأمريكيّة أو في أوروبا، ولا سيّما في العالم العربيّ والإسلاميّ، تدفعنا إلى ضرورة مراجعة طريقة تفكيرنا ومناهجنا، وإعادة النّظر في تقييم ما اعتبرناه مكتسبات لصالح الأمة الإسلاميّة والإنسانيّة جمعاء، بغية إعادة تصوّر هذا المصير المشترك.

نعم، لقد أصابتنا التّخمة من تاريخ أبطالنا الأجلّاء، ومن تاريخ قادتنا العظماء الّذين هلّلنا لفتوحاتهم المجيدة، لكنّنا ما زلنا نكابد - بنفاق - مفارقة شنيعة ومغيّبة في الآن نفسه، تتمثّل في واقع مخيّب للآمال وتاريخ مزوّر وضالّ لمستقبل معتّم.

نبيل درغوث: ما هي المصادر الّتي اعتمدتها في بحثك حول الخوف في العصر الوسيط؟ وما هي أهمّ المصادر الّتي أفادتك في بحثك هذا؟

محمّد العادل لطيّف: اعتمدتُ في هذه الدّراسة على أكثر من 250 مصدرًا، دون اعتبار ما استفدت منه في الدّراسات الحديثة (أكثر من 500 دراسة)، لكن يجب في البداية تحديد المجال الجغرافيّ والثّقافيّ للبحث، فلا يمكن - مثلًا - دراسة شبه القارة الهنديّة بالاعتماد على مصادر من شبه الجزيرة الأيبيريّة!

اُعتِبرت بلاد المغرب - في العصر الوسيط - فضاء متشابهًا على عديد المستويات، أوّلها؛ المستوى الجغرافيّ، ثمّ الدّينيّ المذهبيّ واللّغويّ، فلم نتوقّف يومًا عن الإشادة بتجانسه وتآلفه واتّساقه، ولم نتساءل؛ إن كان هذا المعطى صحيحًا أم لا، وإلى أيّة درجة، وإن كان كذلك فعلًا؛ فما هو الثّمن الّذي دفعه السّكّان للوصول إلى هذه النّتيجة؟ وما هي التّبعات والعواقب الحاصلة؟

في ما يخصّ المجال الجغرافيّ؛ يبدو أنّ التّعريفات الأولى لبلاد المغرب قد كانت ملتبسة ومقتضبة ومبهمة إلى حدّ ما؛ فبُعدها عن المحور الرّئيس الرّابط بين بغداد ومصر، جعلها غير واضحة المعالم في أذهان أهل الشرق، وكان علينا انتظار جغرافيّي ورحّالة القرن الثّالث والرّابع للهجرة (التّاسع والعاشر للميلاد)، كي يكتسي المجال أبعاده المتّفق عليها لاحقًا؛ فأصبح الوصف أكثر واقعيّة، وسيميائيّة المجال أكثر وضوحًا، بفضل معلومات كثيفة وجليّة ومدركة بالعقل وبالمشاهدة العينيّة، ذلك أنّ مقتضيات الإدارة والسّياسة العباسيّة في بغداد أجبرت موظّفيها على دقّة الوصف وعمقه، من أجل استغلال أمثل لخيرات البلاد وأرضها المفتوحة، لكنّ الاهتمام الحقيقيّ بهذه الرّقعة كان بفضل أبنائها الذين عمّقوا البحث والبيان مع تصحيح وتوظيف المعلومات السّابقة لهم، خاصّة كتاب ابن حوقل "صورة الأرض" الّذي يُعدُّ بحقّ محاولة جدّيّة وعميقة، لشرح الجغرافيا البشريّة في إطار الإقليم، هكذا، استوعب الرّحّالة والجغرافيّون - منذ القرن الرّابع للهجرة - الفكرة القائلة: إنّ بلاد المغرب هي تلك المساحة الجغرافيّة الممتدّة بين الصحراء المصريّة - اللّيبيّة وبحر الظّلمات، (المحيط الأطلسي)، وكلّ الدّراسات تشير إلى بداية تشكّل تدريجيّ وبطيء، لكنّه متواصل، لكيان واضح المعالم ومحدّد مجاليًّا على نحو متزايد، تزامنت ملامحه مع الأبعاد الأخرى المؤسّساتيّة والقضائيّة والإداريّة.

إنّ الاعتماد على المعطيات الجغرافية لإثبات انسجام المجال، يجعلها غير كافية لتحديد هويّته وتميّزه عن بقيّة المجالات المحيطة به، إنّها أبعاد مبتورة لا تأخذ بعين الاعتبار ماهيّة هذا المجال والمشكّل الفعليّ له - أي السّكّان المغاربة - لذلك؛ فإنّني أتبنّى نظريّة عبد الله العروي الّذي يفسّر لنا هذا البُعد البشريّ، ودوره في ظهور الذّاتيّة المغاربية وتركيز ملامحها، مقارنة بالشّرق العربيّ الإسلاميّ وببلاد الأندلس، فالمميّزات ليست إداريّة أو جغرافيّة أو سياسيّة، بقدر ما هي فكريّة وثقافيّة انبثقت منذ نشأة أبعادها وملامحها في وجدان المغاربة، ويبدو هذا جليًّا بفضل عديد المصنّفات الفقهيّة والأدبيّة والتّاريخيّة، الّتي دلّت على شعور عميق بالانتماء لهذه الرّقعة من الأرض، ويقترح العروي منتصف القرن الثّاني للهجرة (الثّامن للميلاد) منطلقًا لهذه القطيعة، الّتي تعكس انبثاق الوعي المغاربيّ في تجسيد هويّة ذاتيّة، وبنائها من خلال تأسيس الكيانات السّياسيّة للخوارج والإباضيّة والصّفريّة، وهذا المعطى السّياسيّ أكّده الإنتاج الثّقافيّ والفكريّ الغزير، ومختلف الأعمال والاجتهادات تسرد وتفصح عن القطيعة السّياسيّة والفكريّة بين المغرب والمشرق، قطيعة برزت - أساسًا - في تجاهل شبه كلّيّ من قِبل مؤرّخي بلاد المغرب، لما وقع ويقع من أحداث في الشّرق، مباشرة بعد الفترة التّاريخيّة للبعثة المحمّديّة.

أمّا محمّد قبلي؛ فيذهب بعيدًا في هذا المضمار، مؤكّدًا على "أنّ القطيعة بين المشرق والمغرب، باستثناء إفريقيا لفترة وجيزة، مثّلت حقيقة مذهلة معروفة ومعترف بها رسميًّا منذ بداية القرن الثّاني للهجرة"، وذلك ما يذهب إليه - أيضًا - محمّد الطّاهر المنصوري، عندما يقول: "فالأمّة لا يمكن أن تبرز ولا يمكن أن تتبلور إلّا في وجدان النّاس، قبل أن تُكرّس من طرف السّلطان، ومهما كانت الكتابة التّاريخيّة كتابة سلطانيّة؛ فهي تعبير عن الشّعور بالخصوصيّة، وتصريح بالتّميّز والاختلاف، وسعي إلى إثبات الذّات الجماعيّة" (محمّد الطّاهر المنصوري، تونس في العصر الوسيط، منشورات دار صامد، صفاقس، 2015م، ص 15).

فتلك المصنّفات وأولئك المصنّفون المغاربة؛ هم الّذين سيقع التّركيز عليهم في هذا البحث، وتهمّنا - بالدّرجة الأولى - كتاباتهم؛ لأنّهم عبّروا فيها عن إحساس بالانتماء إلى أرض مميّزة بمواصفات متفرّدة، وأوّل هؤلاء: ابن الصّغير (294هـ/ 907م)؛ صاحب كتاب "أخبار الأئمّة الرّستميين"، وذلك سيساعدنا في تحديد مجال المصادر المعتمدة، مع ضرورة التّفكير في الكتابة التّاريخيّة المغاربيّة ونقدها؛ لأنّنا نفتقر إلى كتابات القرن الأوّل والثّاني للهجرة، وهي معضلة وفجوة لا يمكن تلافيها في الوقت الحاضر، فتكون نتيجتها تقليص إمكانيّة فهمنا ومعرفتنا، إضافة إلى تشويه استنتاجاتنا مقارنة بالفترة اللّاحقة.

تندرج هذه الدّراسة - إذن - ضمن مجال التّاريخ الثّقافيّ لبلاد المغرب في العصر الوسيط، تاريخ العقليّات والذّهنيّات والأفكار، معتمدة على جملة من المستندات والوثائق المصدريّة الّتي تنسحب على عدّة أصناف من الكتابات، وعلى نقيض ما نتخيّله منذ الوهلة الأولى، تعدّ مصادر البحث غير محدودة، وقد شملت ميادين المعرفة المنتجة في التّراث الإسلاميّ كلّها وبمختلف أنماطها، بالتّالي، فقد أصبح البحث متشعّبًا ويتطلّب مقاربة دقيقة وواعية وصبورة، إضافة إلى المصنّفات الإخباريّة الّتي تفيدنا - أساسًا - عن الفترة الّتي تمّت خلالها عملية الكتابة أكثر من الّتي تلتها، فقد رُكِّز - أيضًا - على بعض الكتابات الأدبية والفلسفيّة، لا سيّما على كتب الرّحلات والجغرافيا، وكتب النّوازل والفتاوى والأحكام، وكتب الأنساب والتّراجم والطّبقات والسّير ومناقب الأولياء والمتصوّفة والزّهّاد، وكتب مرايا الأمراء، وكتب اللّغة العربيّة، لكن البحث في المفاهيم وفي المصطلحات الّتي لها ارتباط وثيق بموضوع الدّراسة، دفع بنا إلى الحفر في الأطر المعرفيّة لظهور كلمة "الخوف"، ومشتقّاتها ومرادفاتها وتطوّرها، وفي كيفيّة استيعابها واستعمالاتها لغويًّا وفقهيًّا، لذلك؛ عدنا - أوّلًا وبالذّات - إلى القرآن الكريم كمصدر رئيس، وبيّنّا مختلف التّفاسير، من منتصف القرن الثّاني إلى أواخر القرن الثّامن للهجرة.

نبيل درغوث: كيف كانت علاقة العرب بالبحر في العصر الوسيط؟ وما قصّة خوفهم من البحر؟

محمّد العادل لطيّف: أعلم جيّدًا إنّني أختلف - نسبيًّا - مع العديد ممّن يتبنّون أطروحة انسجام العرب المسلمين مع البحر، وجرأتهم في ركوبه، ممّا مكّنهم من بسط سيادتهم على بحر الرّوم لقرون عدّة، وما أطروحة خوف العرب من البحر سوى أسطورة وضعها التّاريخ الاستعماريّ - منذ القرن التّاسع عشر - وأكّدها بعض المؤرّخين والجغرافيّين الغربيّين حديثًا؛ (هنري بيران Henri Pirenne)، (كزافي دي بلانول Xavier De Planhol)، (كريستوف بيكار Picard Christophe)، ومهما اختلفت الرّؤى؛ فإننا لا نستطيع دحض النّتائج التّاريخيّة الّتي أكّدتها كلّ المصادر - العربيّة والأجنبيّة - المتمثًلة - أساسًا - في محدوديّة الهيمنة الإسلاميّة على البحر المتوسط، مجاليًّا وزمنيًّا - لعدّة أسباب سياسيّة وتقنيّة، لا سيّما الفكريّة.

إنّ تراجع الملاحة العربيّة الإسلاميّة في البحر المتوسّط في بداية من القرن الرّابع الهجريّ (Xم)، يدلّ دلالة واضحة على أنّ بحر الرّوم قد تحوّل - في الأذهان - إلى مجال مرعب ومقدّس في الآن ذاته، ولا جدوى من الحديث عن المحيط الأطلسيّ؛ لأنّ ذلك لازال - إلى وقت قريب - بحر الظّلمات، فبعد انقضاء ربع قرن على عبوره واكتشاف القارّة الجديدة من قِبل الإسبان، لازال العرب والمسلمون - عمومًا - يعتقدون بأنّ لا حياة وراء الجزر الخالدات (جزر الكناري)، ولا عمران وراء الإقليم الأوّل جنوب خط الاستواء، وهو "نهاية المعمور"، وأفضل مثال على هذه الحقيقة يقدّمه لنا المؤرّخ ابن إيّاس الحنفي (929هـ/ 1523م)؛ الّذي لم يكن على دراية باكتشاف القارة الأمريكيّة، ربع قرن بعد الحدث (1492)، عندما كان يكتب تاريخه "بدائع الزّهور ووقائع الدّهور"؛ فلا النّخب العالمة والمتسلّطة في بلاد المغرب أو في المشرق العربيّ والإسلاميّ كانت قادرة على فهم أبعاد هذا التحوّل التّاريخيّ الّذي سيقلب كلّ المعطيات رأسًا على عقب واستيعابه أو تقييمه، رغم أنّ مؤشّرات التّقهقر والانهيار قد أصبحت واضحة للعيان جنوب ضفّة البحر المتوسط منذ بداية الحروب الصّليبيّة، وتحوّل موازين القوى لصالح الضّفّة الشّماليّة، وخاصّة في شبه الجزيرة الأيبيريّة، بعد هزيمة الموحّدين في معركة العقاب سنة 609هـ/ 1212م.

في سنة (480هـ/ 1087م) تمكّنت مدينتا (جنوة وبيزا) من تنظيم حملة ضدّ مدينة المهدية في إفريقيا، بلغ عدد مراكبها حوالي 400 سفينة، وأجبرت السّلطة الزّيرية على قبول شروط الإيطاليّين بعدم التعرّض لسفنهم في مياه إفريقيا[2]، وبعد الحملة بثلاث سنوات (483هـ/ 1090م) استولى النّورمان على جزيرة صقلية، وأصبحوا يهدّدون كامل السّواحل الشّرقيّة لبلاد المغرب، واحتلّوا المهدية سنة (543هـ/ 1150م) بحوالي 300 قطعة بحريّة؛ أي أربعة أضعاف ما تمتلكه السّلطات الإسلاميّة في إفريقيا من مراكب، وهذا العدد - من مراكب النّورمان - هو أبعد ما وصل إليه الأسطول الموحّدي في أوْج قوّته؛ أي في عهد يوسف بن عبد المؤمن بن علي (559 - 580هـ/ 1164 - 1184م).

ومنذ نهاية القرن الخامس الهجريّ؛ أُجبر الحُجّاج الأندلسيّون والمغاربة على السّفر إلى الشّرق للوصول إلى الأراضي المقدّسة عبر المراكب المسيحيّة، وأكبر دليل على ذلك؛ ما دوّنه ابن جبير البلنسي (613هـ/ 1217م) في رحلته، وبداية من منتصف القرن السّادس (12م)؛ مثّلت حملات النّورمان على سواحل إفريقيا تهديدًا مستمرًّا لحياة السكّان المسلمين؛ إذ احتلّ النّورمان مدن طرابلس والمهدية وصفاقس وسوسة، ولم يغادروا المجال إلّا بعد قدوم الموحّدين سنة الأخماس (555هـ/ 1160م)، لكنّ القوّات الأراغونية ستحلّ محلّهم في جزيرة جربة بداية من سنة (683هـ/ 1284م)، وفي جزر قرقنة بعد سنتين، وخلال هذه الأحداث الأخيرة؛ قام المسيحيّون باحتجاز حوالي ثمانية آلاف أسير، ونقلهم بواسطة سبعين سفينة من سفنهم، إضافة إلى ثلاثين قاربًا ومركبًا آخر استُولِيَ عليها، بعد قتل كلّ الأطفال ونهب التّجمّعات السّكنيّة، وهذه الغارات الفجائيّة، والاحتلال الظّرفي لبعض المناطق المغاربيّة من قبل القوّات المسيحيّة، ستتجدّد وتزداد وتيرتها، منذ أواخر القرن الثّامن (14م) وطيلة القرن الّذي يليه.

ستستأثر مشاهد العنف وويلات الحروب الّتي شنّتها القوّات المسيحيّة بوجدان سكّان بلاد المغرب وذاكرتهم إلى تاريخ غير بعيد؛ ففي أواخر القرن الثّامن (14م) وقبل سنة (786هـ/ 1384م)، ستُقتحَم السّواحل البحريّة، وسيتجاوز المسيحيون الغارات الفجائيّة، كي يجتاحوا بعض المدن ويدخلوا مراكزها الأساسيّة وأحياءها، ويقوموا بعمليّات السّلب والنّهب، وخطف السّكّان واحتجازهم، ونقلهم إلى المدن الأوروبيّة لبيعهم مثل العبيد؛ فالخوف من البحر ليس خوفًا منه كظاهرة طبيعيّة غامضة ومرعبة؛ بل خوفًا ممّا يأتي من وراء البحر.

والجدير بالتّذكير؛ أنّ هذه الأوضاع شملت كامل المجال الإسلاميّ الّذي ما فتئ يشهد تقهقرًا كبيرًا على كلّ المستويات؛ سقوط بغداد على يد جحافل المغول سنة (658هـ/ 1258م)، استيلاء المماليك على السّلطة في الشّام ومصر في السّنة الموالية، ازدياد حدّة الهجمات الصّليبيّة على السّواحل الإسلاميّة ووصولها إلى تونس سنة (668هـ/ 1269م)، ...إلخ.

لقد أثبتت أوروبا تفوّقها - التّقنيّ والعسكريّ - في المجال المتوسّطيّ منذ منتصف القرن الخامس للهجرة (11م)؛ فعندما أصبحت سفن المدن الإيطاليّة (بيزا وجنوة والبندقيّة) تتحكّم بطرق المواصلات البحريّة، لم تكن السّفن الإسلاميّة قادرة إلّا على القيام ببعض أعمال القرصنة، وذلك ما يؤكّده ابن خلدون - بصفة غير واعية - عندما يقول: ".. ثمّ فشل ريح الفرنجة واختلّ مركز دولتهم فرنسة، وافترقت طوائف في أهل برشلونة وجنوة والبنادقة وغيرهم من أمم الفرنجة النّصرانية، وأصبحوا دولًا متعدّدة؛ فتنبهت عزائم كثير من المسلمين بسواحل إفريقيا لغزو بلادهم، وشرع في ذلك أهل بجاية منذ ثلاثين سنة، فيجمع النّفراء والطّائفة من غزاة البحر، ويصنعون الأسطول ويتخيّرون له الأبطال الرّجال، ثمّ يركّبونه إلى سواحل الفرنجة وجزائرهم على حين غفلة، فيتخطفون منها ما قدروا عليه، ويصادمون ما يلقون من أساطيل الكفرة فيظفرون بها غالبًا، ويعودون بالغنائم والسّبي والأسرى، حتّى امتلأت سواحل الثّغور الغربية من بجاية بأسراهم..." (ابن خلدون، العبر، بيروت، دار الفكر، 2001م، VI/578)، في حين أنّ هذه الغزوات الّتي قام بها المسلمون على جزر الضّفّة الشّماليّة والسّواحل الشّماليّة للبحر المتوسّط، لم تكن إلّا مجرّد قرصنة غير منتجة للثروة، ولم تساهم في تطوّر المبادلات التّجاريّة، ولا في التّقارب بين الشّعوب، ولا بين السّلطات السّياسيّة، ودلّت - بكلّ وضوح - على توتّر كبير في العلاقات، وسيطرة الأوروبيّين على المسالك البحريّة.

ففي الوقت الّذي كان فيه الأوروبيّون يبحثون عن الوسائل الكفيلة بتطوير السّفن والمراكب كي تصبح أكثر نجاعة، ظلّ المسلمون في اعتقاداتهم وخرافاتهم، ويبدو أن ابن خلدون قد قام بتمرير هذه الاعتقادات إلى طلبته؛ إذ يشير المقريزي إلى رواية سمعها مباشرة عن شيخه، فيقول: "حدّثنا أبو زيد أنّه خرج من تونس في سنة أربع وثمانين وسبع مائة وبها امرأة مشهورة بالسّحر، يأتيها المسافرون في البحر، ويبتاعون منها الهواء لمدّة معيّنة بمبلغ مال، فتدفع إليهم إناء مجوًّفا مسدود الفم، وتقول: إذا توقّف الرّيح فافتحوا هذا الإناء، فيسيرون بمراكبهم إلى أن يقف الرّيح، فيحلّون الإناء، فتخرج لهم ريح تسير مراكبهم مدّة ما شارطتهم" (المقريزي، درر العقود الفريدة، دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، 2002م، ج 2، ص 410)، وهكذا، يساهم ابن خلدون في تثبيت المثل الشّعبيّ السّائد: "يبيع في الرّيح للمراكب"!

يندرج الخوف من البحر - لدى المسلمين - في إطار شاسع ومتعدّد، يشمل مخاوف عديدة أخرى، وتكون ذات أبعاد وجوديّة ميتافيزيقيّة، مثل؛ الخوف من الله، من السّحر ومن عذاب القبر، من يوم القيامة وجهنّم، من الجنّ والشّيطان، من حصول الخطيئة ومن السّعلاة، ..إلخ، ومخاوف طبيعيّة عفويّة تتجسّد - أساسًا - في الجوائح والكوارث والأوبئة والأمراض وآفات الجفاف والقحط والجراد والمجاعات، إنّها تلك الهواجس المتجذّرة في أذهان العباد منذ نشأتها، الّتي لا مفرّ منها لأيّ أحد منهم في ظلّ الاستبداد السّياسيّ والفكر الغيبيّ، إنّه خوف دائم من كلّ الأشياء والظّواهر؛ من الانصهار في المجموعة، من الشّبهة، من الآخر الغريب، من غضب السّلطة، من التّعبير عن الظّلم والجور للمطالبة بأبسط الحقوق، لذلك؛ كان النّاس يفضّلون الصّمت والتّقوقع على حالهم والانعزال في انتظار موت بطيء، أو اللّجوء إلى عباد الله الصّالحين؛ أي الزّهّاد والمتصوّفة، تلك الظّاهرة الّتي ستتفشّى بشكل كبير، وستمثّل البُعد السّياسيّ والاجتماعيّ المهيمن طيلة القرون اللّاحقة.

نبيل درغوث: من المؤكَّد؛ أنّ هناك اختلاف كبير في البحر الأبيض المتوسط على مستوى التّاريخ السياسيّ؛ فهل هناك اختلافات/ تباينات على مستوى الحياة اليوميّة في العصر الوسيط في هذا الحوض؟

محمّد العادل لطيّف: سؤال وجيه، تعكس الإجابة عنه واقعًا تاريخيًّا مخالفًا للرّؤيا الّتي تسعى إلى التّهويل في العلاقات القائمة بين شعوب البحر المتوسط في العصر الوسيط؛ إذ نعلم جيّدا أنّ كتبَة التّاريخ - في أغلبيّتهم السّاحقة - هم كتبة أولي الأمر، كتبة البلاطات، فيتعمّدون إهمال تاريخ النّاس؛ أي كلّ ما من شأنه أن يقرّب بين الشّعوب.

فعلًا، هنالك مفارقة عجيبة بين ما يرويه الإخباريّون في التّاريخ السّياسيّ، وبين ما تكشفه لنا الوثائق المتبادلة بين التّجّار، أو ما تبرزه لنا الرّسائل الدّبلوماسيّة المتبادلة بين الأمراء والملوك، أو حتّى الرّسائل الشّخصيّة بين الأفراد العادييّن وملاحظات الرّحّالة والجغرافيّين، انظر - مثلًا - إلى وثائق الجنيزة الّتي كشفت لنا عن واقع مغاير تمامًا للعلاقات الإنسانيّة بين البشر، رغم اختلافاتهم الدّينيّة والمذهبيّة وانتماءاتهم السّياسيّة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

ولتفادي الإطالة؛ أشير هنا - فقط - إلى ما صدر عن المؤرّخ الأمريكيّ جوايتاين (Shelomo Dov Goitein/ 1985 - 1900)[3]؛ الّذي استفاد وأفادنا من وثائق الجنيزا[4] الّتي تعود إلى العصر الفاطميّ والأيّوبيّ والمملوكيّ وبداية العصر العثمانيّ (357694/ 969 - 1538)، وقد كتب جوايتاين ستّة مجلّدات انطلاقًا من هذه الوثائق تحت عنوان: "المجتمع المتوسّطيّ خلال العصر الوسيط" (A Mediterranean society)، إضافة إلى العديد من الدّراسات والمقالات الأخرى، كما أشير - أيضًا - إلى كتاب جميل وعميق وجديد في طرحه بعنوان: "إسكان الغريب في العالم المتوسّطي: السّكن والتّجارة والرّحلة في أواخر العصر القديم وفي العصر الوسيط"، (Housing the Stranger in the Mediterranean World: Lodging, Trade, and Travel in Late Antiquity and the Middle Ages)، من تأليف: أوليفيا ريمي كونستابل (Olivia Remie Constable)، عرَّبه من الإنجليزيّة الأستاذ المرحوم محمد الطاهر المنصوري، ونال بهذا العمل "جائزة الشيخ زايد للكتاب" في دورتها الثّامنة (2014)؛ "لدقّة التّرجمة وأناقتها، وأظهرت التّرجمة أمانة للغة النّصّ الأصليّ، ودقّة في ترجمة المصطلحات التّاريخيّة والعلميّة، وازدانت بفهارس عديدة، وبثبت واسع لأسماء الأماكن والأعلام"، والكتاب "بحث جادّ يجمع وسائل المراجعة التّاريخيّة والتّبحّر الأرشيفيّ، والمساءلة الفكريّة لظاهرة مهمّة لصيقة بالثّقافات العالميّة - خاصّة المتوسطيّة - ألا وهي ظاهرة استضافة المسافر وإسكانه".

نبيل درغوث: كما تعلم؛ كان للجغرافيا وطبيعتها الطّوبوغرافية تأثير كبير في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعية والسّياسيّة للدول في العهد الوسيط، فما أهميّة الجزر في المسالك البحريّة المتوسطيّة في العصر الوسيط؟

محمّد العادل لطيّف: منذ العصور القديمة وإلى يومنا هذا؛ تمثّل الجزر مرافئ استراحة وملاجئ للسّفن والمراكب الّتي تعبر البحار، سواء للتّجارة أو للبعثات الحربيّة، كما تعدّ مراصد أولى للدّول والإمبراطوريّات الّتي تتكوّن على القارّات، من هنا؛ تستلهم أهميّتها الاستراتيجيّة والاقتصاديّة، وكانت الرّغبة شديدة في بسط سيادة الدّول المتجاورة عليها، لكنّها كانت تمثّل - أيضًا - ملاجئ للسّكّان المقهورين من الطّغيان والحروب، أو هروبًا من الأوبئة والأمراض والجوائح؛ إذ ينقل ابن عِذاري عن الرّقيق القيرواني (425هـ/ 1034م)، ما أصاب أهل إفريقيا خلال المجاعة الرّهيبة في سنة (395هـ/ 1005م) الّتي لم تستثن أحدًا، الفقراء والأغنياء على حدّ سواء، فيقول: "انكشف فيها المسّتور وهلك فيها الفقير، وذهب مال الغنيّ وغلت الأسعار، وعُدِمت الأقوات وجُليَ أهل البادية عن أوطانهم، وجاء خلق من أهل الحاضرة والبادية إلى جزيرة صقلية ..." (ابن عِذاري، البيان المغرب، الدّار العربيّة للكتاب، بيروت، 1983م، I/ 256 - 257)، ونعلم جيّدًا المكانة الّتي احتلّتها جزيرة جربة كملجأ بالنّسبة إلى الإباضيّين الفارين من سطوة الأغالبة والفاطميين، ونجد في هذه الجزيرة سكّانًا من أصول بربريّة تابعين لقبائل زواغة، ينتمون إلى أربعة فروع إباضيّة: الوهّابيّة والنّكاريّة والخلَفيّة والنّفّاتيّة، يعيشون في وئام وسلام إلى أواخر القرن السّادس الهجريّ (12م)؛ أي في الفترة الّتي عاصرها الجغرافيّ الإدريسيّ.

كما كانت بعض السّلطات توظّف الجزر لنفي المعارضين السّياسيّين، مثلما فعل الأمويّون بأرخبيل "دهلك" الواقع جنوب البحر الأحمر قبالة الشّاطئ الغربيّ لليمن، كمعتقل للمقبوض عليهم من "أصحاب الأهواء والبدع" (الطّبري، تاريخ الرّسل والملوك، دار المعارف، القاهرة، 1971م، VII/ 232).

فالسّفن في العصر الوسيط لا يمكنها القيام بسفرات طويلة المدى دون الإرساء بمرافئ هذه الجزر، وكلّ الأخبار الواردة لدى الرّحّالة والجغرافيّين تثبت لنا هذه المعطيات، وانطلاقًا من هذه الأهميّة المزدوجة؛ شهدت بعض الجزر قيام دول مستقلّة قائمة بذاتها، ويكفي أن نشير إلى النّورمان الّذين سيكون لهم شأن كبير في جزيرة صقليّة وجنوب إيطاليا وأرخبيل مالطا، منذ روجي الثّاني (1095 - 1154م) الّذي عاش في ظلّ مملكته الجغرافيّ المشهور الإدرسيّ صاحب "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، واختار بنفسه الانتقال إلى هذه المملكة؛ حيث تفتّقت مواهبه، وعاش مكرَّمًا ومبجَّلًا، وتوفّى فيها سنة 560هـ/ 1166م.

نبيل درغوث: ما تقييمك لواقع البحث التّاريخيّ في العالم العربيّ مقارنة بالكتابة التّاريخيّة ومدارسها المختلفة في الغرب؟

محمّد العادل لطيّف: إنّ أغلب الكتابات المغاربيّة والمشرقيّة عملت على المواراة، ومهادنة الأبعاد الثّقافيّة المشكّلة لتصوّرات المجال العربيّ الإسلاميّ، ولنمط عيش السكّان ورؤيتهم للآخر، ذلك أنّ تناول هذه الأبعاد بالبحث والدّرس ظلّ شديد الحساسيّة، لذلك؛ فقد فضّل الكتّاب العرب التّملّص منها، كي ينغمسوا في الكتابات السّهلة وفي استعراض المكتسبات الرّائعة والخرافية للأسلاف.

إنّه تاريخ مجترّ، أسطوريّ تمجيديّ، محنّط ومنشود بإلحاح، يهدف أصحابه إلى المخاتلة قصد ضمان الإثارة والتّرويج، وليس بهدف التّفكيك والفهم والمعرفة، وهذه الكتابات ترفض - في جوهرها - فكرة القطيعة بين الأسطورة والمعرفة العقليّة؛ فأغلبيّة المؤرّخين العرب يرفضون الانخراط في برنامج بحثيّ علميّ عقلانيّ متعدّد الاختصاصات، منسجم مع آخر ما وصلت إليه المناهج الحديثة، وهذا الرّفض ليس من منطلق مبدئيّ؛ بل لكسل أكاديميّ، وجهل معرفيّ، واستكانة للأعراف البالية، وخوف من فقدان المناصب، ولتواطؤ إيديولوجيّ حزبيّ نفعيّ.

إنّ أمثال هؤلاء لا يمكن إدراجهم في خانة المؤرّخين؛ فهم مجرّد مناضلين حزبيّين دوغمائيّين، متكلّسي الفكر والمواقف، تحوّلوا إلى كتبة للتّاريخ الرّسميّ بمباركة وتزكية من أهل السّلطة والسّلطان، وفي هذه الحالة؛ لا يمكن للتّاريخ أن يكون علمًا، فهل دراسة التّاريخ استرزاق غير مشروع أم بحث عمّا سيشكّل عالمًا أفضل؟

لقد فتحت العلوم الإنسانيّة الحديثة عديد الآفاق الجديدة للبحث التّاريخيّ، وأثبتت جدواها في دراسة تاريخ المجتمعات الغربيّة في العالم الغربيّ، بتبيان دور الفرد والفئات والسّكان؛ المؤمنين والعبّاد والزّهّاد، وغير المتدينين، والتّجار، والفلّاحين، واللّصوص، والمسجونين، والمرأة، والطّفل، والأمراض، والأوبئة، والكوارث، ...إلخ، اعتمادًا على طرح منهجيّ جديد يرتكز إلى انفعالات البشر وردود أفعالهم، لا إلى كتَبَة التّاريخ الرّسميّ.

لذلك تعدّ دراسة الانفعالات من أوكد المهامّ الموكولة - اليوم - إلى ضمير المثقّف والمؤرّخ بصفة خاصّة؛ فعلى عاتقهما تقع مسؤوليّة إعادة النّظر في الاستخدام المعقّد للمشاعر والأحاسيس الّتي لعبت دورًا جوهريًّا في تاريخ المجتمعات البشريّة، وإن عملت مؤخّرًا بعض الأوساط الأكاديميّة في فرنسا على بلورة هذه المهمّة بتنفيذ عديد البرامج البحثيّة في أقسام التاريخ الوسيط؛ فإنّ هذا الطّرح المنهجيّ لم نجد له أيّ صدى في المجال العربيّ، والمغاربيّ خاصة؛ حيث نلاحظ أنّ النّخب السّياسيّة والفكريّة تتعايش مع كفاءة عرجاء، تجسّد تقاعسًا عمليًّا وفشلًا فكريًّا يبيد ويسحق القدرات والطّاقات الممكنة، ويبدّد العامل الزّمنيّ، فتُشكّل إحباطًا يقوّض المخيال الجماعيّ، فيؤثّر مباشرة في تفكير المثقف ويسلّط عليه قصورًا أو خمولًا مزمنًا، إنّها البلادة الّتي تصيب الزّمرة فتشِلّ المجموعة الأكاديميّة الباحثة عن السّكينة والطّمأنينة، وذلك ما عبّر عنه المؤرّخ هشام جعيط، ووصف الحالة بالفتور والخمود قائلًا: "أمّا الجوّ عندنا منذ خمسين سنة مضت؛ فليس مستعدًّا لتقبّل المجهود العلميّ، لا في التّاريخ، ولا في الفيزياء، ولا في الكيمياء، ولا في السوسيولوجيا، والمهمّة العلميّة واحدة كما هو بديهيّ" (تأسيس الغرب الإسلاميّ، دار الطليعة، بيروت، 2004م، ص )، وهو نفس الاستنتاج الّذي أبداه المفكّر محمد أركون(Arkoun M., (2008), Humanisme et islam: combats et propositions, Paris, Marsam, p.69).

لماذا غابت مواضيع العقليّات والذهنيّات والانفعالات والكوارث والأمراض والأوبئة عن اهتمامات المؤرخين المغاربة؟ هل ظلّت في إطار "اللّا مفكّر فيه" كما يقول محمد أركون؟ إنّ علم النّفس هو البعد الملهم للدّراسات للطّرح المنهجيّ الجديد، الّذي يعتمد - أساسًا - على دراسة تاريخ الأحاسيس والشّعور والانفعالات، وكيفيّة تشكّلها: الموت والعنف والحمق والرّعونة والشّدّة والخوف، تاريخ الحبّ والفرح والبهجة والانشراح والسّرور واللّذّة، ...إلخ.

إنّ هذه الدّراسات لا يمكن تحقيقها إلّا في إطار أبحاث متكاملة شاملة ضمن حضارة بعينها؛ إذ لا يمكن فصلها عن الجذور الثّقافيّة والفكريّة المنبثقة منها، الّتي تظلّ لصيقة ببقية الأبعاد الإنسانيّة وبطبيعة الإنسان حيثما كان.

منذ عدّة سنوات، عاين الأستاذ محمّد الطّاهر المنصوري عديد الحالات المتردّية في مجال البحث التّاريخيّ الأكاديميّ - العربيّ والمغاربيّ - عبّرت عن عدم جدّيّة هذه البحوث، وتقوقعها ضمن فترات زمنيّة قصيرة المدى تتناقض مع ما نادت به مدرسة الحوليّات - منذ ثلاثينيّات القرن العشرين - من ضرورة أن تكون الدّراسات في إطار مدّة زمنيّة طويلة المدى، إن لم نقل: في إطار الحقبة؛ إذ تكابد الدّراسات التّاريخيّة عديد النّقائص: انعدام الجرأة، واضمحلال الحسّ النّقديّ، وامّحاء التّجديد "وتكرار المواضيع بعضها لبعض إلى درجة السّلخ، وفي بعض الأحيان، إلى الانتحال الموصوف، إنّنا لازلنا لا ننظر إلى التّاريخ على أساس العلم؛ إنّما على أساس العاطفة، وهذا راجع إلى عدّة أسباب، كمقاومة التجديد في الكتابة التّاريخيّة من طرف من هم في أعلى الهرم الجامعيّ، ويتحكّمون في مساره بالمناقشات وبالانتدابات، واتّكاء أغلب الّذين يشرفون على حظوظ البحث، على السّلطة السّياسيّة، والاستقواء بالوزارات والإدارات العامّة من أجل البقاء في قمة الهرم من ناحية، ومن أجل تصفية كل من "تسوّل له نفسه التمرّد العلميّ والمنهجيّ"، بتحويل ما يمكن أن يكون معركة علميّة إلى خلافات شخصيّة يكون أولى ضحاياها البحث العلمي"، ويواصل المنصوريّ نقده لهذه الأوضاع الأكاديميّة المترديّة، خاصّة، في الجامعة التّونسيّة، في دراسة أخرى صدرت له باللّغة الفرنسيّة قائلًا: "إنّ أغلب المؤرّخين العرب، وإلى حدّ كبير المسلمين منهم، وعند تناولهم للكتابة التّاريخيّة؛ فهم يعملون على أن يكون غسيلهم في بياض ناصع، أكثر ممّن سبقهم، ويبدو أن معظم الكتابات باللّغة العربيّة - في مجال التّاريخ الوسيط - لم تسع إلى الكشف عن الزّوايا المظلمة للظّفر بمساحات معرفيّة حديثة، أو لاستيعاب طرائق ووسائل عمل جديدة تمكّن من مزيد التحكّم في أساليب البحث المستحدثة.

إنّ الغاية من أعمالهم لا تتجاوز الرّغبة في تسكين جزعهم الباطنيّ الذّاتيّ، وربّما الجماعيّ، إنّه البحث عن الطمأنينة المتناغمة - ضرورة - مع الصّورة الرّمزيّة لعظمة الأمّة أو الوطن" [Mansouri M. T., Du voile et du zunnâr, l’Or du Temps, Tunis, 2007, p. 9.]

لقد فضّل هؤلاء الاصطفاف في الرّتل المستقيم؛ سواء بسبب الكسل الفكريّ أو "خوفًا من الآخرين وانتقاداتهم، خوفًا من أعدائهم، وخشية من أصدقائهم ومن أولياء نعمهم، من نظرائهم وحتّى من تلامذتهم، إنّه الخوف من إمكانيّة السّقوط في الرّداءة، من ارتكاب الهفوات والأخطاء المدمّرة للحياة، الخوف من الموت البطيء، من موت الأثر الفكريّ، من الفشل ومن الزّوال، من العزلة والاستسلام والخضوع، ومن إمكانيّة أن نكتب ما لا نريد فعلًا التّعبير عنه..."، ورغم ذلك؛ فإنّ المؤرّخ مجبر على التّعايش مع كلّ أشكال الخوف الّتي تواجهه، واستيعابها والتحكّم فيها من أجل تحويل طاقتها السّلبيّة إلى قدرات منقذة ومخلّصة وخلاّقة، تمكّنه من تحقيق اختيارات صائبة، وليس له في هذا المصير من محيص، فذلك هو قدره وهنالك تتجسّد صلاحيّات مهامّه وغاياته؛ إذ كلّ البشر يخضعون للخوف؛ وجميعهم يخشون المصير، والّذي يزعم أنّه لا يهاب شيئًا ما؛ فهو غير طبيعيّ، وظاهرة الخوف لا علاقة لها بالشّجاعة أو بالبسالة، وعلى المؤرّخ الكشف والشّرح والتّوضيح والإفصاح عن مقوّمات المنظومة الاستبداديّة للتعسّف والجور والطّغيان والظّلم، وشجب آليّتها السّاعية إلى النّكوص بالفكر البشريّ وبحرمة الإنسان إلى غياهب الظّلاميّة، وتطهير المعارف العقليّة من مختلف أشكال الخوف والخشية والجزع، من أجل صيانة هذه المكاسب وتوطيدها، وتوظيفها في السّعي إلى الرّقيّ والسّموّ بالحياة العامّة والفرديّة نحو مدنيّة أرحب.

عندما تتعلّق القضيّة بالبحث عن جوهر الواقع - الحقيقة - وبحريّة الإنسان وكرامته، فلا مجال للمهادنة ولأنصاف الحلول، ولا يمكن تبرير المواقف الفكريّة بضرورة تبنّي الحياد المنهجيّ الّذي يبرز الجانب الموضوعيّ والعلميّ للباحث؛ فالموضوعيّة لا تنفي التزام المثقف أمام القضايا الكبرى للإنسانيّة، وتصدّيه لمصائب الإنسان وغوائل الدّهر وصروفه، أليس الخوف هو العامل الرّئيس في تكبيل طموحات الإنسان نحو حياة أفضل؟ نحو انعتاق البشر؟ أليس هذا العامل هو السّبب في تعميق الهوّة بين الضّفّة الشّماليّة والجنوبيّة للبحر المتوسط؟ إنّ خوف المثقّف من الالتزام الواعي بواجب مساندة المجتمع، والوقوف على مشاكله وخصائصه وملامحه لتصحيح مسارات خاطئة؛ هو ما يدفعه إلى "الابتزاز المنظّم من قِبل الدّولة الوطنيّة الشّعبويّة القائمة على تعزيز الفساد السّياسيّ والإداريّ والماليّ، الّتي تحاول - دائمًا - إغراء المثقّف للانضمام إلى أجهزتها وأحزابها وقنوات سيطرتها السّرّيّة، هذا الابتزاز المنظّم للمثقّفين والأنتلجنسيا يجب أن يُقابل بتمرّد المثقّف وعدم خضوعه لمثل هذه الابتزازات أو الإغراءات، فالمستفيد ليس الدّولة ولا الجماهير؛ بل رؤوس الدّولة وأزلامها" (إدوارد سعيد، خيانة المثقّفين، ترجمة: أسعد الحسين، دار نينوى، دمشق، 2011م، ص ص 37 - 38).

هذا الخوف كلّس كلّ الدراسات ضمن العلوم الاجتماعيّة والأدبيّة في العالم العربيّ؛ فعندما يظلّ الخوف مهيمنًا وهاجسًا يوميًّا، وقائمًا - كسيف الحجّاج - على رقاب الأفراد والمجموعات، فإنّه يشوّه التّفكير المنطقيّ، أمّا القراءات الأنثروبولوجية المؤازرة للبحوث التّاريخيّة في المجالات الجغرافيّة العربيّة؛ فتظلّ غائبة - تمامًا - خاصّة في مجال بلاد المغرب؛ حيث يصبح المنهج مبتورًا نظرًا إلى قلّة الباحثين المتمرّسين أو انعدامهم، ولهذه الأسباب؛ فنحن مدعوّون أكثر من أي وقت مضى إلى دحر الخوف والتردّد وتمثّل دوافع القضية المدروسة، والاستعاضة عن آلامنا بتحويلها إلى قصّة شعريّة أو إلى رواية ذات مغزى، علّنا نساهم في فتح ثلمات بأسوار التّاريخ العربيّ المقدّس، ولهذه الأسباب تعدّ دراسة الانفعالات من أوكد المهام الموكولة إلى ضمير المثقّف والمؤرّخ بصفة خاصّة؛ فعلى عاتقهما تقع مسؤوليّة إعادة النّظر في الاستخدام المعقّد للمشاعر والأحاسيس، الّتي لعبت دورًا جوهريًّا في تاريخ المجتمعات البشريّة.

إنّني أعتقد أن المؤرّخ مثقّف قبل أن يكون مجمّعًا للمعطيات من مصادرها والاكتفاء بعرضها وشرحها؛ فهو مدعوّ إلى مواجهة الخسّة والنّذالة والشّناعة، مع التزام عمليّ - صائب وحصيف - من أجل عالم أفضل له وللأجيال القادمة، والأفعال الشّنيعة لا يمكن أن يغمرها النّسيان؛ لأنّها سترتدّ على كلّ من سيحاول طمسها، وستتكرّر بعنف أكثر قساوة، طالما لم نعترف بوقوعها، ولم نحاول فهم آليّاتها بغاية تجاوز آلام الماضي وعذاباته.

إنّ شعبا يتناسى آلامه سيُحكَم عليه بتكبّدها من جديد، ولا يمكننا تجاوز هذه الإشكاليّات إلّا بإعادة قراءة التّاريخ بكل موضوعيّة، وفهم آليّات الأحداث الفظيعة والاعتراف بوقوعها، فعلى كلّ من يعتقد في نفسه المعرفة والعلم من علماء الدّين والاجتماع، وعلماء الإناسة وعلم النّفس، والمؤرّخين، وكلّ من له شعور بالمسؤوليّة تجاه الإنسان في شموليّته، ثمّ تجاه سكّان بلاد المغرب بصفة خاصّة؛ أن يشرح لنا أسباب هذا العنف المدمّر لسكان بلاد المغرب، وآليّاته، وكيفيّة تجاوزه كي نستطيع ولوج أصول تشكّل الكائنات والظّواهر الغيبيّة والأسطوريّة، وفهم هيكليّة منظومتها المعرفيّة الّتي ما فتئت تهيمن على الفكر والممارسة بالبلاد الإسلاميّة، ساعية - أبدًا - إلى سدّ منافذ الرّحمة الإلاهيّة، وإلى احتكار الإمكانيّات المادّيّة والرّوحيّة والثّقافيّة للبشر. ماذا يمكن أن نفعل أمام هذا العنف المستشري والمتجدّد منذ المئات من السّنين؟ هل يظلّ المؤرّخ - في هذه الحالة - مجرّد ملاحظ متبصّر بعلّة ضرورة احترام المسافة الفاصلة بين الباحث وموضوع بحثه؟ هل من الموضوعيّة أن يظلّ مجرّد مسجّل لأحداث التاريخ ويترك الاستنتاجات لأهل السّياسة والدّمغجة؟

نبيل درغوث: ماذا يمثّل لك المؤرّخ الجامعيّ المرحوم محمّد الطّاهر المنصوري؟

محمد العادل لطيّف: المرحوم محمد الطّاهر المنصوري: هو - قبل كلّ شيء - صديقي ومُلهمي؛ لقد رافقته وعرفته عن قرب لسنوات عدّة، وكنت مدركًا لهمومه المعرفيّة وشواغله الأكاديميّة ومواقفه الإنسانيّة، وقد كان صديقًا لكلّ طلَبَته، متفهّمًا ظروفهم الاجتماعيّة والمادّيّة، لكنّه كان صارمًا في تقييم بحوثهم، لم يكن مجرّد مدرّس أو مؤرّخ؛ بل كان أكثر من ذلك بكثير، لقد كان مثقّفًا - أديبًا بكلّ ما في الكلمة من المعاني، حاملًا هموم شعبه في تونس، وهموم الإنسان العربيّ عمومًا، لكنّني كنت - دائمًا - ألاحظ الأمل في عينيه في الفرحة والبهجة الّلتين لم تفارقاه أبدًا إلى آخر أيام حياته، رغم الآلام الجسديّة الّتي كان يشعر بها.

عندما علمت بوفاته (10 آب من السنة الماضية)؛ كتبت على صفحتي في (الفيس بوك): هل سأعزّي عائلته وطلبته وأصدقاءه، أم أعزّي نفسي؟

لقد كان سند المقهورين والمظلومين في كلّ المجالات، بداية من المجال الأكاديميّ، رافضًا الشبكات والقنوات الزّبائنيّة، رافضًا السّلطويّة واستغلال المناصب، وتوظيف الطّلبة في المصالح الخاصّة أو في ابتزاز المدرّسين الجدد (المساعدين والأساتذة المساعدين).

أخيرًا؛ أرجو أن أواصل البحث على خطاه.

رحم الله محمد الطّاهر المنصوري - رحمة واسعة - وجازاه عنّا كلّ خير.


[1] «Le monde arabe défie le mur de la peur», Le Monde, 30 et 31 janvier 2011.

[2] أحمد عزاوي، "الأسطول، التجارة، القرصنة فيما بين القرنين السّادس والثّامن الهجريّ (12- 14م)"، منشورات كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة المحمّديّة، مطبعة النّجاح الجديدة، الدّار البيضاء، سلسلة النّدوات 7، 1999م، ص ص 71- 84، ص ص 73- 75.

[3] يهودي الدّيانة، وُلد بالمجر وهاجرت عائلته إلى ألمانيا سنة 1913م، ثمّ إلى الولايات المتّحدة سنة 1959.

[4] انظر: محمّد خليفة حسن والنّبوي جبر سراج، الجنيزا والمعابد اليهوديّة في مصر، مركز الدّراسات الشّرقيّة بالقاهرة، 1999م، ص 232. وانظر كذلك: عطيّة أحمد القوصي: "الجديد ... في وثائق الجنيزة الجديدة"، مجلّة المؤرّخ المصريّ، عدد 10، 1993م، ص ص 179- 185.