مستقبل الثقافة في مصر

فئة :  قراءات في كتب

مستقبل الثقافة في مصر

ربّما كان كتابُ "مستقبل الثقافة في مصر" للدكتور طه حسين (1889-1973) واحدًا من أهم الكتب التي تركها لنا ذلك العميدُ الرشيدُ والمُعلم الاستثنائي والذي نشره عام 1938، بُعَيد استقلال مصر عام 1936، ولايزال هذا الكتاب صالحًا لأن نستلهمه ونحن في مطلع الألفية الثالثة؛ لأن ظروف مصر - بعد ثورتين مجيدتين خلال أقل من ثلاثين شهرًا - تتشابه إلى حدّ كبير مع ظروفها في ثلاثينات القرن الماضي، الظروف نفسها والحلم نفسه والآمال ذاتها، التي تدفعنا إلى ضرورة التخطيط لمستقبل التعليم وإصلاحه في مصر، وطه حسين هو أوّل من أيّد ثورة يوليو 1952 بل وأول من أسماها باسم الثورة، ولو كان موجودًا بيننا لأيّد ثورتي يناير ويونيو. ومستقبل الثقافة في مصر - كما يقول بحق د محمد فتحي فرج - هو أول دراسة شاملة مكتملة الأركان، تُخصص للتخطيط لمستقبل التعليم في مصر، بل والبلاد العربية أيضًا. وقد اعترفَ كبارُ التربويين لطه حسين ولكتابه بهذا المنظور الكلي الشامل، إلا أن طه حسين لم يُعْطَ الفرصةَ لتطبيق كل ما جاء بهذا الكتاب من أحلام وطموحات لإصلاح حال التعليم، وضبط إيقاع الثقافة في مصر، حينما تولى وزارة المعارف في حكومة الوفد لمدة قصيرة، قبل قيام ثورة يوليو 1952، بل ولم تُعطَ هذه الفرصة لمصري بعده حتى الآن.

وانطلاقًا من النموذج الذي قدّمه طه حسين في مستقبل الثقافة في مصر- هذا الكتاب البرنامج - يمكننا أن نتطلع لإعادة رسم حياتنا الثقافية والتعليمية، على أسس من دستور 2014م الذي أرى أنه قدم إجابةً - قد تكون صالحة ويمكن تطويرها - عن التساؤل الذي طرحه طه حسين، والذي دار الجدل طويلًا حوله ولا يزال يدور؛ أعني سؤال الهُويّة الكبير: من نحن المصريين، وكيف نكون في مكاننا - الطبيعي - في مقدمة الأمم؟

- قسما كتاب مستقبل الثقافة في مصر

وللإجابة عن هذا السؤال الكبير؛ يمكننا تقسيم كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: يدور حول هُوية مصر الحضارية: تكوين وبنية العقل المصري؛ إجابة عن السؤال: من نحن؟

القسم الثاني: موقف الدولة من التعليم: وسائل تأكيد وتحقيق هُويتنا؛ إجابة عن السؤال نفسه لكن بطريقة أخرى: كيف نكون نحن نحن؟ كيف نكون في مقدمة الأمم - مكاننا الطبيعي كأحد صناع التاريخ والحضارة - منذ أن كانت الدنيا دنيا؟ كيف نحقق الحضارة ونمتلك القوة والثروة؛ الهدف الثلاثي للكتاب القائم على الثقافة والعلم؟

يظن كاتبُ هذه السطور، إذن، أن كتابَ "مستقبل الثقافة" هو واحد من أهم الكتب التي ألّفها مفكر مصري في القرن العشرين، حول موضوع بالغ الأهمية هو علاقة الثقافة والتعليم بالهُوية الحضارية لمصر، وعلاقة الدولة المصرية بكل من الثقافة والتعليم وارتباط كل ذلك بنهضة مصر واحتلالها المكانة التي تستحقها بين الأمم المتقدمة.

- ظروف تأليف الكتاب وظرفنا الراهن: (معاهدة الاستقلال 1936 ثورتي 25 يناير2011م و30 يونيو 2013م)

مازالت فكرة الكتاب الرئيسة؛ هي ما يتحاور حوله المثقفون والمفكرون في مطلع الألفية الثالثة، ومازالت الأسئلة التي طرحها طه حسين هي ذاتها الأسئلة التي نحاول البحث عن إجابة لها؛ لذلك ما زالت مصر في حاجة ماسة إلى كتاب مستقبلها كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" تحدث طه حسين - قبل وفاته عام 1973 - إلى الدكتور غالي شكري قائلًا:

"إن البلد لايزال متخلّفًا وفقيرًا ومريضًا وجاهلاً، نسبة الأميّة كما هي، ونسبة المثقفين تتناقص بسرعة تدعو للانزعاج، يُخيّل إليّ؛ أنّ ما كافحنا من أجله، هو نفسه لازال يحتاج إلى كفاحكم وكفاح الأجيال المقبلة بعدكم.. أودّعكم بكثيرٍ من الألم وقليلٍ من الأمل!".

- الحرية والدستور ليسا غاية في ذاتهما!

لقد حصلنا على حريتنا بعد ثورتين مجيدتين، وانتخبنا رئيسًا، منقذًا لمصر ولهويتنا المصريّة، وكتبنا دستورنا، وانتخبنا برلمانًا ننتظر منه الكثير وعادت مصرُ - الدولة التي يُكاد لها طوال التاريخ الحديث وقبل التاريخ الحديث، وتُدبّر لها المؤامرات - لكنها استطاعت أن تُفشلَ، بفضل جيشها وشعبها العظيم، خططَ المتآمرين، بل واستطاعت أن تعودَ دولةً حرّةً متماسكةً متطلعةً قائدةً للأمة العربية كلّها، والسؤال الذي يطرح نفسه: ؤهل هذا يكفي لتكون مصر أم الدنيا وقد الدنيا؟ لنسمع إجابةَ العميدِ الرشيدِ لطه حسين:

"الموضوع الذي أريد أن أدير فيه هذا الحديث هو مستقبل الثقافة في مصر، التي رُدت إليها الحريةُ بإحياء الدستور، وأُعيدت إليها الكرامةُ بتحقيق الاستقلال، فنحن نعيشُ في عصر من أخص ما يُوصف به أن الحريةَ والاستقلال فيه ليسا غايةً تَقْصدُ إليها الشعوبُ وتسعى إليها الأممُ، وإنما هما وسيلة إلى أغراض أرقى منهما وأبقى، وأشمل فائدة وأعمّ نفعًا".

هكذا يعلن العميد بقوة أن الحرية والدستور ليسا غاية في ذاتهما!

وأيضًا استقلال مصر وإنقاذها من مخططات الداخل والخارج، وانتخاب رئيس جديد، وبرلمان جديد، وكتابة دستور جديد، كل ذلك ليس غايةً بل وسيلة لغاية ثلاثية عظيمة، لنسمع إجابة المعلمُ المُلهِم طه حسين؛ إذا كان كلُ أولئك وسائل فما الغاية إذن؟

- الغاية الثلاثية لمستقبل الثقافة في مصر: الحضارة، القوة، الثروة

يرى عميدُ الثقافة والأدب أن مستقبلَ مصر متوقفٌ على مستقبل الثقافة فيها:

"وقد كانت شعوبٌ كثيرةٌ من الناس في أقطار كثيرة ٍمن الأرض تعيش حرةً مستقلةً، فلم تُغْنِ عنها الحريةُ شيئًا، ولم يُجْدِ عليها الاستقلالُ نفعًا، ولم تعصمها الحريةُ والاستقلالُ من أن تعتدي عليها شعوبٌ أخرى تستمتع بالحرية والاستقلال، ولكنّها لا تكتفي بهما ولا تراهما غايتها القصوى، وإنّما تضيف إليهما شيئًا آخر أو أشياءَ أخرى، تضيف إليهما:

1- الحضارة؛ التي تقوم على الثقافةِ والعلم.

2- القوة؛ التي تنشأ عن الثقافةِ والعلم.

3- والثروة؛ التي تنتجها الثقافةُ والعلم.

"ولولا أن مصر قصرت - طائعةً أو كارهةً - في ذات الثقافة والعلم لما فقدت حريتها، ولما أضاعت استقلالها، ولما احتاجت إلى هذا الجهاد العنيفِ الشريفِ لتسترد الحريةَ وتستعيد الاستقلال".

هل تريدون تلخيصًا أبرع من هذا التلخيص لحال مصر الراهنة، وماهي في حاجة ماسة إليه الآن، هل نحتاج إلى شيء أكثر من هذه "الغاية الثلاثية" التي لخّصها العميدُ في: الحضارة والقوة والثروة؟!

ولأنّ المجال لا يتسع للعرض المُسْهَب، فإني اكتفي بعرضٍ موجزٍ للخطوط العريضة التي طرحها طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" مع عرضٍ أكثر إيجازًا لإمكانية التعديل والإضافة والحذف على نموذج طه حسين بما يناسب عصرنا الحالي:

أولاً: الثقافة والهُوية المصرية والعقلُ المصري:

(هُوية مصر: وَحْدةُ العقليةِ المصرية أساسُ نهضتِها، وأساسُ الوَحْدَةِ الوطنية)

- سؤال الهُوية الكبير: ما العقل المصري، وإلى من ينتمي ثقافيًا وحضاريًا؟

إلى من تنتمي مصر ثقافيًا وحضاريًا؟

السؤال الإشكالية: أمصر من الشرق أم من الغرب؟

سؤال واحد، والصور متعددة، والإجابة التي قدمها طه حسين أثارت زوبعةً من الجدل، ومازالت تثيره بين حين وآخر:

- الإجابة المثيرة للجدل:

العقلُ المصريُ ليس عقلاً شرقيًا، إذا فُهِمَ من الشرق الصين واليابان والهند، وما يتصل بها من الأقطار.

العقلُ المصري جزءٌ من العقل اليوناني الغربي.

"وحدة الدين ووحدة اللغة، لا تصلحان أساسًا للوحدة السياسية ولا قوامًا لتكوين الدول".

"السياسة شيء والدين شيء آخر".

"إنما كانت مصر دائمًا جزءًا من أوربا، في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها".

- بول فاليري يَردّ العقلَ الغربيَ إلى عناصرَ ثلاثة:

أ- حضارة اليونان (وما فيها من أدب وفلسفة وفن).

ب- حضارة الرومان (وما فيها من سياسة وفقه).

ت- المسيحية (وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان).

- وطه حسين يردّ العقل المصري إلى عناصر ثلاثة:

يتساءل طه حسين قائلًا: "إذا أردنا أن نحلّلَ العقلَ الإسلاميَ في مصر وفي الشرق القريب، أفتراه يتحلّل إلى شيء آخر، غير هذه العناصر التي انتهى إليها بول فاليري؟!"

خذ نتائج العقل الإسلامي كلها فستراها تتحلّل إلى:

1- هذه الآثار الأدبية والفلسفية والفنية؛ التي مهما تكن مشخصاتها فهي متصلة بحضارة اليونان وما فيها من أدب وفلسفة وفن.

2- وإلى هذه السياسة والفقه؛ اللذين مهما يكن أمرهما فهما متصلان أشد الاتصال بما كان للرومان من سياسة وفقه.

3- وإلى هذا الدين الإسلامي الكريم، وما يدعو إليه من خير وما يحث عليه من إحسان.

"ومهما يقل القائلون، فلن يستطيعوا أن ينكروا أن الإسلامَ قد جاء متممًّا ومصدقًا للتوراة والإنجيل، وإذن، فمهما نبحث ومهما نستقصي فلن نجدَ ما يحملنا على أن نقبل أن بين العقل الأوربي والعقل المصري فرقًا جوهريًا".

"لكن السبيلَ إلى ذلك ليست في الكلام يُرسل إرسالًا، ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هي واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهى واحدة فذّة ليس لها تعدد وهي: أن نسيرَ سيرةَ الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب"!.

هكذا يقطع طه حسين بأن عقلنا الحضاري والثقافي والسياسي، هو عقل يوناني التكوين، عقل العميد عقل كبير ضخم ولكنه وقع في التقليد، تقليد "بول فاليري" فقال ما قال.

لقد جانب الصواب طه حسين وجانب طه حسين الصواب، ولو عكسنا مقولته ربما لم يجانبنا نحن الصواب: "إنما كانت أوربا جزءًا من مصر والإسلام، في كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية" (وأشير هنا إلى بحث علمي لكاتب هذه السطور: "الإسهام الحضاري لمصر القديمة في الفلسفة اليونانية" الذي يعالج العلاقة بين العقل المصري القديم والعقل اليوناني القديم الذي هو عقل أوربا الحديث).

لكن هدف طه حسين كان نبيلاً غايةَ النبل؛ إذ أنّه كان يريد نزع "عقدة الدونية" تجاه الغربيين من عقول وقلوب المصريين:

"صدقني يا سيدي القارئ، إن الواجبَ الصحيحَ بعد تحقيق الاستقلال، وإقرار الديمقراطية في مصر، إنّما هو أن نبذل ما نملك وما لانملك من القوة والجُهد، ومن الوقت والمال، لنُشعِرَ المصريين أفرادًا وجماعاتٍ أن اللهَ قد خلقهم للعزة لا للذلة، وللقوة لا للضعف، وللسيادة لا للاستكانة، وللنباهة لا للخمول، وأن نمحوَ من قلوب المصريين - أفرادًا وجماعاتٍ - هذا الوهمَ الآثمَ الشنيعَ الذي يصورُ لهم أنهم خُلقوا من طينة غير طينة الأوربي، وفُطروا على أمزجة غير الأمزجة الأوربية، ومُنحوا عقولًا غير العقول الأوربية؛ فهذا كله باطلٌ سخيفٌ، لا يَثبت أمامَ أيسر التفكير، ولا يستقيم لأهون نظرةٍ في التاريخ من جهة، وفي طبائع الأشياء من جهة أخرى".

- اعتراضات وإجاباتها:

ناقش طه حسين الاعتراضات التي يمكن أن تَرِدَ على وجهة نظره ومنها:

1- هل طه حسين يدعو إلى الآثام الأوربية؟.

يجيبنا طه حسين:

"نحن لا ندعو إلى آثام الأوربيين وسيئاتهم، وإنّما ندعو إلى خير ما عندهم وأنفع في سيرتهم".

"ونحن لا ندعو إلى أن نكون صورة طبق الأصل للأوربيين، كما يُقال، فذلك شيء لاسبيل إليه ولا يدعو إليه عاقل".

"وإنما ندعو إلى أن تكون أسباب الحضارة الأوربية هى أسباب الحضارة المصرية؛ لأننا لا نستطيع أن نعيش بغير ذلك فضلًا أن نرقى ونسود".

2- هل طه حسين يدعو لمادية الأوربيين غير المتصلة بالروح؟

يرد طه حسين:

"الحق أن الحضارةَ الأوربيةَ عظيمةُ الحظِّ من المادية، ولكن من الكلام الفارغ أو السخف الذي لا يقف عنده عاقل أن يقال إنّها قليلة الحظ من هذه المعاني السامية التي تغذّي الأرواح والقلوب".

"من الحق أن الحضارة الأوربية ماديّة المظاهر، وقد نجحت من هذه الناحية نجاحًا باهرًا، فوفقت إلى العلم الحديث، ثم إلى الفنون التطبيقية الحديثة، ثم إلى هذه المخترعات التي غيرت وجه الأرض وحياة الإنسان، ولكن من أجهل الجهل وأخطأ الخطأ أن يقال إنّ هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة؛ إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح الخصب المنتج، نتيجة الرّوح الحيّ الذي يتصل بالعقل فيغذيه، وينميه ويدفعه إلى التفكير، ثم إلى الإنتاج، ثم استغلال الإنتاج".

"وإنك لتدرس تاريخ الفلاسفة الأوربيين والعلماء الأوربيين والمخترعين الأوربيين فلا تجد واحدًا منهم إلا وله من الروح أعظم حظّ ممكن، له قبل كل شيء هذا الاستعداد السامي الذي يدفعه إلى التضحية بالوقت والجهد واللذة والحياة في سبيل الرأي، ثم في سبيل التفكير، ثم في سبيل الإنتاج".

3- هل طه حسين يريد تذويب شخصيتنا القومية في الغرب والتخلي عن تراثنا الإسلامي العظيم؟

يوضح طه حسين:

"أنا لا أدعو إلى أن ننكر أنفسنا، ولا إلى أن نجحد ماضينا، ولا إلى أن نفنى في الأوربيين، وكيف يستقيم هذا وأنا إنّما أدعو إلى أن نثبت لأوربا ونحفظ استقلالنا من عدوانها وطغيانها من أن تأكلنا؟!"

"لقد كنا معرّضين لخطر الفناء في أوربا حين كنا ضعافًا مسرفين في الضعف، وحين كنا نجهل تاريخنا القريب والبعيد، وحين لم نكن نشعر أن لنا وجودًا ممتازًا، وحين كان فريق منا يؤمنون في أعماق نفوسهم بأن للأوربي فضلاً على المصري؛ لأنه من جوهر ممتاز، وبأن للقبعة فضلاً على العمامة والطربوش؛ لأنها تغطى رأسًا ممتازاً!".

"كلا، إنما تتعرض مصر لهذا الفناء إذا اتكلت أو عجزت عن أن تقاوم أوربا بسلاحها، وتجاهدها بما تعرف من وسائل الجهاد".

"كلا، ليس على الشخصية المصرية خطرٌ من الحضارة الحديثة كما لم يكن على الشخصية اليابانية خطرٌ من الحضارة الحديثة، ولست أدري لم تضيع شخصية المصريين إذا ساروا سيرةَ الأوربيين، ولا تضيع شخصية اليابانيين، مع أن لمصر من المجد والسابقة ما ليس لليابان مثله!".

- مراحل تطوّر فكر طه حسين

كانت بعضُ مقولات طه حسين - وقد شهد هو نفسه بذلك - لونًا من ألوان الغلو في التقريب والتّماهي في التبعيّة للنموذج الحضاري الغربي؛ فالرجل كان يعيد طبع جميع كتبه - كما يقول الدّكتور محمد عمارة - إلّا كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" في حوار بالأهرام عام 1971 يقرّر طه حسين أن الكتاب يحتاج إلى المراجعة والإصلاح والحذف والإضافات، وهذا تعبير عن المراحل التي مرّ بها فكر طه حسين الذي - على حدّ تعبير الدكتور عمارة - أساء فهمه أنصاره وخصومه على السواء، وهذه المراحل هي مراحل أربع:

1- مرحلة الشيخ طه حسين (1908-1914م).

2- مرحلة الانبهار الشديد بالغرب (1919-1930).

3- مرحلة الإياب التدريجي (1932-1952).

4- مرحلة الإياب والانتصار الحاسم للعروبة والإسلام (1952-1960).

وأنا اقرأ طه حسين عبر تطوره الفكري، والذي يمثل - من وجهة نظري - تطور الفكر المصري في القرن العشرين، أو على الأقل هو دلالة بارزة عليه، وسوف أقسم الكلام عن كتاب "مستقبل الثقافة في مصر" إلى القسمين الذين ينقسم إليهما الكتاب بالفعل؛ أولاً: الثقافة، ثانيًا: التعليم.

أولاً: الثقافة؛ تعديل نموذج طه حسين

(دستور مصر 2014 يحل الإشكالية،

ويجيب عن سؤال من نحن؟)

لو أننا أخذنا فكر طه حسين في مراحل تطوره المختلفة، لأمكننا أن نعيد طرح أسئلته وإعادة الإجابة عنها، مع الوضع في الاعتبار بأن يكون هدفه الثلاثي: الحضارة – القوة –الثروة؛ هو الهدف ذاته الذي نسعى لتحقيقه:

حاول دستور مصر الجديد أن يجيب عن سؤال الهُوية الكبير:

- مصر شرقية أم غربية؟

- دينية أم مدنية؟

- ما دور الإسلام والعروبة في تحديد هُوية مصر؟

- ما موقفنا إزاء الحضارة الأوربية الحديثة؟

- هل نظمنا السياسية ديمقراطية؟

لنقرأ بعضَ موادِ دستورنا الجديد، وكيف حققت بعض مواده بعض أحلامنا وأحلام طه حسين:

مادة (1): جمهوريةُ مصر العربية دولةٌ ذاتُ سيادةٍ، موحدةٌ لا تقبل التجزئة، ولا يُنزل عن شيءٍ منها، نظامُها جمهوري ديمقراطي، يقومُ على أساسِ المواطنةِ وسيادةِ القانون.

الشعبُ المصريُ جزءٌ من الأمةِ العربيةِ، يعملُ على تكاملها ووحدتها، ومصرُ جزءٌ من العالم الإسلامي، تنتمي إلى القارة الأفريقية، وتعتز بامتدادها الآسيوي، وتسهم في بناء الحضارة الإنسانية.

مادة (2): الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

مادة (3): مبادئ شرائع المصريين، من المسيحيين واليهود، المصدر الرئيس للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية.

مادة (4): السيادةُ للشعب وحده، يمارسها ويحميها، وهو مصدرُ السلطات، ويصون وَحْدَته الوطنية التي تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وذلك على الوجه المبين في الدستور.

مادة (5): يقوم النظام السياسي على أساس التعددية والحزبية والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته، على الوجه المبين بالدستور.

مادة (19): التعليم حقّ لكل مواطن؛ هدفه بناء الشخصية المصرية، والحفاظ على الهوية الوطنية، وتأصيل المنهج العلمي في التفكير، وتنمية المواهب، وتشجيع الابتكار، وترسيخ القيم الحضارية والرُّوحية، وإرساء مفاهيم المواطنة والتسامح وعدم التمييز، وتلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم ووسائله، وتوفيره طبقًا لمعايير الجودة العالمية، والتعليم إلزامي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجانيته بمراحله المختلفة في مؤسسات الدولة التعليمية، وفقًا للقانون.

وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الاجمالي، تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

وتشرف الدولة عليه لضمان التزام جميع المدارس والمعاهد العامة والخاصة بالسياسات التعليمية بها.

مادة (20): تلتزم الدولة بتشجيع التعليم الفني والتقني والتدريب المهني وتطويره، والتوسع في أنواعه كافة، وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وبما يتناسب مع احتياجات سوق العمل.

مادة (21): تكفل الدولة استقلال الجامعات والمجامع العلمية واللغوية، وتوفير التعليم الجامعي وفقًا لمعايير الجودة العالمية، وتعمل على تطوير التعليم الجامعي، وتكفل مجانيته في جامعات الدولة ومعاهده وفقًا للقانون.

وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم الجامعي لا تقل عن 2% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

وتعمل الدولة علي تشجيع إنشاء الجامعات الأهلية التي لا تستهدف الربح، وتلتزم الدولة بضمان جودة التعليم في الجامعات الخاصة والأهلية والتزامها بمعايير الجودة العالمية، وإعداد كوادرها من أعضاء هيئات التدريس والباحثين، وتخصيص نسبة كافية من عوائدها لتطوير العملية التعليمية والبحثية.

مادة (22): المعلمون، وأعضاء هيئة التدريس ومعاونوهم؛ الركيزة الأساسية للتعليم، تكفل الدولة تنمية كفاءاتهم العلمية، ومهاراتهم الفنية، ورعاية حقوقهم المادية والأدبية، بما يضمن جودة التعليم وتحقيق أهدافه.

مادة (23): تكفل الدولة حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته؛ باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية، وبناء اقتصاد المعرفة، وترعى الباحثين والمخترعين، وتخصّص له نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 1% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيًّا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

كما تكفل الدولة سبل المساهمة الفعالة للقطاعين الخاص والأهلي وإسهام المصريين في الخارج في نهضة البحث العلمي.

مادة (24): اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني بكل مراحله؛ مواد أساسية في التعليم قبل الجامعي الحكومي والخاص، وتعمل الجامعات على تدريس حقوق الإنسان والقيم والأخلاق المهنية للتخصصات العلمية المختلفة.

مادة (24): تلتزم الدولة بوضع خطة شاملة للقضاء على الأمية الهجائية والرقمية بين المواطنين في جميع الأعمار، وتلتزم بوضع آليات تنفيذها بمشاركة مؤسسات المجتمع المدني، وذلك وفق خطة زمنية محددة.

آثرتُ نقلَ هذه الموادَ بحذافيرها، ولم أردْ مجرد الإشارة أو الإحالة إلى أرقامها للرجوع إليها في الدستور لسببين:

السبب الأول: أن في نشرها والتأكيد عليها والتذكير بها، فائدةٌ عظيمة لنا وللمسؤولين معًا.

والسبب الثاني: ليس المهم أن ينصَ الدستورُ على المعاني التي أكّد عليها العميدُ البصيرُ منذ ما يزيد عن ثلاثة أرباع القرن؛ إنما المهم هو تفعيل هذه المواد وفق خطة دقيقة لا تهاون فيها ولا تساهل، حتى لا تكون مواد الدستور مجرد "كلام لإرضاء الخواطر".

أقول: يمكن أن نبني على مواد الهُويةِ والتعليمِ هذه استراتيجية يحققها التعليمُ، والتعليم وحده، لتصبح مصر - بعد سنوات قليلة - بلدةً تمتلك الحضارة والقوة والثروة.

ثانيًا: التعليم.

(التعليم قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء)

ها هنا تتجلى عبقريةُ طه حسين:

"إن سبيل تحقيق نهضة مصر هى سبيل واحدة لا ثانية لها؛ وهى التعليم، ومن ثم بناء التعليم على أساس سليم".

التعليم قضية الدولة الأولى والثانية والأخيرة.

- هل تعكس مناهجنا التعليمية توجّهًا حقيقيًا نحو تحديد هُوية مصر؟

- هل تعكس مناهجنا التعليمية توجّهًا حقيقيًا نحو تحديد وَحْدةِ العقل المصري؟

- هل تعكس مناهجنا التعليمية توجهًا حقيقيًا نحو الديمقراطية؟

- هل يمكن أن تبني مناهجنا التعليمية الحضارة والقوة والثروة؟

الأهداف التي يجب على الدولة تحقيقها:

1- تنظيم فوضى التعليم:

- التعليم الرسمي الذي أفسده الإنجليز (وما زال إنجليز آخرون يفسدونه في عصرنا).

- التعليم الأجنبي لمصلحة بلاده لا لمصلحة مصر (قضية تعليم اللغات والتعليم باللغات الأجنبية).

- التعليم المصري الحر: مصدر فساد خاص وعام (ضِفْ التعليمَ المفتوح الآن).

- التعليم الديني: الأزهر الشريف ومعاهده (قضايا التجديد المنتظرة من أزهرنا العظيم الذي صاغ وثيقة رائعة هي وثيقة الأزهر).

- تعليم وسط بين الديني والمدني: دار العلوم (لا أدري لماذا نسينا الحديث عن تطوير دار العلوم التليدة المجيدة؟)

2- تحقيق وَحْدة العقلية المصرية كأساس للوحدة الوطنية: (يجب أن يشترك جميع المصريين في هذا الجزء الأساسي من أجزاء التعليم):

أ- الجغرافيا المصرية.

ب- اللغة العربية.

ت- التاريخ القومي.

ث- تعليم الدين الإسلامي في المدارس الأجنبية (يقول طه حسين؛ بحقّ الدينُ مُقَوِّمٌ خطيرٌ من مقوماتِ الوطنيةِ المصرية).

"إذن - كما يقول طه حسين - فلا ينبغي أن يكون هناك مصريون يخرجون من المدارس المصرية، وقد تعلموا الدين القومي واللغة القومية والتاريخ القومي، وآخرون يخرجون من المدارس الأجنبية وليس لهم من التعليم القومي حظٌّ ما".

3- تثبيت الديمقراطية:

كان طه حسين يرى أن التعليم هو السبيل الأساسي لكي يكون المصريون أحرارًا؛ لأن الذي يعرف هو الحر، ولا سبيل لأن تكون مصر حرة حرية حقيقية إلا بإزالة غشاوة الجهل عن أعين المصريين:

"إن العلم كالماء والهواء، يجب أن يكون متاحًا لكل أفراد الشعب، ولا يمكن أن تقوم ديمقراطية حقيقية من دون أن يتعلم الشعب".

"يجب أن يتعلمَ الشعبُ إلى أقصى حدود التعلم، ففي ذلك وحده الوسيلة إلى أن يعرفَ الشعبُ مواضعَ الظلم، وإلى أن يحاسبَ الشعبُ هؤلاءِ الذين يظلمونه ويُذِلونه، ويستأثرون بثمرات عمله".

4- حماية الاستقلال: السياسي، الاقتصادي.

5- هدف الأهداف: الهدف النهائي لعلاقة الثقافة بالتعليم هو: تحقيق الحضارة والقوة والثروة لمصرنا العظيمة.

- الوسائل: دور الدولة في التعليم غير الرسمي:

1- الملاحظة.

2- التفتيش.

3- الامتحان الدقيق.

- الوسائل: دور الدولة في إصلاح التعليم العام:

حدد طه حسين نوعي المشكلات الكبرى التي تخصّ التعليم:

- النوع الأول: مشكلات التعليم العام الخارجية؛ التي تحيط به فتفسده وتحوّله عن وجهته الطبيعية.

- النوع الثاني: مشكلات التعليم العام؛ الخاصة التي تتصل بطبيعته وجوهره.

الجزء العبقري في الكتاب هو الجزء الذي تم إهماله تمامًا أو يكاد، فقد تحدث طه حسين عن كل كبيرة وصغيرة في العملية التعليمية كي تنتج هدفها النهائي: حضارة وقوة وثروة تليق بمصر، ولو أن المسؤولين عندنا انتبهوا لهذا القسم الثاني من أقسام الكتاب لوفروا على أنفسهم عناء البحث والدرس وانعقاد اللجان وحل اللجان إلخ.

إنّ مَيْزة طه حسين ليس فقط في وضعه للحلول كتقنيّ أو متخصص في علوم التربية والتعليم؛ بل تكمن مزيته العظيمة كمفكر عظيم يخطط بالتعليم لنهضة بلادة كما كان "أفلاطون" قديمًا، وكما كان "جان جاك روسو" في عصر التنوير، وكما كان "جون ديوي" وغيره من فلاسفة التعليم حديثًا. كان طه حسين تربويًا، ورجلَ تعليم، وعالمَ نفس، ومفكّرًا اجتماعيًّا، بل وفيلسوفًا جمع بين منهجية أفلاطون الصارمة، ورومانسية جان جاك روسو الحالمة وعَمَلِية "جون ديوي" النفعية، في كل ما يأتي:

1- إصلاح التعليم الأوّلي الإلزامي.

2- إصلاح التعليم الثانوي.

3- إصلاح المدارس (ونحن في عصر غابتْ فيه المدرسةُ ذاتها لصالح مراكز الدروس الخصوصية).

4- إصلاح المعلم الذي يسميه طه حسين "المؤدِّب" والمفتش والوزير والوزارة (لا أعرف أحدًا تحدث عن دور المعلم المؤدب كما تحدث عنه طه حسين في فصول قصيرة موجزة بالغة الروعة، تُعلي من شأن المعلم، وكرامته، وعزته، وإنسانيته، ووطنيته، ولا تحملَّه جرائمَ تعليمية، هو من ضحاياها لا من صانعيها.)

5- مشكلة الامتحانات.

6- مناهج التعليم.

7- مشكلة اللغات الأجنبية واللغة العربية.

8- إعداد المعلمين الصالحين.

9- إعداد معلمي اللغة العربية خاصة.

10- تخصص المعلمين.

11- مسألة التعليم العالي.

وكل مشكلة من هذه المشكلات قدّم لها العميد حلًّا نابعًا من الواقع الذي عاشه، ونابعًا أيضًا من معين عبقريته الخاصة، التي جعلت من كتابه وثيقةً بالغةَ الأهميةِ تصلح أن نستلهما ونعدّل فيها نحذف منها ما تجاوزه الزمن (وهو قليل جدًا) ونضيف إليها ما جدّ علينا من قضايا، (وهو قليل نوعًا ما) وفي جميع الأحوال يبقى "مستقبل الثقافة في مصر" مستقبلًا لمصر كلها وليس لثقافتها فحسب، يبقى هدفًا قوميًّا علينا انجازه في العقود القليلة القادمة، وإلا كنا نحرث في البحر ونرفع الشعارات ونعيش على الوهم، ومصر العظيمة تريد منا أن تعود إلى مكانتها الطبيعية مالكةً للحضارة والقوة والثروة، فهل نلبي النداء؟ وإذا كان مجرى التطور قد حاد عن الآمال التي صاغها طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر" - كما يقول المستشرق الفرنسي جاك بيرك - فهل نتمكن من استعادة هذه الآمال مرة أخرى؟

لقد (ودّعنا) طه حسين بكثيرٍ من الألم وقليلٍ من الأمل، فهل (نعده) بمستقبل لمصر، وعدًا بكثيرٍ من الأمل وقليلٍ من الألم؟

قراءات مقترحة:

1- د. طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1993م.

2- د.محمد عمارة: طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام، كتاب مجلة الأزهر، القاهرة، ذي القعدة 1435ه سبتمبر 2014م.

3- د.محمد فتحي فرج: طه حسين وقضايا العصر، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2014م.

4- دستور مصر 2014م.