"من القرآن إلى المصحف" لجلال الرّبعي

فئة :  قراءات في كتب

"من القرآن إلى المصحف" لجلال الرّبعي

 قراءة في كتاب "من القرآن إلى المصحف" لجلال الرّبعي([1])


صدر للباحث التّونسيّ جلال الرّبعي كتاب بعنوان "من القرآن إلى المصحف" في طبعة أولى عن مكتبة علاء الدّين، تونس - صفاقس سنة 2016، يحتوي الكتاب على (231) صفحة، وقد تضمّن متن العمل، وأرفق بملحق لنصّ السّيوطي وصور من مخطوطات قرآنيّة قديمة أهمّها "مخطوطة بيرمنغهام"، ويندرج هذا العمل - عمومًا - ضمن مراجعة الفكر الدّينّي، وتحديدًا، ضمن قراءة علوم القرآن، ويروم الكتاب تنزيل الفكر الدّينيّ الإسلاميّ في سياق تشكّله التّاريخيّ والحضاريّ وقراءته قراءة تاريخيّة نقديّة، فهذه القراءة التّاريخيّة النقديّة كفيلة - حسب الباحث - بمراجعة مبدأ الإطلاقيّة، وتأسيس مبدأ النسبيّة، وفضلًا عن هذه الغاية العلميّة الّتي يبغي الباحث تحقيقها، فقد صيغ العمل بطريقة بيداغوجية تبسّط المعرفة دون إخلال، وكانت الغاية من ذلك أن يصل البحث إلى القارئ العربيّ عمومًا، وإلى الشّباب على وجه الخصوص؛ فالباحث يؤمن بأنّ هذه البحوث النّقديّة هي التّي ستخلق وعيًا جديدًا لدى النّاشئة، يدفعهم إلى إعمال العقل وقبول الآخر المختلف، ويحميهم من الانزلاق في التعصّب والقول بالرأي الواحد.

من أجل هذه الغاية؛ ارتأى الباحث تقسيم عمله إلى قسمين كبيرين: أمّا القسم الأوّل؛ فقد عنونه: "الوحي والنّبيّ الأميّ" درس فيه مبحثين أساسيَين هما: الوحي والقرآن، والوحي بين السّيرة والنّصّ القرآنيّ، أمّا القسم الثّاني فقد عنونه: "من الصّحائف إلى المصحف" تضمّن خمسة محاور هي على التوالي: علوم القرآن، وعائق القراءة، والمصحفة والمصاحف، والمصحفة وإشكاليّاتها، وعثمان والمصحفة، ومصحف ابن مسعود.

خصّص الباحث القسم الأوّل من العمل لدراسة مبحث مهمّ من مباحث علوم القرآن هو مبحث "الوحي"، وقد بيّن أنّ مفهوم الوحي حضر مرّات عدّة في النصّ القرآنيّ، غير أنّ هذه الظّاهرة الدّينيّة ليست خاصّة بالإسلام؛ فالوحي - حسب الباحث - "ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشريّة الدّينيّ"[2]، وما حصل للنّبيّ محمّدﷺ "يندرج ضمن سنّة كونيّة في تاريخ الدّيانات عامّة"[3]، وقد سعى الباحث إلى تبيّن دلالة هذا المفهوم في النّصّ القرآنيّ، وخلص إلى أنّ الوحي: "طريقة في الاتّصال بين القوى الخفيّة غير المرئيّة، والبشر إناثًا وذكورًا، أنبياء مصطفين، وبشرا كيّسين"[4]، غير أنّ الوحي قد يكون مضمونًا قوليًّا، وهو ما اصطلح عليه المسلمون بالقرآن، وقد انتبه الباحث إلى أنّ مصطلح القرآن ملتبس بمصطلحات أُخَر مثل: "الذّكر واللّوح المحفوظ والفرقان وأمّ الكتاب"، لذلك حرص الباحث على تدقيق معاني هذه المفاهيم وتبيّن الفروق الدّلاليّة بينها، فناقش عمل كلّ من "الزّرقاني" في كتابه "مناهل العرفان" و"محمّد شحرور" في كتابه "الكتاب والقرآن"، ورأى أنّهما لم يقدّما إضافة تُذكر؛ بل بقيا محافظين يردّدان ما استقرّ من تأويل سائد، ثمّ سعى إلى تقديم قراءة جديدة لهذه المفردات عبر تتبّع دلالاتها في النّصّ القرآنيّ، وقد استفاد في عمله هذا من نتائج توصّل إليها عبد المجيد الشّرفي في كتابه "الإسلام بين الرّسالة والتّاريخ"، ولعلّ ما يهمّنا في هذا التقديم: تمييز الباحث بين ثلاثة مصطلحات: الوحي والقرآن والمصحف؛ فالوحي "اعتمال داخلي في ذات الإنسان المهيّأ إليه قلبيًّا ونفسيًّا وجسديًّا وثقافيًّا"[5]، ويحصل العلم به دون أن يفقد صاحبه وعيه، والوحي - أيضًا - "كلام الله" من حيث مصدره المتعالي، و"كلام البشر" من حيث انتمائه إلى لغتهم، ويقودنا هذا التّعريف الثّاني إلى مفهوم القرآن؛ فالقرآن هو الكلام الشّفويّ الذّي تلفّظ به الرّسول في زمن محدّد، وقد فقدنا - بفعل الزّمن - بعض خصائصه من قبيل كلّ ما يتعلّق بلحظة التّلفظ (النّبرة، الحركات، علامات الوجه، ...إلخ)، أمّا المصحف؛ فهو ما دوّن من هذا الكلام الشّفويّ، ولا يخفى أنّ عمليّة تدوين القرآن وتثبيته في مدوّنة مكتوبة قد صاحبها - بالضّرورة - نقص ونسيان وضياع، لما رافق اللّحظة الأولى من علامات، ولعلّ الجدير بالذّكر في مقاربة الباحث لظاهرة الوحي، رغبته في استعادة تصوّر غفل عنه علماء القرآن، وإن كانوا قد أشاروا إليه عرضًا، فالباحث يستحضر موقفًا ذكره السّيوطي في "الإتقان" يتمثّل في إمكانيّة أن يكون الرّسول قد تلقّى المعنى من جبريل، ثمّ عبّر عنه بلغة العرب، ولعلّ هذا الفهم لظاهرة الوحي - حسب الباحث - يعيننا على ربط الوحي بالواقع وبالتّاريخ، ويخوّل الرّسول أن يكون فاعلًا في الرّسالة، لا أن يكون مجرّد وعاء سلبيّ.

يبدو أنّ تغييب هذا التصوّر للوحي والحرص على سلبيّة الرّسولﷺ، قد أوقع المسلمين الأوائل في خطأين تأويليّين أساسيّين:

الخطأ الأوّل: مخالفة كتب السّيرة للقرآن في تصوّر عمليّة الوحي؛ فقد نسجت كتب السّيرة جملة من الرّوايات فسّرت بها لحظة التّجلّي الأوّل للوحي، ولعلّ خبر نزول الوحي في الغار الوارد في سيرة ابن إسحاق وابن هشام قد عدّ الرّواية الرّسمية لنزول الوحي، وقد استحال الخبر في متخيّل النّاس عين الحقيقة، غير أنّ مقارنة الخبر بما ورد في القرآن يكشف - حسب الباحث - أنّ الخبر مختلق، فهذه القصّة - رغم كونها حبلى بالدّلالات - إلاّ أنّها لا تنسجم مع ما ورد في القرآن؛ بل هي تتعارض معه تعارضًا صارخًا.

الخطأ الثاني: الإصرار على أمّية الرّسول، وهو إصرار غايته سدّ الأبواب أمام كلّ مشاركة للرّسول في صياغة نصّ القرآن، فنّد الباحث مقولة الأميّة بقراءة في النصّ القرآنيّ، وتقديم أخبار تكشف معرفة الرسول بالقراءة والكتابة، وقد استند في موقفه هذا إلى النتائج التّي انتهى إليها هشام جعيّط في كتابه "الوحي والقرآن والنّبوّة"؛ بل إنّ الباحث ذهب إلى أبعد من ذلك لمّا بيّن أنّ الرسول كان عالمًا بثقافة عصره.

كانت جزيرة العرب، حسب الباحث، منفتحة على الحضارات الكبرى الفاعلة في المنطقة. وكانت التجارة وسيلة من وسائل التثاقف، ولذلك سيكون القرآن مسجورًا بثقافة هذه الأمم، فقد تأثّر النّصّ القرآني - عند الكاتب - بثلاثة روافد مهمّة: فلسفة اليونان وألواح بلاد الرّافدين وثقافة عرب ما قبل الإسلام، فقد تجلّت ثقافة اليونان في النصّ في كثير من المواضيع، مثل: الصّراط وتغيّظ جهنّم ...إلخ، ويمكن أن نقدّم دليلًا على هذا التًأثّر قطعة من قصيدة لبارمنيدس ورد فيها "الآن قف، وقل: إنّه أحد لم يلد ولم يولد، إنّه صمد ليس له كفوًّا أحد"، ليست سورة الإخلاص إلاّ استحضارا لهذا التوحيد الإغريقي الخالص، وهذا ما يكشف أنّ في النصّ حضورًا قويًّا لفلسفة اليونان، أمّا التأثر بالثًقافة البابليّة؛ فيكفي الاطّلاع على ألواح بابل لنقيم الدّليل على تأثر القرآن بقصّة الخلق البابليّة، فلم يعد من الممكن دراسة قصّة الطوفان في التّوراة أو في النّصّ القرآني دون الرجوع إلى القصّة البابليّة الموجودة في ملحمة قلقامش، وقد أقام الباحث الدّليل على حضور عناصر مهمّة من ثقافة العرب قبل الإسلام في القرآن، وعدّد الأمثلة على ذلك من بعض الأبيات الشعريّة لفحول الشّعر العربيّ قبل الإسلام،

ممّا تقدّم، نتبيّن أنّ الباحث حرص على تنزيل الظاهرة القرآنيّة في سياق تشكّلها التّاريخيّ والحضاريّ، وذلك باستحضار تصوّر للوحي لم يكتب له أن ينتصر في التّاريخ، إنّ استحضار الوحي باعتباره إلهيَّ المصدر بشريَّ الصياغة، قد خوّل للباحث مراجعة فكرة سلبيّة الرسول في الوحي، وساعده على ربط الوحي بالتّاريخ وثقافة العصر.

أمّا المحور الثّاني الذّي تطرّق إليه البحث؛ فهو قضيّة تدوين القرآن أو المصحف، فلا شكّ في أنّ القضيّة شائكة قد نظر فيها العلماء القدامى، غير أنّ نظرة القدامى إلى المسألة ارتبطت بحدود معرفة عصرهم، فقد غلب الجمع والعرض والنّقل على كتب علوم القرآن ممّا أوقعها في تناقض واضح، ومن ثمّة، كان لا بدّ، حسب الباحث، من إعادة قراءة هذه المدوّنة قراءة نقديّة تستجيب لقواعد المعرفة الحديثة القائمة على التّفكيك والنّقد والتّأويل، يشير البحث إلى أنّ عمليّة تدوين القرآن تطرح العديد من الأسئلة: أوّلها نظرة جيل الصّحابة إلى القرآن: ذكرت كتب علوم القرآن وكتب التّاريخ جملة من الأخبار ارتبطت بكيفيّة تعامل الرّسولﷺ والجيل الإسلاميّ الأوّل مع القرآن، من ذلك؛ قصّة عمر لمّا سمع أوّل آية خلق الإنسان من طين، فأتمّ الآية قائلا: "فتَبَارَكَ الله أَحسَنُ الخَالِقِينَ"، فقال الرسول: "هكذا نزلت". أو ما ورد من قصّة عبد الله بن أبي سرح من تغييره لبعض خواتم الآي[6].

ينتهي الباحث من خلال ذكره لهذه الأخبار إلى ليونة الرّسول وانفتاحه في تعامله مع الوحي؛ بل إنّ هذا الموقف الليّن قد تواصل مع بعض الصّحابة الذّين كانت لهم مصاحف خاصّة، فلم يتحرّج ابن مسعود في جمعه للمصحف من التّقديم أو التّأخير أو تغيير مفردة بأخرى تحافظ على المعنى نفسه[7]، وقد أجمعت المصادر على غياب الفاتحة والمعوّذتين من مصحف ابن مسعود، غير أنّ هذا اليسر في التّعامل مع الوحي سيتحوّل إلى عنف واقتتال زمن تشكّل المصحف الرسميّ العثمانيّ.

لقد طرحت قضيّة التّدوين أو المصحفة إشكاليّة ثانيّة، ارتبطت بالفاعلين الاجتماعيّين الرّاغبين في جمع المصحف؛ فنجم صراع خفيّ بين البدو والحضر، وطفا على السّطح الصّراع القديم بين الأوس والخزرج؛ بل احتدّ الصّراع بين قريش والأنصار، وفضلًا عن هذه الصّراعات الاجتماعيّة المرتبطة بعمليّة الجمع، فإنّ مدوّنة علوم القرآن قد أوردت أخبارًا تكشف صعوبات التّدوين، ولعلّ قارئ هذه الأخبار - حسب الباحث - يمكن له أن يتساءل عن مدى مشروعيّة قبول آية لا يحفظها إلّا أبو خزيمة الأنصاري، وعدم قبول آية الرّجم الّتي لا يحفظها إلّا عمر.

يطرح الباحث إشكاليّة ثالثة مرتبطة بجمع القرآن تتعلّق بتعدّد المصاحف؛ فقد ثبت بالأخبار الواردة في كتب علوم القرآن حضور جملة من المصاحف نافست مصحف عثمان، فإذا كانت السّلطة الرّسميّة ممثّلة في الخليفة الثّالث راغبة في توحيد النّصّ القرآنيّ خشية الاختلاف، فإنّ الواقع كان يقرّ بحضور مصاحف منافسة، أهمّها: مصحف ابن مسعود.

اعتنى الباحث بدراسة ترتيب هذا المصحف، حسب ما ذكرته المصادر، وانتهى إلى نتيجتين أساسيّتين:

- الاختلاف في التّرتيب؛ فمصحف ابن مسعود يختلف في ترتيبه عن مصحف عثمان.

- غياب الفاتحة والمعوّذتين.

ليس من ريب في أنّ غياب الفاتحة والمعوذتين يضرب، حسب الباحث، "في الصّميم آليّة التّواتر"[8]، فالمسّ بهذه الآليّة قد شكّل حرجًا لدى القدامى، فانبروا يبررّون اختيار ابن مسعود، ولئن سعى العقل التّبريريّ إلى التّقليل من شأن الاختلافات المصاحبة لجمع المصحف، فإنّ الإجماع الّذي تغنّى به هذا العقل لم يكن إلّا وهمًا، ولا علاقة له بما حصل من وقائع تاريخيّة.

خلص الباحث، باستقرائه لمدوّنة السّيوطي، إلى أنّ عمليّة جمع المصحف كانت عمليّة عسيرة. ارتبطت بمؤثّرات البيئة والتّاريخ، وقد سعت كتب علوم القرآن إلى السّكوت عن ما حصل من خلافات، وحرصت على أن تقلّل من شأن الاختلافات وتحيط العمليّة بهالة من الإجماع، غير أنّ الدّراسة النّقديّة الحديثة، كان لا بدّ لها من كشف هذه الرّهانات؛ فالقراءة الحديثة يجب أن تتخلّص من القيود الّتي رسمتها المؤسّسة الرّسمية، فهي قراءة تطلب مراجعة المنظومة التّقليديّة متوسّلة معارف العصر، وراغبة في تأسيس مبدأ التّعدّد والاختلاف.

لا شكّ في أنّ التصدّي لقضايا الوحي وجمع المصحف يحتاج إلى جرأة علميّة واطّلاع واسع على المدوّنة التّقليديّة، وعلى ما كتب في الدّراسات الحديثة، وهو أمر لم يغب عن الباحث؛ فقد تصدّى لموضوعه بروح علميّة وكان ديدنه التّساؤل والحفر في الأخبار، واستنطاقها لكشف المسكوت عنه، وقد وفّق الباحث في مقاربة موضوعه وتقديم أفكاره بطريقة مبسّطة وبيداغوجيّة تسهّل على القارئ الاطّلاع على أعسر المسائل في الفكر الإسلاميّ، ونحن نثمن رغبة الباحث في تحريك المياه الرّاكدة، واقتراح قراءة مغايرة من قبيل استحضار فهم مخصوص لعمليّة الوحي يكون فيها المعنى إلهيًّا والصياغة بشريّة، لقد اعتمد الباحث في هذا التّصوّر على رأي ورد في كتاب الإتقان لم يكتب له النّجاح في التّاريخ، وقد خوّل له هذا التّصوّر أن يضع الوحي في علاقة جدل مع الواقع، فضلًا عن ذلك، فإنّنا نؤيّد الباحث في العديد من النّتائج الّتي توصّل إليها العمل من قبيل التّنصيص على وهم الإجماع الحاصل في عمليّة الجمع، غير أنّنا نودّ مناقشته في نقطتين أساسيتين:

- أمّا النّقطة الأولى فتتعلّق بالرّوافد الثقافيّة في القرآن: لقد بيّن الباحث حضور جملة من الرّوافد الثّقافيّة في القرآن أهمّها ثقافة اليونان، وألواح بابل وثقافة العرب قبل الإسلام، والملاحظ أنّه بدأ بالمؤثّرات الخارجيّة وأخّر المؤثر المحليّ، وإنّنا لا ننكر حضور نصوص ثقافيّة في النّصّ القرآنيّ، ولكنّنا نعتقد أنّ المؤثّر المحليّ وثقافة سكان جزيرة العرب قبل الإسلام، هو المؤثّر الأكثر حضورًا في النّصّ، فلا يمكن فهم النصّ القرآنيّ فهما سليمًا إلّا بمعرفة البيئة وثقافة النّاس الذّين خاطبهم الرّسولﷺ، فالنّصّ لا يمكن له إلّا يعبّر عن الآفاق الذهنيّة وطرائق اعتقاد البشر الذّين يرغب في إقناعهم، لذلك نرى من الأولى تسليط الضّوء على البيئة المحليّة دون إهمال الوافد من الأفكار.

- النّقطة الثانيّة: ترتبط بالمدوّنة وما قدّمته من أخبار جمع المصحف؛ إذ انصبّ اهتمام الباحث على الرّواية الواردة في نصّ الإتقان للسّيوطي، وهي الرّواية الرسميّة الّتي استقرّت في الضّمير الجمعيّ الإسلاميّ، وقد تبيّن تناقض الأخبار واضطرابها، فسعى إلى البحث في المسكوت عنه في هذه الرّواية، ولم يخرج في نتائجه - في اعتقادنا - عمّا بيّنه من قبل نولدكه وبلاشير، ولم يتفطّن إلى أنّ الباحثين قد اختلفوا اختلافًا بيّنًا في قراءة هذه الرّواية، فتناقض الأخبار واضطرابها دفع الباحثين إلى اتّخاذ مواقف متضاربة منها، فإذا كان بورتن (John Burton)[9] قد رأى - انطلاقًا من هذه الرّواية - أنّ القرآن قد جُمع في عهد النبيّ ﷺ، فإنّ وانسبرو (John Wansbrough)[10] قد شكّك في هذه الرّواية جملة وتفصيلًا، ونحن نرى أنّ الباحث وإن نقد الرّواية واستقرأ الأخبار، فإنّه لم يشكّك البتّة - في أيّ لحظة من لحظات البحث - في الرّواية في مجملها، فلم يتساءل الباحث عن إمكانيّة أن تكون هذه الرّواية رواية أسطوريّة تُخفي صراعات أخطر ممّا تفطنّ إليها.

ومهما يكن الأمر، فقد كشف البحث عن عقل يتساءل وينقد ويقترح، وهو بذلك يسعى إلى مقاربة قضايا خطيرة بروح علميّة نقديّة تخرج عن القراءة السّائدة، وتطمح إلى تأسيس قراءة ترفض ادّعاء الحقيقة وتؤمن بالاختلاف؛ فالحقيقة - حسب الباحث - تُطلب ولا تُدرك، وهي أمامنا وليست خلفنا.


[1]- جلال الرّبعي: من مواليد صفاقس في 3 مارس 1961م، متحصّل على الأستاذيّة في اللغة والآداب العربية من كليّة الآداب بمنوبة، وللباحث إسهامات عدّة في البحوث الحضاريّة أهمّها:

- في قراءة القرآن، يوسف الصدّيق أنموذجًا في كتابه "هل قرأنا القرآن؟"، دار محمّد علي للنشر، 2013

- القرآن ناسخ ومنسوخ، الإتقان في علوم القرآن للسّيوطي أنموذجًا، مكتبة علاء الدّين، تونس- صفاقس، 2013

[2] الرّبعي، من القرآن إلى المصحف، ص 15

[3] المصدر نفسه، الصّفحة نفسها.

[4] المصدر نفسه، ص 18

[5] المصدر نفسه، ص 31

[6] انظر الأخبار، ص 135

[7] انظر، ص 136

[8] المصدر، ص 165

[9] John Burton, The collection of the QUR̕ᾹN, Cambridge University Press, 1977.

[10] John Wansbrough , Quranic Studies, published by Prometheus Books, 2004.