نجيب جورج عوض: الثيولوجيا وفلسفة الأديان

فئة :  حوارات

نجيب جورج عوض: الثيولوجيا وفلسفة الأديان

يوسف بن عدي: مرحباً بكم بروفسور "نجيب" على منبر مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

د. نجيب جورج عوض: يسعدني أن أجري هذا الحوار معكم، وأشكركم على الاستضافة على منبر المؤسسة.

يوسف بن عدي: السؤال التقليدي الذي نطرحه ابتداء على ضيوفنا هو عن السيرة العلميَّة والأكاديميَّة؟

د. نجيب جورج عوض: أنا نجيب جورج عوض، باحث لاهوتي أكاديمي، وشاعر من سورية، من مواليد مدينة اللاذقيَّة. بدأت حياتي الأكاديميَّة في مجال العلوم التطبيقيَّة، حيث كنت طالباً في قسم الهندسة الكهربائيَّة في جامعة تشرين في اللاذقيَّة، توقفت عن دراستي تلك بعد أن اكتشفت أنَّ روحي وعقلي وميولي كلها تصبُّ في مجال العلوم الإنسانيَّة والفلسفة في الواقع. كنت في التاسعة عشرة من عمري حين قرَّرت أن أترك بيت العائلة وسورية وأنتقل إلى بيروت ـ لبنان لأتابع دراستي في مجال اللَّاهوت المسيحي. انضممت عندها إلى كليَّة اللَّاهوت للشرق الأدنى في بيروت، وحصلت منها على درجة البكالوريوس في العلوم اللَّاهوتَّية المسيحيَّة في عام 1997. خدمت بعدها في مجال الرعاية الكنسيَّة في حقل الكنيسة البروتستانتيَّة المـُصلَحَة في سوريا ولبنان. في عام 2000 سافرت إلى بريطانيا لمتابعة دراساتي العليا في اللَّاهوت المسيحي، حيث حصلت على درجتي الماجستير وماجستير الفلسفة ومن بعدها دكتوراه الفلسفة الأولى في علم اللَّاهوت النظامي/العقائدي المسيحي من الكلَّيَّة الملكيَّة في جامعة لندن. عدت بعدها لفترة قصيرة إلى بيروت حيث حاضرت في اللَّاهوت في كليَّة اللَّاهوت للشرق الأدنى وفي جامعة الحكمة الكاثوليكيَّة، في بيروت، وعملت رئيساً لتحرير مجلة الكنيسة البروتستانتيَّة اللَّاهوتيَّة. سافرت بعدها إلى أمريكا لمدة سنة حيث كنت باحثاً زائراً في كليَّة اللَّاهوت في جامعة يـيل في نيوهيفن (عملت يومها على تأليف كتابي عن اللَّاهوت وعلاقته بالعلوم العلمانيَّة، الذي صدر لاحقاً بالإنكليزيَّة في أمريكا)، قبل أن أنتـقل بعدها إلى ألمانيا لأعمل محاضراً في اللَّاهوت التـثاقـفي (intercultural theology) والبي-سياقي (inter-contextual theology) في برنامج لدراساتالماجستير في كليَّة العلوم الدينيَّة في جامعة غوتنغن ومدرسة هرمانسبورغ للدراسات اللَّاهوتيَّة. أثناء وجودي في ألمانيا، بدأت بالعمل على درجة الدكتوراه الثانية (المؤهلة للحصول على مرتبة البروفسور (الأستاذية) في اللَّاهوت التاريخي المشرقي وعلم الكلام المسيحي في العصر الإسلامي المبكر (العلاقات الإسلاميَّة-المسيحيَّة)، وقد أجريت بحثي وكتبت أطروحتي في جامعتي مونستر وماربورغ. منذ عام 2012م أتبوَّأ منصب البروفسور المشارك في علم اللَّاهوت المسيحي ومدير قسم دراسات الدكتوراه في كلَّيَّة هارتفورد للدراسات الدينيَّة في كونيكتكت، أمريكا.

يوسف بن عدي: من الواضح دكتور أنَّ المطَّلع على مقالاتكم ودراساتكم يتبيَّن حضور مفهومين أساسيين هما: الإيمان والتيولوجيا. لماذا هذا الحضور؟ وما مبرّراته النظريَّة والمنهجيَّة؟

د. نجيب جورج عوض: تلك الملاحظة صحيحة. أنا أكاديمي محترف مختص بعلم اللَّاهوت المسيحي أو الثيولوجيا. علم الثيولوجيا هو علم يفكّر ويفكّك ويحلّل الخطاب المسيحي عن الله وعلاقة الله بالوجود، وإسقاطات ذلك المفهوم وتلك العلاقة على وجود الإنسان ومصيره بشكل خاص، وعلى وجود الكون بشكل عام. في الفكر المسيحي يدور أيّ كلام عن الله وخليقته في سياق مفهوم "الإيمان" بنيوياً وقاعدياً، وليس على مفهوم "الدين". من يقرأ النصوص المسيحيَّة اللَّاهوتيَّة والفكريَّة الأولى والمرجعيَّة (الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائي) يلاحظ غياب مفهوم "دين" منها بشكل واضح. في الواقع يمكن للباحث في تاريخ الفكر المسيحي أن يلاحظ أنَّ مفهوم "دين" ولج إلى فضاء التفكير المسيحي اللَّاهوتي في أواخر عصر النهضة وبداية عصر الأنوار وليس قبل ذلك. ما يلاحظه الباحث، في الواقع، هو استخدام لاهوتيي المسيحية عبر التاريخ لمصطلح "إيمان" بشكل طاغٍ ومستمر وأساسي. من هنا فإنَّ أيَّة دراسة للخطاب الثيولوجي (اللَّاهوتي) المسيحي في بنيته ومكنوناته الأساس يجب أن يدور حول فكرة الإيمان، وأن يعمل على تفسير كلّ العقائد المسيحيَّة وتفكيكها وإعادة تركيبها دوماً في ضوء الفهم القاعدي والافتراض الإبستمولوجي لمفهوم الإيمان تحديداً. في العصور الوسطى، علَّم اللاهوتي البريطاني أنسيلم من كانتربري الفكر اللَّاهوتي المسيحي أن يتبنى معادلة منهجيَّة هرمنيوتيكيَّة وإبستمولوجيَّة أساسيَّة في الخوض في عملية التفكير بالله والإنسان وكلّ ما يتعلق بالفهم المسيحي لهما، قوام هذه المعادلة هو: إيمان- بحث - فهم (faith-seeking-understanding(. يتبنَّى معظم الباحثين في اللَّاهوت المسيحي (عدا بعض التيارات المعرفيَّة الفلسفيَّة والاختباريَّة فيه) تلك المنهجيَّة في عمليَّة تفكيرهم وتحليلهم وتفسيرهم للفكر المسيحي. وأنا بصفتي مفكراً ولاهوتياً وأكاديمياً مسيحياً أتبع المنهجيَّة نفسها، ولهذا تلحظ مصيباًأنَّني أتطرَّق لمفهوم الإيمان بالتحديد في اجتهاداتي اللاهوتيَّة والبحثيَّة.

يوسف بن عدي: هل هذان المفهومان يرسمان الطريق بالفعل نحو فلسفة الدين، أو قلْ فلسفات الأديان؟

د. نجيب جورج عوض: سأتردَّد في الحقيقة في الموافقة على هذا الرأي. ففلسفة الدين أو الأديان هي حقل معرفي وعلمي قائم بذاته، وله ماهيته وفهمه لذاته وأدواته المعرفيَّة ومنهجياته الهرمنيوتيكيَّة الخاصة به، والتي تختلف في الواقع عن تلك الجوانب نفسها المتعلقة في حقل علم اللَّاهوت المسيحي الذي تحدثت عنه في الأعلى. فلسفة الدين ليست دائماً لاهوتاً، وإن كان كلٌّ من اللاهوت وفلسفة الدين يدوران حول "الخطاب الديني". فلسفة الدين هي عملية تفكير وتحليل وسبر منطقي وتفكيكي لماهيَّة الميل الديني البشري في طبيعته الوجوديَّة، من جهة، وهي عمليَّة تفكير وسبر وتحليل وتوصيف منطقي وتفكيكي لماهيَّة الخطاب الديني (أو الخطابات الدينية) الذي انتجته مجموعة بشريَّة دينيَّة كخطاب معبـِّر ومُفسِّر وناظِم للميل الديني البشري البدئي الذي يشتركون معاً في عيشه واختباره، من جهة أخرى.

من هنا فإنَّ علينا ألَّا نستغرب إن ركَّزت فلسفة الدين في خطابها المعرفي والمنهجي على مفهوم "دين" أكثر من مفهوم "إيمان"، وإن كانت فلسفة الدين تعير انتباهاً تفسيرياً للمفهوم الأخير حين تقارب فلسفياً خطاباً لاهوتياً معيَّناً، كالخطاب المسيحي، وتلحظ أنَّ هذا الخطاب الثيولوجي يتمحور حول مفهوم "إيمان". ولكنَّ فلسفة الأديان تقارب ظاهرة الميل البشري للآخر المقدَّس أو المفارق من زوايا وبفضل منهجيات وافتراضات بدئيَّة مختلفة عن تلك الخاصَّة باللاهوت. فلسفة الدين تحتاج حتماً إلى مفهوم "الدين" كي تبني عليه اجتهاداتها المعرفيَّة، وهي تحتاج أن تتوقف وتدرس مفهوم "الاعتقاد" (belief)في هذا الإطار، لكنَّها لا تحتاج بالضرورة وفي كلّ وقت أن تتطرق لمفهوم "إيمان" (faith)، إلا إذا ما كان الدين الذي تدرسه يعطي لهذا المفهوم الأخير موقعاً مركزياً. تطوير خطاب فلسفة دين عن الدين الإسلامي، برأيي المتواضع، ستدور حول فكرة "الدين" وفكرة "التوحيد" أكثر من فكرة "الإيمان"، بهذا المعنى وعلى سبيل المثال.

يوسف بن عدي: ألا تعتقدون إذن أنَّ قراءة تاريخ المدارس والمذاهب الدينيَّة والفلسفيَّة هو شرط لازم حتى يكون في مُكنتنا الفوز بخطاب إنساني يزاوج بين الإيمان والعقل؟

د. نجيب جورج عوض: أوافق معكم تماماً على هذا الاقتراح، من وجهة نظر تيولوجيَّة مسيحيَّة ووجهة نظر فلسفيَّة دينيَّة على حد سواء. أنا أؤمن كغيري من الباحثين الثقات والجادين في الحقل العلمي والأكاديمي حول العالم بأنَّ المعرفة تراكميَّة وسيروريَّة (processive) بطبيعتها. لا يمكن بناء مشروع معرفي متكامل وعميق وصلب القواعد ومنطقي ومقبول موضوعياً وعلمياً ما لم ننتبه لمسألتين أساسيتين في سياق الاجتهاد المعرفي: 1) كلُّ اجتهاد معرفي لا يسقط من الفضاء ما ورائياً ولا يكتفي بذاته ولا يمثل بداية ذاته. الاجتهاد المعرفي هو استمرار وتداعٍ لما سبقه من اجتهادات، بالمعنى التاريخي والمعنى التدرجي، يبني عليها ويتعلم منها ويتفاعل معها ويصححها ويعرف اختلافها عن ما يدعيه. 2) كلُّ اجتهاد معرفي حقيقي وأصيل ويعوَّل عليه يجب ألَّا يكون مقفلاً ولا جامداً ولا نهائياً بطبيعته، بل يجب أن يكون مساراً وسيرورة ديناميكيَّة ومفتوحة وقابلة دوماً للتطوير والتقويم والتعديل.

من هنا، فإنَّ الاطلاع على كافة المذاهب والمدارس الدينيَّة والفلسفيَّة، بل والسوسيولوجيَّة والإنثربولوجيَّة والأدبيَّة والثقافيَّة عموماً، التي أنتجها العقل البشري في القرون الماضية وفي الزمن المعاصر، لا بل والتي نتجت عن اجتهادات إنسانيَّة من أشخاص ينتمون إلى ثـقافات وحضارات وخلفيات تخـتلف (وقد تتضارب) مع ثـقافة وحضارة وخلفية الباحث، هو من أهم وأكثر شروط المعرفة والإنتاج المعرفي حتميَّة. لا إنتاج للمعرفة دون تراكم تاريخي اطلاعي، ودون التعامل مع المعرفة على أنَّها سيرورة ديناميكيَّة بلا نهاية ولا عصمة.

برأيي أنَّ الاتفاق على أساسيَّة ومطلقيَّة القاعدة التي ذكرتها في الأعلى هو أهمُّ الدلائل على أنَّ خطاباً إنسانياً ما يزاوج بشكل صحيح وموثوق ويعوَّل عليه بين الاعتقاد الإيماني، من جهة، وبين الاجتهاد البشري العقلي لفهم وتفسير وبناء علاقة مع موضوع الاعتقاد الإيماني، من جهة أخرى. وإن أردت أن أستعير مقولة ألبرت إينشتاين الشهيرة مع بعض التحوير، سأقول إنَّ "الإيمان بلا عقل أعمى، والعقل بلا اعتقاد أعرج".

يوسف بن عدي: لماذا كان الخطاب الديني عامَّة يعمل، كماتقولون، على أن يثبت للخطاب العلماني والحداثي جدارته ومقبوليَّته؟ وكيف صارت الأمور في رأيكم؟

د. نجيب جورج عوض: اسمح لي أن أشير هنا إلى أنَّ علينا أن نفرّق بين "خطاب علماني" من جهة و"خطاب حداثي" من جهة أخرى. هناك خطابات "حداثية" بالمعنى الفلسفي والمنهجي للكلمة (modernist)ولكنَّها ليست "علمانيَّة" بطبيعتها وطروحاتها. في أوروبا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مثلاً، نشأت الكثير من الخطابات الحداثيَّة اللَّاهوتَّية المسيحيَّة التي تعتمد على قواعد التفكير والتفسير ومنهجيات المعرفة التي تمَّ تطويرها في عصري الأنوار والحداثة. لا يمكننا أن نسمّي تلك الخطابات "علمانيَّة"، إذا ما تذكرنا أنَّ مصطلح "علمانيَّة" نفسه هو نتاج فكر عصر الأنوار، وله مضامين ومفاهيم تعريفيَّة قائمة بذاتها.

من جهة أخرى، علينا أيضاً أن نتحدث سياقياً عن علاقة الخطاب الديني بكلٍّ من الخطاب العلماني والخطاب الحداثي. فتلك العلاقة تتفاوت في تاريخها ومسيرتها وإرهاصاتها وتفاصيلها بين سياق مجتمعي وحضاري وجغرافي وآخر. أنا من الحريصين جداً في فكري العلمي على الانتباه القاعدي للتفاوت والتنوع السياقي في ما يتعلق بأيَّة مسألة معرفيَّة. قصة وتاريخ العلاقة (أو العلاقات) بين الخطاب الديني والخطاب اللا-ديني (سواء علماني أو حداثوي) في سياق العالم العربي (لا بل وفي سياق كل دولة عربيَّة على حدة) يختلف في طبيعته وتداعياته عن سياق تاريخ وقصة تلك العلاقة (أو العلاقات) في السياق الأوروبي (أو سياق كلّ دولة أوروبيَّة على حدة) والسياق الأمريكي.

أستطيع هنا أن أقف عند عتبة إعطاء رأي مبدئي دون الإغراق في العموميَّة، لأنَّها ليست علميَّة. أستطيع أن أقول فقط إنَّني شخصياً لا أعتقد أنَّ الخطاب الديني في العالم العربي قد تفاعل أو بنى علاقة مع أيّ خطاب علماني حقيقي وفعلي في تاريخه حتى الآن. أو هو لم ينخرط في مثل تلك العلاقة حتى هذه اللحظة على الأقل. لهذا لا أعتقد أنَّ الخطاب الديني في العالم العربي قد حاول أصلاً أن يتفاعل مع الخطاب العلماني كي نقول إنَّه حاول أن يرضيه أم لا. قد يكون كلامي صادماً ومستغرباً من قبل القراء الأعزاء. سبب الاستغراب برأيي المتواضع يتأتَّى من الفهم الشعبي الخاطئ والشائع في أوساط الشارع العربي بأنَّ الخطاب العلماني يعني حصرياً واختزالياً "خطاب إلحادي أو معادي للدين": كأنَّ كلَّ صوت ملحد يمثل صوتاً علمانيَّاً. هذا الاختزال للعلمانيَّة بالإلحاد هو بحدّ ذاته خطأ وافتراض معرفي غير صحيح في الواقع. علّمنا فلاسفة موثوقون مثل يورغن هابرماس وشارلز تايلر، على سبيل الذكر لا الحصر، أنَّ هذا الاختزال للعلمانيَّة بالإلحاد وبالرفض للدين ما هو إلا تشويه معرفي سيء ومضر للقراءة التاريخيَّة والهرمنيوتيكيَّة والسوسيولوجيَّة الصحيحة لماهيَّة العلمانيَّة وتمظهراتها في تاريخ سياقاتها السوسيولوجيَّة والمجتمعيَّة في الغرب. باختصار، لا أعتقد أنَّ الخطاب الديني العربي قد التقى بعدُ بخطاب علماني حقيقي (كما نعرف هذا الخطاب في أمهات أدبياته وخطاباته المتعدّدة) كي نقول إنَّ هناك علاقة بين هذين الخطابين في العالم العربي أوما هي طبيعة تلك العلاقة. على ممثلي ورعاة الخطابات الدينيَّة في العالم العربي، وهم في بلادنا غالباً كهنة وأكليروس وشيوخ دين وعمائم وليس رجالات فكر أكاديمي للأسف، أن يسمحوا لأنفسهم أولاً بالاطلاع على الخطابين العلماني والحداثي والسماح لهما بالحوار مع الخطاب الديني والتفاعل معه بانفتاح وجرأة كمن يؤمن أنَّ أي خطاب معرفي (ديني أم لا) يجب أن يكون خطاباً مفتوحاً وسيرورياً وغير معصوم. وهذا ما لم نصل إليه بعدُ في المؤسسات الدينيَّة المسيحيَّة والإسلاميَّة في العالم العربي، للأسف الشديد.

يوسف بن عدي: هل يتطلَّب الاشتغال على مفاهيم الخطاب: الذات، الفرد، الشخص...، القدرة على تجديده وتحيينه، لاسيَّما أنَّنا نسجّل حضور الدين ولواحقه، أو اللَّاهوت ومكوناته في نصوص فلسفيَّة كثيرة؟

د. نجيب جورج عوض: هذا الأمر مطلوب بل وشرطي حتماً. ما لم يتغير فهم الإنسان العربي لماهيَّة الذات البشريَّة وطبيعة الأنا وماهيَّة الشخصانيَّة وعلاقاتيتها، وما لم نقيّم ونصحّح ونعيد تأليف خطابنا عنها، وما لم نحيّنها ونعيد تصوُّرها في سياق الطبيعة التاريخيَّة والسيروريَّة للكينونة وللعقل البشريين، لن يكون ممكناً تجديد وتطوير وتأريض تلك الذات وذاك الفرد وتلك الشخصانيَّة بشكلٍ صحّي وطبيعي وضروري، كي يعيش هذا الإنسان العربي ذاته، وكي يعود إلى السير في ركب التاريخ ومسيرة الحياة العامَّة، ويتحرَّر من واقعه النكوصي والانحطاطي والهامشي الحالي.

نحن للأسف لم نصل بعدُ إلى الدخول في دائرة التغيير البنيوي الذي عاشه العالم الغربي حين انتقل معرفيَّاً من عصر الحداثة إلى عصر ما بعد-الحداثة. لا شكَّ بأنَّ عصر ما بعد-الحداثة، الذي أعيش فيه بحكم عملي كباحث في الغرب، قد تجاوز إيديولجيات عصر الحداثة التي همَّشت الفكر الديني وشيطنت الخطاب اللَّاهوتي في أوروبا وأمريكا، واعتبرتهما خطابين وفكرين منافيين للعقل ولا يعول عليهما علميَّاً. في فضاء المعرفة العلميَّة والأكاديميَّة الغربيَّة اليوم يعود المفكرون إلى منطقة وسطى تصالحيَّة تتجاوز الميل الحداثوي المذكور، وتنتبه بشكل جدّي إلى الخطابات والاجتهادات اللاهوتيَّة والفلسفيَّة الدينيَّة من جديد. إلا أنَّها لا تعود للاهتمام بتلك الخطابات من خلال نكوص ما قبل-حداثوي لللَّاهوت وفلسفة الدين في ماهيتهما التقليديَّة الكلاسيكيَّة واستسلام لتلك الماهيَّة. تفكيك الدين واللاهوت بصورتيهما التقليديتين أمر نافذ ولا رجعة عنه في الغرب. إلا أنَّ الباحثين يعودون إلى هذين الخطابين من خلال نافذة العلوم الاجتماعيَّة بالتحديد. أي أنَّنا لا نشهد إعادة إحياء لللَّاهوت والدين بمفهوميهما القديمين المغلقين والمعصومين المدمرين، بل نشهد اهتماماً باستعارة منهجيات وأدوات تفسيريَّة درجت فلسفة الدين واللَّاهوت المسيحي على استخدامهما، ومن ثمَّ تطويع تلك المنهجيات والأدوات في خدمة تطوير خطابات سوسيولوجيَّة وأنثروبولجيَّة وثقافيَّة وسياسيَّة عن دور المخيال الديني والميل الإيماني في فهم حياة الإنسان (وليس حياة الله) وفي تفسير الطبيعة البشريَّة (وليس تفسير الله والإيمان به). برأيي أنَّ هذه العودة حميدة ومفيدة، وهي ستفيد الخطابين اللَّاهوتي والديني وتطورهما من داخلهما في الواقع، بأن تجعلهما أقلَّ ميتافيزيقيَّة وتحذراً وفوقيَّة وأكثر تاريخيَّة وتأريضاً وسياقيَّة وإدراكاً لطبيعتهما كصناعة وإنتاج بشري محدود في النهاية.

أنا من اللَّاهوتيين الذين يشجّعون هذا ويبنون عليه في دراساتهم. أنا من المؤمنين بما نسميه اليوم في الحقل العلمي "التفاعل التبادلي ما بين العلوم" (interdiscplinarity). ولا أؤمن بأيّ خطاب معرفي لاهوتي أو ديني يعوَّل عليه ما لم يعكس في مفرداته ومحتواه تفاعلاً جاداً منفتحاً ونقدياً وجريئاً عقلياً وعلمياً مع خطابات حقول المعرفة الأخرى. لا أؤمن أنَّ على الخطاب الديني أو اللَّاهوتي أن يثبت جدارته وينال رضى الخطابات العلميَّة الأخرى من خلال تشويه ذاته كي يتمظهر في صورة ترضي توقعات الآخر منه. إلا أنَّني لا أؤمن أبداً كذلك بأنَّ الخطاب الديني أو اللَّاهوتي يتمتَّع بموقع فوقي امتيازي يسمح له بادعاء المرجعيَّة والعصمة والأولويَّة لمجرَّد أنَّه يتحدث عن الله (بل وباسمه للأسف) أو لمجرَّد أنَّه يزعم أنَّ مراجعه عن الحقيقة هي نصوص إلهيَّة وسماويَّة (فلا وجود لنص سماوي أو سحري برأيي). على العلاقة أن تكون علاقة بين متساويين يحترمان تفردهما ويغتنيان باختلاف الآخر عنهما ويتفاعلان معاً كي يتغيرا بفضل الآخر: علاقة تبادلية-تفاعلية. أزعم أنَّ مفكري الحقول المعرفيَّة اللادينيَّة الأخرى في الغرب يبدون انفتاحاً واستعداداً، بعد مرور ثلاثة قرون حداثيَّة عن امتناعهم عن ذلك، لقراءة الخطابات الدينيَّة واللاهوتيَّة التي ينتجها الباحثون في الأديان. الدور اليوم هو على اللاهوتيين وأصحاب الخطابات الدينيَّة، خاصة في العالم العربي (المتأخر عن ركب السيرورة المعرفيَّة البشريَّة، الذي يقبع أحياناً خارج تاريخ الحراك البشري، وللأسف، لأسباب عديدة ومعقَّدة لامجال لذكرها هنا) كي يتخلَّوا عن فوقيتهم وعصمتهم وعزلتهم عن واقع الحياة وحراك التاريخ، وينخرطوا في تفاعل مفتوح وجريء وتغييري ونقدي مع الفكر العالمي والبشري الآخر.

يوسف بن عدي: ما هي مشاريعكم الفكريَّة القادمة؟

د. نجيب جورج عوض: أعكف حالياً على إنهاء تأليف كتاب جديد عن المسيحيين المشرقيين في العصر الأموي. الدراسة ستكون تاريخيَّة سياقيَّة وتحليليَّة من خلال التأمُّل المتمهّل في نصوص أحد أهم اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين الأمويين الذين جاؤوا من دمشق وخدموا في بلاط الخليفة الأموي، وهو يوحنا الدمشقي. وبسبب اهتمامي الكُلّي بالمشهد السوري ونشاطي كمفكر ناشط لدعم الشعب السوري في ثورته، سأعكف أيضاً قريباً على كتابة نصٍ عن الأصوات السوريَّة المسيحيَّة في مشهد التراجيديا السوريَّة الأخير، وأقدّم تقييماً نقديَّاً لهذا الموقف. أمَّا في السنوات القليلة القادمة فأودُّ في الحقيقة أن أجري أبحاثاً ودراسات خاصة عن موضوعين: الأول هو دراسة الفكر الفلسفي المسيحي والإسلامي في العصر العباسي المبكر، خاصة في علاقة علم الكلام بالفلسفة والفكر المعتزلي. والثاني دراسة عن علاقـة الفكر اللاهوتي البروتستانتي بمفهوم "أخرنة الآخر" ونظرية "الأخرنة" المهمَّة في سياق علم الإنثربولوجيا وسوسيولوجيا الثـقافة. كما تلاحظون، تميل أبحاثي بطبيعتها ومواضيعها للتركيز على البي-علاقاتيَّة والتفاعليَّة والعلاقة المتبادلة بين اللَّاهوت والعلوم الأخرى. لا بقاء للخطاب الديني أو اللَّاهوتي ولا قيمة له وليس له دور فعلي في حياة الإنسان دون انفتاح وتفاعل وسيرورة وتحرُّر من الجمود والنكوصيَّة والانغلاق على الذات والإصرار على العصمة من الخطأ.

يوسف بن عدي: شكراً لكم دكتور نجيب على هذا الحوار الرائع.

د. نجيب جورج عوض: الشكر الجزيل هو لحضرتكم لتحمُّل إجاباتي والاستماع لصوتي.