نظرية أفعال اللغة لدى الفيلسوف أوستين: أسسها وحدودها الفلسفية

فئة :  أبحاث محكمة

نظرية أفعال اللغة لدى الفيلسوف أوستين: أسسها وحدودها الفلسفية

الملخص:

شكّل تداخل علم المنطق المعاصر بعلوم اللغة الأخرى كاللسانيات والخطابة مناسبة مهمّة في إغناء النقاش الدائر حول قضايا اللسان والدلالة، وقد غدت بموجب ذلك فلسفة اللغة المعاصرة مبحثاً فلسفياً جديداً ينهض بتحليل الظواهر اللغوية واللسانية، بما مكّن البحث الفلسفي من توسيع نظرتنا إلى اللغة ولدورها الحاسم في تفكيرنا الذاتي.

في هذا الإطار شكّل التجديد الذي أنجزه فيلسوف المنطق واللغة فيتغنشتاين، خصوصاً في فلسفته المنطقية الثانية، إلى جانب الأعمال التي قدّمها كل من مور «R.E.Moore» وهار «R.M.Hare» ثمّ أوستين[1]، شكّل كلّ ذلك ثورة حقيقية على ما كان شائعاً لدى مناطقة وفلاسفة التحليل بخصوص نجاعة النماذج الدلالية الصورية في إفادة المعنى.

عمل هؤلاء على إبراز قصور النماذج الدلالية الوصفية، على خلاف ما كان يزعمه الوضعيون المناطقة الذين كانوا يدافعون فقط عن الطابع التجريبي للاستعمال المنطقي للغة، مبرزين الدور المهم الذي تلعبه اللغة العادية في إغناء وتوسيع المعنى ليشمل صنف العبارات اللغوية غير الخبرية كالتلفظات الأخلاقية والجمالية التي تُسمّى الأساليب الإنشائية.[2]

وتندرج نظرية أوستين في أفعال الكلام «Theorie of speechs acts»، والتي أسّس لها في كتابه الشهير«How to do things with words»[3] ضمن هذا الإطار؛ حيث عمل هذا الأخير على اجتراح طريقة جديدة غير تلك التي شاع تداولها في ميدان تحليل اللغة وفلسفة المنطق، سالكاً بذلك مسلكاً تداولياً يركّز على محورية اللغة العادية في تأسيس المعنى التداولي بعيداً عن النماذج الوصفية المعروفة بالتحليل الدلالي الماصدقي الصوري للغة.[4]

عوّض فلاسفة اللغة العادية، ومن بينهم أوستين، تلك النماذج الدلالية الوصفية في تحليلهم للغة الطبيعية بالطريقة الاستعمالية الجديدة التي تراعي غنى وتعدد وظائف اللغة المستعملة في الحياة العادية، كاشفين بذلك اللثام عن الطابع الإنجازي للكلام. كان ذلك ضرورياً لإبراز الغنى الدلالي الذي يسمح به الاستعمال التداولي لهذه اللغة، حيث ينجم عنه إفادة المعنى عبر حركيّة التواصل.

فبعدما كان شائعاً بين فلاسفة المنطق المناكفين عن التصور الوضعي أنّ الأقوال والعبارات الإنشائية إنّما تخلو من أيّ معنى منطقي، لأنّها لا تثبت ولا تنفي أيّ شيء حيث يتوّجب تخليص لغة المنطق ممّا يتصل بها، أخذ أوستين على عاتقه كشف زيف هذه الدعوى في مقالاته السجالية التي جمعها فيما بعد تلمذه «O.J.Warnock» ونشرها تحت عنوان:[5] «Sens and sensibilia»، حيث استعرض فيها تصوراً جديداً للغة يخالف فيه تصورات هؤلاء الوضعيين التي تقصي العبارات الإنشائية.[6]

بلور أوستين في مجموعة من المحاضرات الأخرى المنشورة بعنوان "عندما تنجز الأفعال بالأقوال" نظرية متكاملة في أفعال الكلام ينفرد فيها بالقول إنّ الأفعال السلوكية إنّما تنجز بالأقوال التعبيرية. فما معالم هذا التصور الجديد الذي جاء به أوستين للّغة؟ وكيف جعل منه منطلقاً لتأسيس نظريته في أفعال الكلام؟ «Théorie des actes du langage» وما هي الأسس الفلسفية والمنطقية واللسانية التي أسّس بها هذا الأخير نظريته هذه في أفعال الكلام؟

للجواب عن هذه الأسئلة نقترح بداية التعرّض إلى معالم التصور الفلسفي الذي يحكم نظرية أوستين في اللغة العادية، فنبيّن منطلقاتها عبر التطرق للكيفية التي كان يُنظر بها إلى العبارات اللغوية الإنشائية قبل هذا الأخير، وذلك في إطار ما يُسمّى بالأبحاث الميتا-أخلاقية التي سلطت الضوء على التلفظات الأخلاقية والوجدانية. ثمّ بعد ذلك نتعرض لتصوره التداولي للغة العادية عبر مفهومه الجديد للدلالة من خلال سياق استعمال الكلام؛ لننطلق بعد ذلك إلى بسط نظريته في أفعال الكلام، فنبيّن طريقته في تأسيس مقولة الفعل الكلامي ومستوياته وكيفية تفريقه لهذه المستويات، ومن ثمّ نعرض خصائص كلٍّ من الفعل التكليمي والفعل التكلّمي. ثمّ ننتهي في النهاية بعرض النقد لأهم الانتقادات الموجّة لهذه النظرية سواء من طرف الفلاسفة أو بعض اللسانيين.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو الضغط هنا


[1]ـ جون لاننجشو أوستين: فيلسوف اللغة الطبيعية البريطاني، ومؤسس نظرية أفعال الكلام. عاش ما بين 1911م و1960م. قبله كان اهتمام الفلاسفة اللغويين والتحليليين موجّهاً نحو العبارات والتلفظات اللغوية التوكيدية التي تكتسي قيمة خبرية ووصفية، حيث اعتبرت مع الوضعانيين عبارات حقيقية ودالة على معاني محدّدة. لكنّ انكباب أوستين هذا على تحليل العبارات والتلفظات الإنشائية أفضى إلى إبراز الخصائص الجديدة لمثل هذه العبارات، بحيث تفيد في إنجاز أفعال طقوسية في سياقات عرفية، وبالتالي فهي تخرج عن النموذج الدلالي الوصفي الذي يقصر وظيفة اللغة على وصف الوقائع والإخبار عنها. فعلى سبيل المثال العبارة التالية: "أعدك بفعل كذا وكذا" هي عبارة تستخدم لفعل شيء وليس للوصف أو الإخبار عن هذا الشيء، ومن ثمّ فهي عبارة تُفهم بشكل أفضل كفعل شيء (إنجاز وعد...) وليس توكيداً لأيّ شيء، ومن هنا جاء اسم كتابه الشهير: "كيف نفعل الأشياء بالكلمات" .

[2]ـ نشير هنا إلى أنّه فيما قبل نظرية أفعال الكلام، لم يتمّ بعد اعتبار العبارات غير الخبرية كالعبارات الأخلاقية والإنشائية تلفظات إنشائية بالمعنى الذي يفيد كونها أقوالاً إنجازية، كما سنرى في هذا البحث. انظر بهذا الصدد: P.Amselek: Théorie des actes de langage, éd Puf, 1986, p66

[3]ـ نشير إلى أننا اعتمدنا في هذه الدراسة على الترجمة الفرنسية التالية:

J.L.Austin: Quand dire c’est faire, tr Gilles Laure. éd du Seuil, Paris, 1970

[4]ـ يتوسّل هذا النموذج الدلالي للمعنى بالتحليل الماصدقي القائم على شروط التحقق الصدقي، من خلال اعتبار اللغة المحمولية رموزاً شخصية، وأنّ كلّ رمز شخصي إنّما يشير إلى شخص محدد، بينما يشير الرمز المحمولي إلى مجموعة من الأشخاص إذا كان صفة وإلى علاقة تقوم بينهم إذا تعددت الأشخاص المرتبطة بها؛ وهكذا تكون هذه الإحالة الرمزية بمثابة دلالة الأشخاص التي تصفهم فتربط بينهم. إنّ النموذج الدلالي الماصدقي يقوم على ما صدق أسماء العلم والصفات والعلاقات.

[5]ـ ترجمت إلى الفرنسية سنة 1962 تحت عنوان « Le langage de la perception » من طرف المختص بالدراسات المنطقية الفرنسي « P. Gochet » عن دار Seuil.

[6]ـ شكلت معتقدات الوضعيين المناطقة المتطرفة حول اللغة تحدياً كبيراً لهذا الفيلسوف، حيث كان هؤلاء يعتقدون أنّ اللغة يجب أن تكون صورة منطقية للعالم، بحيث تصبح حدود هذا العالم هو عينه حدود لغتنا. انظر بهذا الخصوص: A.Oussama; Wittgenstien, Langage et ontologie, vrin p24


مقالات ذات صلة

المزيد