نقد الخطاب الديني المعاصر في ثوبه الإسلامي: قراءة في تجربة نصر حامد أبو زيد

فئة :  مقالات

نقد الخطاب الديني المعاصر في ثوبه الإسلامي: قراءة في تجربة نصر حامد أبو زيد

"نريد الاحتكام إلى العقل الذي يردّنا إلى البعد التاريخي للنصوص"

نصر حامد أبو زيد


تقديم الموضوع

اشتهر المفكّر المصري ناصر حامد أبو زيد بمشروعه الفكري النقدي الطموح الذي يركّز على تأويل الفكر الديني الإسلامي من أجل فهمه وانتقاد الجوانب السلبية فيه، باعتباره خطابًا مثله مثل باقي الخطابات التاريخية الأخرى: الأدب، الفلسفة، العلم.. الخ. ولقد رام هذا المفكّر الفذ من هذا المشروع إنجاز قراءة نظرية ومنهجية نقدية لأصول هذا الخطاب لأجل تعريته وإعداده للفحص النقدي، وذلك عبر تسليط الضوء على أبعاده التاريخية والأيديولوجية النسبية التي غالبًا ما يتغاضى عنها الكثيرون.

وقبل الشروع في ممارسة المنهجية النقدية على هذا الخطاب، عمل هذا الأخير على كشف آليات اشتغال هذا الخطاب، ثم أبرز أهم منطلقاته الأيديولوجية الثاوية خلف لغته التي تزعم الانتهال من النصوص الدينية المؤسّسة للفكر الديني برمّته. وفي معرض نقده لهذا الخطاب، اعترف صاحب "نقد الخطاب الديني المعاصر" أنّه لا خلاف حول أنّ الدين (أي كل الأديان التوحيدية) يجب أن يكون عنصرًا أساسيًّا في أي مشروع نهضوي يروم التقدّم والتطوّر، لكن ذلك لا يعني أنّ التعاطي مع نصوص كهذه الأديان يلزمه البقاء والجمود على منهجيات الفقهاء والأصوليين الأوائل، أو محتكرًا من طرف جماعات محدّدة؛ بل يجب تفعيل منظورات عقلانية جديدة: حديثة ومعاصرة، يكون بإمكانها أن تسمح بفهم جديد لتلك النصوص ولدلالاتها.[1]

غير أنّ الخلاف، كلّ الخلاف، بالنسبة إلى مثل هذا المشروع النقدي الطموح، يتركز حول مقصود الناس بالدين وطبيعته وأشكال استعماله. لذا من المفيد أن يتساءل المرء منذ البداية حول ما إذا كان مقصود الناس بالدين مجرّد تلك الطقوس والشعائر التي يقومون بها كلّ يوم، أم أنّه يتعدى ذلك لينغرس في قاع الممارسة التاريخية والاجتماعية والسياسية والأيديولوجية التي تسعى كل فئة وكل طائفة لأن تبرّر بها مصالحها الخاصة؟ وبالتالي: هل يمكن للدين، بعد تحليله وفهمه وتأويله تأويلاً عقلانيًّا نظريًّا وعمليًّا، أن ينفي عن نفسه هذا الطابع الأسطوري الرمزي والملحمي البطولي الذي تراكم عليه جرّاء مرور الوقت فغلّف به عبر التاريخ؟ ثم ما حدود إمكانية إحياء ما في الدين من قوى وقيم إيجابية دافعة نحو التقدم والعدل والحرية والمساواة؟[2]

في الحقيقية ليس الدين في حد ذاته ما كان يسعى إلى نقده أبو زيد، بل فهم معين وطريقة محدّدة في التديّن، أي ذاك المعنى الذي رسخته الممارسة التاريخية والأيديولوجية عبر عصور التاريخ الحضاري للشعوب الإسلامية ما يستهدفه بتأويلياته وانتقاداته. تلك الممارسة التي ما فتئ الفكر الديني المعاصر ينافح من أجل تكريسها والدفاع عنها كما لو كانت حقائق منزلة، حيث غالبًا ما تجعل الدين إيديولوجيا فكرية وسياسية وثقافية تبريرية تنزع نحو تكريس طريقة في النظر إلى الحياة والعالم، وهي نفسها الطريقة التي تغلف الدين بفهم تاريخي معيّن يكبله ويحرّفه عن معانيه الحقيقية السامية.

لقد فحص أبو زيد هذا الخطاب في شكله التقليدي والمعاصر فوجده منغمسًا في تصورات كلامية وأيديولوجية بالية وبعيدة عن معاني الدين نفسه، من حيث كونها تكرّس الجمود والجهل والتخلّف باسم قدسية مزعومة، وذلك ما يستوجب إعمال العقل للتأويل والنقد من جديد. وبالفعل، يدرك هذا الخطاب أنّ الاحتكام إلى هذه السلطة (العقل) يفقده كل أسلحته ويكشف قناعه وزيفه الأيديولوجي، لذا يبقى عاجزًا عن الحوار على أرضية العقل المتجدّد والعقلانية المنفتحة.[3]

ودرءًا لأي تجديد، يلجأ هذا الخطاب إلى إبداء الرفض والاعتراض في وجه أيّ محاولة تروم تأسيس منهجية تأويلية عقلانية جديدة في ثقافتنا، ويستخدم ضد ذلك سلاحه التقليدي: التكفير. وهو سلاح فعّال، كما هو معروف، في واقع متخلف يعاني أغلبية أفراده من الأمية التعليمية، يعاني غالبية متعلّميه من الأمية الثقافية، ويستسلم كثير من مثقفيه لابتزاز تهمة التكفير، فيلجؤون إلى مبدأ التقية والمصالحة، ليصبح بذلك هذا الخطاب الديني قويًّا بالخوف والرهبة وليس بالحجة والدليل.

ومقابل هذا المنطق السائد في الثقافة الإسلامية المعاصرة، ارتأى حامد أبو زيد نهج أسلوب التأويل الفاحص والناقد تجاه ممكنات الخطاب الديني خاصة في شكله المعاصر، كما يدافع عنه رواد ومنظّرو الحركات الإسلامية الحديثة والمعاصرة، وذلك للوقوف على منطلقاته الأيديولوجية وفضح طريقة تأويل رواد هذا الخطاب لها، وكذا تزييف آليات اشتغالهم واستدلالهم عليها. ولعرض هذه الطريقة التأويلية النقدية، نقترح هنا تسليط الضوء على طبيعتها المنهجية وكذا أفقها النقدي.

1- المنطلقات الفكرية للخطاب الديني الإسلامي المعاصر

بحسب طبيعة القراءة[4] التي قرأ عن طريقها أبو زيد الفكر الديني الإسلامي، يمكن الحديث عن منطلقين أيديولوجيين أساسيين لهذا الخطاب، هما: الحاكمية والنص.

أ‌- منطلق الحاكمية

يعود مفهوم الحاكمية، حسب تأويليات أبي زيد، إلى حادثة التحكيم بكتاب الله من جانب الأمويين في موقعة "صفّين"، وهي حيلة أيديولوجية استطاعت أن تخترق، باسم قدسية النص، صفوف الخصوم لتوقع بينهم خلافًا أفضى في نهاية الصراع لصالح الأمويين.[5]

بالنسبة إلى أبي زيد فإنّ هذه الحادثة التاريخية تُبيّن بالملموس كيف تم تحويل الصراع من مجاله السياسي والاجتماعي إلى مجال الدين بمجرّد الالتجاء إلى تحكيم النص المقدّس في صراع ذي طابع سياسي.

لقد نجم عن ذلك عمليًّا تحويل العقل إلى تابع للنص، ليستقيل بعد ذلك عن دوره في فهم الواقع وشؤون الناس، بالرغم من المحاولات التي قام بها دعاة العقل في كل الحقب التاريخية الموالية. وقد وجدت الحاكمية في هذه الاستقالة لدور العقل في التاريخ الإسلامي مناسبة للهجوم على التفكير العقلاني ورفض التعددية والاختلاف، فتعمقت مساحات النصوص على حساب الاجتهادات، وغلب على التفكير التقليد والجمود.

لكن الأخطر من كل ذلك، هو أنّ منطلق الحاكمية هذا قد عمل على وضع تقابل مفترض خطير بين مقولتي: "الإنساني" و"الإلهي"؛ لذا كرّست هذه الحاكمية، بالمعنى الذي تستعيره الحركات الإسلامية المعاصرة، المقارنة الخطيرة بين ما هو بشري وما هو إلهي، وبين الزمني المدنّس والمطلق المقدّس. وقد كانت النتيجة من كل ذلك، أن تم تدنيس التجربة التاريخية البشرية ووصفها بشتى أنواع الأحكام الأخلاقية الوضيعة، حيث تم إضفاء طابع الاحتقار عليها مما استوجب تحكيمًا إلهيًّا مقدّسًا بديلاً يلغي كل فعل إنساني.

ولتقديم المثال عن رواج هذه الفكرة، ركزّ أبو زيد، في معرض حديثه عن هذه الحاكمية، على تجربة المودودي التي شكلت الأساس الأيديولوجي لسيد قطب فيما بعد، والذي سيعمق الفصل والقطيعة بين ما ينتمي إلى عالم الإنسان المدنّس وما ينتمي إلى الإلهي المقدّس، وذلك انطلاقًا من طريقته الخاصة في تأويل بعض المفاهيم الدينية، مثل مفهوم "العبادة" و"الألوهية" و"الدين" التي تصبّ كلها في مسألة الحاكمية كما يراها هو.

فمثلاً يعرّف سيد قطب الألوهية بكونها "حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم، وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة... وكل من ادّعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادّعى حق الألوهية عليهم، بادّعائه أكبر خصائص الألوهية، وكل من أقرّه منهم على هذا الادّعاء فقد اتخذه إلهًا من دون الله، بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية.[6]

وبحسب هذا المنظور الخاص لسيد قطب، يغدو الإسلام دينًا يوحّد بين الألوهية والحاكمية الشاملة والمطلقة، بينما يختزل الإنسان ويردّه إلى مجرّد عبد ضعيف لا حول له ولا قوة إلاّ عبر هذه العبودية نفسها حيث يصبح جنديًّا من جنود الله. بالنسبة إلى هذا المنطلق القطبي، هناك حزب واحد فقط هو حزب لله، بينما الأحزاب الأخرى كلها تنزل منزلة شغيلة الشيطان والطاغوت.

يترتب على هذا التصور الديني المعاصر للحاكمية، الذي تتبناه بعض من حركات الإسلام السياسي، مجموعة من النتائج الخطيرة على مستويات عدة:

على المستوى الاجتماعي: هجران المجتمع والانعزال عنه.

على المستوى السياسي: وصف الخصوم السياسيين بالطاغوت.

على المستوى الديني: تكفير المخالفين واستباحة دمائهم.

على المستوى الثقافي: إهدار دور العقل ومصادرة الفكر بدعوى البدع والضلال.

وهكذا تنتهي الحاكمية إلى تكريس نظام اجتماعي وسياسي وثقافي منغلق ومتسلط، يسوده الولاء الأعمى للقيادات الدينية، وتجنّب الخصوم وهجران المجتمع. وتبقى أخطر النتائج التي يؤدّي إليها هذا المنطلق الأيديولوجي، هي تكفير الناس بدعوى تحكيم شرع الله في الأرض، وهذا ما يجعل الدفاع عن الدين والشريعة، بالنسبة إلى هؤلاء المنتسبين إلى هذا الفكر، أمرًا يبرر كل الأفعال المتطرفة في حق من تسوّل له نفسه مخالفتهم هذا الفهم.

يستخلص ناصر أبو زيد من تأويله لمنطلق الحاكمية ولطريقة فهمها من طرف منظّري الفكر الديني للحركات الإسلامية المعاصرة، مدى خطورة هذه الفكرة التي تعمل على إلغاء دور الإنسان في الحياة المعاصرة وإفراغ وعيه من كل إيجابياتها، فيصير أتباعها مثل ريشة في مهبّ الريح، تحوّلهم الأيديولوجيا الدينية المعاصرة إلى مجموعة من الأفراد الخطرين، حيث تعمل على تسكينهم في "جُبّ" نوع جديد من السلطة.[7]

ب‌- منطلق النص

أمّا بخصوص المنطلق الثاني للخطاب الديني المعاصر، فيعتبر نصر حامد أبو زيد، في مدار حديثه عن مفهوم النص، [8] الهدف من إثارته والتركيز عليه، هو الكشف عن أهميّته لفهم خصائص الثقافة العربية الإسلامية، خاصة في جانبها التراثي التاريخي، وهي التي تدين في مجملها لمركزية النص ومدى قوة حضوره في الواقع المعاصر.[9]

فالمعروف جدّا أنّ النص الديني يحتلّ مكانة مركزية في بنية ثقافتنا الإسلامية، ولعل هذا ما دفع بأبي زيد إلى جعله منطلقًا محوريًّا في فهم خصائص الخطاب الديني بشكل عام. لذا يؤاخذ على هذا الخطاب أنّه لم يستطيع بعد أن يعترف بتاريخيته وتاريخية النصوص الدينية، على الرغم من كلّ ما يقرّ به من إمكانية التجديد والاجتهاد.

فالتجديد الذي يتغنى به روّاده المحافظون إنّما يخص فقط فهم الفقهاء والأصوليين الأوائل من رواد هذا الفكر، بينما يجب الاعتراف بضرورة أن يطول التجديد النظري والمنهجي حتى النصوص التشريعية والعقدية. ولعل ما يفسّر رفض هؤلاء لأي تجديد حقيقي في بنية الخطاب الديني الإسلامي، هو أنّك تجد هذا الخطاب نفسه غالبًا ما يصرّ على أنّ الشريعة الدينية صالحة لكل زمان ومكان، ومن يقول عكس ذلك فهو كافر وملحد.

ينتقد أبو زيد هذه النظرة الضيقة لمفهوم النص ولطريقة التعاطي معه، معتبرا النصوص: دينية كانت أم بشرية إنّما هي محكومة دومًا بقوانين واعتبارات يتوجّب تأويلها وتجديد فهمها وفق الشروط التاريخية التي تتحاور معها. أمّا المصدر الإلهي لهذه النصوص، كما يرافع عنه هؤلاء، فإنّه لا يخرجها بتاتًا عن هذه الدائرة لأنّها "تأنسنت" واصطبغت بالتجربة البشرية التاريخية منذ أن تجسّدت في التاريخ الإنساني ولغته، فتوجهت بمنطوقها ومدلولها إلى البشر في واقعهم التاريخي المتغيّر.[10]

يرى أبو زيد أنّ الخطاب الديني، بقفزه على الشروط والقوانين التاريخية والدلالية التي تساهم في إنتاج النص، يكون قد جمّد فهمه لحقيقة تلك النصوص الدينية المشكلّة لفهمه. لذا يلزم تغيير إطار فهمنا لهذه النصوص خارج السياق التقليدي الداعي إلى "لا اجتهاد مع النص". فإعلان الخطاب الديني المعاصر جمود النص وسعيه الحثيث إلى تثبيت دلالته على فهم واحد وقاصر، إنّما هو دعوة صريحة لنفي التعدد والاختلاف وتثبيت للواقع كما هو جمود على الحقيقة الواحدة التي لا تتغيّر، طبقًا لما يناصره دعاة الفكر الديني التقليدي من جمود في الرأي وحصر للاجتهاد في الفروع والشكليات.[11]

وهكذا، فالتمترس وراء النصوص دون ربطها بسياقاتها التاريخية والثقافية، بحسب أبي زيد، هو ما أدى إلى الابتعاد عن الواقع وإلغاء العقل. ونتيجة لذلك، غالبًا ما تجد الخطاب الديني المعاصر لحركات الإسلام السياسي يركز على حاكمية النصوص في مجالات الواقع والفكر. فالنص الجامد الثابت المعنى والدلالة سرعان ما يتحول إلى أسطورة تكبّل العقل والنفس، وذلك من حيث تكرّس سلطة النصوص وتجعلها فوق كل السلط الأخرى بما في ذلك سلطة العقل، بذلك تكون النتيجة هي استبعاد دور العقل والتفكير الحر من الحياة الواقعية ومن ثمّ سيادة المعنى الواحد والدلالة الأبدية للنص؛ من هنا جاءت دعوة هذا الأخير إلى ضرورة تحرير دلالة النصوص من هذا الجمود.[12]

إنّ النصوص الدينية أبنية لغوية لا تفارق النظام الدلالي للغتها إلاّ في حدود خاصة مشروطة بطبيعة وظيفتها المقصودة في الثقافة، لذلك من الطبيعي أن تصوغ هذه الأخيرة علاقة الله والإنسان من خلال الثنائيات اللغوية والاجتماعية. لكن إذا كانت اللغة تتطور بتطور حركة المجتمع والثقافة البشريين، فإنّها تصوغ مفاهيم جديدة وتطور دلالات ألفاظها للتعبير عن علاقات أكثر تطوراً؛ لذا فمن الطبيعي، بل ومن الضروري، أن يُعاد فهم النصوص الدينية وتأويلها بنفي تلك المفاهيم التاريخية والاجتماعية الأصلية وإحلال المفاهيم المعاصرة محلّها مع ثبات مضمون النص طبعًا.[13]

لقد أدى تنصيب النص سلطة مطلقة، بحسب قراءة أبي زيد هذه، إلى التمسك بالدلالات الحرفية في مقابل انحصار التفكير الإبداعي؛ وهذا ما يستلزم إنجاز نقد شامل وتمحيص دقيق للخطاب الديني لكشف آلياته وطريقته في الاشتغال قصد نقدها. فما هي أهم تلك الآليات كما توصّل إليها نصر حامد أبو زيد؟

2- آليات الخطاب الديني الاسلامي المعاصر

للخطاب الديني مجموعة من الآليات يشتغل بها، وقد أجملها أبو زيد في خمس آليات، وذلك بعد تمحيص وفحص دقيقين لخطابها الديني الأيديولوجي الذي وردت فيه، وهي:

أ‌- آلية التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.

وتعمل هذه الآلية على الحيلولة دون التمييز بين الدين والمعرفة الدينية، وهكذا يخلط الخطاب الديني بين الدين والمعرفة الدينية حيث يقدسها بدورها كما لو كانت وحيًا منزلًا.

ب‌- آلية رد الظواهر إلى مبدأ واحد، وهو تفسير الظواهر كلها بردها جميعًا إلى مبدإ أو علة أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية والطبيعية.

ج- آلية الاعتماد على سلطة "السلف" أو "التراث"، وذلك بعد تحويل النصوص التراثية، وهي نصوص ثانوية، إلى نصوص أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل في كثير من الأحوال عن النصوص الأصلية.

د-‌ آلية اليقين الذهني والحسم الفكري "القطعي"، ورفض أي خلاف فكري، إلاّ إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول.

ه- آلية إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل، يستوي في ذلك العصر الذهبي للخلافة الرشيدة، وعصر الخلافة العثمانية. ويتجلى إهدار البعد التاريخي في التطابق بين الماضي والحاضر.

تشكل هذه الآليات مجتمعة طريقة اشتغال الخطاب الديني المعاصر الذي يستوجب النقد والتأويل؛ لذا سعى أبو زيد إلى إنجاز هذه المهمة الشاقة بكل روح نقدية وتأويلية، متسلحًا في ذلك بشجاعته الفكرية المعهودة وسعة اطلاعه على الفكر الديني الإسلامي، ومقاومًا شرسًا ضد سلطة هذا الخطاب وضد أصحابه الذين يزعمون أنّهم وحدهم من يمتلك حق الكلام باسم الدين. وقد اعترف صاحبنا بأنّ تحليله للخطاب الديني المعاصر من أجل نقده لم يكن ليتم إلاّ عبر كشف منطلقاته وآلياته الفكرية هذه، وذلك لأنّه من الصعب فعلاً أن يفصل الناقد المؤوّل بين المنطلقات الفكرية والأيديولوجية لهذا الخطاب وآلياته التي يتوسّلها ويشتغل بها.[14]

يقول أبو زيد بهذا الخصوص: [15]

"هناك خمس آليات... استطعنا رصدها حتى الآن، فمن الواجب ألا نزعم أنّها تستوعب كل آليات الخطاب الديني، فلا شك أنّ مجال الرصد والإضافة، بمزيد من العمق والدقة في تحليل، سيظل مفتوحًا، سواء بالنسبة للآليات أو بالنسبة للمنطلقات. إنّ هذه الآليات الخمس تمثل، في تقديرنا، الآليات الأساسية والجوهرية التي تحكم مجمل الخطاب الديني وتسيطر عليه."

يتضّح من هذا التصريح أنّ الطريقة التي اشتغل بها أبو زيد وتوسلّها منهجًا له في نقد الخطاب الديني المعاصر، هي بحق منهجية تأويلية نقدية ناجحة، حتى وإن لم تستطع بعد أن تحيط بكل الآليات التي اشتغل ولا يزال يشتغل بها الخطاب الديني المعاصر. ذلك أنّه يمكن الوقوف على آليات أخرى لا تقل أهمية عن السابقة الذكر، ومنها: الآلية النفسية المتمثلة في النزوع السيكولوجي المفضي إلى الاغتراب في الماضي، والآلية الأيديولوجية الكامنة في سيادة الوهم الطائفي والحزبي، وغيرها من الآليات الأخرى التي تعمل على صياغة الخطاب الديني للحركات الدينية الإسلامية بمختلف تياراتها.

لكن، على الرغم من ذلك، يمكن وصف هذه المحاولة التأويلية بكونها رائدة وشجاعة في سبيل إبراز المنطلقات الفكرية للخطاب الديني المعاصر، وكذا المسالك التدليلية (الآليات) التي يشتغل بها منطق هذا الخطاب، والذي ينطوي في بنيته الفكرية على أيديولوجيا مغلقة ودوغمائية جامدة، تمثل تربة خصبة لتفريخ مختلف أشكال التعصّب الديني والصراع المذهبي والطائفي ومظاهرهما. والظاهر، بحسب هذه المحاولة، أنّ السبيل إلى تجديد فهمنا للدين وقضاياه، هو تحرير العقل من أسر التفكير الجامد عن طريق تشجيع التأويل العقلاني المنفتح على العلوم الإنسانية التي تتوسل في اشتغالها بالمنهج الهيرمينوطيقي، ممّا يجعلها نقدية ومرنة في النتائج التي تصل إليها عبر قراءة النصوص الدينية وغير الدينية وتأويلها.

على سبيل الختم

ختمًا لهذا المقال، نخلص إلى القول إنّ نقد الخطاب الديني، كما مارسه ناصر حامد أبو زيد، لم يكن ليتم دون ممارسة عملية التأويل في بعديها: اللغوي والتاريخي الاجتماعي، وهي المنهجية التي مكّنت قارئ هذا الخطاب (أبو زيد) من الوقوف على المنطلقات الأيديولوجية وكذا جملة الآليات التي توسّلها رواد هذا الخطاب في تأسيس مفاهيمهم وتصوراتهم الدينية للواقع المعاصر.

برهنت هذه المحاولة على أهمية هذا المسلك في إبراز تهافت الخطاب الديني لحركات الإسلام السياسي المعاصرة، سواء في كشف محدودية منطلقاته النظرية والأيديولوجية، وكذا في نقد آليات اشتغال خطابها وإبراز محدوديتها. وتأسيسًا على ذلك، نعتبر تأويلية نصر حامد أبو زيد للخطاب الديني المعاصر محاولة هيرمنوطيقية نقدية جادّة، رامت إزالة الهالة والأسطرة التي غلّف بها هذا الخطاب نفسه في سبيل فضح أطره الفكرية ومقولاته الأيديولوجية، ومن ثم إقرار محدوديته وانحصار أفقه النظري والعملي ومدى بؤس خطابه الفكري.

هكذا أصبح من الضروري اليوم إتمام هذه المحاولة وتوسيعها لتشمل مختلف أشكال الخطابات السائدة في واقعنا وخاصة منها الخطاب السياسي والاجتماعي، وذلك شريطة التزام الجدّة النظرية والأصالة المنهجية التي تنهل من المنهج التأويلي القائم على التأويل اللغوي والفهم التاريخي والسوسيولوجي للظواهر الإنسانية وللنصوص الدينية والتاريخية.


[1] يدافع حامد أبو زيد في هذه النقطة تحديدًا عن دعوى نظرية ومنهجية منفتحة ومتفتّحة في قراءة النصوص الدينية والتراثية وتأويلها، قوامها رفض استحواذ جماعة أو فئة أو أشخاص معيّنين على تأويل هذه النصوص واحتكار فهمها لأنفسهم ولمناهجهم الخاصة.

[2] نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، المركز الثقافي العربي. ط 3. بيروت - الدار البيضاء، سنة 2007، ص 11

[3] يؤمن أبو زيد بضرورة تحرير العقل لأن يكون سلطة موازية، على الأقل، لسلطة النصوص الدينية، ويرفض أن يتم تهميشه واحتقار دوره وجعله عاجزًا أمام السلطة القدسية لتلك النصوص. فمن المفروض أن يكون العقل هو مرجعنا في فهم وتأويل النصوص الدينية، وليس أن تنصّب هذه الأخيرة سلطة أعلى من العقل. انظر بهذا الخصوص: أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء ط 5، 2006

[4] تقوم منهجية أبي زيد على تأويل النصوص الدينية وغير الدينية انطلاقًا من ردّها إلى بعدها التاريخي واستخدام العقل في الفهم والتفسير، وكذلك الاحتكام إلى ما تزوّدنا به بعض من العلوم الإنسانية لأجل فهم النصوص. ولا يخفى علينا أنّ هذه المنهجية مختلفة كلّ الاختلاف عن الطريقة التقليدية التي يستخدمها رواد الخطاب الديني التقليدي وأنصاره، وهي طريقة تعتمد التفسير والشرح اللغوي وتفسير النص بالنص الموازي. انظر بهذا الخصوص: نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة واليات التأويل، ط 7، نشرة المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، 2005

[5] نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، المرجع نفسه، ص 63

[6] أورده نصر حامد أبو زيد في: نقد الخطاب الديني، ص 68

[7] نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، ص 86

[8] نصر حامد أبو زيد: مفهوم النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء 1990

[9] ناصر حامد أبو زيد: النص، السلطة، الحقيقة، مرجع سابق، ص 70

[10] نصر حامد أبو زيد: نقد الخطاب الديني، ص 89

[11] المرجع نفسه، ص 99

[12] المرجع نفسه، ص 100

[13] المرجع نفسه، ص 87

[14] يؤكّد أحد الباحثين هذا الأمر حين صرح بالقول: "لا يمكن الحديث عن منهج قراءة النص الديني لدى أبو زيد، إلاّ من خلال حديثنا عن النقد الذي وجهّه إلى طريقة قراءة النصوص الدينية في الخطاب الديني المعاصر، وبالتحديد إلى الآليات التي تقوم عليها منجية القراءة..."، انظر بهذا الخصوص: "منهج قراءة النص الديني لدى نصر حامد أبو زيد"، محمد بن سباع، مقال منشور في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد: 53 – 54، شتاء وربيع 2013- 1434، ص 154

[15] المرجع نفسه، ص 29