نقد العقل العربي: اللغة وفعل القياس

فئة :  مقالات

نقد العقل العربي: اللغة وفعل القياس

يعير عابد الجابري أهمية قصوى لدور اللغة في البناء النسقي للعقل، صحيح أن بعض الدراسات الحديثة التي يصرح الجابري باستيحائه لنتائجها هي الأخرى تربط برباط متين الفكر باللغة، إلا أن اللغة العربية بالنسبة إلى العقل العربي كانت لها خصوصية؛ وتتجلى خصوصيتها في أنها محل تعظيم وتقديس من العربي، إلى حد أن اللغة العربية نفسها تحمل بين طياتها ما يؤكد هذه الخصوصية، ففي معاجم اللغة العربية؛ الذي لا ينطق بالعربية يُطلق عليه "أعجمي"، ولا تخفى تلك الصلة الجذرية بين "أعجمي" و"عجماء"، فهذه الأخيرة تعني في اللغة الحيوانات المتسمة بالعجمة؛ أي عدم امتلاك ملكة النطق، من هذا المنظور يمكن القول إن العربي "إنسان فصيح" كما يقول عابد الجابري، وهذا من غير شكّ يدعونا لاستحضار التعريف اليوناني الشهير للإنسان بأنه "حيوان عاقل"، فكأن الجابري يوحي بوجود تقابل بين عربي بياني ويوناني عقلاني.

بل إن للغة العربية خصوصية تاريخية أخرى، قد تبرر هي الأخرى إيلاءها كل هذه الأهمية، خصوصية تتمثل في أن أول نشاط فكري وأول عمل منظم قام به العرب هو التقعيد للغة العربية نفسها والتأسيس لها علميا بما يجعلها مادة قابلة للدرس، ولا يخفى أن هذا الاندلاع الأول لهذه الشرارات الفكرية الأولى، وهذه البذور التي تُنثر في العقل المكون يكون لها أعظم التأثير في رسم مسارات العقل اللاحقة، يقول عابد الجابري "ثمة اعتبار يمكن أن يبرر إعطاء الأولوية للغة العربية في دراسة العقل العربي: مكوناته وآلياته. إنه المعطى التكويني نفسه. ذلك أن الواقع التاريخي يؤكد أن أول عمل علمي منظم مارسه العقل العربي هو جمع اللغة العربية ووضع قواعد لها"[1].

والحال أن اللغة، أية لغة، كما تؤكد بعض الدراسات على حد تصور الجابري لها، تسهم بقسط كبير في تحديد رؤية الإنسان إلى الكون، وإلى التاريخ، وإلى نفسه، فاللغة حسب هردر ليست مجرد أداة للتواصل أو وسيلة للتعبير عن أفكارنا، بل هي قبل هذا ذلك القالب المسبق والجاهز الذي تصاغ فيه هذه الأفكار، وهذا لا ينطبق على المعجم اللغوي الذي تقدم لنا لغة ما، والذي نوظفه في كلامنا، بل كذلك قواعده النحوية هي الأخرى تكاد تكون قواعد للعقل نفسه، وعلى هذا الأساس، فقد يبدو بديهيا وغير مثير لأي استغراب القول بأننا نتكلم كما نفكر، لكن ما قد يتراءى صادما حينما نعيه لأنه خفي ولاشعوري وإن كنا نخضع له خضوعا تاما هو أننا نفكر كذلك كما نتكلم، يلخص آدم شاف هذه الفكرة فيقول: "ابتداء من هردر وولهلهم فون همبولد على الأقل تبنت الدراسات اللغوية مرات عديدة الأطروحة القائلة بأن منظومة لغوية ما تؤثر في طريقة رؤية أهلها. الشيء الذي يعني أن اللغة التي تحدد قدرتنا على الكلام هي نفسها التي تحدد قدرتنا على التفكير"[2].

والمعطى اللغوي الآخر الذي يستحضره الجابري هو أن اللغة تتأثر بمحيطها الطبيعي، إنها تعكس عالم الإنسان الثقافي والاجتماعي والبيئي، وتترجم كذلك حضارته على المستويات التقنية والعلمية والاقتصادية.. إلخ، فالمعجم اللغوي لمجتمع ذي طبيعة صحراوية غير ذاك السائد في المناطق الباردة المتجمدة، والقاموس اللغوي الذي يستعمل في المدينة المعاصرة المجهزة بأحدث التقنيات سيختلف على طول الخط مع المعجم اللغوي لتجمع بدوي بدائي، يقول عابد الجابري: "إن اللغة لا تعكس الظروف الطبيعية وحسب، بل تحمل معها هذا الانعكاس نفسه لتنشره على أمكنة وأزمنة مختلفة، فتكون بذلك عاملا أساسيا، وأحيانا حاسما في تحديد وتأطير نظرة أصحابها إلى الأشياء"[3].

بناء على هذه المقدمات المنهجية، ينتقل الجابري إلى بيان الكيفية التي بصمت بها اللغة العربية عالم الإنسان العربي، وحددت أطر تفكيره، مع التأكيد بدءًا أن تأثير اللغة على الإنسان العربي لم يفتر إلى الآن، فذلك النشاط العلمي الذي قاده علماء اللغة في عصر التدوين لا يزال يعتمل إلى الآن، والسبب راجع إلى أن اللغة العربية، سواء في كلماتها أو في قواعدها النحوية لم تتغير قط، والقواميس التي ألفت في الحاضر لا تختلف عن القواميس القديمة، وهي –كما يرى الجابري- فقيرة تنقل إلينا عالما خاصا، بسمات إيكولوجية وثقافية لا تساير العصر، وتعرض، في المقابل، صفحا عن المفاهيم والكلمات الجديدة التي استجدت، سواء بالتطور الداخلي أو بالاحتكاك مع حضارات جديدة، يقول ناقد العقل العربي: "إن قاموس لسان العرب وهو أضخم وأغنى قاموس في اللغة العربية، لا ينقل إلينا على ضخامة حجمه، أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية ولا المفاهيم النظرية وأنواع المصطلحات التي عرفها عصره في القرن 7 و8 للهجرة، وفي القاهرة أحد المراكز الحضارية الرئيسية في التاريخ الإسلامي"[4].

خصلتان كرستهما اللغة العربية والطريقة التي تم بها تقعيدها وتأسيسها علميا، وهما اللاتاريخية وطابعها الحسي. فمن جهة سجن الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ أول من جمع من خلال منهجية منطقية وعلمية صارمة اللغة العربية، بين جدران عالم قديم، فقد كان لطريقته الدور الكبير في إغلاق اللغة العربية والحيلولة دون تطورها بما يسمح لها بمسايرة التقدم الذي تعرفه الحياة في مستوياتها المختلفة وتمظهراتها المتنوعة. فالخليل بنى معجمه بشكل منطقي محكم فعلا، لكن بطريقة يتم على إثرها الانتقال من الذهني إلى التحقق الواقعي وليس العكس، يشرح الجابري صنعة الخليل، فيقول: "لقد انطلق الخليل من الإمكان الذهني في التعامل مع الحروف الهجائية العربية تعاملا رياضيا صرفا، فحصر أنواع الألفاظ الممكن تركيبها منها. وهذا المبدأ كان لا بد أن يجعل اللغة من صنع الذهن بدل أن تكون نتيجة التعامل معها كمعطى واقعي"[5]، وقد كانت النتيجة أن انغلق النسق اللغوي على نفسه، ولم يواكب التغير الحاصل، فبحكم إقفال اللغة لم يكن بالإمكان إدراج مفاهيم جديدة تغني القاموس العربي أو تساعده على الارتقاء بتفكيره مستعينا بكلمات جديدة بدل الإبقاء على الذات حبيسة وضع اجتماعي وبيئي وثقافي متجاوز، وهذا هو الوجه التاريخي للغة.

أما أنها لغة حسية، فلأن اللغويين الأوائل حين استشعروا فشو اللحن والخطر الذي يتهدد اللغة بسبب ندرة العرب الأقحاح الذين يحفظون السليقة ويجيدون التكلم بلغة الضاد بالفطرة، سارعوا إلى جمع قاموس لغوي، فكانت وجهتهم المناطق الموغلة في القفر، والتي لم تحتك بالأعراق الأخرى الأجنبية، وبالإضافة إلى سذاجة الحياة في هذه المناطق، والتي تستخدم وسائل بدائية، فإن حياتها حسية يغيب فيها التفكير المجرد، وهذا المحيط البيئي، وذلك النمط من التفكير كان لابد أن يطغى على لغتها، لأن اللغة ليست شيئا آخر غير دوال الأشياء التي يتعارف عليها الناس، وهي منعكسة بطبيعة الحال في حياة الإنسان اليومية ونشاطه الفكري، يقول الجابري عن الشرط الذي اشترطه اللغويون في الذي يأخذون عنه اللغة: "كان أهم شرط وضعوه فيمن يصح أخذ اللغة عنه أن يكون خشنا في جلده فصيحا في لسانه"[6]، إنه إذا "الأعرابي"، وهذا سر تسمية الناقد لأحد فصول كتابه بـ "الأعرابي صانع العالم العربي"، وفي عبارة أخرى موازية يسمي الأعرابي بـ "أستاذ العلماء". يجمل الجابري عملية جمع اللغة من الأعراب، فيقول: "لقد انطلقت عملية جمع اللغة وتقعيدها من الخوف عليها من الانحلال والذوبان بسبب تفشي اللحن في مجتمع أصبح العرب فيه أقلية، وبما أن سبب اللحن كان الاختلاط الواسع الذي عرفته الحواضر في العراق والشام خاصة، بين العرب والموالي، فلقد كان طبيعيا أن تطلب اللغة الصحيحة من البداية وبكيفية خاصة من القبائل التي بقيت منعزلة وبقي رجالها الأعراب محتفظين بفطرتهم وسليقتهم وسلامة نطقهم".[7]

تلك كانت مجمل رؤية الجابري حول علاقة اللغة بالعقل، ونقر هنا أننا قفزنا على كثير من التفاصيل، لأن ذلك سيأخذ منا الكثير لو استقصينا كل المعطيات، والذي نود أن نثيره هنا، هو أننا حين كنا نضع مفهوم "علمي" بين مزدوجتين، فإننا كنا نعي ذلك، فالرؤية التي كان يمتح منها الجابري كما أثبت دراسات باحثين آخرين لم تكن تماما علمية، بل على العكس من ذلك استُمدت من مرجعية دينية ولاهوتية، والجابري لا يشير إلى ذلك لا من قريب ولا من بعيد. إن أصل النظرية التي تقول أن العقل توجهه اللغة، تجد مرجعياتها في أفكار لاهوتية تشير إلى أن أصل العالم كله كلمة ولغة، وأن في الإنسان جانبا إلهيا من تلقيه لتلك اللغة، وأن بها يتقوم عقل الإنسان، وهي فكرة لم يقُل بها هردر ابتداء كما يُشير الجابري، وإنما سبقه إليها أستاذه يوهان هامان، و"من منظور هذا المذهب الإيماني، يقول طرابيشي، صاغ هامان معالم نظريته في العلاقة بين الوجود والعقل واللغة. فالوجود هو شعر الله. والله شاعر (...) شعره هو العالم. باللغة خلق الله العالم (...) وإن يكن الله متكلما وكاتبا، فإن في الإنسان شذرة من الله، لأن اللغة شرطه، وبها يصير إنسانا"[8].

ومما نُقم على الجابري هو كذلك عدم وفائه لتلك النظرة التي أضفى عليها طابعا علميا، فإذا كان الناقدُ نظر إلى العلاقة بين اللغة والعقل نظرة ثابتة وحيدة الاتجاه دائما، تنطلق من اللغة كرؤية إلى العالم وكقوالب منطقية، لتبلور النظام العقلي وتحدد معالمه الخاصة، فإن الواقع أن "هردر"، الذي يعترف الجابري بمديونيته العلمية إليه، نبّه إلى العلاقة الجدلية بين العقل واللغة؛ فكلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، وهذا ما يقصد أحد الباحثين حين يقول: "على العكس دوما من ثباتية الصيغة الجابرية، فإن هردر يقترح لإشكالية العلاقة بين اللغة والفكر الصيغة التطورية التالية: تقدم اللغة بالعقل، وتقدم العقل باللغة"[9].

هذا على المستوى المنهجي عموما، أما من حيث الرؤية، فالملاحظ أن الجابري يغالي نوعا ما في التنصيص على بدوية العقل العربي الذي تشكل في محيط صحراوي تام[10]، لهذا غابت عن قاموسه الكلمات التي تنتمي إلى عالم البحر والثلج.. إلخ، فما لم يستحضره الجابري، وهو معطى جغرافي بديهي هو أنه "لا الصحراء تغطي كل رقعة شبه الجزيرة العربية، ولا شبه الجزيرة العربية تغطي كل رقعة الحضارة العربية الإسلامية، فشبه الجزيرة العربية مطوقة، كما يدل اسمها بالذات، من جهاتها الثلاث بالبحار"[11].

من جهة أخرى، فما يُشير إليه الأستاذ الجابري من ثبات اللغة العربية في قوالبها وقاموسيها وتراكيبها ينقضه هو نفسه، وتنقضه الأبحاث اللغوية المعاصرة. ينقضه هو لأنه في مواطن عديدة أشار إلى التطور الذي عرفته اللغة العربية بمباشرة عملية الترجمة، وخاصة ترجمة الدواوين، نقرأ له يقول: "إن تعريب الدواوين كان حدثا تاريخيا مهما تعدى أثره الميدان الإداري: [فقد] كان هذا التعريب تطويعا للغة العربية، لغة الشعر والخطابة والكلمات القصار (=الأمثال)، وإغناء لها، وتحويلها إلى لغة حضارية علمية"[12]. أما الدراسات الألسنية المعاصرة، فيعترف كل روادها أن الثابت البنيوي في كل لغة هو عدم ثباتها، يقول اللساني الشهير فردينان سوسير: "اللغة تتغير وتتحول بالأحرى تحت تأثير جميع العوامل التي يمكن أن تطول أصواتها أو معانيها. وهذا التحول محتوم: فليس ثمة من مثال على لغة تستطيع مقاومته"[13].

كانت هذه مناقشة، حاولت أن تلم بتفاصيل القراءة الجابرية للعلاقة بين العقل واللغة، من غير الدخول في كل المعطيات لكن دون أن تخل كذلك بجوهر القضية، والآن ننتقل إلى عمل آخر ساهم في بلورة الفعل العقلي للعقل الإسلامي؛ وهو عمل تقنين العقل بواسطة وضع أصول ظلت ثابتة إلى يومنا هذا.

أ. العقل الإسلامي وفعل القياس

عندما كنا نتتبع الجابري في تشخيصه للخطاب العربي المعاصر، ألمحنا إلى وقوفه على أن اعتماد القياس يغلب على معظم المشاريع الإصلاحية، وناقد العقل العربي الإسلامي يرى أن هذه الآلية موروثة عن عادة فكرية أثيرة، قديمة تضرب بجذورها في الممارسة الفكرية للعقل العربي الإسلامي، وبالضبط إلى الإمام الشافعي أول من قنّن ووضع قواعد للعقل، ويرتفع الجابري بتأثيرها على العقل الإسلامي، ليقارنها بتلك القواعد التي وضعها الفيلسوف الفرنسي ديكارت للعقل الفرنسي والأوروبي بصفة عامة، فكما يقول أحد الباحثين: "نسبة القواعد الأولى إلى العقلانية العربية الإسلامية، لا تقل أهمية عن القواعد الثانية بالنسبة إلى العقلانية الأوربية الحديثة"[14]. فما طبيعة هذه القواعد؟

كان تقعيد اللغة العربية هو العمل الأول الذي قام به العقل العربي، وقد خلف ذلك تأثيرا كبيرا على منظر الأصول الأول الإمام الشافعي، غير أن هذا السبب لم يكن وراء قيام الشافعي بهذه المهمة، وإنما يرجع ذلك إلى خلاف قام بين أهل الرأي وأهل الحديث، يقول: "إذا نظرنا إلى الفكر العربي عند بداية تشكله وتبلور قضاياه وتياراته، مع بداية عصر التدوين، وجدناه يميل إلى التوزع إلى تيارين رئيسين في كافة المجالات: تيار يتمسك بالموروث الإسلامي، ويدعو إلى اعتماده أصلا وحيدا للحكم على الأشياء، وتيار يتمسك بالرأي ويعتبره الأصل الذي يجب اعتماده، سواء في الحكم على ما جد من الشؤون أو في فهم الموروث الإسلامي نفسه"[15].

إنه من غير شك أن العلم المركزي في الثقافة العربية، والذي كانت سائر العلوم الأخرى خادمة له هو "الفقه"، وإذا كانت علاقة الفقه بالحديث ومصطلحه أو بالتفسير أو بعلوم اللغة واضحة لا تحتاج لمزيد توضيح، بسبب أنها كانت أدوات ضرورية للفقيه، فضلا عن توضيح علاقة الفقه بأصوله، إذ هذا الأخير يتنزل بالنسبة إلى الفقه منزلة ما يسمى الآن نظرية المعرفة القانونية Epistémologie juridique بالنسبة إلى القانون، إذ يؤطر تفكير الفقيه/رجل القانون، فإن العلوم التي تبدو بعيدة كل البعد عن الفقه تشكلت هي الأخرى تحت إملاءات هذا العلم، نقصد على سبيل المثال علم الجبر للخوارزمي، فهو يقول إنه ألف كتاب الجبر والمقابلة من أجل "ما يلزم الناس من حاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم"[16]، والكتابة التاريخية نفسها لم تحد عن هذا الخط، فلم تكن الغاية من كتابة التاريخ مجرد فضول معرفي للإلمام بالماضي، بل كما يقول عبد العروي: "تحديد حكم شرعي لصالح فرد أو جماعة، لهذا السبب كثر بين المؤلفين في التاريخ أول الأمر الفقهاء"[17].

نخلص من هذا، أن الموضوع الذي شكل مادة عمل العقل على تنظيمها هي الفقه، وقد تجلى هذا التنظير العقلي للكيفية التي يجب أن يقارب بها العقل الفقه في "أصول الفقه"، فهذا الأخير كان بمثابة تقنين عقلي لنمط اشتغال العقل وهو يحتك مع النص، وهذا هو موضوع الفقه. أما أصول الفقه، فهي مجموعة القواعد ونسق منظم من التوجيهات ذات الطابع العقلي التي تجب مراعاتها من أجل استخلاص الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية على نحو سليم، أو بعبارة الأصولي نفسه "المنهاج الذي يرسم للفقيه ليتقيد به في استنباطه حتى لا يخرج عن الجادة، فهو يرتب الأدلة، ويبين من يخاطب بأحكام الشرع وينطبق عليه ما تقتضيه هذه الأدلة (...) ويبين القواعد اللغوية التي ترشد الفقيه إلى استخراج الأحكام من النصوص، ويبين الموازين التي تضبط القياس، وتفيد طرق استخراج العلل الجامعة بين الأصل المقيس عليه والفرع المقيس"[18]، وبعبارة مختصرة أصول الفقه هي "القواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية"[19].

إن أول ما نستشفه من هذه التعاريف هو الطابع الإبستمولوجي لعلم أصول الفقه، إنه ينظر في مبادئ علم الفقه، ويصبو لبناء دعامة وقاعدة متينة للفقيه يستوحيها كنموذج ذهني أثناء اشتغاله، ومما له دلالة خاصة أن يقرن الرازي بين علم المنطق وعلم أصول الفقه، يقول: "واعلم أن نسبة الشافعي إلى علم الأصول كنسبة أرسطاطليس إلى علم المنطق (...) وذلك لأن الناس كانوا قبل أرسطاطاليس يستدلون ويعترضون بمجرد طبائعهم السليمة، لكن لم يكن عندهم قانون ملخص في كيفية ترتيب الحدود والبراهين؛ فلا جرم كانت كلماتهم مشوشة مضطربة (...) فلما رأى أرسطاطليس ذلك، اعتزل عن الناس مدة مديدة، واستخرج علم المنطق ووضع للخلق بسببه قانونا كليا يرجع إليه في معرفة تركيب الحدود والبراهين (...) فكذلك ههنا الناس كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل الفقه ويعترضون ويستدلون. ولكن ما كان لهم قانون كلي يرجع إليه في معرفة الدلائل الشرعية وفي كيفية معارضاتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه"[20]. فإذا كان علم المنطق بالتعريف هو ما يعصم العقل من الخطأ، ألا يحق لنا تبعا لقولة الرازي أن أصول الفقه هي ما يعصم العقل الإسلامي من الخطأ.

إننا نستطيع أن نتبين أكثر جوابا لهذا السؤال إذا استحضرنا التمييز اللالاندي بين العقل المكوِّن والعقل المكوَّن؛ كما أشرنا إلى ذلك في مستهل هذا الفصل، وقد نلمس أن القواعد التي يستخدمها العقل الإسلامي في استدلالاته هي نفسها تلك التي ضمّن الإمام الشافعي كتابه الأصولي الأول "الرسالة".

هذا بالضبط ما عناه الجابري، وسر إيراده لمبحث الأصول في كتابه الذي يناقش الذهنيات، والواقع أننا نجد باحثين معاصرين آخرين ينطلقون في دراستهم للعقل الإسلامي المعاصر من رسالة الشافعي، باعتباره الطريق المختصر لمعرفة "البراديغم" أو نموذجه الذهني في الاشتغال؛ وأحدهم المفكر والمؤرخ المغاربي محمد أركون. إن أركون اقترح ثلاث استراتيجيات من أجل القبض على العقل الإسلامي الكلاسيكي، إما الارتكاز على دلالات المفهوم في النص القرآني ثم تتبع تطوراته داخل الفكر الإسلامي، وإما الوقوف على دلالة توظيف المفهوم عند الفرق الإسلامية ومن ثم اختيار أكثرها تعبيرا عن الخصوصية الإسلامية، وإما اختيار أكثرها تعبيرا عن الخصوصية الإسلامية، وإما اختيار كتاب معياري صودق على معياريته ومرجعيته بإجماع الفرق الإسلامية، وهذه الأخيرة هي التي سيعتمدها أركون[21]. في أي خندق إذاً زج الشافعي بأصوله العقل الإسلامي حسب أركون.

إننا لا نستطيع أن نجيب عن هذا السؤال إذا لم نحلل كتاب الرسالة للإمام الشافعي، وليكن محمد أركون وسيطنا في فهم جملة الإشكالات التي طرحها. يرى المفكر الجزائري أن الرسالة تضعنا أمام عنوانين كبيرين عما "لغة، حقيقة، قانون" و"حقيقة، تاريح"؛ فحوى الإشكالية الأولى أن معرفة حقيقة القانون، أو لنقل إصدار فتوى أو النطق باسم الشارع يمر عبر وسيط لغوي، فلابد للمفتي أن يكون عارفا باللغة العربية ولسانها، يقول الإمام الشافعي: "ومن جماع علم كتاب الله العلم بأن جميع كتاب الله، إنما نزل بلسان العرب"[22]، والإمام الشافعي في هذه المقولة كان يتوجه بالكلام إلى من زعموا أن في القرآن كلمات غير عربية، يقول بصيغة جدلية: "فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيا وأعجميا"، وهو يجيب عن هذا الاعتراض ببيان مداخل الغلط إن صح التعبير، أو لنقل أن الشافعي يرى بأن هؤلاء "العجم" وقعوا في مغالطة أصلها الاعتقاد في كون جهل العرب ببعض ألفاظ اللغة دليل على أن ذلك المجهول من غير لسانه، والجواب الذي يقدمه الإمام الشافعي لهذا الاعتراض هو التنصيص على سعة اللسان العربي؛ فهو "أوسع الألسنة مذهبا وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان عربي غير نبي، ولكن لا يذهب منه شيء على عامتها"، يم يعقد الشافعي مقارنة بين العلم باللسان العربي والعلم بالسنة لدى الفقيه، فكما أن الإحاطة بكل سنة الرسول محمد (ص) متعذرة على الفقيه، فإن "العلم [بلسان العرب] كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيئا"[23]. ومما يجب التنبيه عليه هنا، أن بعض الفقرات في رسالة الشافعي تنطلق من خلفيات إيديولوجية، فهي توحي أنه كان يود تأسيس مركزية العربي في السلطة التشريعية[24]، خاصة عندما يتحدث عن ما سماه تبعية، يقول الشافعي بوضوح ودائما بصيغة جدلية: "فإن قال قائل فقد نجد من العجم من ينطق بالشيء من لسان العرب؟" يجيب الشافعي: "فذلك يحتمل ما وصفته من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه"[25].

لنترك علاقة الحقيقة بالقانون، والتي تمر عبر وسيط لغوي كما يحدثنا بذلك محمد أركون، ولننتقل إلى علاقة الحقيقة بالتاريخ، أو بمعنى آخر كيفية ضبط الحقيقة عبر السيرورة التاريخية، حيث يظل الحصور الإلهي دائم كمشرع ينوب عنه "موقعون". إن الآلية التي يقدمها لنا من أجل هذا الاستمرار للنص في تشكيل الواقع وتوجيهه هي القياس، فمن خلاله يمكن أن نربط العقل المشرع باللحظة التأسيسية الأولى، والإمام الشافعي يشدد على ضرورة استعمال آلية القياس كنمط وحيد لممارسة الاجتهاد، حتى يقصي آليات أخرى نص عليها أئمة آخرون خاصة الاستحسان والمصالح المرسلة[26]. ولابد من التنبيه على أن القياس كما هو مرسوم في المنظومة الشافعية ليس سوى استنباط ما هو موجود في النص، لذلك لا يفتأ يمثل لذلك بمعرفة القبلة، يقول: "والقياس ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب والسنة، كطلب ما وصفت من قبل من القبلة"[27]، ولهذا فهو لا يغفل في مقدمة رسالته على تأكيد إحاطة القرآن بكل النوازل التي قد تحدث والتغييرات التي قد تطرأ ولو على سبيل الهدي، كما ينبهنا على سعة السنة النبوية التي لا يمكن لأحد أن يحيط بها كما هو الشأن مع اللسان العربي؛ فهو بهذا التنصيص يمهد للقول بضرورة اتخاذ القياس آلية وحيدة للاجتهاد، لأنه "ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وف كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها"[28].

يمكن أن نجمل مرامي الشافعي من تأليف كتابه في نقطتين؛ الأولى إقرار السنة كسلطة تشريعية لها استقلاليتها في التشريع استنادا على القرآن الذي يدعو إلى طاعة الرسول، وهي فكرة سادت بعد الشافعي، وإلا فإن قبله كان الاختلاف محتدما بين فريقين كما يقول الشافعي نفسه، والثانية هي التشريع للمشرع أو تقنين الرأي واشتراط موافقة الخبر المتقدم، وكلاهما يؤسسان لفعل عقلي واحد يقوم على القياس ويلغي التاريخية. يقول أركون: "إن مؤلف الرسالة قد ساهم في سجن العقل الإسلامي داخل أسوار منهجية معينة سوف تمارس دورها على هيئة استراتيجية لإلغاء التاريخية"[29].

لكن رغم أن أركون انتبه لتأثير الرسالة في توجيه العقل الإسلامي، فإنه حصر ذلك في إطار تيولوجي معين، فالرسالة شدت المسلم إلى نص معين وحقبة زمنية معينة وذلك باعتماد القياس. أما محمد عابد الجابري، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فهو الآخر يعترف أن الإمام الشافعي هو المشرع الأكبر للعقل العربي، وأن قواعده التي وضعها تتنزل من العقل العرب منزلة قواعد المنهج التي وضعها ديكارت للعقل الأوربي الفرنسي، فحذا حذوها فيما بعد، يقول الجابري: "إذا كانت مهمة الفقه هي التشريع للمجتمع، فإن مهمة أصول الفقه هي التشريع للعقل (...) وأن القواعد التي وضعها الشافعي لا تقل أهمية بالنسبة لتكوين العقل العربي الإسلامي عن قواعد المنهج التي وضعها ديكارت بالنسبة إلى تكوين العقل الفرنسي خاصة، والعقلانية الأوروبية عامة"، لكن الشافعي بالنسبة إلى الجابري لم يكن تأثيره محصورا في توجيه طريقة اشتغال التيارات ذات الاتجاه الديني السلفي، بل إن الشافعي خد الحدود الإبستمولوجية للعقل العربي ككل، لقد طغى على العقل العربي توظيف القياس لكنه ليس دائما قياسا مشدودا إلى اللحظة التأسيسية الأولى في تاريخنا، لا بل طالت تيارات أخرى لا ينتابها ذلك الشعور الانبهاري حيال الماضي الإسلامي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن القياس سيصير الفعل العقلي الوحيد الذي ستنهجه باقي العلوم التي تشكلت داخل الثقافة العربية الإسلامية، وخصوصا العلوم التي تنتمي إلى النظام المعرفي البياني: الكلام والنحو والبلاغة.. إلخ.


[1] عابد الجابري، تكوين العقل العربي: نقد العقل العربي (1). ط 10. (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2009). ص 76

[2] Adam Schaff, Langage et connaissance. (Paris: Anthropos. 1967). p292.

[3] عابد الجابري، تكوين العقل العربي. م.س، ص 88

[4] نفسه، ص 79

[5] نفسه، ص 83

[6] نفسه، ص 84

[7] جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي. (بيروت: دار الساقي. 2014). ص 99

[8] نفسه، ص 103

[9] سنلاحظ في ما بعد أن الجابري، ومن خلال قراءة تُشبه أن تكون أنثروبولوجية، تحمل بين طياتها تصوير جمالي بديع، يقارن بين السلطات التي تتحكم في العقل الإسلامي وطبيعة الزمكان في المحيط الصحراوي، وكذلك طبيعة الحياة عموما هناك. انظر: محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي: دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية. ط11. (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2013). ص 241

[10] طرابيشي، إشكاليات العقل العربي. م.س.، ص 133

[11] الجابري، تكوين العقل العربي. م.س.، ص 68

[12] فرنان دي سوسير، دروس في اللسانيات العامة. (باريس: منشورات أرمان كولان. 1991). ص 173. نقلا عن: جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي. م. س.، ص 207

[13] محمد مزوز، منزلة العقل النظري في المشروع النقدي للجابري. ص 77. في: مجوعة مؤلفين، محمد عابد الجابري: المواءمة بين التراث والحداثة. (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2016).

[14] الجابري، تكوين العقل العربي. ص 100

[15] محمد بن موسى الخوارزمي، كتاب الجبر والمقابلة. تحقيق علي مصطفى ومحمد موسى أحمد. (القاهرة: دار الكتاب العربي. 1968). ص 25

[16] عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي. ط5. (البيضاء: المركز الثقافي العربي. 2006). ص 80

[17] محمد أبو زهرة، أصول الفقه. (القاهرة: دار الفكر العربي. [د.ت]). ص 6

[18] عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه. (بيروت: دار القلم. 1986). ص 12

[19] فخر الدين الرازي، مناقب الإمام الشافعي. تحقيق أحمد السقا. (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية. 1986). ص 157

[20] محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ترجمة هاشم صالح. (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. 1998). ص ص 66-67

[21] محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة. تحقيق أحمد شاكر. (بيروت: دار الكتب العلمية. [د.ت]). ص 156

[22] الشافعي، الرسالة. ص 158

[23] يذهب أحد الباحثين المعاصرين إلى أبعد من هذا، يقول: "وفيما يتصل بمذهب الشافعي فإنه لا يتركنا للتخمين، بل يعبر عن انحيازه للقرشية بطرائق متعددة: فهو يحتفي احتفاء خاصا بالمرويات التي تؤكد فضل قريش على الناس كافة، وهو ثانيا لا يكتفي بالاتفاق مع جمهور علماء أهل السنة بحصر الخلافة في قريش دون غيرها من قريش، بل يذهب فيما يرويه عنه تلاميذه إلى أن الإمامة قد تجيء من غير بيعة إن كان ثمة ضرورة.." نصر حامد أبو زيد، الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجيا الوسطية. (البيضاء: المركز الثقافي العربي. 2007). ص 96

[24] الشافعي، الرسالة. ص 156

[25] الاستحسان في لغة الأصوليين هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول ن الأول، وأما المصلحة المرسلة هي المصالح الملائمة لمقاصد الشارع الإسلامي، والإمام مالك هو الذي حمل لواء الأخذ بالمصلحة المرسلة. انظر مثلا: محمد أبو زهرة، أصول الفقه. ص 279

[26] الشافعي، الرسالة. ص 156

[27] الشافعي، الرسالة. ص 136

[28] محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي. ص 74

[29] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي. ص 97 وما بعدها.


مقالات ذات صلة

المزيد