نهاية الإسلام السياسيّ

فئة :  مقالات

نهاية الإسلام السياسيّ

 1- التأسيس والتسييس:

تأسّست فكرة الإسلام السياسيّ على تصوّر يعتبر أصحابه أنّ للدّين بعدا سياسياّ، يمكن أن يمثّل ركيزة مشروع لإنقاذ الأمّة التي تأخرت من ويلات جهلها وتخلّفها وتأخّرها الحضاريّ.[1] وأقام المنظّرون الأوائل بنيان فكرهم على أساس استعادة الإسلام في نقائه وصفائه. فكان استثمارهم السياسيّ للمقدّس أهمّ ركيزة أقاموا عليها صرح مشروعهم. ولكنّهم، وإن خاضوا نضالا طويلا في سبيل الوصول إلى السلطة وأقنعوا قاعدة واسعة من المسلمين بوجاهة مشروعهم، فقد فشلوا في تجارب الحكم التي خاضوها. وليس الحكم الذي نطلقه في هذا المقام مطلقا. ولكنّنا سنحاول الانطلاق من بعض العيّنات التي تدعم طرحنا، وتنزع عن أحكامنا المعياريّة والاصطفاف في خانة الخصوم أو المناصرين.[2]

وأوّل مسالك الموضوعيّة التي نرومها تفسير مصطلح الفشل الذي لازم تجربة المتأسلمين. إنّه يعني تنكّرا للأصول التي قام عليها تيّارهم السياسيّ وعجزا عن تحقيق ما وعدوا به أنصارهم، واعتبروه أهمّ خصيصة تميّز حزبهم عن سائر الأحزاب، وهو يعني فضلا عن ذلك، عجزا عن تحقيق مقاصد مشروعهم، وهي اللحاق بركب التقدّم ومنافسة الغرب في تقدّمه وإنقاذ المجتمعات الإسلاميّة من تخلفها ومشاكلها المتراكمة.

لقد تأسّس مشروع الإسلام السياسيّ في بدايته على منطق الصدام والمواجهة بدل التواصل والاستفادة من التجربتين الليبراليّة والاشتراكيّة[3]. ولعلّ هذا الطرح الذي تبرّره السياسة الاستعماريّة التي انتهجتها الإمبراطوريتان الفرنسية والبريطانية على دول إسلاميّة كثيرة قد كان وقودا لفكرة الجهاد والمواجهة. ثم شغلت أمريكا والاتحاد السوفييتي وإسرائيل هذا الدور؛ إلاّ أنّ تلك الأرضيّة قد كانت مهدا لتيارات سلفيّة رأت في الماضي كلّ حلولها وتفننت في رسم معالمه الخارقة والسحريّة، وبنت مدنها الفاضلة على قاعدة الأوهام والأحلام الطوباويّة.

وليست الحاجة البشريّة إلى الرمز مسألة يمكن أن تمثّل عيبا في التصورات الإنسانيّة أو الرؤى الحزبيّة، ولكن العجز عن تحويل تلك الرّموز إلى أدوات عمل سياسيّ وآليّات بناء يمكن أن يقود الوعي السياسيّ إلى متاهات الوهم في واقع يعمل فيه البشر على التقدّم، ويبنون صرحه على أرضيّة واقعيّة؛ فقد كانت أحلام الفلاسفة ببناء المدن الفاضلة منطلقا لتأسيس مشاريع سياسيّة قابلة للتحقّق وصياغة رؤية اقتصاديّة واجتماعيّة تضمن التقدّم لشعوبها وتُطوّر من تمثّلها للواقع وفهمه.

بيد أنّ معضلة الإسلام السياسيّ تظلّ في كونه ارتهن إلى سجلّ لغوي مستمدّ من واقع مغاير تماما للواقع الذي يفترض بالمقاربة السياسيّة أن تؤسّس لبدائله؛ ذلك أنّ منح النظم السياسيّة الإسلاميّة قداسة واعتبار تشريعاتها الفقهيّة أسسا لقيام تصوّرات سياسيّة قد زاد من حدّة التباعد بين الخطاب السياسيّ والواقع الذي يُفترض أن يقاربه المتأسلمون، إذ ينطلقون في خطابهم من نماذج جاهزة يسعون إلى تسويقها بتوظيف طاقة المقدّس الديني ويعجزون عن تطبيقها واقعا؛ لأنّها قدّت ببساطة لعصر غير عصرها. ولذلك، فقد كان من البديهيّ أن تتهاوى تدريجيّا "مقدّسات" الإسلام السّياسيّ الواحدة تلو الأخرى، ويؤول الأمر بالأحزاب التي حملت شعارات الإسلام السياسيّ إلى نزع القشر الإسلاميّ والإبقاء على الفعل السياسيّ. وحينئذ، فهي قد فشلت في ما ادّعت أنّه يمثّل جوهر دعوتها والطابع الذي يميّزها عن غيرها من الأحزاب، بل إنّها بذلك تدكّ صرح مشروعها النظريّ باسم مسايرة الواقع.

2- محنة السّلطة وخطاب الوهم:

إنّ الممارسة هي وحدها التي كشفت عجز المتأسلمين عن تحقيق مشاريع الوهم التي روّجوها؛ فمفهوم الأمّة الواحدة أضحى سرابا وسط ما فرضته الدولة الوطنيّة من مقدّسات جديدة. وظلّ مشروع إحياء الإسلام مجرّد شعارات قد تصلح لاستثمار المخزون الثقافي الكامن في اللاوعي الجمعي، ولكنّه حين يؤول إلى التطبيق ينكشف سرابا لا يمكن أن يجسّد في مؤسّسات الدّولة.

لقد قدّمت التحوّلات السياسيّة التي حدثت في تونس حرّية التعبير لقاعدة كبيرة من التونسيين. ولكنّ الحالة الدينيّة تظلّ بحكم أوهام المشروع الذي روّج له المتأسلمون مرتدّة نحو تصوّر سطحي للإسلام لا يخرج عن ثوبه الرسمي احتفالا بالمناسبات الدينيّة، وتذكيرا بالمقدسات التي يؤمن بها المجتمع أصلا. فتلك عادات اجتماعيّة رسّخها التداول ولا فضل للأحزاب فيها. وقد تفنّن المتأسلمون في استثمار الإساءة وإشهار عيوب المجتمع، ليمنحوا أنفسهم صفة المنقذين والمدافعين عن الإسلام والمسلمين، وقد روّجوا في خطابهم لفساد الأخلاق والخطر المحدق بالدين، ليقنعوا الناس بأنهم حماته.

إنّ كلّ النقاط التي مثّلت مجالات مزايدة راهن عليها المتأسلمون قد آلت إلى الاندثار والزّوال. فلا مشاريع العدالة الاجتماعيّة الموعودة تحقّقت، ولا الشورى التي ظلّ تصوّرها ضبابيّا في خطاب المتأسلمين قامت مؤسّسة فعليّة يمكن أن تمثّل منافسا لأجهزة النظم الديمقراطيّة، ولا بدا الاقتصاد الإسلاميّ مشروعا بديلا واضح المعالم. وأقصى ما يمكن أن تحقّقه الجمعيات الخيريّة التي انتشرت زمن حكم المتأسلمين واستغلّت لغايات سياسيّة، أنّها تكرّس الحلول السطحيّة المرتبطة بتقديم المساعدات في المناسبات الدينيّة بدل تقديم حلول جذريّة لمشاكل الفقر وغياب موارد الرزق. كلّ ما في الأمر أن عجلة الدولة بمؤسساتها وحركة التاريخ بتحولاته ومشروع الديمقراطيّة بهياكله قد أخذ المتأسلمين في قطاره، فتركوا رحالهم القديم وركبوا عصر العولمة أحزابا ليس لها من سمة الإسلام سوى شعار أجوف خال من مشروع تجديديّ قادر على التأثير في المجتمع. ولذلك، فقد ظلّوا يردّدون في آخر مؤتمر لهم أنّهم قد تجاوزوا ما كان يمثّل لغة التفرّق ويجزّئ المجتمع إلى مسلمين وكافرين في إطار ما يفترض أن يعبّر عن اختلاف طبيعيّ بين الحكّام والمعارضين. وعبّروا عمّا سمّوه تحوّلا في هويّة الحزب. ولعلّ صيغة البيان الختاميّ أبلغ في التعبير عن تحوّل ذكرت فيه الهويّة الجديدة للحزب، ولكن يمكن أن ندرك ملامح هويّة الحزب القديمة من وراء السطور.[4]

تكمن خطورة التّوظيف السّياسي للمشترك الدّيني في الاستيلاء على ميراث جماعي لا يمكن أن تحتكره مجموعة على حساب أخرى، ولا يمكن أن يكون في إطار مجتمعات تناشد المساواة والحرّية والعدالة أن يمنح فئة من أصحاب المشاريع السياسيّة استغلال مورد حضاريّ مشترك، وهو لا يمكن أن يكون ملكا للسنّة وحدهم أو المعتزلة أو المتصوّفة أو الخوارج...

لا معنى للحديث عن إسلام دون حديث عن قابليّة التنوّع والتأويل وقدرة على استيعاب هذا الاختلاف بدل تحويله إلى وقود حروب وفتيل نزاع. وليس أقدر على الخروج من مأزق الاحتراب الداخليّ سوى منح المسلمين على اختلاف تصوراتهم المذهبيّة أو الشخصيّة حقوقهم الشخصيّة في الفكر والاعتقاد، وحرية ممارسة الطقوس والشعائر وحرية عدم ممارستها.

لقد دعا المتأسلمون في بداية تشكّل تنظيمهم إلى أسلمة المجتمع، وافترضوا أن أفراده الذين لا يؤمنون بمشروعهم كفرة يعيشون الجاهليّة الجهلاء، ودعوا إلى الحاكميّة الإلهيّة ومقاومة الطواغيت والكفر ومواجهة الغرب من خلال استعادة الأنموذج الأنقى الذي جسّدته الفترة النبويّة. ورسمت تلك الأحلام السحريّة لقاعدة واسعة من الجماهير أفقا من المدن الفاضلة وارتفعت وتيرة حماستهم، وهم يعتقدون أنفسهم ساعين إلى تطبيق شرع الله في أرضه. ولكن تلك الحماسة التي قادت كثيرا من المدافعين عن تلك الإيديولوجيا إلى غياهب السجون، وتحمّل سنوات من القهر الذي مارسته الأنظمة الاستبداديّة قد آلت إلى وثوق بأنّ المشروع الذي دافعوا عنه هو المشروع الأمثل الذي يخشى الحكام والمعارضون من غير المتأسلمين قيامه. فزاد الاضطهاد أنصار هذا التيّار ثقة بأنّهم يمثّلون الحقّ المطلق الذي لا نزاع في صحّته. وكانوا يحتاجون أكثر من أيّ وقت مضى إلى اختبار قدراتهم على تولّي السلطة وتحويل مقولاتهم النظريّة ومبادئهم الأساسيّة إلى فعل سياسيّ.

إلاّ أن ما تصوّره المتأسلمون تتويجا لمسارهم النضاليّ قد كان مقبرة حكم غرقوا فيها وأيقنوا بفشل ما كانوا يدعون إليه. ففي ساحة الحكم نزعوا ثوبهم القديم ولم يبق من الإسلام الذي شرعنوا به مشروعهم سوى أشلاء شعارات وتسميات لا تقدّم مشروعا حقيقيا في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع. وبدأوا يعدّلون من مقولاتهم على أساس حاجات الحكم وحاجات الواقع وموازنات العلاقات الخارجيّة ونفوذ الدول الأجنبيّة. وراحوا يرتقون الفتق برفاء حتّى ذهب الثوب الأصليّ وبقي الرفاء.

كلّ تلك العوامل جعلت الأسس النظريّة التي قام عليها فكر المتأسلمين أمرا هامشيّا أمام حاجتهم الأكيدة إلى البقاء في الحكم. وبحثهم عن التوافق واسترضاء القوى العظمى. ولعلّ ذلك ما يفسّر الانقسام الحاد الذي طبع الواقع السياسيّ للتيارات الإسلاميّة في تونس. فقد انتقل السلفيون المتشدّدون من الوثوق بحزب النهضة التونسي واعتباره قادرا على تحقيق مبادئهم أو على الأقل منحهم دعما لتحقيق مشاريعهم وسعيهم إلى أسلمة المجتمع، إلى معارضته واعتبار مواقفه خذلانا لمبادئه بعد رفض اعتماد الشريعة في الدّستور التّونسي الجديد الذي سنّ بعد الثورة. فقد انشقّ فريق من المتشدّدين عنهم وصاروا يميلون إلى البحث عن حاضنة أخرى. وبالمقابل أشاحت النهضة بوجهها عن السّلفيين المتشددين وولّت وجهها شطر عدوّها التاريخي الذي طالما أطلقت عليه نعوت الشّيطنة واتهمته باستعادة المنظومة السياسيّة القديمة[5]. فتحالفت معه ودافعت عن مشاريعه. ولئن كان للنهضة حلفاء منذ أن تولّت الحكم. فقد كانوا في الحقيقة مجرّد ديكور لا يحُول دون مواقف شيخها وتوجّهها العام في السياسة.[6] أمّا تحالفها مع حزب نداء تونس، فقد كان حلفا حقيقيا تتحقّق فيه الحدود الدنيا للتوازن بين القوتين. وتقدّم فيه كلّ التنازلات من أجل ضمان توافق يواصل مسيرة الدولة الوطنيّة دون تأثير يذكر لما ادعته حركة النهضة مرجعيّة إسلاميّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الدولة الوطنيّة التي تبنّت تصوّرا حداثيّا للدين، واستطاعت أن تدمج في منظومتها القانونيّة كثيرا من التّشريعات الإسلاميّة، قد مثّلت سقفا من القوانين، عجز القادمون الجدد إلى السلطة عن تطويره أو تغييره تغييرا جذريّا قد يقنع بأنّهم حققوا مشروع الأسلمة الذي يطمحون إليه؛ لأنّه لا يمكن ببساطة أسلمة ما هو إسلاميّ بطبعه. فلا هم كانوا قادرين على استثمار ماض ثريّ بتنوّعه الحضاريّ والفكريّ، ولا هم أسّسوا لمشروع حداثة فعّال.

3- نهاية الوهم وسلطة الواقع:

لقد كان المتأسلمون واعين في بداية دعوتهم بخطورة أن تكون للدولة سطوة على المجتمع، وقد دعا زعيم حركة النهضة راشد الغنونشي من قبل أن يتولى حزبه الحكم إلى ضرورة الحدّ من سطوة الدولة المتغوّلة. و"كان حريصا بقوّة على الحديث عن إعطاء الفرصة لتكون اليد العليا للمجتمع على الدّولة... بيد أنّ التحوّلات التي جرت في تونس عقب الربيع العربيّ رجّت بسرعة هذه القناعات التي ردّدها كثيرا ودافع عنها الشيخ راشد الغنوشي، خاصّة بعد أن حقّقت حركة النهضة فوزا في الانتخابات. فانقلب من مدافع عن المجتمع وحصونه، إلى مراهن عن الدّولة وحصونها."[7]

لعلّ السبب الرئيس الكامن وراء هذا الانقلاب من التنظير إلى التطبيق[8] كامن في خضوع المشروع الذي روّج له المتأسلمون مع منطق الدولة التسلطيّة؛ لأنّه بطبعه مستمدّ من تراث قام على ميراث الطّاعة والانضباط إلى سلطة أولي الأمر وخاضع إلى ثنائيّة الرّاعي والرعيّة.

لقد تعامل المتأسلمون مع الديمقراطيّة، باعتبارها مجرّد آليّة للوصول إلى الحكم. ولو توفّرت الظروف الدوليّة لتحوّلت سياسيّة كثير من المتأسلمين إلى حكم تيولوجي يعتقد أصحابه أنّهم يطبّقون شريعة الله على الأرض. وأنّ كلّ مارق عن حزبهم/ فرقتهم الناجية هالك في الدنيا والآخرة. ولا يزال كثير من المنتمين إلى هذه الأحزاب يستبطنون هذه الرؤية، إذ إنّهم يحملون في تصوّرهم اعتقادا راسخا بأنّ حزبهم ناطق بالحقيقة الإلهيّة المقدّسة، وأنّ ما سواه ممّن أطلق عليهم نعت العلمانيين أو اليساريين ضالون ومضلون. وإنّما الديمقراطيّة آليّة لإرساء القواعد الإسلاميّة الصحيحة للحكم بدل حكم العلمانيين واليساريين؛ ذاك وهم روج له المتأسلمون وكشفوا به أنّ غايتهم سياسيّة محضة، وهي الوصول إلى الحكم. أمّا الشعارات التي رفعها زعماء هذا التيّار، فليست سوى آليّة من ضمن الآليّات للحصول على السلطة. وبذلك، فقد تعاملوا مع المرجعيّة الإسلاميّة مثل تعاملهم مع الديمقراطيّة، إذ هما في النهاية مجرّد آليّة للوصول إلى الحكم والحصول على الغنائم السياسيّة.

إنّ السؤال الأهمّ الذي يمكن أن يطرحه المتأسلمون على أنفسهم هو الآتي:

هل استطاعوا فعلا تقديم مؤشرات نهضة فعليّة في المجال الاقتصاديّ، إذا علمنا أنّ المكاسب السياسيّة كانت أمرا مقضيّا في سياق تحوّل من أنظمة استبداديّة إلى نظام ديمقراطي دافعت عنه جموع المحتجّين الذين لم يكونوا ينتمون إلى حركة النهضة؟ وهل يمكن القول إنّ سياستهم الاجتماعيّة قد حققت الحدّ الأدنى من مطالب شعب طمع في الكرامة والشغل؟ ألم يثقلوا كاهل الدولة بتعيين أتباعهم في إطار دولة تشكو أصلا من كثرة الموظفين وارتفاع تكلفة الأجور، وصرف تعويضات حوّلت نضالهم بكل طابعه الرمزيّ إلى مغانم ماليّة؟ ألم يكن من نتائج ذلك إيقاف الانتدابات في القطاع العمومي، بعد أنّ عجّت الإدارات التونسيّة بما يفوق طاقة الميزانيّة العامّة للدولة؟ ألم يسهموا في إغراق الدولة بديون قد يكون وبالها كبيرا على الأجيال القادمة؟ فأيّة نظرة مستقبليّة في ظلّ سلوك سياسيّ يزيد الدولة التونسيّة تبعيّة وارتهانا للبنوك الدوليّة؟

هل يمكن القول، إنّ في دخول المتأسلمين إلى الحكم إضافة نوعيّة للمشهد السياسيّ؟ وما هي أهم الحلول التي يمكن أن يواجهوا بها الفقر والبطالة؟ وهل يمكن لمشروعهم السياسيّ أن يرتقي إلى مستوى النهضة التي كانت اسما اختاروه شعارا لحزبهم؟

لقد ورد في البيان التأسيسيّ لحركة الاتجاه الإسلاميّ أنّها "لا تقدّم نفسها ناطقا رسميّا باسم الإسلام في تونس ولا تطمع يوما في أن سنسب هذا اللقب إليها. (وهو أمر بديهيّ لا يحتاج إلى تأكيد وبيان)؛ فهي مع إقرارها حقّ جميع التونسيين في التعامل الصادق المسؤول مع الدين ترى من حقّها تبنّي تصوّر للإسلام يكون من الشمول، حيث يشكّل الأرضيّة العقائديّة التي منها تنبثق مختلف الرؤى الفكريّة والاختيارات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تحدّد هويّة هذه الحركة وتضبط توجّهاتها الاستراتيجيّة ومواقها الظرفيّة."[9]

إنّ هذا التصوّر الفضفاض لا يمكن أن يمثّل مرجعيّة سياسيّة واضحة المعالم. وقد كشف الواقع بعد وصول المتأسلمين إلى الحكم أنّ السياسة وحدها هي التي بقيت، وأنّه لم يبق من الدّعوة إلى الأسلمة سوى شعارات لا تمسّ بالأسس العامّة للدّولة وللدّستور الذي حافظ فصله الأول على نفس الصيغة التي وردت في الدستور الذي سنّ زمن الاستقلال.

وقد قد كان المؤتمرون من حركة النهضة قد جدّدوا في يونيو حزيران 2007 بالخارج التزامهم "بالهويّة التي حدّدتها وثائقها السابقة، والتي تعني الاعتماد على المرجعيّة الإسلاميّة وما يعنيه من تقيّد في جميع تصوراتها ومواقفها بما هو معلوم من الدّين بالضرورة، مضمّنا في النصوص الشرعيّة القطعيّة، مع التوسّع في غيرها من الظنّيات بالاجتهاد بشروطه المعتبرة."[10] وتكشف هذه الشعارات تخبّط الحركة في عموميّات لا يمكن أن ترقى إلى مشروع تغيير جذري يمكن أن يحمل بوادر النهضة المأمولة التي يعد بها الحزب. ويفتقد المنتمون إلى الحركة القدرة على إنتاج خطاب ديني يجدّد التصوّرات القائمة في تونس. فقد حملت الحقبة الأولى من الاستقلال حزمة من المواقف الجريئة لتركيز تعليم حداثيّ وتحرير المرأة وتحديث المجتمع في إطار مشروع واضح المعالم وجريء في اختياراته. ولئن ركّز أنصار الحركة منذ بداية نشاطهم السياسيّ على مثالب التجربة التحديثيّة في تونس، فإنهم قد انتهوا إلى تبنّيها وتبريرها وتقدير إنجازات رموزها إذ لم يكن في كنانتهم ما يمكن أن يقدّموه، بل إنّ آفاقهم الفكريّة أضيق من سعة التجديد الذي شهده الخطاب الديني في الجامعة التونسيّة. فحديثهم عن التجديد ليس سوى مزايدة سياسيّة أثبتت بطلانها بمجرّد صعودهم إلى الحكم.

لقد انتهى أنصار هذا التيّار في مؤتمرهم العاشر إلى أنهم قد تجاوزوا عمليا كل المبرّرات التي تجعل البعض يعتبر حزبهم جزءا ممّا يسمّى "الإسلام السياسيّ"، وأن هذه التّسمية الشائعة لا تعبّر عن حقيقة هويته الرّاهنة، ولا تعكس مضمون المشروع المستقبلي الذي يحمله. وتعتبر النهضة أن عملها مندرج ضمن اجتهاد أصيل لتكوين تيار واسع من "المسلمين الديمقراطيين"[11] الذين يرفضون التعارض بين قيم الإسلام وقيم المعاصرة"[12] وهذه المعادلة الفضفاضة التي تبدو مقاصدها السياسيّة واضحة، وهي استقطاب قاعدة أوسع من المنتمين تحتاج إلى ترجمة عمليّة وصياغة نظريّة تطرح إشكاليّات جمّة في الاختلاف الكبير بين الانتماء الإسلاميّ الواسع والانتماء الوطني المرتبط بنظم قانونيّة ودساتير تنظّم حياة المجموعة المنتمية إلى نفس الوطن.

"اختارت النهضة في هذا المؤتمر التخصص في الشأن السياسي على أن تعود مجالات الإصلاح الأخرى التربوية والثقافية والدينية للمجتمع المدني."[13] فأنهت بذلك، على مستوى الخطاب ما كانت تعتبره أساسا قامت عليه الحركة. وأنهت بوصولها إلى الحكم ما كان وقودا للتأثير في الجماهير واستقطابهم؛ فخطاب النضال والمعارضة تدثّر بعباءة الإسلام. ولكنّ المقاصد السلطويّة الثاوية وراء الشعارات الدينيّة ظهرت من بعد أن وصل المتأسلمون إلى الحكم. فأجهضت تجربة الحكم مشروع الإسلام السياسي وقد عجزت عن وأده النظم الدكتاتوريّة بكلّ آلات قمعها وسجونها ومعتقلاتها.


[1] ورد في البيان التأسيسيّ لحركة الاتجاه الإسلامي في تونس ما نصّه: "إنّ استمرار أسباب تخلّف الوضع السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ في مجتمعنا يرسّخ لدى الإسلاميين شعورهم المشروع بمسؤوليتهم الربّانيّة والوطنيّة والإنسانيّة في ضرورة مواصلة مساعيهم وتطويرها من أجل تحرّر البلاد الفعلي وتقدّمها على أسس الإسلام العادلة وفي ظلّ نهجه القويم." راشد الغنّوشي، مقالات، ط1، باريس، المعرفة، العدد 5 السنة 2، 1984، ص 6

[2] نشير مثلا إلى فشل حكم الإخوان في مصر، فقد انتهت فترة حكمهم بعودة كثير من قياداتهم في رحلة إياب من القصر إلى السجن، "والحركة الإسلاميّة تمرّ في هذه المرحلة بأصعب أيّامها، خاصّة في مصر، فقياداتها في السجون، وشبابها في المنافي... وعلى الرغم من أنّ ذلك ليس غريبا عليها منذ اصطدامها بالنظام الملكيّ في مصر، مرورا بنظام عبد الناصر، ثمّ بالسادات، ومن بعده حسني مبارك، إلاّ أنّ هذه المرّة الوضع مختلف والصورة مختلفة، فلأولّ مرّة تصل الحركة إلى موقع السلطة وتقترب من تحقيق آمالها، وبين عشيّة وضحاها تنقلب الأمور، لتعود إلى مربّع الصفر مرّة أخرى." انظر: جاسم سلطان، أزمة التنظيمات الإسلاميّة، الإخوان نموذجا، ط2، بيروت، الشبكة العربيّة للأبحاث والنشر/ تمكين للأبحاث والنشر، 2015، ص 10

[3] تحدّث سيّد قطب مثلا عن عداوات الصليبيين والمستعمرين والمستغلّين الطغاة والمحترفين من رجال الدّين والمستهترين والمنحلّين والشيوعيّة والشيوعيين. انظر مثلا: سيّد قطب، معركة الإسلام والرأسماليّة، ط13، مصر، دار الشروق، 1993، ص 93- 112

[4] ورد في البيان ما يلي: "اختار المؤتمر الحزب الوطني هوية جديدة للنهضة تجعله يهتم بما يجمع ويوحد، تتسع أوعيته التنظيمية للتعدد والتنوع، ينبذ التنافي وتقسيم المجتمع والتفرق إزاء المصالح الوطنية الكبرى." انظر: http://congres10.ennahdha.tn/ar

[5] عنينا هنا حزب نداء تونس الذي ضمّ طيفا واسعا من الدستوريين واليساريين، وفاز في انتخابات 2014

[6] http://congres10.ennahdha.tn/ar

[7] جلال الورغي، الإسلاميّون في الدولة، تجربة حركة النهضة التونسيّة في سياق الدولة الحديثة، ط1، لبنان/ المغرب، منشورات ضفاف/ دار الأمان، المركز المغاربي للبحوث والتنمية، 2014، ص ص 73، 74

[8] ورد في بيان المؤتمر العاشر لحركة النهضة في تونس ما يؤكّد الفرق بين النظريات التي أسّس بها المتأسلمون مشروعهم، وبين الواقع الذي اختبروا فيه قدرتهم على الحكم والتسيير: "مثلت لنا السنوات الخمس الماضية التي جاءت في سياق مسار الانتقال الديمقراطي محفوف بالصعوبات والمخاطر تجربة تاريخية ثرية، كما اكتشفنا الفارق بين الإيمان بالمبادئ المجردة للحرية والديمقراطية التي دفعنا من أجلها ثمنا باهظا على مدى عقود، وبين تحويل هذه المبادئ إلى منجز سياسي ملموس عقب ثورة فجرت في لحظة واحدة العديد من التناقضات السياسية والثقافية والاجتماعية." انظر: http://congres10.ennahdha.tn/ar

[9] راشد الغنّوشي، مقالات، ص 6

[10] محمّد القوماني، الرؤية الفكريّة والمنهج الأصولي عند حركة النهضة، ضمن كتاب: من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين الإسلام السياسي في تونس، ط3، مركز مسار للدراسات والبحوث، الإمارات العربيّة المتّحدة، 2011، ص 282

[11] بدت المواقف الأولى لمنظري تيار الإسلام السياسيّ رافضة للديمقراطيّة. فقد ذكر المودودي مثلا أنّ: "بعضهم ينظر إلى الجماعة في الإسلام" إلى عدة من أشكاله الظاهرة، فيلصق بهم اسم الديمقراطيّة وأمّا الأكثرون، فلمرض في نفوسهم وضعف في عقليتهم يودون أن يثبتوا في الإسلام كل ما يرونه قد راج في أسواق العالم المتحضّر، وبالأخصّ في الأمم المتغلّبة عليهم زاعمين أنّ ذلك خدمة جليلة للدين القيم، فكأنّ الإسلام في أعينهم ولد يتيم ساقط لا يعيش إلاّ إذا جعل تحت رعاية رجل ذي جاه ونفوذ..." نظريّة الإسلام السياسيّة، ط1، بيروت، دار الفكر، 1967، ص ص ص 5، 6

[12] http://congres10.ennahdha.tn/ar

[13] المرجع نفسه.