"هايدغر وسؤال الحداثة" لمحمد الشيكر

فئة :  قراءات في كتب

"هايدغر وسؤال الحداثة" لمحمد الشيكر

يشكل كتاب "هايدغر وسؤال الحداثة" للباحث المغربي الدكتور محمد الشيكر مساءلة فلسفية لعلاقة هايدغر بالحداثة، ودعوة إلى التأمل في النمط الفكري للحداثة، في اقتضاءاته وأيقوناته وبشاراته، وأيضًا في إمكاناته وأفق انسداده، صدر هذا الكتاب عن دار "إفريقيا الشرق" بالبيضاء سنة 2006 بيد أنّه ما انفك يحافظ على راهنيته، ليس لأنّ هايدغر ما زال يمثل قامة شامخة في المتن الفلسفي المعاصر، بل لأنّ التساؤل عن الحداثة وما بعد الحداثة ما فتئ يشتد ويحتد ويمثل بؤرة اهتمام المبدعين والمفكرين والفلاسفة.

ويعتبر هايدغر من أوائل الفلاسفة الغربيين الذين تعرضوا بجرأة استثنائية لنقد مرتكزات المشروع الحداثي ومتعلقاته الميتافيزيقة، إلى حد أنّه وسم بالنزوع المحافظ وبالرؤية الارتكاسية وبموالاة الإيديولوجية النازية، والحال أنّ فكر هايدغر انصب تحديدًا على تلمس الاختلالات والتناقضات في المشروع الحداثي الغربي.

وكتاب الباحث محمد الشيكر كان الهدف منه هو الوقوف عند تشخيصات هايدغر لتلك المعاطب التي ساقت الحداثة إلى الانقلاب على برنامجها التنويري، حيث صارت نزعتها العقلانية إلى ضرب من العدمية الفائضة، واستحال فكرها الإنسي إلى نزعة مركزية غربية صارخة، وانقلبت فلسفتها الذاتية إلى تضخم للأنا ونزوع إلى الاستئساد على الطبيعة والآخر.

والكتاب في معظمه ينصب على مساءلة مارتن هايدغر للحداثة وتقويضه لأساسها الميتافيزيقي، وهو يقع في 175 صفحة من الحجم المتوسط، قسمه صاحبه إلى خمسة أبواب مفصلية هي: من أسطورة الحداثة إلى إيديولوجية ما بعد الحداثة، والفلسفة وموضوعة الحداثة، ونهاية الحداثة أو هايدغر ضد نيتشه، وهايدغر وشعرية ضد الحداثة، وهايدغر وما بعد الحداثة.

في الباب الأول "من أسطورة الحداثة إلى إيديولوجية ما بعد الحداثة" أكّد الكاتب أنّ مفهوم الحداثة مفهوم غائم لا يقبل التحديد ولا ينصاع للاختزال، لأنّه يشير إلى صيرورة، ويدل على تحول دائم، كما أنّ مفهوم الحداثة ليس مقترنًا بحقل معرفي بعينه، وهو ليس مفهومًا تاريخيًّا ولا مفهومًا سوسيولوجيًّا أو سيكولوجيًّا، فالحداثة نمط حضاري مخصوص يتنافى ونمط التقليد أيًّا كان، وحيثما وجد، فالحداثة إذن حسب الكاتب "هي نمط خاص في مقابل كل صنوف التقليد وضروب الثقافة الإرثية التي تتمسك بنقطة زمانية أصلية، وتتشبث بمرجعية متعالية وأصل مقدس"[1].

وفي المعنى نفسه يؤكّد نسيم خوري أنّ الحداثة تطمح إلى تحرر الإنسان من جبرية الطبيعة، كما تدعو إلى الانتقال من الثبات والركود إلى التغير الدائم وإلى التخلص من الصراعات الروحية للتطلع إلى الصراعات الحيوية[2]. ومفهوم الحداثة أو الوعي الحداثي لم يظهر إلاّ في القرن 19 وبالضبط حوالي 1850 مع شارل بودلير، حيث أضحت تعني الاحتفال بالعصر والانخراط فيه، فالولادة الشرعية لمفهوم الحداثة كانت داخل الصالونات الأدبية والفنية، حيث تمّ تصوّر الفنّان الحداثيّ كبحّار يستكشف أرضًا بكرًا، ويرتاد عالمًا بلا خرائط، بحّار يحتفل بالحاضر في تجدّده وتناسخه وانسيابه نحو الآتي.

وفي هذا الباب دائمًا ألمح الكاتب إلى أنّ الحداثة هي رجّة دائبة وامتحان للقيم وتدمير للأوثان وصدع للأيقونات؛ فمنطق الحداثة منطق عائم لا ينهض على أساس ثابت ولا يقوم على قرار صلب، لهذا يستحيل الحديث عن نموذج معياري للحداثة، ما دامت قلبًا للنماذج وتشكيكًا في المعايير، كما "يمنع الكلام عن منطق نهائي للحداثة ما دامت رفضًا لكل معيارية قبلية ونقضًا لكل مرجعية متعالية"[3].

وبعد الخوض في مفاهيم الحداثة، ذكرنا الكاتب بكون الحداثة استوفت ذاتها وأنّ المشروع الحداثي قد استنفذ كل إمكاناته، وبالتالي فقد بتنا على مرمى حجر من عهد مغاير للحداثة، عهد ما بعد الحداثة، فالانتقادات التي توجهت للمشروع الحداثي تشي بأفول عهد الحداثة وتبشر بفجر ما بعد الحداثة، بيد أنّه ليس من اليسير تأكيد ذلك الأفول، ولا من اليسير تأكيد هذه البشارة، فالحديث في هذا الأمر يدخل في مقام الإيديولوجية وهو مقام سجالي بامتياز لا تنتهي فيه المحاجّات. فضلاً عن أنّ ما بعد الحداثة ما هو إلاّ منعطف نقدي داخل مشروع الحداثة عينه، حيث "وضعت فيه مفاهيم العقل، والتقدم، والحرية وغيرها موضع تساؤل واشتباه فالإنسان الحداثي حسب فانسان ديكومب (Vincent Descombes) كان يعتقد بعمق بأنّ للتاريخ معنى، من ثمة كان بمقدوره أن يتشيع ويدافع عن قضايا بعينها وأن يلتزم داخل تنظيم سياسي، أما الإنسان ما بعد الحداثي فهو نفس هذا الشخص الحداثي وقد تغلّب فيه الحس النقدي على آخر ما تبقى من سذاجته"[4].

وفي ختام هذا الباب أكد محمد الشيكر أنّ الولوج إلى زمن ما بعد الحداثة يستدعي لحظة نقدية للمفاهيم التي كانت تفكر بها الحداثة في وجود أعيان الموجودات، وترسم بها نمط كينونة الكائن الحديث، فما بعد الحداثة عمقت سؤال النقد وضاعفت لحظة الصحو إزاء الميتافيزيقيا، ومن ثمّ انصب نقدها على فلسفة الذات وميتافيزيقيا الوعي والتمثل، ومن ثمّ شددت على نعي الإنسان، والإيذان بنهاية الإيديولوجيا، وانسداد أفق التاريخ، وتشظي الحقيقة وأفول المعنى.

في الباب الثاني "الفلسفة وموضوعة الحداثة" أوضح الكاتب أنّ الفلسفة ما هي إلاّ محض خطاب نظري تجريدي لا يطأ سطح الواقع إلا مقلوبًا أو مغلوبًا، كما أنّ الحداثة هي الأفق الإشكالي الأساسي للفلسفة، وأنّ الفلسفة هي خطاب الحداثة بامتياز، كما أكد أنّ قضية الفلسفة المركزية منذ هيجل وبشكل صريح أو ضمني تظل بلا ريب هي قضية الحداثة.[5] لقد أخذت الفلسفة منذ القرن 18 سحنة جديدة ومقاسات مغايرة؛ ذلك أنّها لم تعد تأبه باستجلاء الماهيات، وكشف الأسباب البعيدة والعلل القصوى أو تأبه بسبر أعماق العالم المثالي، لقد باتت الفلسفة مشدودة إلى مصير العالم وصيرورة التاريخ، ومن ثمة تورط الفيلسوف في دراسة الحداثة، وعانق الواقع الإنساني وقلقه وطموحه للمستقبل، والتزم بقضاياه المصيرية وانخرط في إشكالاته ومعضلاته الأساسية.

هكذا إذن صارت الفلسفة محاولة لفهم دلالة الحاضر باعتباره تجربة معيشة، ومحاولة للارتقاء بحدث الحداثة من العيني إلى الذهني، أي الارتقاء به إلى مستوى المفهوم "واستيعابه على صعيد المبدأ الناظم الثاوي في تضاعيفه، والمحايث لتجلّياته"[6]. وبهذا المفهوم الجديد للفلسفة أصبح بالإمكان استنطاق دلالات المعيش الراهن، أو تأويل معاني الحداثة بوصفها تجربة أنطولوجية في كليتها بواسطة مفاهيم واصفة، ولعل هيجل هو أول من فكر على هذا النحو، وهو أول من رفع القطيعة بين الحداثة وبين إيحاءات الماضي المعيارية والشاذة إلى مقام الإشكال الفلسفي، وبالتالي هو أول من جعل الحداثة موضوعة فلسفية؛ فهو يستخدم لفظة الحداثة للدلالة على الأفق الزمني الذي انفتح بعيد ثلاثة أحداث جسيمة رجت أوربا رجة لا نظير لها، وهي النهضة الأوربية ثم الإصلاح الديني وأخيرًا اكتشاف العالم الجديد، فلفظة الحداثة تشي حسب هيجل بتشييد قارة جديدة وانبلاج عالم مغاير للعالم القديم.

في الباب الثالث "نهاية الحداثة أو هايدغر ضد نتشه" انتقل بنا الكاتب إلى الحديث عن نتشه وموقفه من الحداثة، معتبرًا إياه أحد نقاد الأزمنة الحديثة، وواحدًا من أهم فلاسفة القرن 19 الغربيين، الذين عرضوا بالنقد لبعض ثوابت الحداثة ومفاهيمها الرئيسية مثل مفهوم الذاتية والعقل والتمثل والحقيقة وغيرها.

لقد عمل نتشه حسب الكاتب على نقد ثقافة عصره وتهافت قيمه وأفول أوثانه، وهذا ما جعله أيضًا لا يأبه بإنجازات الأزمنة الحديثة، ولا يأبه بتدافع معاصريه شطرها، فثقافة العصر في عرفه هي ثقافة انحطاط وثقافة أفول يعوزها العمق المأمول، وتعوزها الأصالة ورهافة الذوق اللازمتان. وكل القيم التي تلهج بها أوربا الحديثة كالتقدم والديمقراطية والعقلانية والوطنية وغيرها إنّما هي مبادئ تبعدنا حسب نتشه عن حقيقة أوربا الأصيلة والوحيدة. والأفكار الحديثة أو أفكار القرن 18 ليست أفكارًا أوربية ولا أفكارًا فرنسية حتى، وإنّما هي هوس أو مس أنجليزي قاد أوربا إلى الانهيار، وقاد فرنسا لأن تصبح مجرد نسخة باهتة لا روح فيها عن الفكر الأنجليزي. لهذا يتعين حسب نتشه التخلص من التركة الأنجليزية ومن فظاظة أفكارها الحديثة وسوقيتها، وينبغي المضي شطر استعادة الذوق الفرنسي الحقيقي والروح الفرنسية الأصيلة، واستعادة فرنسا "الذكية" التي يشعر فيها عباقرة ألمانيا كشوبنهاور وفاجنر وهنري هايني وجوته وغيرهم بأنّها رحمهم السري، وجغرافيتهم الميتافيزيقية، وينبغي أن تجري هذه الاستعادة حسب نيتشه ضد الأفكار الحديثة وضد ألمانيا وأنجلترا سواء بسواء، لا بوصفها جغرافيات طبيعية بل باعتبارها جغرافيات ذهنية ومرجعيات معيارية.

هذا وقد خلص الكاتب في نهاية هذا الباب "إلى أنّ نتشه فيلسوف انقلابي بلا منازع وفلسفته مشروع تدميري بامتياز"[7]، فنقده النافذ يعمل في الثوابت والقيم السائدة عمل العاصفة في العهن المنفوش، ذلك أنّ حربه المبرمة ضد الميتافيزيقيا لا يعلنها على صعيد معرفي خالص، بل يستشعرها على مستوى كينونته الخاصة كقضية أو مسألة شخصية، لذلك تراه يبدي نحوها ضربًا من المقاومة السيكولوجية اللاشعورية الغريبة، كما لو أنّ الميتافيزيقيا خطيئة أصلية يتحاشى إتيانها أو لعنة فاتكة يخشى أن تنزل به. كما أكد الكاتب في هذا المقام أنّ الشغل الشاغل لنتشه كان هو قلب الميتافيزيقيا في ماهيتها الأفلاطونية وقلب سلم القيم كما جرى تصوره في الأزمنة الحديثة، وعلى هذا الأساس يمكن القول حسب هايدغر بأنّ نتشه هو آخر فيلسوف ميتافيزيقي وهو بآن واحد ذلك المفكر الذي قدر له أن يفصح عن وجود الموجود في زمن الحداثة واستيفاء إمكاناتها.

أما في الباب الرابع "هايدغر وشعرية ضد الحداثة" فقد وصل بنا الكاتب إلى القول بأنّ هايدغر بعدما كان من المدافعين عن الفلسفة وكان من المفكرين الذين أعادوا لها سلطتها المطلقة، صار بعد هذا كله يتحدث عن نهايتها وعن تمام المشروع الميتافيزيقي، وينبغي أن نفسر هذا التحول في أفق التفكير الهايدغيري بالاهتمام الشديد الذي بات هايدغر يوليه لهيمنة التقنية، ولصراع القوى من أجل احتواء العالم والهيمنة عليه، أي ينبغي ببساطة أن نفسر ذلك التحول باهتمام هايدغر بأسئلة الحداثة الغربية في تمام مشروعها.

ونهاية الفلسفة دائمًا حسب هايدغر تعني أنّ الفلسفة قد أدركت ذروتها، واستوفت تمام إمكاناتها القصوى، وهذا معناه إيذان ببداية مهمة الفكر، الذي يعني بدوره حسب هايدغر "معانقة القول الشعري في أصالته من أجل الحفر في ذاكرة النسيان، والنفاذ إلى النقطة الأصلية. إذ ثمة جوار صعب بين الفكر والشعر وقرابة مستحيلة، فالشعر جار صعب وقرابة خطرة لا محيد عنها، لكن مجاورته تحمل النجاة للفكر"[8]. إنّ الفكر الأصيل أقرب إلى الشعر منه إلى الفلسفة، والشاعر أقرب إلى أفق تفكير المفكر من الفيلسوف الميتافيزيقي؛ فالشاعر حسب الكاتب يصغي للوجود في انكشافه، في حين أنّ الفيلسوف يمعن في نسيان معنى الوجود ويعقل وجود الموجود، فحقيقة الوجود حسب هايدغر تنكشف في فسحة اللغة سواء شعرًا كان أو فكرًا، وداخل هذا الأفق الشعري والفكري ترتسم معالم شعرية تطمح إلى أن تكون عنوانًا على التحام "عاشق بين الفكر والشعر وحوار سادر بين بعدين أو نمطين لإنتاج المعنى وتأسيس الحقيقة"[9].

هذا وقد أكد محمد الشيكر في هذا الباب أنّ للشعر حضورًا معطاء وموقعًا باذخًا في فلسفة هايدغر، وهذا ما يضعه في مواجهة صريحة لأفلاطون؛ فإذا كان أفلاطون يزج بالشعراء ويلفظهم خارج مدينته الفاضلة، لأنّ الشعر برأيه خصاصة، واستقالة إزاء الحقيقة، وإنتاج للوهمي واللامعقول، فإنّ هايدغر على خلاف ذلك يجعل من الشاعر الأصيل راعي الوجود وحامي حمى الكينونة، بل أكثر من ذلك "جَوْهَرَ" الشعر وارتفع به إلى مقام الماهية.

وخلاصة ما ورد في هذا الباب هو أنّ هايدغر حسب الكاتب توصل إلى أنّ الحداثة لم تمنح الشعر منزلته الحقيقية، على الرغم من اعتبار الحداثيين له فنًّا رفيعًا وجنسًا أدبيًّا يمكن إنزاله منزلة الرأس من الجسد بالمقارنة مع باقي الأجناس الأدبية الأخرى، ولكن على الرغم من ذلك لم يدركوا حقيقة هذا الفن ولا حقيقة هذا الشعر؛ فمنتهى إدراكهم وصل إلى الإقرار بأنّ الشعر ينتج قيمًا جميلةً عبر إيقاعات اللغة وعوالمها الاستعارية، في حين هو فن كاشف لحقيقة الوجود.

في الباب الخامس والأخير من هذا الكتاب "هايدغر وما بعد الحداثة" عمد الكاتب إلى الاقتراب أكثر من تصور هايدغر للحداثة من جهة ما هي عصر ميتافيزيقي سد فيه الإنسان مسد الآلهة، وتسلطن فيه العقل، ونفذ فيه العلم والتقنية، وبالتالي تجذّر عبره نسيان حقيقة الكينونة ومعنى الوجود، ففي زمن الحداثة حسب هايدغر "جرى توثين الإنسان، والتعالي به إلى مقام أقنوم للأزمنة الحديثة، ضد الحضور الإلهي في العالم، وضد كل العروش البتولية، فلا ريب أنّ الحداثة هي عصر خلع الملمح السحري عن العالم، وعصر أفول الآلهة وانحجاب المقدس"[10].

وبهذا المعنى السابق تصبح الحداثة مشروعًا ثقافيًّا لائكيًّا يقوم على العقل ويقصي الحضور الديني في التاريخ والعالم، وبهذا الفعل استحالت الحداثة بذاتها "ديانة جديدة" حل فيها الإنسان بما هو ذاتية أو كوجيطو فاعلاً محل الإله باعتباره علة فاعلة، وحل فيها العقل أو اللوغوس محل كل صنوف الميثوس، بمعنى أنّ الحداثة نصّبت العقل الإنساني حكمًا وحيدًا ومتوحدًا في استصدار الأحكام، وفي بناء المعرفة وتملك الواقع، وما لا يكون عقليًّا في عرفها لا يكون واقعيًّا ولا يكون ممكنًا. فمع الحداثة الغربية صار العقل لأول مرة وساطة التحكم الموضوعي في صيرورة العالم، وأداة إضفاء لبوس علمي على الواقع، بل صار العقل الحداثي حسب هايدغر أكثر من ذلك إرادة تعسفية تحوك "مؤامرة نادرة ضد كينونة الكائن، وبالتالي تخسف بذاكرة الوجود في دياجير النسيان"[11].

وفي هذا الباب أيضًا أكّد محمد الشيكر أنّ هايدغر اعتبر أنّ الحداثة الغربية قد آلت بوصفها مشروعًا ميتافيزيقيًّا إلى نهايتها وأشرفت على تمامها واستيفاء إمكانياتها، وذلك حين صارت ماهية الإنسان إرادة قوية عاقلة، وصار الإنسان يعلو على ذاته إلى مصاف الإنسان الأعلى، وأيضًا حين صارت المعرفة تمثلاً والعلم حضورًا للعالم، وحين صارت التقنية الكوكبية هيمنةً على الأرض واستيلاءً على ماهية العالم.

وفي نهاية هذا الباب أشار الكاتب إلى أنّ هايدغر حاكم الحداثة محاكمة لغوية وبلاغية، وعمد إلى تقويم مفاهيمها، وتأويلها إلى "أصول مفترضة في لسانين مفكرين هما اللسان الألماني واللسان اليوناني. لذلك فهذه المحاكمة تظل صورية وإشكالية لأنّها تحاول أن تعبر بنا مما هو كائن إلى ما هو جوهري، ومن أفق العبارة إلى مرايا الإشارة، ومن الحالي إلى الأصل...، ثم إنّ هذا العبور صار الآن ممتنعًا لأنّ الحداثة دخلت في زمن اللاعودة، وتنكبت طريق اللارجوع"[12].

المصدر:

محمد الشيكر، هايدغر وسؤال الحداثة، أفريقيا الشرق، المغرب، 2006.


[1]- محمد الشيكر، هايدغر وسؤال الحداثة، أفريقيا الشرق، المغرب، 2006، ص 11

[2]- Voir: Nassim Khoury; Introduction à la Modernité Arabe; Dar ELHADATHA; Beyrouth; P: 152-153.

[3]- هايدغر وسؤال الحداثة، ص 15

[4]- نفسه، ص 32

[5]- في الإطار نفسه يقول فوكو: "نكاد لا نجد من هيجل إلى هوركهايمر أو هابرماس مرورًا بنتشه أو بماكس فيبر فلسفة لم تواجه مباشرة أو على نحو غير مباشر هذا السؤال نفسه: ما هو إذن هذا الحدث الذي ننعته بالأنوار؟

M.Foucault: Dits et Ecrits. T.IV. 1980-1988. Gallimard 1994. P: 562.

[6]- هايدغر وسؤال الحداثة، ص 41

[7]- نفسه، ص 73

[8]- نفسه، ص 89

[9]- نفسه، ص 93

[10]- نفسه، ص 128

[11]- نفسه، ص 130

[12]- نفسه، ص 154