آدم القرآني: قراءةٌ إنسانية

فئة :  مقالات

آدم القرآني: قراءةٌ إنسانية

-1- للمفكر الإسلامي الكبير محمد إقبال رأي جريء، وحريّ بالدرس في خصوص الفهم الذي ينبغي أن نعالج به قصة نزول آدم من الجنة الواردة في القرآن الكريم، خلافا لما ساد عند عموم المفسرين، لا يذهب إقبال إلى أن القصة مرتبطة بظهور الإنسان الأوّل على كوكب الأرض، إنما يقدّم قراءة مختلفة تتمثل بنيةَ الخطاب القرآني في تكامله المسند للإنسان، موقعا محوريا قائما على أسس التكريم والتسخير والاستخلاف.

معنى هذا أن التناول القرآني للمبحث الإنساني، لا بد أن يكون مختلفا في جوهره عمّا ساد لدى أهل الكتاب، ولدى غيرهم من الثقافات الدينية السابقة، من موروثات عجائبية تفسر بدء الخليقة وظهور الإنسان.[1]

ما يصوغه إقبال بديلا عن ذلك الاستنساخ لما كان متداولا بخصوص التكوين وظهور الحياة البشرية، هو أن نزول آدم في دلالته القرآنية هو رسم دلالي لخصوصيّات الإنسان، وهي تتشكّل عبر أطر مختلفة، أبرزُها تحوّل آدم من الجنّة إلى الأرض. الأهمّ ـ حسب إقبال ـ هو ما يبرزه هذا التحوّل من أبعاد ذاتيّة الإنسان، في نموّها من حالة بدائية إلى مرحلة أكثر تطوّرا؛ هو نموٌّ ينقله من وضع يكون فيه مرتكزا على الشهوة الغريزّية، ومقطوعا عن البيئة التي يعيش فيها، إلى آخر يعي فيه أن له نفسا مدركة أنّها صاحبة إرادة.

هبوط آدم ـ بهذا المعنى ـ منطلق للارتقاء[2]، وبداية لسيرورة تحقّق للإنسان شعورا بأنّه ذو صلة عِليِّة وشخصيّة بوجوده. في خطوة أخيرة، يقرّر إقبال أن هبوط آدم هي بداية نشوء الذّات الحرّة عن رغبة ورضا؛ أي أنه تجسيد للفعل الإنساني القائم على حرّية الاختيار، وإعلان عن بروز ذات متناهية لها القدرة على أن تختار.

ثمّ إتماما لهذه الرؤية الحضارية، يرى إقبال أن ما ورد من أكل من الشجرة ينبغي أن يؤوَّل ضمن هذه الحركيّة؛ فالإنسان الذّي أكل من الشجرة، رمز المعرفة، أخطأ من حيث أراد أن يصل إلى ثمرها من أقرب طريق، ودون أيّ كدح. لذلك، كان تصحيح الخطأ عبر انتقاله إلى البيئة الملائمة لإبراز قواه العاقلة عن طريق الكّد، تلك البيئة التّي تحقّق خصوصياته، باعتباره كائنا متميزا بالمعرفة والحريّة.

-2- بهذه القراءة يضحي نزول آدم رمزا للإنسانية، فيه إشادة بالإرادة والحرية والمعرفة، بصفتها ركائز للمدنيّة التي لا تُبنى إلاّ عندما يدرك الإنسان فاعليته، أي عند تفتِّقِ ذاتِه عبر الصراع و الرضا بالتناهي.

لو واصلنا مع هذه المعالجة قراءةَ قصة ابني آدم الواردة في القرآن الكريم، بعيدا عما يسميه الباحث المغربي "مصطفى بوهندي" تمرير المفسرين لمعان غير قرآنية، مأخوذة عن اليهود والنصارى إلى ذهن الإنسان المسلم، لتبين بعض المفاهيم المتجاوزة لما أرساه عموم المفسرين عن الموضوع.[3]

من خلال المنهج التركيبي للخطاب القرآني، الداعي إلى النظر في الآفاق والأنفس، وإلى التصديق والتجاوز النقدي الضروري للتواصل الحضاري، يمكن أن ندرك أن قصة ابني آدم هي الأخرى ملحمة الإنسان المكتشِف أبعادَ ذاتيتِه، وما يعتمل فيها من طاقات مبدعة و مدمرة.

إنها قصة العنف القديم الجديد بتمظهره اللفظي والجسدي، والمتمثل في فرض إرادة ذاتٍ على ذوات أخرى، نتيجة حالات الكبت المتنوّع. لقد تفجرت الشحنة المكبوتة: "فطوّعت له نفسه قتلَ أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين"[4]، مؤكدة على أن العنف تعبير اجتماعي، فهو لا ينتج من فراغ. إنّه حصيلة تفاعل الضغوط النفسية والاقتصادية والاجتماعية، التي يمكن أن تتخذ مظهر تكيّف كما يمكن أن تتخذ صور التمرّد والتدمير.

عنف ابني آدم في القرآن الكريم- حسب محمد إقبال- هو ثمرة الصراع الذي لا يناظره الرضا بالتناهي، أو هو صورة الإنسان الفاقد لمعنى إنسانيته، والذي يتحول مع فقدان الوازع المجتمعي والسياسي إلى قوة مبيدة. هو بذلك ينحط إلى ما هو أدنى من الدرك الحيواني: " قال يا ويلتي أعجزت أن أكونَ مثل هذا الغراب".[5]

عندئذ، يتبيّن أنّه لا مناص للخروج من وهدة العنف الكاسر لجناح الإنسان المدني، إلاّ بالتربية الموقظة للضمير: " فأصبح من النادمين"[6]، وهي يقظة تتطلب سندا اجتماعيا ومنظومة قانونية: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعا".[7]

-3- إذا اقتربنا من هذا التمشي في فهم الخطاب القرآني، أدركنا أن دلالة قصة ابني آدم ليست مجرد إدانة شكلية للعنف أو دعوة ساذجة إلى السلم، إنما تندرج في تحديد معالم الحياة المدنية المتيحة للإنسان أن يكتشف العلاقة بين شخصيته، وما يعتمل فيها من غرائز وقدرات، وبين واقعه وما ينتظمه من دوافع التوحش والتحضر.

بهذا المعنى، يصبح للخطاب القرآني قراءة خاصة للعنف تصوغها قصة ابني آدم على أنه القديم المتجدد، والذي يمكن تحديده بثلاثة عناصر:

-العنف: هو عين التوحش الذي يعني عدم القدرة على التحكم في قواعد المنظومة الإنسانية الرابطة بين الأفراد، والمكونة لأساس المدنية التي لا تتحقق إلاّ بتركيز القانون الضامن للاستقرار الاجتماعي.

-لا يمكن للعنف أن يُقاس بقدم الفترة التاريخية التي يبرز فيها أو حداثتها، ولا ببساطة وسائل الحياة التقنية والإجرائية أو تطورها، إنما هو تعبير عن انعدام الثقة، وعوامل التواصل بين الأفراد والجماعات، وتلاشي رأس المال الاجتماعي.

-إنه لا يتصل بجوهر الدين، أيّ دين، إنما هو تعبير عن الترسيمة الثقافية والاجتماعية والسياسية لأتباع هذا الدين أو ذاك، ولأنصار هذه الفرقة أو تلك. بذلك، فإن عنف بعض " المتدينين"، إنما هو بحثٌ عن شرعية دينية، واستجابة لحاجيات ومتطلبات لم يتيسر التعبير عنها بصورة مدنية تواصلية.

هذا ما ينبغي أن نذكره ونحن نريد أن نفهم دوافع العنف المستشري في البلاد العربية وخارجها، والتي نسبت خطأ إلى الإسلام منذ مشارف هذا القرن، مع هجمات 11 سبتمبر، وما تلا ذلك من أحداث دامية ومن مواقف، كان من بينها ما صرّح به "بابا" الفاتيكان السابق في محاضرته الشهيرة في مدينة "راتيسبون" الألمانية، بما حرص على إبرازه من دعوى تلازم العنف، مع رسالة الإسلام في جوهره وكامل تاريخه.

على الرغم من هذا، فقد انتهى أكثر من مفكر وكاتب حرّ في الغرب، في خصوص هذه المسألة، إلى ما يجعله متضامنا مع القراءة الحضارية للعنف، المتضمنة في الدلالة القرآنية لصدام ابني آدم، والتي تضيئها العناصر الثلاثة السالفة الذكر.

من هنا، نجد موقفا صريحا للكاتب الفرنسي "جون كلود غيوبو" (Jean-Claude Guillebaud ) من العنف، وادعاء تلازمه بثقافة أو ديانة مخصوصة. يقول: "إذا كان العنف قد استشرى اليوم، فليس ذلك نتيجة خصوصيات ثقافية ما. العكس هو الصحيح: تتزايد مخاطر العنف بتزايد مساعي التماهي والتنميط".[8] مؤدى هذا أن استشراء العنف يأتي نتيجة تراجع الخصوصيات الثقافية، وضعف فعلها في المجتمعات الإنسانية المختلفة، مما يفضي إلى ضياع معنى الحياة لدى الإنسان، وإصابته بـ "التصحّر الذاتي"، ذلك الذي يسميه برهان غليون "التخفيض الثقافي".[9]

وفي كتاب "الخوف من المتوحشين" (La peur des barbares ) للمؤلف البلغاري الأصل "تزفيتان تودوروف" (Tzvetan Todorov )[10]، المحرز في فرنسا على جائزة وطنية، ينسف المؤلف المقولة التبسيطية الساذجة لصدام الثقافات، ويحذر الغرب من المواقف والسياسات المنجرّة عنها. هي إدانة صريحة لغزو العراق وكل التداعيات اللا إنسانية لما عرف بالحرب على الإرهاب، وما تعنيه تلك الحرب من تلازم باطل بين الإسلام والعنف.

هو نداء لإعادة الاعتبار لمقولة وحدة الحضارة التي تُظلُّ الإنسانية اليوم بتعدد ثقافاتها، وما تتيحه من خروج من هوس الخوف من الآخر، ذلك الهوس الكاسر لجناح الإنسان الذي " طوّعت له نفسه قتل أخيه".


[1]- انظر جلال الدين الرومي، المثنوي، ترجمة محمد عبد السلام كفافي، فصل قصة آدم عليه السلام و كيف أن القضاء حجب بصره عن مراعاة صريح النهي و ترك التأويل، المكتبة العصرية بيروت 1966 ج 1 ص 190

[2]- انظر هذا المعنى في المثنوي المذكور سابقا فصل " كيف ألقى ظامئ فوق قمة جدار أحجارا في مجرى الماء " في تفهيم قوله تعالى" فاسجد و اقترب" ج 2 ص 128

[3]- راجع د. مصطفى بوهندي، التأثير المسيحي في تفسير القرآن، دار الطليعة بيروت 2004

[4]- سورة المائدة 5/ 30

[5]- سورة المائدة 31/5

[6]- سورة المائدة 31/5

[7]- سورة المائدة 32/5

[8]- لهذا الكاتب مؤلفات عديدة، عالج فيها قضايا العنف وضياع المعنى نذكر منها:

La Trahison des Lumières Éditions du Seuil, 1995

La Refondation du monde, Éditions du Seuil, 1999

Le Principe d'humanité, Éditions du Seuil, 2001

La force de conviction: à quoi pouvons-nous croire ?, Éditions du Seuil, 2005

La confusion des valeurs, 2009

Le Commencement d'un monde, Éditions du Seuil, 2008

Le Deuxième Déluge, Ed. Desclée de Brouwer, 2011

Une autre vie est possible, Edition L'iconoclaste, 2012

[9]- يدل مفهوم " التخفيض الثقافي " على أحد الآثار السلبية للعولمة، في سعيها لمركزة العالم حول قطب واحد، بما تعمل على إحداثه من تمايز ثقافي، تتكوّن من جرائه شبكات للتضامن والاندماج في ثقافة النخبة العالمية على اتساع الأرض. مقابل هذا التشكّل تتفاقم حالة التردّي التي تعتري الثقافات الوطنية، نتيجة نزع النخب من ثقافاتها الخاصة، وإعدادها للاندماج في الأنساق المعولمة، بما يفضي إلى انهيار الثقافات الوطنية وتحوّلها إلى مستوى الثقافات الشعبية، نتيجة إفراغها من كل طاقات الفاعلية والتجدد والنجاعة العلمية والاجتماعية والسياسية؛ راجع حوارية برهان غليون وسمير أمين: ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، دار الفكر دمشق 2002

[10]- صدر هذا الكتاب سنة 2008 بمناسبة مرور سبع سنوات على أحداث 11سبتمبر 2001.