أسئلة حول نبوة (يوسف عليه السلام)

فئة :  مقالات

أسئلة حول نبوة (يوسف عليه السلام)

يعد مبحث العصمة من المباحث الكلامية التي امتلأت بها كتب علم الكلام والعقائد، ويقال إن من أوائل من تطرق لها أصحاب المذهب الشيعي، ولم يتناولها أهل السنة إلا في القرن الثالث الهجري، وثمة من يقول إنها ذات جذور قرآنية؛ حيث ورد في كتابه الكريم: "لا يعصون الله ما أمرهم"، وهذه الإشارة في الآية الكريمة إلى الملائكة؛ ولذلك، فهناك فرق بين عصمة الملائكة وغيرهم،ولعل المطروح عند علماء الكلام هو عصمة الأنبياء والأئمة، وقد وردت حول الموضوع تفاصيل واختلافات أوردها بشكل مختصر ومفيد فخر الدين الرازي في كتابة "عصمة الأنبياء"، تناول فيه مجموع الدلائل على عصمة الأنبياء وعصمة الملائكة، وسوف لن نخوض في هذه الاختلافات حول العصمة والمذاهب والأقوال حولها، مخافة أن يتحول مسار الموضوعة إلى وجهة أخرى، وما يهمنا هو ما تضمنته قصة يوسف عليه السلام من شبه وأسئلة تتعلق بالعصمة.

وفيما يلي، نعرض لتعريف العصمة لغة واصطلاحا:

استعمل لفظ "العصمة" في القرآن الكريم بصورها المختلفة ثلاث عشرة مرة، وليس لها إلا معنى واحدا هو الإمساك والمنع.

·"ولقد راودته عن نفسه فاستعصم "؛ أي امتنع.

·"واعتصموا بحبل الله"؛ أي تمسكوا به.

·"ولا عاصم اليوم من أمر الله"؛ أي لا مانع.

·"سآوي إلى جبل يعصمني من الماء"؛ أي يمنعه من الغرق.

·"الله يعصمك من الناس"؛ أي يمنعونك من أن ينالوك بسوء.

العصمة في اللغة: قال الخليل بن أحمد[1] - في كتاب العين- العصمة أن يعصمك الله من الشر أي يدفعه عنك، واعتصمت بالله؛ أي امتنعت به من الشر، واستعصمت أي أبيت.[2] العصمة في الاصطلاح: قال الراغب الأصفهاني في مفرداته[3] [ عصمة الله تعالى الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجواهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسيمة والنفسية ثم بالنصرة وتثبيت أقدامهم ثم بإنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم بالتوفيق بمعنى أن الله حفظ أنبيائه ورسله من الوقوع في الذنوب والمعاصي وارتكاب المنكرات والمحرمات.

هل يقول القرآن بعصمة الأنبياء؟

كما ذكرنا آنفا، لن نخوض في مباحث تفصيلية حول العصمة من قبيل مقدار حدود عصمة الله لأنبيائه، والعصمة هل تكون قبل بعثه وبعده، وطبيعة الذنوب التي لا تمس عصمة الأنبياء صغائر أم كبائر....

المتأمل في القرآن الكريم دون حمل أحكام مسبقة، وتتبع حركة الأنبياء من خلال قصصهم، يجد أنهم صفوة من البشر اصطفاهم الله عز وجل، لحمل رسالة وتبليغها للناس، قال تعالى: "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس «سورة الحج الآية 75. والسؤال هنا، هل يعني الاصطفاء أن الله قد عصمهم من الوقوع في الأخطاء؟ والإجابة، أنه يجوز وقوع الخطأ منهم، بحكم طبيعتهم الإنسانية، وثمة نماذج من الأخطاء التي ارتكبها الأنبياء، إما بشكل مقصود أو أحيانا مقصود بإيعاز من الله عز وجل نظرا لما تترتب عنه من حكم وغايات، ونجد من الأنبياء فضلا عن آدم؛ "عصى آدم ربه" هناك نوح، وإبراهيم، ويوسف، وموسى وسليمان، وداود وأيوب...

شبهات حول نبوة يوسف:

1.أنه صبر على الرق ولم يتبين الحرية التي فيه وذلك معصية.

2.تمسكوا بقوله تعالى حاكيا عن يوسف وامرأة العزيز "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء".[4]

3.تمسكوا بقوله تعالى: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء".[5]

4.أنهم سجنوا يوسف عليه السلام، وذلك معصية بالاتفاق وأنه عليه السلام قال: "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" يوسف 33. فبدل ذلك على مجتمعه لتلك المعصية، ومحبتها معصية.

5.كيف يجوز ليوسف مع نبوته أن يقول على غير الله في الخلاص من السجن، في قوله للذي كان معه "اذكرني عند ربك"،[6] حتى وردت الروايات أنه إنما طال مقامه في الحبس، لأنه عول على غير الله.

6.ما الحكمة في طلب أخيه من إخوته، ثم حبسه عن الرجوع إلى أبيه مع علمه بما يلحق أباه من الحزن؟ وهل هذا إلا ضرر بأبيه؟

7.فما معنى جعل السقاية في رحل أخيه؟

8.ما بال يوسف لم يعلم أباه خبره حتى تسكن نفسه ويزول حزنه؟

9.قال الله تعالى: "ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا[7] وكيف رضي بأن يسجدوا له والسجود لا يكون إلا لله، وكيف رضي باستخدام الأبوين؟

10.ما معنى قوله تعالى حكاية عنه: "من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخوتي".[8]

11.ما معنى قوله عليه السلام: "اجعلني على خزائن الأرض" يوسف 55، وكيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل الظالم؟

لقد رد فخر الدين الرازي على الشبهة الثانية بقوله: للقاضي أبو طاهر الطوسي –رحمه الله تعالى- شهد ببراءة يوسف من الذنب كل ما تعلق بتلك الواقعة من زوج وحاكم ونسوة وملك، وادعى يوسف ذلك واعترف لخصمه بصدق ما قاله مرتين، وشهد بذلك رب العالمين الذي هو أصدق القائلين، واعترف إبليس، فكيف يلتفت إلى قول هؤلاء المنشوية؟ أما شهادة الزوج فقوله تعالى: "إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم" يوسف اعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين" سورة 28، وأما شهادة الحاكم فقوله: "وشهد شاهد من أهلها إن كان هذا قميصه قد من دبر" سورة 26، وأما شهادة النسوة فقولهن: "حاشا لله ما علمنا عليه من سوء" 51، وأما شهادة الملك فقوله: "إنك اليوم لدينا مكين أمين" 54، وأما ادعاء يوسف عليه السلام ذلك، فقوله: "هي راودتني عن نفسي" 26 وقوله: "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه"33، وقوله تعالى: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" 52، وأما اعتراف الخصم فقولها للنسوة:" ولقد راودته عن نفسه فاستعصم" 32 وقوله: "الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه" 51، وأما شهادة رب العالمين، فقوله: "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء" 24، وأما اعتراف إبليس بذلك، فقوله تعالى حكاية عنه: "لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"الحج 40، فبين أنه يغوي الكل إلا المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: "إنه من عبادنا المخلصين"، فأية شبهة تبقى مع هذه الشهادات في براءة يوسف من الذنوب.[9] والشبهة الثالثة: تمسكوا بقوله تعالى: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء"، والجواب من وجهين:

الأول: أنه أراد الدعاء والمنازعة ولم يرد الغرم على المعصية، وهو لا يبرئ نفسه عما لا يقوى عنه طباع البشر.

الثاني: هو أن هذا الكلام كلام المرأة، وليس من كلام يوسف عليه السلام.

والشبهة العاشرة: ما معنى قوله تعالى حكاية عنه "من بعد أن نزع الشيطان بيني وبين إخـوتي"، جوابه أن النزع الشيطاني كان منهم إليه لا منه إليهم، وهو كقول القائل: كان بيني وبين فلان شر وإن كان من أحدهما دون الثاني.

خاتمة

تعد هذه الشبه من أبرز الشبه ذات العلاقة بعصمة يوسف من الذنوب والمعصية، في حين نلحظ أن بقية الشبه تتعلق بمباحث أخرى، إما بطبيعة الأسلوب القرآني، أو سوء الفهم المستند إلى تأويلات متعسفة، وقد سبقت الإشارة إلى أن يوسف الإنسان و جانب البنوة فيه كارتقاء وعلو روحي، لا يمنع من أن يصيبه في حياته ما يصيب كل إنسان، ويتعرض له من ابتلاءات وأخطاء غير مقصودة لذاتها.قال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " سورة الكهف 110.


الهوامش:

[1]- الخليل بن احمد الفراهيدي [ 100 هـ - 175 هـ ] صاحب كتاب العين أصل المعاجم العربية.

[2]- د. عويد بن عابد المطرفي، آيات عتاب المصطفى في ضوء العصمة والاجتهاد، دار الفكر العربي، القاهرة، ص 17.

[3]- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد الكيلاني، ط الحلبي عام 1381 هـ القاهرة، ص 337.

[4]- سورة يوسف، الآية 24.

[5]- سورة يوسف، الآية 53.

[6]- سورة يوسف، الآية 42.

[7]- سورة يوسف، الآية 100.

[8]- سورة يوسف، الآية 100.