أصــــــــــول الــــــدولـــة الــــكليانيـــة ومعماريتها لدى آنــا أرنـت

فئة :  أبحاث عامة

أصــــــــــول الــــــدولـــة الــــكليانيـــة ومعماريتها لدى آنــا أرنـت

(الجزء الأول)

تعتبر الفيلسوفة السياسية الألمانية المعاصرة آنا أرنت[1]Hannah Arendt من أبرز أعلام الفكر السياسي المعاصر. وتعود شهرتها إلى قدرتها التحليلية والتفكيكية لظاهرة الكليانية التي ظهرت في قلب أوروبا مهد الديمقراطية في بدايات القرن العشرين. بحثت أرنت في جنيالوجيا الظاهرة الكليانية عموما وعادت بأسباب ظهور نواتها الأولى إلى لحظة اللوغوس الإغريقي ومنه إلى لحظة الحداثة الأنواريّة. لم تكن اللحظتان عنوانين بارزين للديمقراطية الغربية كما يزعمه جلّ مفكري الغرب وفلاسفته، بل تمرّسا نظريّا وئيدا على استملاك الحقيقة واختزالها ونمذجتها بالشكل الذي يقصي التنوع والتعدد والنسبية. فبالنسبة للإغريق، تعتبر أرنت أن الانسحاب من الأغورا Agora أي الساحة العمومية - كردة فعل أفلاطونية على محاكمة سقراط وانتحاره- كان بمثابة المنعرج الحاسم في قطع الفلسفة عن الفضاء السياسي للمدينة. ستقرر الأفلاطونية أن الدوكسا "Doxa " ليست معرفة ولا شبه معرفة بل سفسطة. وأنّ الحقيقة ليست متعددة ولا متغيرة بل واحدة مثالية ومتعالية. ومن ثمة لا يمكن التعويل على الأغورا لتغيير وعي الناس وسلوكياتهم لكون الطبائع ثابتة : " فالعبد عبد حسب طبيعته والسيد سيد حسب طبيعته" (أرسطو). وبالتالي يتعين على كل فرد ألا يغادر موقعه الأصلي، حتى لا تعم الفوضى وتنهار العدالة الطبيعية. وعلى ضوء ذلك سيسحب الخطاب الفلسفي من الأغورا العامية ليسكن الأكاديمية الأفلاطونية بطقوسها ونظامها وضوابطها (لا يدخلن علينا إلا من كان هندسيا). والأسوأ من هذا أن الخطاب الفلسفي التعددي لن يهجر فقط الأغورا (وطن النقاش العمومي والمواطنة)، بل سيهجر العالم المعيشي ليستبدله بمفهوم الوجود الواحد والثابت والمتجانس. وبموجب ذلك ستنزاح نمطية أنطولوجية برمتها وأعني بها نمطية "الحياة العملية " Vita activa لتحل محلها نمطية " الحياة التأملية" [2]Vita contemplativa ومن خلال هذا الاستبدال الأنطولوجي الضخم ستنتهي تعددية الحقائق والآراء والحريات كما جسدتها المدنيّة الإغريقية Polis لتظهر ثنائية أنطولوجية وحيدة: الوجود والظاهر. وستتناسل منها ثنائيات تفاضلية قيمية متكلّسة: الخير والشر / المثال والسيملاكر/ السيد والعبد / الحاكم والمحكوم الخ . هذه النقلة الضخمة التي حدثت من عمومية الفلسفي السياسي كما جسّدها النموذج السقراطي إلى خصوصية ومؤسّسية الفلسفي– الميتافيزيقي ستنتهي لا إلى تطهير الفلسفي من السياسي التعددي، بل إلى فلسفي سياسي آخر موغل في الصفوية والواحدية . لهذا فلا عجب أن نرى في جمهورية أفلاطون الحلقة الرئيسة الأولى في أنظمة الاستبداد التي شهدتها أوروبا في بدايات القرن العشرين. وعلى منوال العقل الإغريقي، سيشّرع العقل الأنواري/الحداثي بطريقته مقدمة الأنظمة الكليانية. ونحن نستشف ذلك من خلال المستويات التالية:

المستوى الإبستمولوجي: حيث ستنزع العلوم الصورية والتجريبية منذ انتهاء ما عرف "بأزمة الأسس"، نحو الوحدة والشمولية الرياضية.

المستوى السياسي : لم تخل نظريات العقد الاجتماعي لكل من روسو وهوبز من إشارات شمولية تهدد الحريات الفردية. فبالنسبة لروسو تبدو فكرة "الإرادة العامّة" وكأنّها قوة قهرية تتحكم في إرادات المتعاقدين، أما بالنسبة لهوبز فلا أمن ولا حريّة للمواطنين إلا في ظلّ حاكم مطلق (لوفياتون) يسوسهم بالعدل والمساواة !

المستوى الاقتصادي : من أبرز محصلات الكوجيتو الديكارتي المعتد بحريته الناشئة، ازدهار النزعات الفردانية ليس فقط في المستوى المعرفي، بل وخاصة في المستوى الاقتصادي. فالفرد المتحرر لتوّه من أثقال العالم القديم، سيتخلى عن الأنطولوجي لينصرف إلى البرغماتي تحقيقا وإشباعا لهويّته الجديدة. والنتيجة ازدهار النزعات النفعية وانتشارها. فالاقتصادي الذي كان نشاطا عائليا لدى الإغريق يتحول إلى مجال عمومي، والسياسي الذي كان نشاطا مدنيا يندحر داخل الذات ويتحول إلى مجال خاص محدود (10). وبمقتضى العقد الافتراضي بات الفعل السياسي مؤسسيا وفي المقابل "يتسيس" الاقتصادي أي يصبح مجالا عموميا. وبالتالي فمجال الحوار السياسي الحر كان مأثرة إغريقية ولم تفعل الحداثة الغربية سوى مأسسته وإحكام المراقبة عليه باحتكار العنف وامتصاصه من الأفراد والفعل به فيهم مثلما أفاض في بيانه ميشال فوكو [3].

وهكذا فنموذج الإنسان الذي انتصرت له الحداثة الغربية هو"الإنسان الشغيلL’homo laborans " [4] وليس الإنسان السياسي Zoon politikon الذي ولّى واندثر مع الإغريق. لهذه الأسباب وغيرها لا يبدو ظهور الأنظمة الكليانية في قلب أوروبا أمرا عرضيا أو مفاجأة تاريخية إلاّ لأولئك الذين هلّلوا للقطيعة مع الماضي، ورأوا في حركة التاريخ خطا مسترسلا وفي الحضارة الغربية وفي الإنسان الغربي نهاية للتاريخ الإنساني[5].. إن مقدّمة الأنظمة الكليانية تضرب بجذورها في عمق التاريخ. ويقتضي الكشف عن تمظهراتها الملتوية الحفر في تاريخ المعرفة الفلسفية كما العلمية. ذلك أنّ الكليانية هي بنية أو رؤية للعالم وليست مجرّد نظام سياسي عرضي. تنبش أرنت في إرهاصات الكليانية السياسية من داخل أنظمة المعرفة أوّلا وفي أسطورة "التقدّم" التي يتباهى بها الغربيّون ثانيا ، ولهذا تطلق على مشروعها عبارة : "أصول الكليانية" ويتضمن الثالوث التالي: الإمبريالية ومعاداة السامية والكليانيــــة[6] هل تعتبر الكليانية بنية ثابتة تلازم بالضرورة المعرفة كما السلطة في كل عصورها؟ ثم لماذا تمظهرت بالشكل الدرامي في نماذج القرن العشرين: الفاشية، والنازية، والستالينية؟

1 – العوز المفهومي للظاهرة الكليانية

رغم رصد آثارها في ثنايا المعرفة القديمة والحديثة، يبدو مفهوم "الكليانية" كما جسدته سياسيا وإيديولوجيا ومؤسسيا كل من الفاشية والنازية والستالينية، غير متبلور نظريا. لهذا تدرك أرنت أنها بصدد تأسيس فهم جديد لظاهرة جديدة على المستوى السياسي. الكليانية ليست رديفا لأنظمة الحكم الكلاسيكية كما عدّدها أفلاطون في الجمهورية أو أرسطو في السياسة أو مونتسكيو في روح القوانين، الخ. الكليانية ليست الديكتاتورية وليست الاستبداد أو الأوليغارشية أو الطغيان. وقد تكون المحصّلة التاريخية لكل هذه النماذج السلطوية. و رفعا لهذه الالتباسات يتعين العودة إلى الأصول المفهومية للكليانية. ظهر مفهوم الكليانية لأوّل مرة في تاريخ الفكر السياسي سنة 1920. " وقد استعمله كل من موسلليني وجنتيل لتوصيف الدولة الكليانية"[7]. ومنذ سنة 1930 انتشر استعمال هذا المفهوم على يد كل من كارل شميدت، وأندري جيد، وجورج أوال، وغيرهم[8]. و رغم استعمالاته السياسية ظل المفهوم بحاجة لسندات نظرية فلسفية، لم تتحقق إلاّ في سنوات الخمسينات مع ثالوث آنــا أرنــت المذكور أعلاه: أصول الكليانية (1951). لكن الدارسين لهذه المسالة سينقسمون إلى اتجاهين: الأول وتمثله أرنت وكلود لفور وريمون ارون وكارل بوبر. ويعتمد هؤلاء الطريقة المعيارية والنظرية الهادفة إلى الكشف عن الأصول النظرية للممارسات الكليانية. أما الاتجاه الثاني فيعتمد التمشي الفينمنولوجي ويمثله كل من كارل فريدريش وجون كانستكي وفون كارل[9]. تفسر ضبابية المفهوم بسرعة زوال الأنظمة الكليانية المذكورة. الشيء الذي أثار أزمة مفهومية داخل مجال العلوم الإنسانية. و كتب ليون بولياكوفقائلا: " الكليانية ظاهرة تاريخية تعوزها الدقة المفهومية(...) فالبعض مثل ريمون أرون تناولها بطريقة وصفية. أما آني كريغال Annie Kriegl فلا ترى في الكليانية سوى مفهوم مشوش.. " [10].ولعل هذا ما حدا ببنجامين بربار إلى الدعوة من أجل: " استئصال الكليانية من طوبولوجيا الأنظمة السياسية "[11]. إن السقوط المدوي والسريع للكليانية الستالينية والنازية أربك العلماء وجعلهم في حيرة من أمرهم حيال عودة أشكال الاستبداد البائدة داخل مسار الحداثة التطوري . فبعد انهيار أسطورة التقدّم، وانكشاف أوهام العقل مع مدرسة فرانكفورت الألمانية، اعتبر الباحثون في الشأن السياسي أن الكليانيات التي ظهرت فجأة سرعان ما ستزول وسيستعيد الخط التاريخي التطوري مساره وحيويته بعد هذه الارتكاسات العابرة. ولكن طالما أنّ "شروط إنتاج البنى الكليانية لا تزال حية، وفي عمق الفكر الغربي، فإنّ ما نسميه ’كليانية’ ليس ظاهرة غريبة أو بعيدة، وليست ـ قبل ديمقراطية أو بعد ديمقراطية، بل هي في قلب الديمقراطية الحديثة، لكونها نشأت معها "[12]. وبالفعل فالكليانية لم تندثر مع انهيار تعبيراتها السياسيّة الفظّة، لأنّشروطها المتجذّرة في مبيان المجتمعات الحديثة تعيد على الدوام إنتاجها في تعبيرات ميكروفزيائية غير قابلة للحصر. وهذه الشروط هي: مجتمع الكتلة وما رافقه من أنظمة التشريط والتكييف الجماعي حول قيمتين حيويتين للمجتمع الاستهلاكي أي الإنتاج والاستهلاك. فضلا عن استثمار منتوجات العقل والعقلانية لتسخير الإنسان واستعباده.

لا تقتصر الكليانيّة على التعبيرات السياسية المباشرة "المكروفزيائية "، لكون المفهوم قادرا على التحرر من سياقاته الظرفية، إنّه "مترحل ودون وطن" حسب عبارة جيل دولوز وفليكس غاتري[13] . تمنحنا ترحّلية المفهوم واختراقه للحدود المعرفية الحل الأمثل الذي يساعدنا على تمثل مختلف تناسليّاته وتكيّفاته مع مجتمعات حديثة لا تفتأ في إبداع أشكال مستحدثة من الكليانيات الناعمة. " لم تعد الكليانية حبيسة العلامات التقليدية على غرار ستالين غراد Stalingradوالنورمندي la Normandie أو أوشفيتس uschwitz بل نراها تمتد اليوم إلى معارك وساحات البورصات العالمية وإلى الرموز الجديدة على منوال الدو دجونز Dow Jones في وال ستريت ومؤشرات هاكاي في طوكيو les indices Hakkai à Tokyo" [14]. يقتضي الإمساك بماهية الكليانيّة بوصفها بنيات سلطة ماكرو، وميكروفيزيائية عدم مماثلتها بأنظمة الحكم الشبيهة على غرار الاستبدادية والطغيانية والديكتاتورية[15]. ويتعيّن التعاطي مع هذه التعبيرات السياسية المتقاربة بطرائق وأفهام مختلفة حتى لا نقع في الإرباكات المفهومية والفهمية. لكن مؤرّخي السياسة لم ينتبهوا إلى هذه المحاذير ومضوا في تطبيق منهج واحد يزعمون أنّه «علمي" على كل أنماط الحكم السياسي المتشابهة دون مراعاة خصوصيّاتها الذّاتية. و تفسّر أرنت أسباب هذه الإرباكات الفهمية والمفهومية بطغيان فلسفات التاريخ ذات المنزع الغائيّ. وعلى سبيل المثال الفلسفة الهيغلية والماركسية. و رغم اختلاف منطلقاتهما تتفق المقاربة التاريخية للفلسفتين على نهايات مرتقبة للتاريخ البشري، وذلك استنادا إلى رؤية تطورية وغائية تقوم على فكرة وجود قوانين تاريخية - موضوعية يكون فيها البشر جزءا من عمليّات معقدة تنتهي إلى تحقيق الغائية المتعالية على الإرادات البشرية. وتلك هي دلالات " حيلة العقل في التاريخ " لدى هيغل. إنّ مثل هذه الفلسفات التاريخانية Historicismغير قادرة على مدّنا بالتصوّر التاريخي الذي أنتج وسينتج أشكالا من الكليانيات غير المسبوقة لكونه حبيس أسطورة التطور وطوبا " النهاية السعيدة " . تتجاوز أرنت هذه المناهج التاريخية المشبعة بالتاريخانية، وتقرّر الخوض من جديد في طوبولوجيا الأنظمة السياسية. و قد شهدت هذه الطوبولوجيا في نظرها مرحلتين: " أولا مع هيرودوت الإغريقي الذي ميز بين ثلاثة أنماط من الحكم تقابلها ثلاثة أنواع من الحكومات: فحيثما يكون الحكم منفردا، يكون الحكم مونارشيا أو ملكيا أو طغيانيا. وحيثما تتّسع دائرة الحكم إلى أكثر من فرد يكون نمط الحكم أوليغارشيا أو أرستقراطيا. وأخيرا فإذا حكم نفر كبير من الناس أصبح الحكم ديمقراطيا. مع أفلاطون وأرسطو ستتشكل طوبولوجيا ثانية وفق معايير العدل واللاّعدل. فالمونارشية أو الملكية يقابلها الطغيان، والارستقراطية يقابلها الديمقراطية. ولا يندرج الاستبداد ضمن هذه التصنيفات لأنّ المستبد عند الإغريق ليس كائنا سياسيّا، بل قبل- سياسي أي منزلي " [16]. بيد أن تحليلات مونتسكيو لأنماط الحكم السياسي " ستتخلى نهائيا عن الطوبولوجيا الإغريقية بفرعيها جاعلة من الاستبداد Despotism نمطا من الحكم المخصوص. وفي المقابل سترى في الطغيانية Tyranny صفة الفساد في كلّ نظام سياسي وليست نظاما سياسيا قائم الذات "[17].وفضلا عن هذا، يتجاوز مونتسكيو تصنيف روسو الكلاسيكي والثلاثي للأنظمة السياسية: الديمقراطية والأرستقراطية والمونارشية. ويبقي فقط على نمطين بارزين وهما المونارشية والاستبدادية. يقول في هذا الصدد: " اقترح ثلاثة تعريفات أو وقائع : تكون الحكومة جمهورية عندما يكون للشعب مطلق السيادة، بينما تكون مونارشية عندما يكون الحاكم فردا واحدا، ولكنه يحكم بقوانين ثابتة ، وليس كما هو الحال في النظام الاستبدادي حيث يحكم الفرد الواحد دون قوانين أو قواعد مستندا فحسب إلى إرادته النزوية"[18] . من الواضح إذن أنّ الكليانية لا تظهر في الطوبولوجيات السياسيّة التي ذكرناها سواء الإغريقية منها أو الحديثة. وتعود أسباب ذلك إلى اختلاف هذا البراديغم عن مختلف أشكال الاضطهاد السياسي المعروفة لدينا [19]. هل بإمكاننا الآن ضبط تحديدات معرفية لمفهوم الكليانية ؟

2 -الأسس النظرية للظاهرة الكليانية

لا تفهم الظاهرة الكليانية كما جسدها البراديغم الستاليني و النازي إلاّ في علاقتها بالأسس الإيديولوجية "العلماوية" Scientist لهاتين المنظومتين. فالممارسات الكليانية للدولة النازية لم تكن موجهة تحديدا ضد الإنسان، والرعب الكلياني ليس غايته إرهاب المجتمع، بقدر ما هو تسريع وتيرة التاريخ حتى يتحقّق المثل الأعلى لهذه الحركة، ألا وهو الانتقاء العرقي للجنس الآري بوصفه الحلقة الأخيرة في تاريخ الصراع العرقي. وبنفس الآليات والغايات، تعتبر الماركسيّة في نسختها الستالينية أنّ التاريخ البشري ينحو باتجاه زوال المجتمعات الطبقية. ولكن بلوغ هذه الغائية النهائية يتطلّب تسريعا في وتيرة التاريخ. ولذلك تجد نظريّة "ديكتاتورية البروليتاريا" هنا تسويغها. إذ لا بد من المرور بهذه السياسة الرهابية حتى يتطهّر المجتمع من أعدائه الطبقيين. الكليانية ليست هدفا في حد ذاتها بالنسبة للنازية والستالينية، بل هي آلية تسريع لوتيرة التاريخ الذي نراه يتقدم نحو تحقيق هذا المثل الأعلى أو ذاك[20]. تلتقي الغائية الكليانية مع الطموحات البرومثيوسية للحداثة. فمنذ انبجاس فكرة الكوجيتو الديكارتي أو" الأنا أفكر" انصبّ اهتمام المحدثين على طرائق حلول الإنسان الفرد محلّ الإله في العالم. وقد تجسّد ذلك في الإنتاجات المعرفية اللاّحقة ولا سيما في فلسفات "الظنّة" لكلّ من ماركس ونيتشه وفرويد. حيث سيبلغ هذا الادعاء أو هذا الدفع السريالي نحو تأليه الإرادة البشرية ذروته مع إعلان نيتشه عن "موت الإله". لهذا فلا عجب أن تتناسل من هذه الفلسفات الريبية كليانيات تستبدل الغائيات التيولوجية القديمة بغائيات وضعية وعلماوية. ولعلة كهذه، فماهية الكليانية تكمن في طابعها الموغل في التاريخانية. ونقصد بذلك فهما مخصوصا للتاريخ يعتقد في العود الأبدي على الطريقة النيتشوية للتاريخ. فالأحداث المستقبلية مضمنة بالضرورة في الماضي. التاريخ تحكمه قوانين موضوعية أو حتميات لا دخل لإرادة البشر فيها. ويترتب على ذلك نفي إرادة وفعل البشر في تغيير مسار التاريخ. تنفي التاريخانية إرادة الإنسان في التاريخ وتنفي التطور التاريخي نفسه. تجسّد السياسات الكليانية إرادات ميتافيزيقية/تاريخانية تتعالى عن الحريات البشرية. فقانون الانتقاء العرقي والطبقي يفترضان إزاحة كل أشكال المعارضة. من هنا ندرك برودة الإرهاب الكلياني ضد خصوم الاإيدولوجيا التاريخانية. كما يمكننا أن نفهم أيضا اعترافات النازي أيشمان Eichmann أثناء محاكمته في القدس 1969 بكونه كان مجرد منفذ لقانون التصفية العرقية[21] هكذا تقتضي الطاعة العمياء لقوانين الاصطفاء العرقي والطبقي استئصالا مبررا لكل القوانين المضادة أي للحرية والتعددية والاختلاف باعتبارها مقومات المجتمع الديمقراطي. فإذا كان شعار الديمقراطية الليبرالية "دعه يعمل، دعه يمرّ" فإنّ شعار الأنظمة الكليانية سيكون: "كلّ شيء ممكن" و "كلّ شيء مباح"[22]. الكليانية ليست نظرية في الاستبداد وحصرها في هذه الخانة لا يستنفد ماهيتها العميقة. ذلك أنّ النظام الاستبدادي هو نظام نزوي يستند إلى مبدأ الحكم الفردي المطلق، ولا يحتكم في ممارساته إلى فلسفة أو إيديولوجيا واضحة للتاريخ. الكليانية هي إذن إيديولوجيا تاريخانية تسخّر كل الوسائل المتاحة بما في ذلك إرهاب الدولة الأقصى من أجل التعجيل باستقدام الغائيات النهائية للحركة. تحتاج الإيدولوجيا الكليانية - التاريخانية إلى تنظيمات مؤسسية- دولتية تحقّق عبرها ومن خلالها الغائيات القصوى للوجود الجماعي الخصوصي والكوني. ما هو الشكل المخصوص الذي يتعيّن على الدولة الكليانيّة أن تتلبّسه تحقيقا لأهداف الاصطفاء العرقي والطبقي؟

للاطلاع على الجزء الثاني من الدراسة اضغط هنا


[1]آنا أرنت ) Hannah Arendt1906 – 1975 (فيلسوفة سياسية ألمانية من أصول يهودية. كرست مشروعها الفلسفي- السياسي لتفكيك وفهم ظاهرة الكليانية كما تجلت في القرن العشرين في قلب العالم الحر. وقع اعتقالها من طرف المخابرات النازية في صيف 1933 ثم فرت إلى باريس ونيويورك حيث استقرت نهائيا بعدما حصلت على الجنسية الأمريكية. أثارت أرنت جملة من التحديات الفكرية المتعلقة بالنكوص التاريخي لأسطورة التقدم الغربي في أعقاب الاسترجاع المباغت لأنظمة الرعب الشمولية: النازية /الستالينية والفاشية. أجبر هذا النكوص التاريخي مفكري الغرب على مراجعة نموذج الحداثة برمته. بعدما كشفت أرنت انعطافات التفكير الشمولي من داخل خطاب الحداثة العلمي والإبستمولوجي والفلسفي.

[2] Arendt, Hannah(1968), Condition de l’homme moderne, Paris, Calmann- Lévy, p.265.

[3] أنظر فوكو، ميشال ( 1990 )، المراقبة والعقاب ، مركز الإنماء القومي ، بيروت

[4] Arendt,Hannah, (1990), Nature du totalitarisme : essai sur la compréhension, Paris, Payot, p.76.

[5] أنظر : فوكوياما، فرانسيس)( 1993 ، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الإنماء القومي ،بيروت

- [6] Anti-Semitism (1968), Harcourt Brace, New York.

- Imperialism (1968), Harcourt Brace, New York.

-Totalitarianism (1968), Harcourt Brace, New York

[7] Energén André,) 1996 (« Totalitarisme », in : Dictionnaire de philosophie politique,sous la direction de Philippe Raymond et Stéphane Rials Paris, P.U.F, pp. 701-702.

[8] Energén André,) 1996 (« Totalitarisme », in : Dictionnaire de philosophie politique,p.702

[9] « Totalitarisme », Article in Encyclopédie universalise, thesaurus R/Z, sans auteur (nd)

[10].Arendt, Hannah, (1990), La Nature du totalitarisme: Essai sur la compréhension, Paris, Payot., p. 24.

[11] Bruehl, Young , ( 1986), Hannah Arendt, Anthropos, p. 531-532

[12] Laval,Guy,( 1995), Malaise dans la pensée (Essai sur la pensée totalitaire), Publisch , p. 13.

[13].Deleuze, Gille et .Guattari, Félix (1993), Qu’est –ce que la philosophie. Tunis, Cérès, p .94.

[14] Léotard, François, (1989), « Le Survivant », article, in Actes du colloqueH.Arendt Politique et ontologie(1989), 14-16 avril Ed, tierce, p.271.

[15] Arendt, Hannah, (1972), Le Système totalitaire, Paris, seuil, p. 77-78

[16] J.Louis.La barrière (1996), « tyrannie et despotisme », in Dictionnaire de philosophie politique,) 1996 (p.706.

[17] J.Louis.La barrière (1996), « tyrannie et despotisme », in Dictionnaire de philosophie politique,) 1996 (p.707.

[18] Montesquieu (1969) , De l’esprit des lois, Ed sociales,p.55.

[19] H. Arendt (1972) , Le Système totalitaire, p. 203

[20] H. Arendt (1972) , Le Système totalitaire, p. 212

[21] H. Arendt (1972) , Le Système totalitaire, p.568

[22] H. Arendt (1972) , Le Système totalitaire, p .201