أي وضع للدين في الديمقراطية؟

فئة :  مقالات

أي وضع للدين في الديمقراطية؟

"الدين في الديمقراطية" هو عنوان كتاب للمؤرّخ والفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه، الذي اشتهر خاصة بكتابه عن خيبة أمل العالم في الماورائيات بعد فكّه لطلسم الأديان Le Désenchantement du monde؛ أي علمنته. وسنجعل في هذه الورقة من أطروحة "الدين في الديمقراطية" كما صاغها غوشيه منطلقا لبلورة رؤية أخرى جديدة لوضع الدين في الديمقراطية. وأطروحة غوشيه الرّئيسة كما تبيّنّاها، هي التبشير بثورة الإيمان أو «الانقلاب الكوبرنيكي للشعور الديني [...الذي] يعمل على أن يصبح بنظر نفسه على شاكلة ما عابه عليه مهاجموه بالأمس بطريقة خفية وهو: نتاج للعقل البشري، في خدمة غايات دنيوية بحتة» (غوشيه، 2007، ص136). يستتبع هذا ضرورة دنيوية الدين وتنسيب الإيمان وعلمنته، وبالتالي إقحام الديمقراطية في صلب المعتقد. يقول مارسيل غوشيه في هذا الصدد: « إنّ نسبية الإيمان الخاصّة هذه هي النتاج المميّز لعصرنا الحالي، إنّها ثمرة تغلغل الرّوح الديمقراطية داخل فكرة الإيمان نفسها » (غوشيه، 2007، ص 119). وفي كلمة نجد أطروحتنا عن "العلمانية المؤمنة" التي سبق أن عرضناها في سياق آخر(الجليدي، 2010.)، وجها لوجه مع أطروحة مارسيل غوشيه عن "الإيمان العلماني"،(1) فهل يتعلق الأمر بمجرّد اختلاف شكليّ بين الأطروحتين أم توجد بينهما نقاط اختلاف جدّية؟ وفي كلّ الأحوال هل أن الطلاق بينهما بائن، أم أنّ علمنة الإيمان تظل إمكانية مفتوحة أمام الأفراد حتى في ظلّ العلمانية المؤمنة؟

I - الإيمان المطلق والإيمان النسبي:

لنعد بداية إلى مفهوم العلمانية المؤمنة، علينا أن نشدّد هنا على مفارقة هذا المفهوم لمعنى تديّن العلمانية. نؤكد هنا من جديد على ما سبق أن أكدنا عليه في محاضرة سابقة عن العلمانية والإسلام، في الندوة التي نظمها منتدى الجاحظ منذ ما يزيد عن ست سنوات، أن العلمانية المؤمنة لا تعني أسلمة الحداثة وإنما تحديث الإسلام، أي تحديث القديم ليظل متجددا على الدوام(2) ولا جرّ الحداثة إلى منطق القديم، فهذا مما يناقض مفهوم الحداثة نفسه.ماذا نعني إذن بمصطلح "علمانية مؤمنة"؟ نعني به علمانية المؤمنين، أي العلمانية التي يتبناها المؤمنون عن طواعية ولا تفرض عليهم بالقوّة، كما فرضت الكمالية على المسلمين الأتراك مثلا. ونذكّر هنا بأهم مقوّمات العلمانية المؤمنة.(3)

1.إنها فكرة تعبر عن روح الثقافة العربية الإسلامية، التي تستلهم معاني الاجتهاد والحكمة العملية والتعددية والكرامة الإنسانية من القرآن الكريم، ولا تنغلق إزاء اجتهادات الفكر الإنساني الحديث المكللة بالصّواب والنجاعة، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها.

2.إنها لا تعني "فصل الدين عن الدولة"،(4) وإنما "رفع السلطة الدينية عن رأس الدولة"، فلا يتحكم أحد بخيارات الدولة والمجتمع باسم الله، أو حتى باسم السّهر على إنفاذ أوامر الله،(5) إذ أن هذه الأوامر يختلف فهمها من عالم إلى آخر ومن سياق إلى آخر ومن زمن إلى آخر. بل تُدار هذه الخيارات على قاعدة رعاية المصلحة الوضعية والأخذ بالأسباب الموضوعية. ولذا فنحن نوافق أحمد خلف الله في تعريفه للعلمانية على أنّها «حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية، وليست فصل الدين عن الدولة»، وهذا ما يجعلنا بنفس المناسبة نفرق العلمانية المؤمنة عن العلمانية الجزئية التي تحدّث عنها المرحوم المسيري والتي يعرفها بكونها « فصل الدين عن الدولة».

3.إنها تستهدف بناء دولة مدنية تقوم على القانون والمؤسسات، وترسي الأسس القانونية والمادية لمجتمع ديمقراطي يحترم التعددية والاختلاف، وتكفل حق المؤمنين- على مختلف أديانهم، أفرادا وجماعات- في إيمانهم وفي ممارسة مقتضيات ذلك الإيمان روحيا وثقافيا وماديا، ما دامت لا تلحق الضّرر المادّي أو المعنوي بالمجتمع- وهي بهذا تختلف عن العلمانية اليعقوبية المعادية منهجيا للدين- كما تضمن لكل المواطنين مهما كانت قناعاتهم الشخصية، الدينية والسياسية والفكرية، الحصول على كل الحقوق التي أقرّها البيان العالمي لحقوق الإنسان، لأنّ تلك الحقوق جاءت معبّرة عن الكرامة والحرية الإنسانية التين أشاد بهما القرآن الكريم للناس كافة ذكورا وإناثا. ونضيف إلى ما سبق أنّه ممّا يخوّل للمؤمنين بناء العلمانية في تصوّرهم لعلاقة السياسي بالديني هو افتقاد كلّ الحكّام في التاريخ الإسلامي لأيّ سلطة دينية مع أنهم هم الذين يعينون القائمين على شؤون الدين من أئمّة وقضاة شرعيين ومفتين، وهذا لا يعني سوى تبعية السلطان الرّوحي للسلطان السياسي تاريخيا، ولكن تحت غطاء حماية الشريعة والعمل بأمرها الذي يتغطى به الحكام المسلمون. والعلمنة التي على المؤمنين إنجازها تتمثل في رفع هذا الغطاء وتنسيب أعمال الحكام وجعلها عرضة للتقييم والمساءلة اعتمادا على أمرين، هما : عدم عصمة الحكام من الأهواء وقابلية الشريعة نصا إلى التّأويل والاجتهاد وروحا إلى التجديد والتطويع، بحكم حنفيتها ومرونتها، وبالتالي تنسيب السلطة السياسية الناتج عن تنسيب الفكر السياسي وتسوية الحاكم بباقي البشر من الناحية المبدئية باستبعاد أيّ عصمة عنه، اللهم إلاّ ما خوّله له التزامه بروح الدستور ووقوفه عند حدّ القوانين، لنترك مسائل الأخلاق والتقوى في مستوى الإنساني واليومي خارج مقتضيات العمل المؤسسي.

ولكن هذه العلمنة المنجزة من قبل المؤمنين لا تكتمل إلاّ عندما يتمّ تجاوز مجرّد الاعتراف بتعدّد التأويلات للدين - وما ينتج عنها من تعدّد المذاهب والفرق والحركات داخل الملّة الإسلامية ذاتها - إلى الاعتراف بتعدّد المعتقدات ضمن الفضاء التوحيدي بكامله (اليهودية بمختلف فرقها، والمسيحية بمختلف فرقها إلى جانب الإسلام) الذي طبع الفضاء الثقافي التقليدي في العالم الإسلامي(في مصر، وسوريا والعراق ولبنان وتركيا...الخ.). وهذا الاعتراف بتعدّد هذه المعتقدات والتقاليد الدينية يكون في مستوى التسليم بوجودها وحقّها في التواجد الخارجي الموضوعي- على أقل تقدير- وبناء عليه يتم تحييد العامل الديني بالكامل في مسألة المواطنة (الجميع مواطنون بنفس القدر حقوقا وواجبات) وفي سلطة الدولة(لا صفة عقدية للحاكم بصفته حاكما- مع أنه حر في معتقده بصفته مواطنا فردا- ومن هنا خلو سلطته من أيّ صفة دينية). وما قيل عن أتباع الديانات التقليدية في العالم الإسلامي يقال عن ضروب العلاقات الجديدة مع الدين (الانتماء الثقافي فحسب للإسلام أو اللاّإيمان). والمستند في كل هذا هو أنه «لا إكراه في الدين» (البقرة/ 256). أما إذا ما أصبح التعدّد معترفا به في صلب منظومة الإيمان الفردي نفسها، فربما سنكون عندئذ إزاء نقلة نوعية، يتم فيها المرور إلى طور الإيمان العلماني، لا العلمانية المؤمنة فحسب. ولكن هذا أمر صعب تصوّره في الواقع، لانطواء الإيمان على معنى الإطلاق الذي هو عكس النسبية التي يفترضها الاعتراف بتعدّد المعتقدات في صلب معتقد المؤمن نفسه. وما يجعل الذهن ينصرف إلى فكرة المطلق عند استحضار مفهوم الإيمان هو تمثّله لموضوع هذا الإيمان، الذي هو بالضرورة مطلق، وهو الذات الإلهية. والوظيفة الرئيسة للإيمان – بالمطلق - هي التخلّص من شكّ الممكنات ونسبية الحقائق وقلق البحث الذي لا ينتهي، أملا في الراحة والسكون في ما هو ثابت وأبدي (الإيمان بالله واليوم الآخر). غير أن إطلاقية الإيمان لا تعني ضرورة إطلاقية طرق وزوايا النظر إلى موضوعه، وهذا بالذات ما جعل تعدّد المعتقدات خارج الذهن أمرا ممكنا، وقد قيل في مجال تعدد المعتقدات والتصورات البشرية للمسألة الدينية أنّ «الطرق إلى الله بعدد أنفس الخلائق». فإذا ما حصل هذا الفهم في ذهن المؤمن وترسّخ فيه، فما من مانع على ما يبدو لاستدماجه الاعتراف بمشروعية الاختلاف في أشكال الإيمان داخل منظومته الاعتقادية الدينية الفردية ذاتها. ويمكن إضافة الإيمان نفسه إلى دائرة الاعتراف، باعتبار أنّ غير المؤمن هو من لم يقدر على النظر إلى موضوع الإيمان، وعدم القدرة على النظر- أي القول باستحالته – هو مطلق المخالفة في طرق النظر مجتمعة، والقرآن الكريم نص صراحة على أنه «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف/ 29).

والذي يدلّ على أنّ مثل هذا الاعتراف الدّاخلي أمر صعب على "المؤمنين" تقليديا، هو وصف المخالفين في المذهب العقدي بأوصاف محطّة من قيمتهم وطاعنة في صحّة عقيدتهم. مثلما يفعل السنة مع الشيعة، والشيعة مع السنة، مع أن القرآن الكريم نهاهم عن ذلك، حتى قبل أن تظهر الفرقة بينهم: «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»(الأنفال/46). كما أنه لم ينزع صفة الإيمان حتى عن أولئك الذين خالفوا نهيه هذا إلى حدّ الاقتتال: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله»(الحجرات/9).. أما المخالفون في الديانة أصلا، فهم في نظر أصحاب تلك الديانة كفارا، كوصف المسلمين للمسيحيين ووصف المسيحيين للمسلمين، بينما دعا القرآن الكريم أتباع جميع الديانات التوحيدية الكتابية إلى الالتقاء على أرضية مشتركة: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون »(آل عمران/ 64).هذه أمثلة عن الصعوبات التي يجدها "المؤمنون" في الاعتراف الدّاخلي بتعدّد المعتقدات. وفي حال استدماج فكرة تعدّد المعتقدات داخل منظومة الإيمان نفسها على نحو جذري، نصل إلى وضع "الدين في الديمقراطية" بالشكل الذي فكّر به مارسيل غوشيه(6). أي التحوّل من طرحنا الحالي: "العلمانية المؤمنة"، إلى "الإيمان العلماني". ولكن إذا ما كان الإيمان العلماني إيمانا فرداويا Individualiste مفتقرا لكلّ ضمانة معرفيّة موضوعيّة – كما يعترف بذلك مارسيل غوشيه نفسه (ص. 134) – وإذا ما كان مفتقرا لكلّ تصديق بالنبوّات – إذ هو دين من خارج الدين - فكيف سيكون مقنعا للأفراد، خاصة إذا ما نظرنا إلى هذه المسألة على خلفية غاية السعادة التي يسعى إليها البشر إلى جانب رغبتهم في الفهم؟

II - الإيمان والعقـل

يقول غوشيه إن الإيمان الجديد إيمان مقام على البحث الذاتي وهو إيمان نقدي. ومعلوم أن البحث والنقد لا يكونان إلاّ بالعقل، وإلا أصبح الأمر يتعلق بمجرّد تخمينات أو خيالات. فهل يمكن بناء الإيمان بالعقل؟ وهذا السؤال يختلف عن سؤال دور العقل في بناء الإيمان، حيث أنه سؤال يحصر فرضية بناء الإيمان في العقل وحده، بينما السؤال الثاني سؤال يفترض دورا جزئيا للعقل في ذلك البناء. يكفي هنا أن نستحضر قولة فيلسوف النقد كانط «وضعت حدّا للعقل لأفسح في المجال للإيمان»(7)، لندرك أيّ مجازفة يقبل عليها العقل بادّعائه إمكان بناء الإيمان بمحض قدراته،(8) مع أنّنا مقتنعون تماما أن الإيمان يصدر من داخل أعماق الإنسان نفسه، ولكن الإنسان الذي نتحدّث عنه هنا هو الإنسان المتعدد الأبعاد ولا "الحيوان الناطق" فحسب: الإنسان الذي يفهم والذي يأمل والذي يخاف والذي يتذوّق والذي يتخيل. بالفهم يبني العلوم وبالأمل في الأنس الوجودي والخوف من الموت(9) يؤمن بالله واليوم الآخر ويتطلّع إلى سعادة أبدية، وبالخيال والذوق يرسم العالم جماليا ويسكنه شعريا ويعيد إنتاجه واستهلاكه فنيّا. ومع ذلك علينا ألاّ نيأس تماما من أيّ تدخل للعقل في مجال الإيمان، حيث يعصمنا العقل من الأوهام والأخطاء في التفكير ويذكّرنا بأن تجربة الإيمان أمر لا يتعدّى حدود الممكن العقلي، ومن هنا يأتي التنسيب والتسليم بتعدّد أنماط المعقولية الدينية وتفهُّمُ أن يكون الآخر مختلفا عنّا. غير أنّ لدينا تحفظّات على النزعة التبشيرية التي اتسم بها خطاب غوشيه عن ضرب الإيمان الذي اعتبره ثورة على إيمان الأديان الكبرى، حيث اعتبر المرور إليه حتمية تاريخية بالرغم من البطء الذي تبديه بعض المجتمعات في المرور إليه، ومن بينها المجتمعات الإسلامية.

-III حدود أطروحة "الإيمان العلماني"

تتوزع تحفظاتنا إلى صنفين: صنف يخص وضع المجتمعات الإسلامية الحالي بالذات، وصنف يخصّ طبيعة الإيمان ذاتها ووظيفته مهما كان أتباعه مسلمين أو غير مسلمين.

1.الصراع مع الغرب عامل تقوية للعامل الديني الجماعي

لقد ظهر الإيمان العلماني في الغرب، الذي هو إيمان نسبوي وفرداوي، ولم يظهر في العالم الإسلامي، ولا نعتقد أنه سيظهر فيه - أي أن يصبح ظاهرة دينية أو روحية فحسب - إلاّ بعد مدّة طويلة،(10) وذلك ـ جزئيّا - لأن الأوضاع في عالمنا الإسلامي هي غير الأوضاع في الغرب.(11) نلخّص هذه المسألة في حالة الصراع من أجل التحرر والنهوض التي يكابدها المسلمون في وجه الاستعمار الغربي بوجهيه العسكري والاقتصادي، وما يصاحب كليهما من غزو ثقافي واستهداف لمقومات الهوية الجماعية. هذه الأوضاع - زيادة على ترسّخ الشكل التاريخي الجماعي للإيمان لدى المسلمين - تنشئ نوعا من التوتر الروحي المشترك – وإن بدرجات ومظاهر مختلفة – وتدعو إلى تصلّب نواة المعتقد الجماعي كنزعة حمائية ضدّ الخطر الخارجي الذي يتهدّد الكيان المادي والرمزي للمسلمين. يمكن أن نستحضر هنا أمثلة جديدة بالكامل، كمثال المقاومة الوطنية في لبنان أوفي فلسطين أو العراق أو حتى مقاومة الغزو الخارجي في أفغانستان - مع الفارق النوعي بين هذه الأمثلة - كما يمكننا التذكير بمرحلة الاستعمار الأوروبي لبلدان المغرب الإسلامي، حيث شدّدت الزعامات الوطنية على الشخصية القومية، وحاربت التجنيس، وتصدت لدفن المتجنسين في مقابر المسلمين، بالرغم من أن أحدها، وهو الزعيم بورقيبة، برهن لاحقا على افتتان كبير بالنموذج العلماني الكمالي وعمل على بناء دولة حديثة – لولا سيطرة الحزب الواحد المطلقة على كل مظاهر الحياة في المجتمع والدولة - وذهب شوطا كبيرا في تحرير المرأة وتركيز قيم العقلانية والحداثة في مؤسسات الدولة وفي المجتمع. إن استمرار العدوان على العالم الإسلامي وتفاقم الحيف الاقتصادي من قبل دول الشمال ضدّ دول الجنوب، لمن العوامل التي ستؤخّر بناء الفرد في السياق الإسلامي، حيث سيتواصل انتظار ظهور شخصية الزعيم والملهم والقائد والوفاء لتقليد الآباء والجدود، هذا إلى جانب استمرار الدور التضامني الذي تقوم به العائلة لصالح أبنائها للتخفيف من وطأة الصعوبات الاقتصادية عليهم، وهو أمر في الحقيقة محمود، لولا ترسيخه لنمط المجتمع الأبوي، لتأخر استقلال الأبناء عن آبائهم.

2.لا تعارض بين الفردي والجماعي في المجال الرمزي

القضية التي نعالجها هنا هي في الواقع أعقد مما سبق بكثير، حيث لا يوجد تقابل حادّ بالضرورة في كل الأحوال بين الجماعي والفردي. يظهر هذا مثلا في المستوى الأنثروبولوجي الثقافي، حيث تتجاور منظومات ثقافية أو تتزامن وتتراكب أنماط الوعي الفردي مع حالات اللاوعي الجمعي. نعطي مثالا على ذلك احتفال بعض الشعوب والأمم بأعياد ضاربة في القدم بالرغم من أنها لا تنتمي إلى ثقافاتها السائدة في الوقت الحاضر. لقد شاهد جمهور التلفاز منذ أيام وزير الثقافة التركي – في حكومة حزب العدالة والتنمية – وهو يقفز مبتهجا فوق النار(12)، وسط تصفيق الحضور، احتفالا بعيد النيروز الذي هو عيد ضارب في القدم وسابق عن الإسلام وتشترك فيه شعوب إيران وتركيا والعراق وأفغانستان وشعوب آسيا الوسطى عموما، ولم يمنعه الإسلام لأنه يحتوي على معاني نبيلة كالمحبة والحياة والسلام. يمكننا هنا استحضار كثافة المشهد – مشهد قفز الوزير المسلم فوق النار- في مختلف أبعاده بسهولة. الناس يحتاجون دائما إلى الاحتفال وإلى الرمز وإلى المخيال الجماعي وحتى إلى قدر من الوهم، بقدر حاجتهم إلى الفرح وإلى التآخي والتعايش، وهذا ما نلتقي فيه مع وجهة نظر رجيس دوبريهRégis Debray حول عودة المقدّس والحاجة الماسّة إليه تحت أيّ غطاء كان.

3.الإيمان العلماني والإنسان الغربي المعاصر:

هل يخلّص الإيمان العلماني الإنسان الغربي المعاصر من قلقه الوجودي؟ لنهتم أوّلا بالإجابة عن سؤال: ما هي حقيقة الإيمان العلماني ذاته؟ لم يستعمل مارسيل غوشيه هذا المصطلح، بل تحدّث عن "ثورة الإيمان" وعن "انقلاب كوبرنيكي في الشعور الديني" كما سبق أن ذكرنا، ولكن التحليلات التي قدّمها عن هذا الإيمان الجديد، إيمان المجتمعات الديمقراطية العلمانية، تفيدنا بنسبيّة هذا الإيمان وببشريّة مصدره وبلا يقينه، وهذا كله يشير إلى علمانيته. لنقرأ ما قاله غوشيه ذاته: « ما يكوّن أساس السلوك الديني من الآن فصاعدا، هو البحث وليس التلقي، إنه فعل الامتلاك بدلا من التسليم غير المشروط. ويتقدّم صدق القلق على صلابة اليقين في إعطاء صورة نموذجية عن الإيمان، حتى في ما يخصّ الديانات الرّاسخة» (ص. 134). البحث والقلق هما خاصيتا الإيمان العلماني. هذا الإيمان "الوضعي" ربّما يكون مناسبا للفلاسفة الذين يحترفون الشكّ والنقد، بل ربّما يكون من المفيد للبشرية أن يوجد المؤمنون المشككون في صيغ الإيمان الموروثة، لتصحيح الرؤية إلى الإيمان سواء في اليهودية أو في المسيحية أو الإسلام أو في أي دين آخر(13). ولعلّ تساؤلات إبراهيم عليه السلام هي خير مثال على تجربة المؤمن الحائر في ربّه(14) وفي قدرة هذا الربّ على إحياء الموتى، أي في عقيدة البعث والآخرة: « وإذ قال إبراهيم: ربّ، أرني كيف تحيي الموتى. قال أولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي» (البقرة/ 260). ويذكر الطالبي في كتابه "ليطمئن قلبي" (الطالبي، 2007)أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم، عندما نزلت هذه الآية، قال: «نحن أولى بالشكّ من إبراهيم»(ص. 13). أي لعله يريد بذلك قول أنه وملّته أولى باعتماد الشك طريقا إلى اليقين من إبراهيم، باعتبار أن «مولد الإسلام هو مولد العقل الاستدلالي» بحسب عبارة محمد إقبال، وأن مرحلة الإسلام مرحلة أرقى عقليا من المراحل السابقة عنه (مرحلتا الطفولة العقلية والمراهقة العقلية). كل هذا حسن، ولكن المشكلة أن الإنسان الغربي المعاصر يعيش "قلقا في الحضارة"(15) ولا نظن أن تجربة الإيمان القلِق هذه تفيده في التخلص من قلقه الحضاري. ولقد وصل هذا القلق من الحضارة الغربية - الموغلة في المادية والمفتقرة للروحانية - درجة دفعت بعدد من الشباب الأمريكي فتيانا وفتيات إلى الانخراط في طوائف دينية مبتدعة حديثا واختتام رحلتهم باتجاه البحث عن المعنى بتنظيم حفلات انتحار جماعية، لفرط افتقادهم لذلك المعنى- بالرغم مما ابتدعوه من طقوس ورموز- ولحرصهم على القيام بمحاولة أخيرة للحصول عليه من خلال فعل الموت ذاته كأقصى أشكال التخلص من عائق المادّة. لا شكّ أنّ العلم في أيامنا هذه يحاول من خلال مختلف المقاربات التي يقترحها علماء النفس أن يمنح الإنسان المعاصر شيئا من راحة البال وطمأنينة النفس اللتين يفتقدهما ـ كما كتب كريستوف أندري مؤخرا دليله النفسي/العلاجي عن" تعلّم السّكينة" ( André, 2009)- ولكن تدخّل العلم والطب النفسي لا يكون في مستوى التكوين الأساسي لشخصية الفرد وبنيته النفسية، بل يقتصر دوره على المساعدة الما-بعدية على استعادة الهدوء والتوازن النفسي، بخلاف الإيمان الذي يشكل بنية نفس-روحية راسخة في المستويين الواعي واللاواعي للفرد منذ نشأته الأولى، وبالتالي فهو يمثل ملاذا متاحا بكثير من اليسر حتى في أعتى المحن التي يمرّ بها الإنسان.

4.الطبيعة النفس-اجتماعية للإيمان

لعلّنا أدركنا نوعا ما حدود الإيمان العلماني ـ الذي هو إيمان فرداوي بالضّرورة - في الحدّ من قلق الإنسان المعاصر، أما الإيمان ذاته، أي الاقتناع والتصديق بوجود الله والغيبيّات، فهل يمكن أن يتحقق ويتدعّم خارج كل مشاركة للآخر في نفس العقيدة والسلوكات الدينية؟ التجارب الماثلة أمامنا لا تؤيّد هذه الفرضية. فافتقاد الدليل العقلي على صحّة المعتقد يُعوّض بالممارسة المتواصلة للعبادة والطقوس الدينية، كما انتبه إلى ذلك ابن خلدون عند تفريقه بين العلم الحاصل بالنظر والعلم الحاصل بالاتصاف (الممارسة)، (16) ويكون تأثير تلك الممارسات أعظم عندما تتمّ جماعيّا: صلاة الجماعة، الصوم السنوي، الحجّ...الخ. ولذلك جاء في الحديث «من شذ عن الجماعة شذّ إلى النّار»، لضعف الوازع الديني عند هجر الجماعة، فـ«الجماعة رحمة والفرقة عذاب»، ويجب أن يفهم هذا سيكولوجيا قبل أن يفهم أخرويّا. يقول محمد إقبال: « ...على أنّ الغرض الحقيقي من الصّلاة يتحقّق على خير وجه عندما تكون الصلاة جماعة. فروح الصلاة روح اجتماعية [...] والجماعة أو الطّائفة المتعبّدة هم أناس اجتمعوا معا، يحييهم أمل واحد فيجمعون أمرهم على هدف مقرّر، ويفتحون أعماق أنفسهم لتلبية باعث واحد. وإنّها لحقيقة سيكولوجية أنّ الاجتماع ينمّي قوى الإدراك عند الرجل العادي، ويعمّق شعوره، ويحرّك إرادته إلى درجة لا يعرفها في عزلته ووحدته(17).»(إقبال، 2006، ص 101). وهذا يذكرنا نوعا ما بأطروحات غوستاف لوبون حول سيكولوجية الجماهير،(18) ولكن الجماهير هنا جماهير منظمة في صفوف الصلاة لا جماهير غوغائية كما في مناسبات الحشود (الجمهور الرياضي مثلا) ولذلك عوض أن تتجه إلى اعتناق أدنى الحالات الروحية كما في حال الغوغائية، تتجه عكس ذلك إلى مزيد من التسامي والسكينة. فإذا تقرر أن هذه هي طبيعة التجربة الإيمانية، فهل لنا أن نتشبّث بالصيغة الفردية القلقة لها كما يبشّرنا بها نبي العلمانية الغربية مارسيل غوشيه؟ قد يُقنع هذا بعض الناس الذين يؤثرون مشقة البحث والتفكير على هناء التسليم والتلقي، كالفلاسفة وشريحة من المثقفين- ولكن يستبعد أن يمثّل بديلا عاما لكل الأفراد، خاصة في المجتمعات الإسلامية التي لم تضطرّ لإعلان موت إلهها لأنها لم تنشئه من حالة قتله الأول- عقيدة الصلب - كما في الاعتقاد المسيحي(19). والحقيقة هي أن غوشيه قد صاغ أطروحته عن الإيمان القلق تعبيرا عن القلق الذي يشعر به ورثة الإيمان المسيحي من مفاهيم وعقائد لم تعد تقنع الإنسان في عالم الحداثة وما بعد الحداثة، مثل عقيدة الخطيئة الأصلية Le péché originel وعقيدة حلول الله الأب في شخص المسيح الابن L’incarnation وعقيدة التثليثLa trinité، فكأن درس الحداثة: "الأنا أفكر" في الفضاء الثقافي الغربي، قد جرى وسرى في علاقة الإنسان بعالم الطبيعة وعالم السياسة ولكن تأخّر تطبيقه في مجال الدين في حدّ ذاته، بغض النظر عن علاقته بالسياسة. ولعلّ دعوة غوشيه إلى استدماج الاعتراف بعقائد الآخرين في صلب منظومة الإيمان الذاتية، فيها دعوة إلى القضاء جذريا على مؤسسة الكنيسة، والانفتاح على أشكال التوحيد الأخرى: اليهودية والإسلام، وبالأحرى على تجارب الإيمان اللامستند إلى الوحي أصلا كالبوذية، وفي نهاية المطاف التأسيس الذاتي للإيمان باعتبار استحالة الكونية في هذا الشأن كما يقرّر (غوشيه، 2007، ص 120) ، بحيث ينتج عن كل تجربة روحية فردية إيمان فريد لا يتكرر ولا يستنسخ ولا يورّث.

لا شكّ أن هذا الطرح طرح ثوريّ، وقد ظهر في التاريخ من حاول تجسيده فنعت بالزندقة والهرطقة، بل إن كبار الصوفية يمكن أن يدخلوا في هذه الخانة كذلك. ألم ينشد ابن عربي في "ترجمان الأشواق" بأن قلبه قد أضحى قابلا لكلّ صورة، إذ هو في الآن نفسه « مرتع غزلان ومعبد رهبان وبيت أوثان وقبلة إيمان وألواح توراة وصحيفة قرآن»! وأليس هذا هو المعبّر بامتياز عن استدماج الاعتراف بمعتقدات الآخرين في منظومة الإيمان الخاصة؟ ولكن يظلّ الفرق بين إيمان الصوفية و"الإيمان العلماني" واضحا. الأول إيمان تلقّ وتسليم، بالرغم من أنه لا يتلقى عن البشر الآخرين («عن قلبي عن ربي قال... »: يقول ابن عربي)، بينما الثاني إيمانٌ قلقٌ لا يفتر يشكّ لأن منبعه في داخل الإنسان ذاته: محايث بإطلاق. وقد يكون كل إيمان في الحقيقة محايث، ولكن المشكل هو أن الإيمان العلماني وحده هو من يدرك ذلك، أو يقرره، ومن هنا يأتي قلقه، لأنه يبحث بالرغم من كل شيء عن ضمانة "موضوعية" لحقيقته. ولعل الخطأ الذي يقع فيه هذا النمط من التفكير هو محاولة الوصول إلى موضوع الإيمان كموضوع خارجي بالغوص فقط في الذات الغريبة عنه بإطلاق ودون القول مع ذلك بتماثل ما في الذهن مع ما في الخارج - كما كان يظن باطلا فلاسفة اليونان القدامى. وهذا وضع مستحيل فيه الوصول إلى أي شيء بخصوص الإيمان. ولا يوجد حل لهذه المعضلة من داخل العقل الوضعي إطلاقا. اللهمّ إلاّ القول بالحلول، وهو ما انتهى إليه الشعور الأوروبي مع هيغل، الذي استبدل حلولية الجمهور ـ حيث يحل الله في شخص المسيح - بحلولية فلسفية – حيث يحل الله في التاريخ - معلنا موتا مضاعفا لله من خلال عبارة «لقد مات الله هو نفسه»، أي ليس الله الحال في شخص المسيح، بل الله ذاته أبا هذه المرّة لا ابنا فحسب، وهذا ما يعتبره هيغل مقتضى ومحتوى الدين الحقيقي، «والذي هو ليس دين الله في العلاء، ولكنه دين الروح بيننا» (ريكور، 2005، ص. 561.). وبطبيعة الحال، لا يوفر هذا المعنى أي إجابة نهائية وعميقة عن قلق الإنسان الوجودي، خصوصا عندما لا يجد هذا الإنسان في نفسه ما حاول هيغل إيهامه به، وهو أن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية واحدة، بينما هو يختبر هشاشة تكوينه النفسي والجسدي كل يوم، واختراقه من قبل الرغبات والأمراض وشتى أنواع الضغط والتوتر والقلق. ولذا فمهما بلغت الأنساق الفلسفية الحديثة من شموخ، ومهما أمعنت الفلسفات المابعد حداثية في تفكيكيتها، فلن تنتشل الإنسان من حيرته الأصلية المتجذرة في أعماق تكوينه. في هذا المستوى الوجودي العميق، لا يجد الدين منافسا حقيقيا له لمنح الإنسان معنى يلتحم فيه بمسيرة الكون وتاريخ الوجود، ولا يتركه «شيئا ضائعا حائرا في ضبابية وجوده»(فضل الله، 2009، ص23). ومن الطريف أنّ داعية الإيمان العلماني مارسيل غوشيه يعترف بأنه لا يضمن لأتباع هذا الدين الجديد أيّ موضوعية لإيمانهم هذا، حيث أن «هدفه [أي الإيمان الفرداوي] ليس الحقيقة، لكن المغزى(20)» (غوشيه، 2007، ص 134) ويتابع غوشيه شرحه بقوله: « ولكي نكون أكثر دقّة، هو[الإيمان العلماني] لا يسعى وراء موضوعية الحقيقة، بل وراء ضرورة وجود موضوعية المغزى من أجل ذاتية الفرد» (نفسه).

IV - عودة المقدّس على الصعيد الكوني:

نعيش خلال العقود الأخيرة مفارقة تحدث لأوّل مرّة في تاريخ البشرية: التقدّم المزدوج للديمقراطية والدين معا، وعن هذه الظاهرة يقول فيليب كوستوبولوس Philip J. Costopoulos في الكتاب الجماعي عن "أديان العالم والديمقراطية" «إنّ العالم قد غدا في عمومه حديثا خلال نصف القرن الأخير- من خلال انتشار المدن الجديدة والغزو التكنولوجي العلمي وفي بعض الحالات تقدّم العلمنة - ولكنه أصبح كذلك أكثر ديمقراطية وأكثر تديّنا... وهذا أمر لم يكن متوقّعا من قبل الغالبية العظمى لمثقفي القرن العشرين» (Diamon, Plattner, Costpoulos, 2008, p 3). ويعدّ الفيلسوف الفرنسي رجيس دوبري Régis Debray المُعارض الأبرز لأطروحة الخروج من الدّين أومن المقدّس بصفة أعم - لأنهما ظاهرتا اعتقاد جماعي- وقد تركّزت معارضته بالخصـوص على أطروحـة "تحرّر العالم من سحر الأديان"Le Désenchantement du monde لمارسيل غوشيه.(21) فإذا كان هذا الأخير يمحور الفكر والدين معا حول "الأنا أفكر"، فإنّ رجيس دوبري يقلب الوضع تماما ويحدث ثورة على الثورة بإعلانه: «نحن لا نفكر، فنحن إذن موجودون»! ويقصد بذلك أننا موجودون - في صيغة النّحن- بفضل أننا لا نفكر، أو أننا موجودون حيث لا نفكر وبقدر ما لا نفكر، وإنما بقدر ما نرث من طقوس ومعان ورموز. وفي هذا إشارة واضحة إلى اللاوعي الجمعي، الذي ينشأ كما يعلّمنا ذلك كلود ليفي شتراوس من تباعد المسافة بين الدال والمدلول، أي من تعاظم الوهم الجمعي. يقول دوبري بأنه كي يعيش الناس معا ـ بما في ذلك في المجتمعات العلمانية ـ يجب أن يكون لهم أمر مشترك بينهم أكبر منهم جميعا: إله أو وطن أو مثال أعلى أو يوم احتفال أسطوري أو حائط (حائط المبكى) أو جبل أو مغارة.(22) كما يؤكّد هذا الباحث بأنه حتى في صورة طرد الدين من المجال العمومي، فإن المقدّس سيعاود الظهور هنا وهناك بصفة تلقائية ليعوّض عن نقص المعنى الحاصل بغياب الدين عن الضمير.(23) ويعطينا دوبري أمثلة عن دور المقدّس في صهر الجماعات والشعوب وتكوين الأمم فيقول: « هل كان بالإمكان وجود إسرائيل لولا وجود التوراة، أو عالم عربي لولا وجود القرآن، أو الهند لولا الماهابهاراتا؟». هذا ما قاله دوبري خلال الأشهر الماضية فقط. ولذلك يدعو دوبري شعبه إلى إعادة بعث شعور الأخوّة بين أفراده (Debray, 2009) بإيجاد فسحة من المتخيل الجمعي ونظام رمزي مجمّع، أي مفرّق عن الآخرين: وهذه مفارقة، وهي ضريبة المعنى المشترك الذي يراد بناؤه. فإذا كان رجيس دوبري ينصح أبناء أمته بعدم اختيار نموذج الهويات الفردية (الإيمان العلماني أو دنيوية المقدّس وإفراغه من كل قداسة)، وإذا كان ينصحه بتغذية روح الجماعة والمعنى المشترك في مواجهة الانحلال في أوروبا موحّدة اقتصاديا ومشتّتة هوويّا، أوفي مواجهة عولمة صاهرة للقوميات – وهو يفعل ذلك بالرغم من انتمائه إلى قارة متقدمة وإلى عالم متطور وقوي - فما بالك بنا نحن. العرب والمسلمين. الذين لنا ألف داع وداع إلى التوحّد روحيا وماديا! ولكن المشكلة بالنسبة إلينا نحن ـ المسلمين ـ أعقد مما هي في الغرب، وذلك لأنه علينا إنجاز المهمتين معا: تقوية الشعور بالانتماء الحضاري والقومي، وبناء الفرد والديمقراطية في الوقت ذاته، فتقديم الأهداف القومية على الأهداف المدنية يضرّ بالأهداف القومية ذاتها. لم تتأخر القضايا العربية عن الحل، إلا لأن القرار مصادر من الجماهير، ولا يعود القرار إليها إلا بمرور حقيقي إلى الديمقراطية، وهذا بدوره يتطلب بناء الفرد في المساحة المدنية وانطلاقا من العمل التربوي، وتجسيده في آليات التعامل المؤسسي اليومي وفي المجال السياسي.

خـاتمــة

إذا كان وضع "الدين في الديمقراطية"، معناه أن تتمّ دمقرطة الإيمان، بحيث يصبح تعدّديا، فإن ثمنه هو أن يصبح إيمانا باردا، كتلة من الثلج في قلب المؤمن لا تمنحه حرارة اللقاء الروحي مع المتعالي، ولا تنصهر به إرادات الأفراد باتجاه وثبة روحية حضارية جديدة للعالم الإسلامي. وهذا ما يشكو منه العالم الغربي الآن: لا مبالاة الشباب وتفكك الأسرة النووية، والأسرة الكبيرة المتمثلة في المجتمع ككلّ. الإيمان في رأينا هو طاقة صهر وتوحيد لما ينطوي عليه من توحيد وتوحّد في الغايات البعيدة للأمة: الحرية والوحدة والنهضة والتقدم. وهذا لا يمس في شيء تعدد طرق النظر إلى وسائل تحقيق تلك الغايات. ليس المطلوب ذر الرؤية إلى الإيمان، بل تجديدها فحسب.(24) حيث « يجب ألا يتمّ الإصلاح على حساب الدّين، بل يقع في الوقت نفسه بواسطة الدّين وفي الدّين ومستقلاّ عنه» (جعيط، 1991، ص. 222)، مع تسليمنا بتفاوت الناس في العلم والمعرفة وفي القدرة على التجريد والتخلص من العوائق المعرفية بأنواعها. والإيمان الذي نتحدّث عنه هنا هو إيمان بالمعنى الكوني الذي يرفضه غوشيه، الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا يهم شكل التعبير عنه، ما دام يعبر عن محبة الخير الأسمى ومحبة الجار. فالتعدّد لا يشمل موضوع الإيمان: الله والأمل في السعادة الدائمة، فهذا قاسم مشترك بين الأديان التوحيدية، وهو من مسلمات العقل العملي في الفلسفة النقدية (كانط). أما إذا ما انقلب إلى مصدر تغذية لمشاعر الكراهية والحقد والاستعلاء المرضي فهو عندئذ الكفر بعينه، أيا كان انتساب صاحبه، إلى الإسلام أو إلى غيره من الأديان. علمنة الإيمان ليست بديلا جدّيا وحقيقيا عن الإيمان ولا عن تدخّل الروحي القسري في الفضاء السياسي. يمكن اعتباره في أحسن الحالات مرحلة في البحث عن الحقائق الكلية والوجودية (إن وجدت، بمنطق البحث نفسه)، مرحلة حيرة وتساو للممكنات وتعددية ساذجة في حال تواصلها واعتبارها حالة وعي نهائي، وهي مرحلة ضرورية ومفروضة على أصحاب الفكر الحي والعقل الصاحي، وبفضل هذا التوجّه تمّ التحول عن المعتقدات الوثنية والآلهة القومية إلى التوحيد، وروح التوحيد بحاجة إلى مزيد من التهذيب والتعميق لتستوعب الآخر محبّة وتفهّما. وفي الأخير تبدو لنا العلمانية المؤمنة أطروحة أكثر تماسكا وأكثر ملاءمة للسياق الإسلامي من أطروحة الإيمان العلماني المشكوك في متانتها حتى في منبتها الغربي ذاته. بيد أن هذا لا يمنع من اعتبارها إمكانية وعي ذاتي أو شكل بناء لهوية فرداويّة متاح للأفراد اعتناقها بكلّ حرية والعلمانية المؤمنة على استعداد لاستقبالها والتعامل معها، لأنّ مشروع العلمانية المؤمنة مشروع مدني، وفي المدينة مكان لجميع من يريد المشاركة في بنائها وجعلها أجمل فأجمل. الدين في الديمقراطية لدينا هوية حضارية جماعية مشتركة، والجميع يسلمون الآن بذلك في تونس، الليبراليون والقوميون واليساريون والإسلاميون. وهذا لا يتعارض بطبيعة الحال مع مقولة "ديانة الضمير الفردي". وعبقرية شعب ما في نهاية الأمر هي في إيجاد الحلول التي تناسبه وتقويه لا في استقدام نماذج جاهزة، خاصة إذا كانت تلك النماذج غير مجمع عليها في مواطنها الأصلية ذاتها.