أين يقف العلم اليوم: النظرة العلمية القديمة

فئة :  مقالات

أين يقف العلم اليوم: النظرة العلمية القديمة

يقول برتراند راسل (Bertrand Russell) في كتابه المشهور: (لماذا أنا لست مسيحياً)

"لأن يكون الإنسان نتاج أسباب لا تملك العدة اللازمة لما تحققه من غايات، لا يكون منشؤه ونموه مجرد حصيلة ارتصاف ذرات عرضي، ولأن تعجز أية حدة في التفكير أو الشعور في الإبقاء على حياة فرد واحد فيما وراء القبر، ولأن يكون الاندثار هو المصير المحتم لكل عناء الأجيال، ولكل التفاني ولكل عبقرية الإنسان المتألقة تألق الشمس في رابعة النهار. على ذلك لا يمكن بناء موطن الروح في أمان إلا في إطار هذه الحقائق، وعلى أساس راسخ من القنوط المقيم".

هذه هي خلاصة (الفلسفة العدمية) على لسان أبرز فلاسفة العصر الحديث (برتراند راسل)؛ الفيلسوف البريطاني صاحب المؤلفات الغزيرة: منشأ الإنسان ونموه مجرد صدفة الاندثار، والفناء يلف المصير الإنساني، ولا حياة أخرى، والأسباب التي أنتجت الإنسان لا تملك عدة تحقيق غاياتها؛ فلا خالق. وإذا كان الكون هكذا، فقد تكلل الوجود الإنساني بالخسوف الكامل من البداية حتى النهاية، وبالتالي فالكون يبدأ بداية عرجاء عاجزة، الخلق فيه صدفة، والنهاية فيه عبث؛ لذا فلا غرابة أن ينتهي الفيلسوف إلى (الأساس الراسخ من القنوط المقيم).

هذا مع العلم أن برتراند راسل كان فيلسوفاً عظيماً مجلياً مبدعاً، وهو في الواقع ينقل ويصور بأمانة إلى أين انتهت النظرة العلمية القديمة، والتي سادت القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وما زالت تترك آثارها وبصماتها على التفكير الإنساني حتى الوقت الراهن.

"تقول الأسطورة اليونانية القديمة أن ملك كورنثيا (سيسيفوس) عوقب من الإله زيوس بأن يرفع صخرة عظيمة من أصل الجبل، ليوصلها إلى أعلاها، وفي الحين الذي تصل فيه إلى القمة تتدحرج إلى الأسفل ليعيد العمل من جديد".

هذا النوع من العمل الباطل العبثي، الذي لا ينتهي ولا يجدي، ولا يوصل إلى غاية، ولا يفضي إلى نتيجة، هو أعظم عقوبة يمكن أن يعاقب عليها إنسان، وذهبت هذه القصة مثلاً في التاريخ عن العدم والعبث، ومن هذا المثل العبثي اتخذ ألبير كامو، الفيلسوف الوجودي الفرنسي، عنواناً لكتاب مهم له هو: (أسطورة سيسيفوس) (THE MYTH OF SISYPHUS) ذكر فيه : "أن ما يتصف به العالم من تبلد وغرابة هو العبث بعينه .... لو كنت شجرة بين الأشجار، أو قطاً بين الحيوانات، لكان لهذه الحياة معنى، أو على الأصح لما كانت المشكلة مطروحة؛ لأنني أكون منتمياً إلى هذا العالم ـ هذا العالم الذي أقاومه الآن بكل إدراكي ـ إن هذا العقل السخيف هو ما يجعلني متضاداً مع كل الموجودات".

قبيل من هذا حدثنا به الجامعة داوود في سفره:

(باطل الأباطيل الكل باطل، ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس. الشمس تشرق والشمس تغرب ... كل الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن. العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع . ما كان فهو يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع؛ فليس تحت الشمس جديد....

أنا الجامعة ... كنت ملكاً على إسرائيل في أورشليم، ووجهت قلبي للسؤال والتفتيش عن كل ما عمل تحت السموات، هو عناء رديء، جعلها الله لبني البشر ليعانوا فيه...

رأيت كل الأعمال التي عملت تحت الشمس، فإذا الكل باطل وقبض الريح، الأعوج لا يمكن أن يقوم النقص، لا يمكن أن يجبر ....

وجهت قلبي لمعرفة الحكمة ولمعرفة الحماقة والجهل؛ فعرفت أن هذا أيضاً قبض الريح؛ لأن في كثرة الحكمة كثرة الغم، والذي يزيد علماً يزيد حزنا).

بهذه الكلمات في سفر الجامعة داود من العهد القديم، نقلت لنا أيضاً رؤى كئيبة عن العبثية والملل في هذا الوجود، في الحين الذي ينقلنا القرآن إلى وسط مشرق رائع عن داود الذي ينسجم مع الكون في صلاة مشتركة:

(إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق، والطير محشورة كل له أواب، وشددنا ملكه وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب) سورة ص ـ الآيات 18ـ 20، وفي الحين الذي يرى القرآن الحياة هي الجدة والتجديد، والجدة تعني كل يوم شيئاً جديداً (كل يوم هو في شأن)، وبذا تمتزج جدلية الحياة بين الثابت والمتغير، بين الجامد والمتحرك، بين القديم والجديد.

كذلك نقلت لنا أبيات (رباعيات الخيام) طرفاً من هذه العبثية، والملل، وعدم الفهم والحيرة ـ والتعاسة بنفس الوقت ـ لفهم هذا الوجود:

أحـــس في نفسي دبيـــب الفـناء

ولم أصــــب في العيش إلا الشقاء

يا حســــرتا إن حــان حيــني ولم

يتح لفكـــري حـــل لغــــز القضاء

تــــروح أيامـــي ولا تغـــتـــــدي

كما تهــب الريـــح فـــــي الفـدفــد

وما طــــويـت النفس هـما علــى

يومين: أمـــس المنقضي والغــــد

غد بظهـر الغيب واليــــوم لــــي

وكم يخيــب الظــــن في المقــبـــل

ولســــت بالغـــافـــل حـتــى أرى

جمــــال دنيـــاي ولا أجـــتـــلــــي

سمعــــت في حلمي صوتاً أهـاب

ما فتـــــق النــوم كمــــام الشـباب

أفق فإن النــــوم صنــــو الـردى

واشرب فمثواك فــــراش التــراب

سأنتحـــي المـوت حثيث الورود

وينمحي اسمي من سجل الوجـود

هات اسقنـيها يا مُـــنـى خاطـري

فغاية الأيـــــــــام طـــــول الهجود

وهكذا، فالكل ينهل من نفس المعين، ويعب عن نفس الخواء.

إلا أن النظرة العلمية القديمة (المادية العلمية) هي في طور الانقلاب اليوم بشكل ثوري، وهذا التوجه العلمي الذي بدأ في أوروبا قبل ثلاثة قرون، أتى أكله في كل ميدان في الوقت الحاضر، في صور ليست وردية في كل ميدان.

كيف يا ترى هي النظرة المادية القديمة للوجود؟

الكون مادة، والعقل إفراز ثانوي للدماغ، ولا حكمة وراء الطبيعة، وكل شيء يمكن تفسيره بلغة المادة؛ فلا غرابة إذن من هذه النتيجة: إن لا خالق في الكون، والكون يخضع للصدفة والضرورة، والاندثار والفناء يلف الوجود الإنساني!

لا عقل... ولا إرادة حرة ... لا حياة أخروية ... لا برمجة في الكون ... ولا غائية ... بل يخضع للعبثية،وحتى الجمال هو غير موضوعي، بل نحن اخترعناه!!

لا غرابة إذن، عندما درسنا الطب في الفيزيولوجيا، لنقرأ نصف الآية (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، بدون أن نصل إلى نهاية الآية الذي هو بيت القصيد كما يقال (أفلا يؤمنون).

الإسلام أراد (العلم النافع)؛ أي هو ذلك العلم الذي له غاية ونهاية وخلق (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)، ومن هنا نفهم عمق الحديث (لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم الذي لا أزداد فيه علماً يقربني من الله تعالى).

الإسلام يريد العلم الغائي الذي يقرب إلى الله تعالى.

يريد من الطبيب أن يخشع قلبه مع نبض الشرايين وضخ الدم وإفراز الهرمون وتفاعل المعدن وترابط الجزيئات، و يريده أن يتأمل ويتأثر بين لون إفراز الكبد الأصفر ودم الشريان الأحمر الزاهي؛ بين عمل الجهاز العصبي، وتوتر العضلات، وتماسك الأربطة؛ بين تسبيح الخلايا، ودمدمة النورونات والعصبونات، وتألق الكهربية القلبية وزخم الأفكار من الدماغ.

هنا، جندت نفسي لهذه الرسالة منذ قرابة ربع قرن في اكتشاف هذا الفضاء الجديد للمعرفة، وهذه العلاقات المقدسة الجديدة، وهذا المنجم ذي الخامات المجهولة حتى الآن، في معرفة طبيعة جديدة لترابطات جديدة، لصياغة عجينة جديدة، وإفراز رحيق جديد نغذي به شبابنا لاقتحام تيارات المعاصرة الجديدة، ولولوج عواصف الحداثة بسفينة نوح من العلم جديدة، حتى يبدأ الضغط الدموي للجسم الإسلامي بالارتفاع من وضع الصدمة، وحتى يمكن جس نبض الحياة يضرب في عروقه، ونرى تورد الوجنات تعلن العافية الطيبة، والفعالية تدب في الجسد الذي عانى من مرض القرون.