إدوارد سعيد: المثقف دائم الانشقاق

فئة :  مقالات

إدوارد سعيد: المثقف دائم الانشقاق

ينظر كثيرون إلى المخزون المعرفي لدى المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد على أنه أكبر وأشد اتساعاً من أن تحيط به الكتابة، تماماً كبيتهوفن الذي كان لديه مخزون من الموسيقى عجزت النوتة الموسيقية عن الوفاء له أو التعبير عنه.

كان إدوارد سعيد ينتمي إلى تلك الفئة القليلة من المفكرين المعاصرين الذين يسهل تحديد قسماتهم الفكرية الكبرى ومناهجهم وأنظمتهم المعرفية وانهماكاتهم كما يصعب على الدوام حصرهم في مدرسة تفكير محددة، أو تصنيفهم وفق مذهب بعينه، وذلك لأنه أنموذج دائم للمثقف دائم الانشقاق، ممن يعيش عصره على نحو جدلي، ويدرج إشكالية الظواهر بندًا محوريًا على جدول أعمال العقل، ويخضع ملكة التفكير لناظم معرفي ومنهجي مركزي هو النقد، كما شخّصه عالم الرياضيات البريطاني الشهير ستيفن هاو، في مقالة نشرتها مجلة "الكرمل" بترجمة من صبحي حديدي.

ومن باب الوفاء لصاحب كتاب "الاستشراق"، راح أستاذ الأدب الإنكليزي في الجامعة الأردنية محمد شاهين يجمع بين دفتيْ كتاب مجموعة من المقالات والحوارات التي أنتجها سعيد في فترات متباعدة ليؤكد أن "منجزات إدوارد سعيد لم تخضع للتعاقب الزمني الذي يخضع لناموس التطور والنشوء والارتقاء الذي تحكمه العادة، وذلك عند الحديث عن أصحاب المنجزات من أصحاب الفكر البارزين". ويؤكد شاهين في الكتاب، الذي حرره وكتب مقدمته، وصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت تحت عنوان "إدوارد سعيد: مقالات وحوارات" على أن صديقه الأثير سعيد "ولد شامخاً ومبكراً"، وأنه "تميز منذ البداية كصاحب فكر جديد أصيل".

ومن خلال قراءته المقالات الأولى لإدوارد سعيد، يرى شاهين أن تلك المقالات تكشف وعياً مبكراً لدى صاحب كتاب "الثقافة والإمبريالية" على أحوال الأمة العربية، وبيان العلاقة الهشة التي تميزت بها المواجهة بين الشرق العربي والغرب، والتي يعزوها سعيد إلى "غياب التكافؤ المطلوب بين طرفين أحدهما قوي والآخر ضعيف، أحدهما بلا هوية محددة، والآخر يحمل هوية الهيمنة، أحدهما لا يعرف كيف يتعامل مع خصمه، والآخر يعامل الضحية بنمطية واضحة له دون أن تكون كذلك للضحية نفسها وهكذا".

ويرى شاهين أن سعيد لا ينحو باللائمة على الغرب في هذه المعادلة المختلة، "بل إنه يبيّن بوضوح أن العرب هم أصحاب المسؤولية التي يمكن أن نسميها علاقة مَرَضية تملي علينا القيام بما هو مطلوب منا القيام به تجاه أنفسنا".

وبخلاف ما هو شائع من أن فكرة الاستشراق تولدت لدى سعيد منذ نشر كتابه ذائع الصيت "الاستشراق" في العام 1979، فإن شاهين يؤكد أن "فكرة الاستشراق قد ولدت في بداية السبعينيات إن لم نقل قبل ذلك"، اعتماداً على مقالة لسعيد بعنوان "التمنّع والتجنّب والتعرّف" نشرت مترجمة في مجلة (مواقف) البيروتية العام 1972 وفيها يلمس سعيد، كما يقول شاهين، "هشاشة واقع الثقافة العربية إزاء الاعتداء الأجنبي" ووقوف المثقفين عاجزين عن تقديم البديل. ولا ينكر سعيد على المثقفين العرب وعيهم المأزق، لكنه يأخذ عليهم وقوفهم حيارى إزاء واقعهم المتردي، كما يسجل عليهم "تجنبهم الخوض في معرفة الذات العاجزة، وتمنعهم عن تقديم البديل".

وفي إطلالة مبكرة على موضوعة الاستشراق، يؤكد سعيد أن "الغرب نظر إلى العرب كشيء للاستهلاك؛ فقد جعل الغرب من العرب مادة تستهلكها الثقافة العدائية النهمة. كان اكتشاف الغرب للثقافة العربية حدثاً يتوقف استمراره على اهتمام الغرب بها، ولقحت الثقافة العربية ببعض مظاهر الثقافة الغربية التي بذرت في كل مكان وشملت المجتمع بأكمله". ويرى سعيد أن هذه "المظاهر التي أنتجت الثقافة العربية ما يماثلها كما تعكس المرايا الصور، أنتجت، على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والنفسية، مؤسسات تفتقر إلى العمق وتفتقر، بعبارة أدق، إلى الجذور، لهذا نلحظ اليوم غياب أي تقليد عربي راسخ من تقاليد الحكومة الحديثة أو الإصلاح الاجتماعي أو الفكر الاقتصادي والسياسي. كل شيء يبدو عابراً وكأنه طرْق على سطح لين لزج تحته ارتجاج واضطراب هائل غامض يبدو اليوم في صورة، وفي اليوم التالي في صورة مختلفة تماماً".

تأملات:

وفي مقالته الثانية "تأملات حول البداية" المنشورة في مجلة "مواقف" العام 1978 التي نقلها إلى العربية كمال أبو ديب وياسر الداغستاني، يُعمِل سعيد النظر الفلسفي في فكرة البداية، لافتاً إلى أن "تركيب الجملة المفسرة لمعناها والقائلة بأن أحدنا يبدأ عند البداية، معتمدًا على قابلية كل من العقل واللغة على أن يعكسا نفسيهما، ويتحركا من الحاضر إلى الماضي ثم إلى الحاضر ثانية، من وضع معقد إلى بساطة سالفة، ثم إلى التعقيد من جديد، من نقطة إلى أخرى كأنهما يتحركان داخل دائرة. والقدرة على القيام بمثل هذه الأشياء هي ما يجعل الفكر مهموماً وقريباً من حالة الغموض في الوقت نفسه".

كما أن العقل الإنساني يريد شكلياً "أن يتصور نقطة إما في الزمان أو المكان تشير إلى بداية الأشياء كلها، أو على الأقل إلى مجموعة محددة من الأمور المركزية، ولكن العقل يغامر كما غامر أوديب بإمكانية أن يكتشف عند تلك النقطة أين ستنتهي الأشياء كلها أيضاً، إذ تكمن وراء هذا الاكتناه المنظم الشكلي حاجة عاطفية وخيالية للوحدة، حاجة لأن نستوعب ما هو في الواقع عدد من الظروف المشتتة، وأن نضعها في نوع من النظام الحق المتسلسل أو الأخلاقي أو المنطقي".

وفي مقابلة أجريت معه العام 1992 ونقلها إلى العربية بكر عباس، يرى إدوارد سعيد أن التحول من كتابه "البدايات" إلى كتابه "الاستشراق" لم يكن في وجهة النظر الأدبية بقدر ما هو في وجهة النظر النصية، وفي هذا السياق يقول: "لقد أثر فيّ في "الاستشراق" كيف أن الناس ما أن يقرأوا شيئاً حتى يخرجوا للبحث عنه، وهذا ما أسميه "الموقف النصي"... غير أنني أخذت الآن أغير فكري بعض الشيء. لقد شعرت منذ سنوات عدة بطريقة ساذجة غير متحفظة أنه نظراً للقدر الهائل من سوء النية والتدليس العقائدي الذي يصور الكتابة في نوع معين من العلوم الاجتماعية، وكذلك الكتابة في التاريخ، لا بد أن هناك شيئاً منعشاً وجذاباً جداً في الكتابة حول مواضيع أدبية بحتة... أظن أنني أصبحت أنظر نظرة أكثر اعتدالاً إلى العلاقة بين الكتابة وأشكال الكتابة الأخرى".

أما في المقابلة التي تمت في تموز من العام 1999 في نيويورك، وأجراها مصطفى بيومي وأندرو روبن، ونقلها إلى العربية صلاح حزيّن؛ فيتناول سعيد الظروف التي رافقت علمه بإصابته بمرض اللوكيميا في أيلول من العام 1991: "عرفت أن سيف ديموكليس، نسبة إلى الأسطورة الرومانية، مسلط فوق رأسي. فجأة اتضح لي أنني سوف أموت".

وكرد فعل فوري، خطرَ في بال صاحب كتاب "العالم، النص، الناقد" أن يذهب إلى مكان آخر أكثر هدوءاً من نيويورك "ولكن تلك الفكرة لم تعمر طويلاً، ثم انبثقت لديّ فكرة من بين ما خلفه موت والدتي التي رحلت في العام 1990 فبدأت أفكر في الكتابة عن سنوات حياتي الأولى والتي كانت في معظمها مرتبطة بها. وبعد عامين ونصف العام، في آذار 1994 بدأت أكتب مذكراتي".

الانضباط:

ويصف سعيد كتابة مذكراته أثناء فترة العلاج، بأنها تميزت بنوع من الانضباط: "استخدمتُ وقت الصباح للكتابة ولمتابعة ذكرياتي لإعادة خلق زمن كنت قد فقدته وأفقده أكثر وأكثر كل يوم، وكنوع من وضع تصور لشكل الكتاب، حاولتُ أن أستدعي الأماكن التي تغيرت بلا عودة في حياتي في مصر وفلسطين ولبنان. كنت خلال تلك الفترة زرت تلك الأماكن، فقد عدت في العام 1992 إلى فلسطين لأول مرة منذ خمسة وأربعين عاماً، كما ذهبت إلى لبنان في أول زيارة لي منذ الغزو الإسرائيلي في العام 1982".

ويتابع سعيد متناولاً كتابه "خارج المكان"، الذي ضم مذكراته، بأنه حاول في كتابه هذا أن يحرر نفسه "من المسؤولية التي كانت، سواء أحببت ذلك أم لا، تفرض عليّ كلما كتبت عن الشرق الأوسط... كتبت "خارج المكان"، في ظل كمّ من المعاناة، فقد كنت مريضاً معظم الوقت، لذا فإنني كنت أكتب بضع جمل ويكون عليّ بعد ذلك أن أنهض وأتناول دواء ما، أو أن أستلقي. كانت كتابة "خارج المكان"، تجربة مختلفة كلياً بالنسبة لي. لم أكن أحاول مخاطبة جمهور، على الرغم من فكرة مخاطبة جيل أبنائي كانت هناك... كانت المذكرات محاولة لوصف ماضيّ الخاص بي.. لقد بث نوع من الحزن الفيرجيلي، نسبة إلى الروماني فيرجيل، الحياة في أشياء كانت قد مضت. وفي صورة ما، كان "خارج المكان" نوعاً من التأمل البروستي، نسبة إلى الروائي الفرنسي مارسيل بروست".

ويضم الكتاب، فضلاً عن ذلك، مقالة في الموسيقى والأدب والتاريخ، كانت قد نشرت ضمن مجلد تذكاري لنخبة من الأدباء والمفكرين صدر ضمن منشورات دار الغرب الإسلامي عام 2000، وكلف شاهين المترجمَ بكر عباس أن ينقلها إلى العربية، إذ ذكر عباس، وهو شقيق الناقد الراحل إحسان عباس، لشاهين بأن مقالة سعيد تلك كانت أصعب نص ترجمه في حياته.

في هذه المقالة المعنونة بـ"من الصمت إلى الصوت" يتنقّل سعيد بين أقاليم الموسيقى والأدب والتاريخ، ويتوقف عند الموسيقيين العالميين فاغنر وبيتهوفن، إذ يصف فاغنر السمفونية التاسعة لبيتهوفن بأنها "خلاص الموسيقى". ويمضي سعيد في تصوراته حول الموسيقييْن؛ فيشير إلى أن فاغنر "بيّن أن الموسيقى، على الرغم مما تتصف به من طلاقة وقدرة على التعبير، فإنها تخضع للزمن والإقفال؛ أي للصمت. وللتغلب على الصمت وجعل العبارة الموسيقية تمتد إلى ما بعد المحط الأخير أو النغمة الختامية، فتح بيتهوفن دنيا اللغة التي تمكّنها طاقتها من استيعاب النطق الإنساني الصريح من أن تقول بنفسها أكثر مما تستطيع الموسيقى قوله. ومن هنا وجد فاغنر الدلالة الهائلة لثوران الصوت والكلام في النسيج الآلي للسمفونية التاسعة، فما رآه هناك كان تجسيداً إنسانياً للغة تتحدى صمت النهاية والموسيقى نفسها".

فإذا كانت السيمفونية التاسعة، كما أورد سعيد على لسان فاغنر، تتحدى صمت النهاية، فإن منجزات المفكر الفلسطيني تتحدى غيابه الفيزيائي، وتطل شاهقة بروحها الإنسانية ولسانها الكوني، وقدرتها على إثارة جدل لا ينتهي، على الرغم من أن غياب إدوارد جعل العالَم العربي وأميركا "أكثر فقراً" على حد تعبير الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان.

* د. موسى برهومة باحث و إعلامي من الأردن