إرهاصات التنوير وردّات الفعل: قضايا النساء خلال فترة الحماية الفرنسية بالمغرب

فئة :  مقالات

إرهاصات التنوير وردّات الفعل: قضايا النساء خلال فترة الحماية الفرنسية بالمغرب

تأتي هذه الدراسة في إطار الاهتمام المتزايد في الساحة الفكرية، العالمية عامة والمغربية خاصة، بتيمة المرأة من خلال صيغ متعددة، من مثل: حقوق المرأة، ومقاربة النوع، والكتابة النسائية، والأدب النسائي، والإبداع النسائي، وتاريخ النساء النوع، عبر الندوات والملتقيات والأبحاث والدراسات، وفي إطار راهنية الموضوع بفعل صعود الإسلاميين للحكم في العديد من الدول العربية من بينها المغرب، إذ نجد قضايا النساء في قلب استراتيجياتهم وتوجهاتهم الأيديولوجية والخيارات التي يحاولون بلورتها على أرض الواقع، انطلاقًا من مراكز القرار التي يصلون إليها، فيصعب الحديث عن أي استقرار فيما يخص حقوق النساء ومكتسباتهن، وبالتالي اعتبارها مكسبًا أبديًا.

كما تستحضر الورقة أهمية النقاش الذي يعرفه المجتمع المغربي بفعل طرح قضايا سجالية، من مثل مسألة الإرث، على سبيل المثال لا الحصر الذي خلق انقسامًا واضحًا في ما يخص مسألة تصور العلاقات الاجتماعية، مع ما يحيل إليه هذا المعطى من رؤى وتصورات حول الدولة المدنية ووصاية الدين، والذي إن كان يعبر عن شيء؛ فهو يترجم الاتجاهات الاجتماعية والثقافية والسياسية المتنوعة التي تطبع المجتمع المغربي.

من هذا المنطلق، جاءت محاولة التركيز على مسألة قضايا النساء خلال فترة الحماية، بما أن هذه الأخيرة، أقصد قضايا النساء، تدخل في إطار صياغة أي تصور حول المجتمع والدولة، وهي من ناحية أخرى محاولة لفهم مختلف الأسس والمدارس الفكرية التي عبرت عن بوادر نهضة جديدة مطلع القرن العشرين، وشكلت أنوية أولى عبرت عن أولى الإرهاصات التنويرية بالمغرب، إذ شكلت المرآة خلفية لمختلف التيارات الثقافية والفكرية التي يعرفها المجتمع المغربي اليوم.

ولعل موضوع المرأة تحديدًا هو ما يترجم درجة الوعي داخل مجتمع ما من خلال المعطيات المفسرة لواقعها، بحكم المصالح التاريخية المتناقضة التي يطرحها موضوع مشاركة النساء في الحياة العامة، وبالتالي القدرة على تكسير نواميس تقسيم العمل الاجتماعي الذي راكم سجلاً كبيرًا من القيم الاجتماعية جعلت منه أمرًا واقعًا ونظامًا طبيعيًا غير قابل للتحول أو التجديد.

وتعد لحظة الاصطدام الثقافي بالآخر الأوروبي وبالضغوط الاستعمارية بشكل خاص محددًا أساسيًا في صنع أولى ملامح النهضة المغربية، حين أدركت النخب المغربية أن أي تجاوز لأوضاع التأخر والتقهقر التي يعيشها المجتمع المغربي لن تتأتى إلا بالاستفادة من الأسس المساهمة في صنع أمجاد وقوة الغرب الأوروبي. لذا فقد لقيت أصداء النهضة المشرقية التي كان يقودها كل من الطهطاوي وخير الدين التونسي، بالإضافة إلى جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، استعدادًا واستجابة لدى النخب المغربية، كما لعبت بعض المنابر الإعلامية، كمجلة المنار، أدوارًا مهمة في المساهمة في توسيع قيم ومبادئ هذه الأخيرة، وبالتالي وصول العديد من الأفكار والمبادئ، من ضمنها ما يخص قضايا تحرير النساء، مثل نص "المرشد الأمين في تربية البنات والبنين" (1872) لصاحبه الطهطاوي الذي عبر فيه عن مشروع إصلاحي مجتمعي، حيث قدم تصورات حول مؤسسة الزواج، ومسألة الاختلاط والحجاب بالإضافة إلى أهمية عمل النساء لتجاوز واقع التأخير التاريخي العربي، لذا فقد حملت هذه المبادرة العديد من الأفكار التحديثية المرتبطة بقضايا النساء، والتي اتسمت بطابعها السجالي وبمواجهتها البناءة للخطاب التقليدي السائد بأسانيد وحجج تاريخية.

تنضاف إلى ذلك تأثيرات نصوص قاسم أمين التي تعد رائدة في هذا الصدد، حيث مارست تأثيرًا قويًا، ولعل إطلالة على مقاطع منها يحمل دلالته، يقول قاسم أمين في هذا الصدد: "استعملها الرجل متاعًا للذة، يلهو بها متى أراد. ويقذف بها في الطرق متى شاء، له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البلد، له الضياء والقضاء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر، له كل شيء في الوجود بعض ذلك الكل الذي استولى عليه..."، ويضيف: "من احتقار المرأة أن يحال بينها وبين الحياة العامة، والعمل في أي شيء يتعلق بها، فليس لها رأي في الأعمال ولا فكر ولا مشارب، ولا ذوق في الفنون، ولا قدم في المنافع عامة، ولا مقام في الاعتقادات الدينية، وليس لها فضية وطنية ولا شعور ملي...".

ولعل ما جعل نصوص قاسم أمين، تحظى بالاهتمام الذي حظيت به هو ربط قضايا تخلف النساء، بالقضايا الكبرى في البلاد العربية كالفساد والاستبداد، إذ يقول: "كان من أثر هذه الحكومات الاستبدادية أن الرجل أخذ يحتقر المرأة في ضعفها، وقد يكون من أسباب ذلك أن أول أثر يظهر في الأمة المحكومة بالاستبداد هو فساد الأخلاق..." نستشف من هنا أن التصورات حول المرأة من المسائل المهمة لرصد عناصر التحول في إدراك نوعية الأسئلة الاجتماعية والثقافية والسياسية للنخب العربية بشكل عام والمغربية بشكل خاص، والتي كانت بدورها على وعي بما طال البنى التقليدية للمجتمع من خلخلة، وبداية تفكك العائلات الممتدة، مع خروج المرأة للعمل في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة "الأهالي" خلال الاحتلال الفرنسي خاصة.

ويشير المؤرخ الفرنسي دانييل ريفي في هذا السياق إلى أن أول اختراق للنساء المغربيات للفضاء العام في المجال الحضري، كان من خلال عملهن خادماتٍ في البيوت، وهي ظاهرة انتشرت بسرعة، وهو ما تجلى بوضوح في أحد مقالات المغربي سعيد حجي بجريدة المغرب التي كان يشرف عليها، بإحدى الأعداد الصادرة سنة 1937، متفاعلاً مع أحد مراسلي الجريدة الذي كان يشتكي من كثرة تشغيل الفتيات بآسفي لدى الأسر اليهودية في أوضاع مهينة للكرامة، وقد جاء رد صاحب المقال بأن شجع الساكنة على البحث عن حلول من قبيل إنشاء تعاونيات تعلم الفتيات بعض المهن مركزًا في الآن نفسه على ضرورة وأهمية التعليم.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن قناعة بعض النخب المغربية التي كان لديها وعي بأهمية التعليم مدخلاً أساسيًا لأي إصلاح أو تحول، مع ضرورة شمل الفتيات في هذا المشروع، ونجد أولى المبادرات في هذا الشأن كانت حاضرة في دستور 1908، تلتها نصوص الحجوي التي شكلت منطلقًا ومقدمة كبرى في مسار تعليم الفتيات، على الرغم من المعارضة الشرسة التي لقيتها، خاصة من كبار رجال الدولة، كالصدر الأعظم المقري الذي كان يعتبر دعوة الحجوي ما هي إلا تشجيع على الانحلال والفساد، الأمر الذي لقي تجاوبًا مهمًا خاصة في الأوساط المحافظة.

لم تنقص الحجج والدلائل عند الحجوي في المقابل، وقد كانت من داخل المنظومة الدينية، مثل مقولته: "لم أقف في الكتاب والسنة على دليل يمنع المرأة من أي عالم كان، أو يوقفها عند أي محدود في التعليم العروبي الديني، بل الأصوليون صرحوا بأن المرأة يجوز أن تصل إلى رتبة الاجتهاد في علوم القرآن والسنة وما يوصل إليها من العلوم الإسلامية، حتى تكون كمالك والشافعي وأضرابهما..."

وتجدر الإشارة، في سياق آخر، إلى الأفكار التي استقدمتها فئة الشباب المغربي التي تلقت تعليمها في أوروبا، كسعيد حجي المذكور سابقًا، إذ صرح منذ وقت مبكر في تقرير رفعه إلى المؤتمر الثالث لطلبة شمال إفريقيا سنة 1933 حول أهمية إشراك النساء في بناء المجتمع: "كم تحزنني حالة المرأة، وهي دعامة تربيتنا وأس تكويننا، كم تؤلمني حالة الفتاة، وهي لن تحمل في حضنها ولدًا، بل تحمل أمة، أناشدكم يا إخواني بحق وطنيتنا وإيماننا أن تنظروا في حالة المرأة المغربية، وأن تمعنوا النظر في أحوالها، فيتضح لكم على أي أساس بنيت روح الحياة والجرأة في نفوس أطفالنا وذريتنا، على أي فكرة نكون عقول أبناء وطننا، على أي سلم نصعد إلى ذروة الثقافة والنضوج...".

وعدَّ محمد بن الحسن الوزاني، في تصوره المجتمعي، المرأة أحد ركائز المجتمع الأساسية إذ يقول في أحد نصوصه: "نهضة الأمة برجالها ونسائها لا بفريق من أعضائها دون فريق؛ فكل نهضة تقوم على الرجل دون المرأة، إنما هي نصف نهضة. إنها لتكون ناقصة بتراء مختلفة عقيمة بقدر ما يكون في الأمة من نساء جاهلات." ومن هنا مطالبته بتعليم الفتيات في مشروعه الذي وضع فيه خطة متكاملة راعى فيها مختلف الحساسيات التي كانت تطرحها القضية خلال تلك الفترة.

وهناك التأثيرات التنويرية السالفة التي تسربت من المشرق، والتي تأثرت بها أجيال جديدة من الشباب، وخلقت تيار السلفيين المغاربة كعلال الفاسي ومحمد بن العربي العلوي وغيرهم، ويعد كتاب النقد الذاتي لصاحبه علال الفاسي حاملاً لمختلف الآراء السلفية النهضوية لهذه الفئة، والتي كان يتطلع لها هذا التيار، وتعتبر العديد من أفكار هذا الأخير ثورية، خاصة تلك المرتبطة بقضايا النساء، كما تعبر على ذلك إحدى نصوصه: "يجب أن تتمتع المرأة بما يتمتع به الرجل من حقوق، وأن تقوم بما يقوم به الرجل من واجبات. ولكي تستطيع، يجب أن يفسح لها المجال، وتعد للقدرة على أداء ما يطلب منها. ولكن قبل ذلك يجب أن يتحرر الرجال أنفسهم من روح الجمود العتيق الذي يجعلهم يفضلون التقاليد على الدين نفسه، ويعتبرون المرأة مجرد قنينة للذة والاستمتاع ليس إلا".

لم تكن هذه المتغيرات، بطبيعة الحال، دون رد فعل من طرف المحافظين الذين واجهوا هذا الغليان داخل المجتمع برؤى تفاوتت حسب خلفياتها ومرجعياتها، ولعل الخوف على اغتصاب الهوية، كما سبق وحدث للوطن، كان عاملاً أساسيًا في هذه القضايا، إذ يؤكد دانييل ريفي في هذا السياق أن الذكور جعلوا من النساء كبش فداء، وتمت معاقبتهن بشكل لا واعٍ على دخول الكافر للبلد، مشيرًا في ذات السياق إلى العريضة التي تم توقيعها في فاس للحد من البذخ في الأعراس المغربية، والتي تدخل في معاقبة الذات، وتعد إحدى مظاهر هذه الحالة النفسية للمجتمع المغربي.

كما عرفت فترة نهاية العشرينيات صدور العديد من الفتاوى التي استجابت لها العديد من القوانين، في محاولة للحد من هذه الدينامية التي واكبت تحول أوضاع النساء المغربيات؛ ففي المنطقة السلطانية صدر قانون بإيعاز من عدول مدينة فاس يقضي بمنع المرأة من ارتداء الجلباب الذي عوض الحايك التقليدي، وأعطى النساء مزيدًا من الحرية في الحركة، وأيضا انتعال الخف "الشربيل" ذو الكعب العالي الذي أضاف إليه صناع مدينة فاس تحسينات إسوة بأحذية الفرنسيات، وأصبح موضة تهافتت عليها النساء الفاسيات. وتم في المدينة نفسها استصدار قانون مُنعت النساء بموجبه من ولوج حدائق بوجلود، بعد أن بدأت تظهر حالات لخروجهن بدون عريفة أو محرم. كما عرفت مدينة الرباط بدورها صدور قانون من طرف الباشا بركاش منع النساء بدوره من الخروج دون محرم.

ولم تخل المنطقة الخليفية بدورها من مظاهر هذه التفاعلات المجتمعية الذي حضرت بقوة على صفحات الجرائد الصادرة آنذاك، إذ نجد أن ارتداء الفتيات "للطربوش الأحمر الوطني" أسال الكثير من المداد، وتم اتهامهن بالتشبه بالرجال مستحضرين كل ما تطلبه الأمر من أدلة وحجج تدعو إلى تحريم ارتداء هذا الأخير، والدفاع عن وجهة نظرهم.

وفي المنطقة نفسها، أصدر باشا مدينة تطوان قرارًا خصص بمقتضاه دار سينما حصرًا على النساء، نظرًا لما أثارته هذه الأخيرة من ردود فعل المحافظين الذين كانوا يعترضون على الأفلام الرومانسية المعروضة، سواء المصرية منها أم الهندية أم الأمريكية، خاصة أن النساء بدأن يشكلن نسبة مهمة من المتابعات لهذا المجال الفني. ولعل أطرف ما في الأمر أن أغلب هذه القوانين لم يتم التمكن من فرضها إلا جزئيًا، وفي خضم التحولات والأحداث المتسارعة التي عرفها المجتمع المغربي إلى حين حصوله على الاستقلال لم يتم التفكير في العودة إلى هذه القوانين لمراجعتها أو إلغائها، لذا فنساء فاس لازلن ممنوعات من لباس الجلباب والـ"شربيل" ذو الكعب العالي، ونساء الرباط لا يحق لهن الخروج دون محرم بقوة القانون.

لائحة المراجع:

*- باللغة العربية:

1.سعيد حجي، فجر الصحافة الوطنية المغربية، تصنيف وتقديم: عبد الرؤوف بن عبد الرحمان حجي، طبع في كندا، 2002

2.كمال عبد اللطيف، صورة المرأة في الفكر العربي نحو توسيع قيم التحرر، منشورات زاوية، الطبعة الأولى، 2006

3.محمد حسن الوزاني، دراسات وتأملات 5، مؤسسة محمد حسن الوزاني، الطبعة الأولى، 1987

4.محمد سبيلا، عبد السلام بنعبد العالي، مصطفى لعريصة، في التأسيس الفلسفي لحقوق الإنسان، نصوص مختارة، دار توبقال للنشر، مطبعة الأمنية، الرباط، 2013

*- باللغة الفرنسية:

1.Rivet, Daniel, Le Maroc de Lyautey à Mohammed V, le double visage du Protectorat, Editions Porte d’Anfa, 2004

2.Camau, Michel, La notion de démocratie dans la pensée des dirigeants maghrébins, Editions CNRS, 1971

3.Daoud, Zakya, Féminisme et politique au Maghreb, soixante ans de lutte, Editions Eddif, 1993