إسلام الساسة لسهام الدبابي الميساوي

فئة :  قراءات في كتب

إسلام الساسة لسهام الدبابي الميساوي

عرض: البشير الحاجّي وعبد المنعم شيحة.

الكتاب: إسلام الساسة

المؤلف: سهام الدبّابي الميساوي


ينتمي كتاب "إسلام الساسة" لصاحبته سهام الدبّابي الميساوي إلى مشروع عام، أشرف عليه المفكر التونسيّ عبد المجيد الشرفي، يحمل عنوانًا جامعًا هو:" الإسلام واحدًا ومتعدّدًا"، وقد تمّ في هذا المشروع نشر سلسلة من الكتب ضمن إصدار مُشترك بين دار الطليعة للطباعة والنشر بلبنان ورابطة العقلانيين العرب. ومدار الاشتغال في هذا المشروع على رصد مُختلف مُكوّنات الذات الإسلامية، وذلك بتقديم قراءة تاريخية مُعمّقة ومحكّمة لها، دون التقيد بزاوية نظر ضيقة مذهبية كانت أو عنصرية أو نخبوية، وفي احتفاء مُعلن بالتعدّد داخل الذات الإسلامية. [1]

وفي كتاب"إسلام الساسة"، اختارت سهام الدبابي الميساوي أنْ تبحث في إسلام فئة مخصوصة من الفئات الإسلاميّة هي فئة ملوك المسلمين أو ساستهم، مبيّنة أنّ لإسلامهم خصائص، يتميّزون بها عن بقيّة فئات المسلمين من جهة بعض تمثّلاتهم للدين وبعض سلوكاتهم. وقد التزمت سهام الدبابي بالبحث في الخصائص الكبرى لإسلام الملوك من أمويين وعبّاسيين وفاطميين ومرابطين وموحّدين، وقد سعت إلى إبراز ما يجمع بينهم من تصوّر للإسلام من جهة، ومن جهة أخرى، بيّنت أهم وجوه الاختلاف بين تلك الدول.

ومن أهم ما يلفت الانتباه في "إسلام الساسة" أنّ الباحثة نبّهت منذ البداية إلى اختلاف المصادر العربيّة في تقديم عقيدة صاحب السلطان وسلوكه الدينيّ، إذ الأمر راجع - في أغلب الأحيان - إلى اختلاف مذهب صاحب المصدر أو طبيعة المُنجز الفكريّ الذي هو بصدده.[2]

ولسائل أنْ يسأل: هل يختلف عن إسلام الرعيّة؟ وإذا وجد هذا الاختلاف هل هو عائد إلى اشتغال الملوك بالسياسة أم هو عائد إلى كونهم يسوسون المجتمع وفق قانون إلهيّ؟

وفي ما يتعلق بهذه المسألة، فإنّ الباحثة لم تدّع أنّها ستضيف من جهة الحديث عن سياسة مُلوك العرب وطبيعة ملكهم؛ فالأمر أشبع دراسة وتحليلاً من قبل المتخصصين في الإسلام السياسيّ. ولكنّ طرافة بحثها تكمن في تفرّدها بتحليل بعض سلوك الساسة الدينيّ والالتفات إلى مراسم ملكهم وطقوسهم، وتعد من مدرسة فكريّة ترى كلّ نسق سلطويّ جهازًا لعبيًّا (Ludique) والساحة السياسيّة مسرحًا يؤديّ فيها الحاكم أدوارًا شبيهة بدور الممثّل، وفنّ السياسة فنًّا مُمسرحًا أو فنًّا مشهديًّا. لذلك، لا يكفي عندها البحث في شرعيّة السلطة من دون التفكير في الصور الدينيّة الممسرحة التي يظهر بها الملك خليفة مقدّسًا ساهرًا على الدين مطبّقًا للشريعة، ومن دون إبراز الوجه الديني الملازم للوجه السياسيّ وكلاهما ناحت لهويّة الإمام.

ولعلّ اللافت في هذه القراءة، أنّها قراءة تلزم نفسها بالاشتغال على الطريقة التي أشارت بها النصوص العربيّة إلى الساسة في الدين الإسلاميّ. وقد ولّد هذا الالتزام جملة من الأسئلة منها: هل اكتفت المصادر العربيّة بوصف الإسلام السياسيّ عندما أخبرت عن الساسة؟ أم ذكرت السلوك السياسيّ بقطع النظر عن كون صاحبها خليفة أو أميرًا؟ أم تراها حتىّ في وصفها لهذا السلوك لم تتجرّد من وصف السلوك بوصفه سلوك راع، ممّا يؤدي إلى التعظيم والتضخيم أو التقبيح والاتّهام، فيخفي الحكم المعياريّ حقيقة السلوك؟ وهل خطاب الآداب السلطانيّة يذكّر السائس بسلوك مثاليّ، يجب أن يتحلىّ به كلّ مسلم، أم هو يضع سلوكًا لمسلم متميّز عن بقيّة المسلمين؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، قسّمت الباحثة كتابها إلى فصول ثلاثة؛ فتحدّثت في الفصل الأوّل عن الملك الشرعيّ؛ في تأليه السياسيّ وقداسة الملوك. أمّا الفصل الثاني، ففيه تناولت بالدرس السلوك اليوميّ والاحتفاليّ؛ في مسرحة الدين، في حين خصّصت الفصل الثالث الأخير من بحثها للحديث عن تقريب العلماء في شرعنة السلطة.

لقد نظرت سهام الدبّابي في الفصل الأوّل من بحثها في طبيعة الحكم الشرعيّ عند المسلمين وفهم الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم الملوك للحكم بما أنّه تفويض من الله، فلا:" أحد من الحكّام في التاريخ الإسلاميّ استغنى أو كان بإمكانه أن يستغني عن إعلان التمسّك بالدين، لأنّه لا أحد منهم كان يستطيع أن يلتمس الشرعيّة لحكمه خارج الإعلان عن خدمة الدين والرفع من شأنه."[3] وهو ما فعله الأمويون والعبّاسيون والفاطميون بدرجات مختلفة، فذكّرتنا بإذاعة الأمويين أنّ خلافتهم تقليد من الله، وأنّ ملكهم بقضاء منه وقدر، وأنّهم يعملون بإذنه طائعين موحّدين، وأنّهم أحسن المسلمين دينًا، لأنّهم يجمّعون أمّة شقّت فيها عصا الطاعة.[4] والثابت أنّ معاوية بن أبي سفيان هو أوّل من وظّف علاقاته الدينيّة مع الرسول لاستمداد القوّة لسلطته بحديثه عن كساء الرسول له قميصًا، وتلك الأحاديث التي روت عن إهداء الرسول له قلمًا وسهمًا وسفرجلاً. وقد حرص الأمويون من بعده على هذا البعد الدينيّ، ولا سيما في الخطب التي يتولّون بها السلطة أو البيعات، مثلما فعل يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز والوليد بن عبد الملك الذي قال: إنّ الله قلّده طوق الخلافة، واختاره لتوثيق دينه والذبّ عنه." وقد جاء في بيعة أبناء الوليد أنّ الله أراد أن يكون الخلفاء ورثة الأنبياء.

وصفوة ما يمكن أن يُستنبط من هذا الفصل، تتبّع الباحثة خطب الأمويين التي تحثّ على طاعة السلطان، وتهدّد المنشقّ بالويل والثبور والعذاب الأليم، ثمّ واصلت هذا النهج مع خطب العبّاسيين وعهودهم ووصاياهم، الذين اشترطوا الطاعة أساسًا من أسس إقامة حقّ الله وعدله؛ فبالطاعة تقام فرائض الله وحدوده وشرائع الإسلام وسننه. وقد خاض العبّاسيون في سبيل ذلك معارك سياسيّة وفكريّة عنيفة ضدّ العلويين، وسخّروا لها رجال الفكر وأهل السياسة واتّهموا من عاداهم بالزندقة أو التهتّك أو خلع ربقة الخلافة. فتخلّص المنصور من الراونديّة، وقتل موسى المهدي من الزنادقة جماعة، وأمعن المهدي في تعذيبهم وقتلهم، واضطهد المأمون العلماء، وأوثق في الحديد من رفض القول بأنّ القرآن مخلوق، واضطهد المعتصم المعتزلة وغير ذلك كثير.[5]

ولم يشذّ الفاطميون عن الأمويين والعبّاسيين في تأكيد مفهوم الطاعة وربطها بالإمامة، وكلّ رافض للإمامة عندهم رافض للطاعة خارج عن الملّة تائه ضائع وموته موت الكافر المنافق؛ إذ الإمام مثل رسول الله بشير ونذير وهبه الله السلطة وميّزه عن العباد.

تستنتج الباحثة أنّ مصير الأمّة الإسلاميّة كان مرتبطًا بعد وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بالخلافة، وارتبطت الخلافة بوحدة قريش ثمّ صارت مع التطوّر في المطامع والمغانم قميصًا يلبسه الله من يريد قائمة على المبادئ التالية:

- مبدأ التفويض الإلهيّ.

- مبدأ الطاعة المفروضة.

- مبدأ عدل الراعي وإحسانه.

- مبدأ التخلّص من كلّ مهدّد للخلافة.

أمّا في الفصل الثاني، وهو فصل السلوك اليومي والاحتفالي؛ فقد اهتمّت فيه الباحثة بما سمّته مسرحة الدين، ومنها ما يمكن نعته بتلك القوّة الخارقة والغامضة التي يمتلكونها أو الكاريزما التي يحنّ إليها اللاوعي الجماعيّ، فيجعل الخليفة العبّاسي مثلا، وهو يجلس على عرش الملك:" على رأسه معمّمة سوداء رصافيّة، ويتقلّد سيف النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم، ويجعل بين مخدّتي الدست على يساره سيفًا آخر، ويلبس خفًّا أحمر ويضع بين يديه مصحف عثمان رحمه الله... وعلى كتفيّه بردة النبيّ صلىّ الله عليه وسلّم."[6]

ما من شكّ أنّ السائس يستمدّ هيبته من الرموز اليوميّة النبويّة، مثل العمامة والسيف والبردة والقضيب لترتبط صورته بصورة النبيّ الكريم، وارتداء ثوب الرسول فيه رغبة في الإيحاء بالتحليّ بصفاته وسلوكه وأدواره، لذلك يلبسها الخليفة عند البيعة ليحافظ على وحدة المجتمع، وينشر بينهم الخشوع والهيبة والطاعة، وهو المطلوب والمرجوّ من كلّ هذه الطقوس. هذا إضافة إلى التلقّب بلقب خليفة رسول الله أو أمير المؤمنين، أمّا كلمة أمير، فلا دلالة دينيّة لها لذلك كانت تستعمل للمبعوثين أو القائمين على أمور الناس في الأقاليم. وقد حبّذ الساسة والملوك ألقاب دينيّة مختلفة، مثل تلقّب معاوية بالناصر بحقّ الله واليزيد بالمستنصر، وعبد الملك بالمؤثر لأمر الله. أمّا في بلاد الأندلس، فلقّب عبد الرحمن بن محمّد بالناصر لدين الله وهشام بن الحكم بالمؤيّد للّه. ناهيك عن احتلال لقب المهديّ مكانة بارزة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأدائه دورًا مهمًّا في التاريخ السياسي والديني.

تتحدّث الباحثة كذلك عن إكساء الكعبة والطقوس الخاصّة بها، وكتابة اسم السلطان على الكسوة، إضافة إلى بناء المساجد والعناية بها لما لها من أهميّة في إكساب السلطان مهابة وقداسة؛ ففيها يصلي الجمعة وفيها يحتفل بصلاتيّ العيدين، فليس أحسن من العيد للظهور بمظهر الحافظ للدين والساعي إلى صلاحه والملتزم بتعاليمه التي ألفها الناس، وبقدر ما يمسرح الدين في العيد بقدر ما يظهر سلوك الطاعة والالتزام بالهويّة الدينيّة والثقافيّة.

تستنتج الباحثة بعد ذلك أنّ إسلام الساسة في المصادر الأدبيّة ليس إسلامًا يحدّد علاقة الفرد بربّه فحسب، وإنّما هو أيضًا إسلام تواصليّ يحقّقه التفاعل مع بقيّة مكوّنات المجتمع، ومن خلاله تتحدّد صورة السائس وتكتسب قداستها.

وما يلفت الانتباه في ما قامت به الباحثة سعيها الدائم إلى تبيّن الأبعاد الرمزية للمتخيّل الإسلامي السياسي في توظيف السلطة السياسية القائمة؛ أي بنو أميّة متمثلين بمعاوية، الأحداث الدينية؛ أي جسد الرسول محمّد صلى الله عليه وسلم كأظافره،...إلخ، لكسب تأييد العامة.

أمّا في الفصل الثالث آخر فصول الكتاب، ففيه تناولت سهام الدبابي الميساوي بالتحليل مختلف الأشكال التي اعتمدتها السلطة السياسية لإضفاء مشروعية دينية على ممارساتهم القمعية، وذلك من خلال تقريب العلماء والرفع من مكانتهم، لينشأ ما يمكن نعته بعلماء السلطان، وهم طبقة من الفقهاء تقرّب إليهم العبّاسيون خاصّة، ليكسبوا من خلالهم جلالاً وهيبة لحكمهم، وليضمنوا ولاءهم وقدراتهم التأثيريّة في العامة. تعدّد الباحثة أمثلة كثيرة على ذلك عند الأمويين والمرابطين، ولكنّها تقف خاصّة عند الفترة العبّاسيّة، لتلحظ تلك الحظوة المميّزة لعلماء السلطان، حتىّ أنّ الكثير من الفقهاء عُيّنوا قضاة وولاة ووهبوا المال الكثير، وكانوا يؤمون الناس في المساجد ويعظونهم ويرشدونهم، فيصيرون بذلك وسطاء بين العامّة والسائس، يعرّفونهم بأفعاله ويقدّمون للناس مآثره وتعظيمه للشريعة.

والحاصل، أنّ تقريب العلماء استقرّ في المتخيّل السنيّ رمزًا من رموز الحرص على الإسلام وتعظيمه لذلك، تذكر الباحثة حوادث شهيرة عن خروج بعض الفقهاء عن السلطان وصراعاتهم التي تعلن في كثير من الأحيان عن تحرّر المثقّف من ربقة الاستبداد السلطانيّ ورفضه الاستبداد.

ويفضي النظر في الإسلام السياسيّ بالباحثة إلى اعتبار إسلام الملوك إسلام ممسرح، إذ الفصل فيه بين الجسد السياسيّ؛ أي الملك، والجسد الدينيّ؛ أي الخليفة أو الإمام، والجسد المقدّس(Sacre mental) صعب، لاسيما وقد تداخلت الأجساد الثلاثة وتمازجت لترسم صورة السائس المسلم.


[1]- لقد أثمر هذا المشروع – ضمن السلسلة التي ذكرنا- جملة من الإصدارات المهمة، نذكر منها: الإسلام السني لبسام الجمل، والإسلام الخارجي لناجية الوريمي بوعجيلة ،وإسلام المتكلمين لمحمد بو هلال، والإسلام الشعبي لزهية جويرو، والإسلام الحركي: بحث في أدبيات الأحزاب والحركات الإسلامية لعبد الرحيم بو هاها، وإسلام الفلاسفة لمنجي لسود، والإسلام في المدينة لبلقيس الرزيقي، والإسلام"الأسود"جنوب الصّحراء الكبرى لمحمد شقرون، والإسلام الآسيوي لآمال قرامي، وإسلام الفقهاء لنادر الحمامي، وإسلام المتصوفة لمحمد بن الطيب، وإسلام المجددين لمحمد حمزة، وإسلام عصور الانحطاط لهالة الورتاني وعبد الباسط قمودي وإسلام الأكراد لتهامي العبدولي، وإسلام الساسة لسهام الدبابي الميساوي.

[2]- هناك اختلاف بين تصوّر كتب الأخبار والأدب عن الساسة والملوك، وتصوّر كتب الفقه عن المسألة ثمّ إنّ صورة الملك ذاتها تختلف بين المصادر الشيعيّة والمصادر السنيّة، وأشهر الأمثلة على ذلك صورة بني أميّة التي يبدو فيها التباين جليّا بين المصدرين.

[3]- محمد عابد الجابري: الدين والدولة وتطبيق الشريعة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996، ص 62

[4]- تحيل الكاتبة في ذلك على ابن خلدون وعلى البلاذري في الأنساب والأشراف.

[5]- تحيل الباحثة في ذلك على ابن الجوزي في كتابة المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، نشر دار الكتب العلميّة بيروت، 1962

[6]-أبو الحسن هلال الصابي: رسوم دار الخلافة، دار الرائد العربيّ، بيروت 1986، ص ص 90-91