إسلام تحت الطلب: تشكيل السلوك والتفكير الديني حسب الاحتياجات والتوقعات

فئة :  مقالات

إسلام تحت الطلب: تشكيل السلوك والتفكير الديني حسب الاحتياجات والتوقعات

لا يمكن بناء التدين وتفسير الدين بمعزل عن الخبرات القائمة لدى الأفراد والمجتمعات والاحتياحات والتوقعات لديهم؛ فالتدين منتج حضاري اجتماعي يعكس الحالة السياسية والاجتماعية للمتدينين، ولكن هذا التشكيل البشري للدين يأخذ في أحيان كثيرة اتجاهات متعسفة تقحم الدين في صراعات معقدة، ويمكن في هذا السياق فهم وتفسير تشكلات تاريخية كثيرة وصراعات سياسية أخذت صيغًا ومذاهب واتجاهات دينية.

ويمكن اليوم، في الصراع القائم في سورية، ملاحظة كيف يتم استحضار الدين في الصراع لدرجة أنه لم يعد ممكنًا تحليل الموقف الفكري والديني لأطراف الصراع، ويتساءل المراقب بحيرة، أين يقف الدين؟ أو بألم أكثر، ما هو الدين؟

كان عصام البرقاوي أبو محمد المقدسي الموجه الفكري المؤسس للتيار القتالي في الأردن، المجموعة التي سميت ببيعة الإمام، وكانوا يسمون أنفسهم جماعة الدعوة والجهاد، وقد سجن أبو محمد ورفيقه أبو مصعب عام 1995، على خلفية قضية كانت تبدو ضحلة وغير خطيرة، وقد كانوا مجموعة صغيرة، كبرت الجماعة في السجن وانتشرت بين المساجين المقبوض عليهم في قضايا جنائية، مثل السرقة وهتك العرض، وهذه قصة أخرى، ولكن القصة هنا أن أبا محمد تغير كثيرًا وأجرى مراجعة طويلة للفقه القتالي، واتجه مقتربًا من الوسطية أو الفهم العام للمسائل الدينية الذي استقر عليه فقهاء الأمة وغالبيتها، ولا أعني أن ذلك هو الصواب. وخرج أعضاء الجماعة في عفو عام، ثم ازداد انتشار الجماعة وتأثيرها في الأدن وسورية والعراق. أما أبو محمد فنبذته جماعته، وأعادت السلطة اعتقاله، ومنذ سنوات طويلة يقبع في السجن في قضايا لا تستحق أن يسجن عليها، أو يمكن التسامح معها، وفي الوقت الذي يقبع فيه في السجن فإن قادة ودعاة القتال والتشدد في حرية وتحت الضوء وفي وسائل الإعلام، حتى من هم في السجن منهم، مثل أبي قتادة، فيصولون ويجولون كأنهم أباطرة.

وقد نشرت صحيفة الحياة قبل سنوات قليلة تصريحًا لـ أبي قتادة بأنه كان يتعاون مع المخابرات البريطانية، القصة هذه ليست مهمة أهمية الفكرة المؤسسة في هذه الفوضى بمعناها العلمي وليس الاجتماعي؛ فالأفكار الدينية تعكس دائمًا وبالضرورة احتياجات وتوقعات فئات ومصالح وطبقات.

إن تأثير كل من أبي محمد وأبي قتادة وأبي سياف وحضورهم مستمد من احتياجات وتوقعات المصالح والجماعات المعنية، وليس من فقه وعلم مجرد، وفي يوم ما عندما تتشكل مؤثرات مجتمعية أو مصالح سلطوية حول الاعتدال سيرتفع شأن أبي محمد وينحسر أبو قتادة أو يتغير. وهذا ما حدث بالفعل، فإن وسائل الإعلام تنشر اليوم رسائل مسربة من أبي محمد إلى الجماعات الإسلامية يدعو فيها إلى التروي والاعتدال النسبي بالطبع، بعدما صارتبعض جماعات القتال الجهادية في سورية أكثر إجرامًا من النظام السوري نفسه.

تبدي الأحاديث الصحفية والإعلامية، التي قدمها أبو محمد المقدسي، أن الرجل أكثر اعتدالاً من بعض نواب الإخوان المسلمين وقادتهم، إلا أن الفرق بينه وبين كثير من الإسلاميين هو أنهم يفكرون مثل شكري مصطفى، لكن سلوكهم السياسي والعام براغماتي، لا علاقة له بالمبادئ والأفكار.

وقد كنت أفضل شخصيًا، لو كان لي رأي يسمع، أن يتجنب عصام أبو محمد المقدسي، أو يُجنب، الظهور في وسائل الإعلام، ويمضي فترة كافية من الاسترخاء والمراجعة والحوار الذاتي والجماعي. وأعتقد أن الرجل، على الرغم من الخلاف الكبير بينه وبين السياق العام للفكر الإسلامي، يبدي وضوحًا في التفكير والقبول بالعمل السلمي. وربما لو أتيحت له فرصة كافية من الحرية، وشارك في حوارات موسعة مع علماء ومفكرين يختلفون معه، فإنه قد يقبل بإجراء مراجعة شاملة لأفكاره ومواقفه، مثلما جرى في أوساط الجماعات الإسلامية السلفية والقتالية في مصر والخليج واليمن.

عندما قدم المقدسي إلى المحكمة في قضية بيعة الإمام عام 1995 حكم عليه على أساس الانتماء لتنظيم غير شرعي، وحيازة سلاح غير مرخص، لكنه لم يتورط مباشرة في عمل عسكري إرهابي. وعندما اعتقل مرة أخرى في أواخر العام 2001 برأته محكمة أمن الدولة، وهو يبدي بوضوح وعلانية معارضته للعمل العسكري غير المنضبط بشروط، أعتقد أنها شروط غير متوافرة أبدًا، ويرفض قتل النساء والأطفال، والمخالفين لمجرد مخالفتهم، وغير ذلك من الأعمال التي تقع في العراق وسورية وغيرهما من دول العالم. وليس من المنطقي محاسبة أحد على نواياه وأفكاره البعيدة، فربما يكون معظم الذين يؤيدون ويشاركون في تسوية سياسية مع إسرائيل مستعدين لقتالها لو أتيحت لهم الشروط التي يتحدث عنها المقدسي، ولن تتردد دول وجماعات في الاعتداء والقتال والنهب والاحتلال لو أتيحت لها فرصة لذلك؛ فالسلام والتعاون ليس هواية، مثل جمع الزهور والطوابع، لكنه معادلة معقدة من المصالح والحاجات والتدافع والخوف والحكمة، وإلا لماذا وجدت المحاكم وأجهزة الأمن وأنظمة الحماية والأبواب المغلقة والأسوار وأجهزة المراقبة الإلكترونية وشركات الأمن والحراسة؟

هل يشكل أبو محمد المقدسي خطرًا يستدعي اعتقاله مرة أخرى برغم تبرئته والإفراج عنه؟ ماذا نريد من الرجل بالتحديد؟ هل نريد له الصلاح والتغير الإيجابي، أو على الأقل التوقف عن الخروج على القانون؟ لم يصدر عن الرجل بعد إطلاقه سوى تصريحات وأقوال لا تختلف عما هو منشور ويقال ويسمع كثيرًا، وهي أقوال يمكن أن تؤدي إلى اعتقال عشرات وربما مئات الآلاف، ونسمع ونرى أقوالاً ومواقف من غير المتدينين، بل من غير المسلمين، أكثر تطرفًا من أفكار أبي محمد المقدسي.

هل ثمة فرص لمواجهة التطرف وتشكيل حالة من الاعتدال، وتخفيف الأحقاد والاحتقانات؟ إذا كانت هذه الفرص ممكنة، فهي بالتأكيد تقع في سياق مشروع كبير للإصلاح والحوار والانتماء والمشاركة والتسامح والحرية والتأهيل المجتمعي، وتطوير التعليم والمناهج ووسائل الإعلام. وهناك حللا يكلف الدول والأنظمة السياسية شيئًا، وهو كفيل بحل كل مشكلات الإرهاب والجريمة والفساد والفقر، إنه العدل، فعندما تتاح الفرص بالتساوي أمام المواطنين للحصول على التعليم والعمل والرعاية الصحية والاجتماعية، وعندما يتنافسون بعدالة على الوظائف والمناصب، في القطاع العام والخاص، وعلى المكتسبات والموارد، ويؤدون الواجبات بالتساوي، فإن أفكارهم وطموحاتهم ستتجه تلقائيًا نحو الوسائل السلمية والقانونية، وإن بقيت بعد ذلك قلة من المغامرين المنحرفين فهي مسألة يمكن السيطرة عليها، وستكون بالتأكيد أقل أهمية بكثير من حوادث المرور.

وربما لو أتيحت لأحمد الخلايلة أبو مصعب الزرقاوي، بعد خروجه من السجن عام 1999 بعفو عام، الفرصة للعمل والاستقرار لبقي في الأردن، وتحول إلى مواطن، مثل غيره من الإسلاميين الذين يجدون الفرصة في البلد للعمل والعيش والتفكير بقدر معقول من الحرية والتسامح، وربما لو لم يفصل الشيخ عبد الله عزام من الجامعة الأردنية عام 1980 لبقي في الأردن، وكان أحد أهم العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي.

والغريب أننا في الأردن، نقوم بمشروعات رائدة في التسامح والاستيعاب، ثم نضربها بعمل يمكن تلافيه؛ فعبد الله عزام كان أحد الشباب العامل في معسكرات الفدائيين العام 1970، ثم أرسلته حكومة وصفي التل في بعثة دراسية، فعين في الجامعة الأردنية، والخلايلة الذي تلقى عفوًا كان يحتاج فقط إلى فرصة بسيطة، يمكن لشركة صغيرة أو بلدية الزرقاء مدينته، فضلاً عن الحكومة ومؤسسات المجتمع، أن توفرها له.