إسلامية المعرفة واستدراكات "محمد أبو القاسم حاج حمد" على المفهوم

فئة :  مقالات

إسلامية المعرفة واستدراكات "محمد أبو القاسم حاج حمد" على المفهوم

إسلامية المعرفة واستدراكات "محمد أبو القاسم حاج حمد" على المفهوم


مدخل:

يُعد المفهوم الذي يلقي به حاج حمد في وجه الأطروحات التجزيئية غايةً في التركيب والتشكّل، لأنه تولّد من اطّلاع واسع على النظريات الفلسفية والعلمية الغربية من جهة، والنظريات التراثية في أفقها التاريخي المفتوح من جهة ثانية، إذ يقول: "إسلامية المعرفة عنوان مركب من "إسلامية" و"معرفة"، في حين أن "الإسلامية" فيما يراها الناس "تخصص ديني" في مقابل "معرفة" هي عامة غير قابلة للتخصيص، وليس التخصيص الديني، وإنما تتسع لعديد من المناهج وتستبطن العديد من الإيديولوجيات، فتركيب المعرفة على الإسلامية يحمل تخصيصًا وتحديدًا بوصف هذه المعرفة الإسلامية مفارقة لغيرها على مستوى المناهج الأخرى...قد تمت مصادرة المعرفة العامة بأشكال مختلفة لما هو خاص، فهناك المعرفة المادية الجدلية التي تأسست على فلسفة العلوم الطبيعية باعتبارها تطورًا ماديًا جدليًا للمدارس الوضعية الكلاسيكية...وكذلك إسلامية المعرفة التي تأتي لتصادر بدورها المعرفة البشرية العامة لتحتويها فلسفيًا ضمن التخصص الإسلامي، مع اعتبار الفارق الأساسي في قاعدة المفاهيم."([1])

يكشف لنا هذا التناول عن يقظة معرفية مكينة، لعنايته الشديدة بضبط المفهوم بخصائصه، ومناقشة الأفكار المناجزة للمفهوم، أي أنه سعى إلى الجمع والمنع في آن معًا، فالإسلامية عملية تخصيص مفهومي ومنهجي، على هدى قاعدة تصورية تقيم الوجود وتنظر إليه حسب جملة مشروطيات نابعة من الأصول الاعتقادية للرؤية التوحيدية، المتسمرة في صعيد التناول الديني للحياة وعناصرها، تمامًا كما هو الشأن قياسًا إلى التناولات الوضعية وسقفها الماركسي، فهي في التحليل الأخير شرط للمعرفة وفق منظور ورؤية مادية جدلية وجدلية تاريخية، تضمن مذهبيتها في ثنايا البناء المعرفي المضاهي للبناء الوجودي، ولا تكتفي بعملية المصادرة الجزئية، بل تنخرط في مواجهة جذرية شاملة تستبد بكل محتويات النظريات المتاحة على صعيد العلم البحت كما يقال، وفي نطاق الأنساق الفلسفية وقضاياها. أي أن الأسلمة ليست بدعًا من محاولة التعاطي مع المعرفة ونتائجها بتسديد قيمي متأصلٍ قائمٍ على أرض منطقية حبلى بالمعنى الميتافزيقي. إن الفارق، حسب تقديري، ليس في حيادية المعرفة المتلبسة بهذه الخصيصة أو تلك، بمقدار كفاءة هذه النظرية وذاك التخصيص في منح الوعي الإنساني الانطلاق المتوازن المشبع بتسديدات إنسانية مشدودة إلى معنى متجاوز، يستحضر المقصد النفعي، كما يحيل على البعد الالتزامي.

1- مفهوم الأسلمة في نطاق تجاوزي:

وأبلغ الجديد الذي عمل حاج حمد على إضفائه على مضامين الأسلمة هو دأبه المستميت في إظهارها مولدة للمعرفة ومنتجة لها، قياسًا إلى منطق قرآني مصور للحضور الجدلي للفاعلية الثلاثية، كما عمد إلى نقلها إلى مجال مناجزة المنطق العلماني المادي الفصلي، "أسلمة المعرفة تعني فك الارتباط بين الإنجاز العلمي الحضاري البشري والإحالات الفلسفية الوضعية بأشكالها، وإعادة توظيف هذه العلوم ضمن ناظم منهجي ومعرفي ديني غير وضعي، فهنا استيعاب ثم تجاوز يؤدي لمفهوم مختلف." ([2]) وقد قلبت النقلة النوعية التي أحدثها التعريف السالف الأسلمة رأسًا على عقب، من مجرد عملية تركيب تعسفي، يجمل النصوص والمضامين الفكرية للنظريات العلمية بآيات وأحاديث وأقوال مأثورة، إلى عملية حضارية تستنفر جميع طاقات الوعي التوحيدي من أجل التمكن من تمثل التجربة العلمية البشرية المنبتة، ثم يعمد إلى استنباط الآليات التوحيدية المتوازنة من المرجعية المعرفية القرآنية، وبعد ذلك يتم فك الصلة بين المنجز والتفسير الكلياني المكتسح المستمد منها، لا إلى إلغاء المعلومة من حيث هي، بل وضعها في إطار تفسيري آخر، مستوعبٍ للتجربة الإنسانية، باعتبار المصدرية الإلهية للوعي التوحيدي، ودفعه في اتجاه الكشف عن قصور المعرفة المنفصلة، وانعكاساتها السلبية وعيًا وسلوكًا وحضارةً. لذا من الواجب رصفها في طريق نظم منهجي وترتيب مفاهيمي مختلف، أي إقامته على قاعدة رؤيوية مستحضرة للغيب، ومؤكدة علميًا على فاعليته في الطبيعة والإنسان، مما يدل على قوة الطرح المعرفي للفلسفة التوحيدية، في مقابل الوضعية أو اللاهوتية.

ولّد المعنى الوضعي للمعرفة فلسفة "قاصرة أفرزت منهجًا وضعيًا ماديًا يفترض أن الكون وحركته إنما هما جدل الإنسان والطبيعة فقط في معزل عن الخالق العظيم، وتجاهُل البعد الغيبي أدى بهذه الفلسفة ومناهجها إلى التوقف عن الامتداد...وإسلامية المعرفة هنا تحاول أن تعيد توظيف هذه العلوم في إطار منهجي يستحضر البعد المغيّب "الإيمان بالغيب"، ليدرك الإنسان، آنذاك، أن ما يجري في الكون إنما هو ناتج جدل بين الله "الغيب الطبيعة" والإنسان. وإضافة هذا البعد كفيلة بإعطاء فلسفة هذه العلوم امتدادًا كونيًا وغائية، يعطيها القدرة على التركيب والتفكيك، وبذلك تخرج من أزمتها."([3])

إن الشاهد التاريخي الدال على وقوع التجربة الحضارية الغربية الصادرة عن المعنى المادي للرؤية المعرفية، هو توالي الظواهر الاجتماعية والنفسية والسلوكية والثقافية المعبرة عن أوضاع من التنابذ والاستعلاء والصراع التاريخي في شكل أطروحات شمولية لاغية للخصوصية والتفرد، ثم الانقلاب عليها بتركيز التفرد المطلق إلى غاية. وقد تاهَ كل شيء واضمحلّ أمام أنماط حضارية كاسحة، ثم أخذت الطبيعة تبوح أخيرًا عن مكنون التراكم السلبي الناشئ عن ممارسات معرفية وعلمية، ترجع أصولها التشكّلية إلى قرون خلت، تبلغ الستة أو تزيد. ويتراءى عمق المشكل تاريخيًا في بروزات اجتماعية وسياسية دلالة على تأزّم بنيوي نابع من الرؤية الوجودية أولاً، ثم من الرؤية المعرفية المنبثقة من السابقة، ومن القيمية وطبيعة الحكم على الحياة ومظاهرها ثانيًا، وشكّل تولد الأزمة وطريقة التخلص منها، إمعانًا في تكريسها وليس مبارحتها. فليس الغيب مجرد مقولة ميتافزيقية، كما قد يرد على حسبان البعض وتقديرهم، فهو حواصل طاقة ومُكنة تفصح عنها العلل الكونية والظواهر الإنسانية، وقبلها المدونات المتعالية المملوءة بتسديدات وموجهات تفترض مسارب الحضور الأنطولوجي والممارسات الحياتية المتنوعة، كما تفترض أشكال الأوضاع المفارقاتية جراء الانبتات عن التسديد والرضا بالمغامرة المعزولة، وتقترح آليات تلافيها، أو وصفات تجاوزها حال الوقوع فيها.

وعليه فإن أسلمة المعرفة "مواجهة جذرية تنقل الفكر الإسلامي إلى عمق المأزق الحضاري العالمي لأنها تعني طرح الوجه الفلسفي المقابل [للناظم المنهجي والمعرفي] الذي تستمد منه الحضارة المعاصرة تركيبتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، والتي تتجسد بأشكال مختلفة في توجهاتها الوضعية بمناحي مادية أو مثالية أو انتقائية."([4]) يخرج التعاطي الأولي مع الفهم الشاخص ضمن الفقرة السابقة بانطباع أن الأسلمة مواجهة وصراع ينمّان عن عجز حضاري، اضطر أهله إلى إظهار ردات فعل مربكة، قادتهم إلى الرغبة بالانتقام وليس الفهم والاستيعاب، لكن الممعن يخرج بتصور أعمق وأرسخ مفاده أن العالم، كما وصفناه، في أزمة حضارية عارمة، وإن تنوعت تجلياتها بحسب المستوى التاريخي للمجتمعات، مما يفيد جدوى إيجاد البديل في أفق الوعي ومرجعيته، ثم في النظم الرؤيوية، ولم لا في إجرائياتها التدبيرية. وهذا دليل على أهمية الأسلمة حضاريًا، لأنها تمكّن الفكر الإسلامي المنتج بمنطق قرآني، بمواصفات المدرسة الجدلية الجمعية، وبروح الإبستمولوجيا الكونية، من تعرية الوجه الفلسفي للحضارة الغالبة آنًا، وتشكيل وجه فلسفي آخر ذي خصائص إنسانية، وبمنطق كوني غائي ينفي الأبعاد الكاوسية العدمية عن الوعي المعاصر وتجلياتها حتى في صفحة الطبيعة، التي أضحت ترجمانًا وفيًا لأزمات الثقافة الفاصلة والقيم العلمانية المتمكنة.

والآكد في خضم المناجزة الحضارية السالفة بعدتها الفلسفية والعلمية تفسيريًا وليس بالتطبيق المادي المباشر، أن الأسلمة تتعدى المعرفة المفتوحة بميادينها المختلفة إلى العلم المباشر، وذلك لأنها تعني "أسلمة العلم التطبيقي والقواعد العلمية أيضًا، وذلك بفهم التماثل بين قوانين العلوم الطبيعية وقوانين الوجود المركبة على أساسها القيم الدينية نفسها. وبذلك تتم أسلمة الإحالات الفلسفية للنظريات العلمية بحيث تنفي عنها البعد الوضعي وتعيد صياغتها ضمن بعدها الكوني الذي يتضمن الغائية الإلهية في الوجود والحركة...فليس الأمر مجرد خلاف حول مباحث علمية معينة بوجه مقولات علم الاجتماع أو الإناسة أو التطورية المادية مثلاً، فالأسلمة تخوض معركتها في عمق المضمون الحضاري الذي يأوّل هذه الأسس العلمية تأويلاً وضعانيًا وماديًا، فأضفى عليها قصورًا مناقضًا لأصولها التكوينية، فلا بد من إعادة فهم مدلولات القوانين الطبيعية نفسها."([5])

ومن المؤسف أن الدراسات التي تكتب حول إسلامية المعرفة تستحضر آن تأليفها، تلك المسوخ التلفيقية التعسفية، وتذهل عن مشروع حاج حمد ولا تدرك أهميته الإبستمولوجية، فالتمعن فيما أوردناه يجلي عن أفق تحليلي مكين، يحوز طاقة تفسيرية نوعية، إذ الأسلمة تزعم أن القوانين التي صيغ بها أنموذج الوجود تقوم على أسس بنائية الكون ذاته بالإحالة إلى البعد التخليقي ابتداءً، ثم التشييئي تاليًا، وذلك لأنها قامت على وضع وترتيب سابق وملازم وتالٍ، وقد دفعها العطف العلماني المادي للتفسيرات الفلسفية والعلمية إلى تشكيل منظومة قوانين تنكر الإلهية والرحموتية في بناء الظواهر، وتنكر على الإنسان خصوصيته وكرامته، وتتعاطى مع كل شيء بروح مادية أفضت إلى عقد في طبيعة المعرفة العلمية ذاتها.

فالأسلمة عملية ثقافية مركبة تكشف "أشكال التحيز المعرفي في مسلمات وفروض وزاويا النظر والمقاصد ومناهج البحث وصياغات القوانين في العلوم البحتة كالفيزياء، والعلوم التطبيقية كالهندسة والطب...ميادين علومها كما تتبدى في أسئلته الرئيسية: في العقائد الفلسفية وراء صياغة قوانينه، والتعصبات القومية وراء مسلماته وفروضه، في ضوابط وحوافز البحث فيه، في مواضيعه وقضاياه ومراكز اهتمامه، في معايير صدقه وقيم نجاحه وطموحاته...التحيزات...في النماذج الفكرية المعقدة، في النماذج الرياضية المعلبة الجاهزة الاستخدام، في اللغة الرمزية المغتربة، في الكهانات المبهرة للأرقام والمنحنيات، في الأجهزة والماكينات والحاسبات...كل هذا النقد والفضح والكشف شرط ضروري للانعتاق من أغلال التحيز لكنه غير كافٍ، فالوعي بالباطل يتطلب أن يتولى اجتنابه."([6])

2- العلم والمعرفة بين دعوى الحيادية، وتلبس التحيزات الميتافزيقية:

رب مستدرك يقر أنها علوم بحتة، فكيف لها أن تتضمن كل تلك الولاءات والمضمنات العقَدية الحاملة للرؤية الوجودية الخاصة بهذا المجتمع أو ذاك؟ وتكون الإجابة عن السؤال بالتوجيه إلى تاريخ العلم ذاته، "..واضح الآن أنني أرى أنه لا يوجد تصور خالد وكوني للعلم أو للمنهج العلمي...إننا لا نتوفر على أي وسيلة تتيح لنا هذه المرحلة والدفاع عن منظور كذاك...إن أفضل طريقة ينبغي اتباعها من أجل التوفر على وسائل لتحويل وضعية ما...فهم الوضعية والتحكم في الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك التحول. وهذا العمل سوف يتحقق، بكيفية عامة، بالتعاون"([7])

إن اللازم نظريًا من الوضع المصادر سابقًا، أن التحليل ميّال إلى النسبوية وينظر إليها، في حين أن بغيته بناء وعي متوازن، يتناول نتاج العلم على أنه ظاهرة تاريخية إنسانية قابل للخطأ كما هو عرضة للصواب أيضًا، لذلك فإنه في مستطاع الإطارات الثقافية أن تعمد إلى بنائه وتأويله وتحويله باستمرار، والقوة التي تحوزها نظرية ما، أو مقابلتها، ليست بمقدار صياغاتها وترميزاتها، بقدر قدرتها على منح تفسير وجودي مقنع، وتبرير للفاعلية الإنسانية غير الطاغية وغير المنعكسة سلبًا على أداءات البشرية بالنقض والهدم، وتزال ثقافتنا العربية الإسلامية غاصة للأسف بدعاة عالمية وكونية وإنسانية العلم والمعرفة المنبثقة عنه، بطرح إطلاقي أممي شمولي لا يكترث بالخصوصيات ولا يأبه بالاعتبارات الثقافية والأيديولوجية القائمة خلف الصياغات النظرية ونظمها لمعارفها في مقابل نضدها للعالم وتأثيثه. "لذلك فإن العلم لا يكون إلا أمميًا دائمًا. فهو ثمرة تعاون الحضارات المتوالية وتنافس الحضارات المتساوقة...ومعنى هذا أن العلم أممي من حيث مضمونه وأممي من حيث شكله، أعني خبرة الأمم المتعلقة بتنظيم المعلومات وتسجيلها وتبليغها، وذلك هو المستوى النظري من العلم."([8]) لو كان المسعى التنظيري للمعنى المتضمن في النقل أعلاه، يتجه إلى الإقرار بتضافر المجهود المعرفي الإنساني في بناء هرم العلم وتشييده، كل مرحلة بما أدخلته في مضمار السيرورة التي كشفت عن العلم ونظرياته، لما كان حول الطرح مشاحة، أما وقد أعلن أممية الشأن العلمي مضمونًا وشكلاً، أي نظريات ومناهج وتطبيقاتهما، فهذا في حسبان التحليل ما يؤكد الزعم الوضعاني في كونية العلم ومترتباته الحضارية، خاصة تجاوز المراحل الطفولية للبشرية، والانقذاف في أحضان التجربة العلمانية وتفسيراتها وتقييماتها، وإن لم يكن الأمر كذلك فكيف نفسر أن العلم سرعان ما يستحيل عبر تاريخه إلى فلسفات تكشف عن ميتافزيقا قارة خلف القوانين والأحكام العلمية المستمدة من روحها التجريبية، كما هو في الصيغة الغربية للمعرفة العلمية ونظرياتها، أو الطابع الماهوي الأجناسي النوعي في التنظير الإغريقي، أو حتى التأطير اللاهوتي الغالب على الممارسة القروسطية، في أوروبا؟

وقد كان العلم ولا يزال "نشاطًا انتقاليًا ونتاجًا مرحليًا يمضي في تقدمه على رغم الاختلافات اللغوية والمنافسات القومية، بل ربما بسببها. ولذلك فإن هذا النشاط نشاط حضاري بالدرجة الأولى، ولا يمكن فهمه بمعناه الاجتماعي الأكمل إلا في السياق الحضاري. وهو نشاط ثقافي لأفراد وجماعات يعيشون في مجتمعين أو أكثر، عبر الزمان والمكان، وتشترك هذه المجتمعات بقبولها لبعض المسلمات الميتافزيقية الجوهرية، ولمعايير الدلالة والبرهان...وليس هناك خلفية علمية فقط...بل هناك أيضًا مجموعة أكبر من المسلمات الميتافزيقية التي لا يكون المرء عالماً دونها."([9]) ليس العلم إذن في منأى عن المسلمات والخلفيات الرؤيوية، الدالة من الناحية المنهجية والتطبيقية، رغم اتصالها الوثيق بميتافيزيقا خاصة بعناصرها المتعددة، لغوية أو تاريخية أو إثنية، والأدخل في سياق تحليلنا أنها قد تشكل حاثات قوية دافعة إلى التنافس في الإبداع، الذي يتنمط باعتبار الروح القائمة خلفه، مما يجعله متلونًا بلونها. بهذا التحليل نكون قد بررنا الأسلمة واعتبرناها نوعًا من التناول المفهومي الذي يقصد إلى إعادة نظم العالم نظريًا، واشتقاق النظم الحياتية تحت توجيهها، من غير إخلال بالكفاءة التفسيرية التي يمكن أن تهدرها النسبية العدمية.

يقول ريتشارد: "قادني البحث إلى الاعتقاد بأن ثمة نهجين مختلفين أشد الاختلاف في النظر إلى العالم قد ترسخا منذ آلاف السنين. ويتضمن هذان النهجان علاقات ونظرات اجتماعية بينهما اختلاف عميق بشأن طبيعة العالم وعمليات الفكر المميزة. وإن كلاً من هذين التوجهين؛ الغربي والشرقي، منظومة داعمة لنفسها ومتوازنة ذاتيًا، وتعزز الممارسات الاجتماعية النظرة إلى العالم عند كل منهما. كما أن النظرة إلى العالم تفرض على أهلها عمليات فكر ملائمة لها، ويلاحظ أيضًا أن كلاً من عمليات الفكر تبرر النظرة إلى العالم وتدعم الممارسات الاجتماعية الخاصة بها. وأن فهم هذه المنظومات الاتزانية له آثاره بشأن إدراك الطبيعة الأساسية للعقل، وبشأن المعتقدات عن الأسلوب الأمثل للتفكير وكذا بشأن الاستراتيجيات التعليمية الملائمة للناس على اختلاف مشاربهم."([10]) ينضح النص السالف، بمعنى فوّار يؤسس للتباين المعرفي والنظرة إلى العالم وصيغة تقييمهما على ضوء العناصر الثقافية الأولى المكونة لذلك كله، خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان أن الممارسات الاجتماعية العامة والالتزامات الفردية الخاصة تتشابكان إلى درجة يصعب فيها التفكيك بينهما، لأن هذا نتاج ذاك والعكس، في تفاعل جدلي يمنح المعنى مرة ويتلافاه أخرى. وهنا أذكر المعنى العميق الذي وصف به مالك بن نبي (1973) الثقافة بأنها: المجال الحيوي المعنوي الذي تغتذي منه العناصر الاجتماعية المختلفة وتتوحد رؤاه إزاء الظواهر المستجدة، أي أنها تتلقى ثم تلقي، في انسجام تام، يفصح عن عمق الشبكة التصورية التي تمثل المسبوقات المفاهيمية التي يصاغ العالم وينخرط فيه بها، يقول: "فالفرد كما نعلم ينمي كيانه المادي في مجال حيوي... يمنحه منذ ميلاده العناصر الضرورية لنموه؛ فكأن هذه العناصر تذوب في بنية الفرد لتنميتها، وهو انحلال يحدث بواسطة عمليات الهضم والتمثيل ودوران الدم والتنفس...ولقد يقودنا هذا التصور إلى عالم آخر يستمد منه الفرد ما يحتاجه من عناصر النمو، لا لكيانه المادي بل لكيانه النفسي. والثقافة هي التعبير الحسي عن علاقة الفرد بهذا العالم أي بالمجال الروحي...الذي ينمي فيه وجوده النفسي...فالفرد إذا ما فقد الصلة بالمجال الحيوي قررنا أنه مات موتًا ماديًا، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتًا ثقافيًا"([11])

يتأكد بتضافر المعاني السابقة لدى البحث أن المعرفة، بوصفها وسيلةَ تواصل بالعالم المحيط بالإنسان، متأثرة إلى حد بعيد بالعناصر الأولية المتناثرة والكامنة في تلقينات الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وكذلك في طرقه في فهم ما تريده الجماعة منه وما تدفعه للقيام به، في حدود تواجده الآني المباشر، وتخيله لمآل الجماعة في أفقها التاريخي، ترسيخًا لحقيقة أن شكل القبول والتلقي ينبثق منه نمط إلقاء وتعاطي، ولأن المجتمعات البشرية ليست على الشاكلة نفسها من النظم الثقافية والأطر المعرفية والمؤسسات العلمية والعقدية، لن تكون تبعًا لذلك الرؤية العلمية وتفسيراتها واحدة، وهنا تتباين عمليات التأطير الاجتماعي الحاضن للمعرفة ومؤسساتها، وهذا بعينه مدعاة لما أقبلنا عليه من تقريرات تدعو إلى الأسلمة وتحث عليها. "ومن هنا نرى أن ذاتيتنا تؤدي دورًا رئيسًا في تحديد الثقافة وفي رسم خصائصها. لكن إثراء هذه الذاتية لا يقتصر على الأشخاص والأفكار التي تكوّن المجال الروحي؛ فإن لدينا حوارًا آخر مع الطبيعة التي تنقل إلينا رسالتها، مكتوبة بأبجدية ملغزة أيضًا، هي أبجدية الألوان والأصوات والروائح والحركات والظلال والأضواء والأشكال والصور؛ هذه العناصر الطبيعية ذاتها تتجمع في نفسيتنا ثم تذوب وتهضم في صورة عناصر ثقافية، تندمج في وجودنا الأخلاقي وفي بنائنا الأساس."([12])

أكد المشرع الذي وردنا منه على حقيقة التلازم البنيوي بين المحيط بعوامله ومعطياته، وبين الثقافة وعناصرها، وكيف تصاغ إدراكاتنا للعالم وفقها، دون سلبية تجعلنا نرصد ما يتداخل معنا، بآلية أجهزة النسخ والتصوير، بل بفاعلية تنشئها تراكمات عدة، بوعي أو بغير وعي، أي باختيار، كما الشأن بالنسبة للنخبة والمنظرين والمفكرين وكبار المثقفين، أو بكيفية غامضة تفعل بغير حضور ولا بديهة، بالرد إلى قطاعات واسعة من الناس. فنحن إزاء عملية استيعاب وتصفية وتنقية، وإعادة تشكيل وتأهيل بما يتجاوب مع الروح الأنطولوجية المبرزة للوجود والموجود، بمقاييس تتباين من حضارة لأخرى. "فمنهج المعرفة المادي هو شكل من أشكال مصادرة المعرفة العامة وتخصيصها، وكذلك إسلامية المعرفة التي تأتي لتصادر بدورها المعرفة البشرية العامة لتحتويها فلسفيًا ضمن التخصيص الإسلامي، مع اعتبار الفارق الأساسي لقاعدة المفاهيم."([13]) فالمصادرة وعملية التعميم قائمة لا محالة، ولكن صمود العملية تاريخيًا وترائيها إنسانيًا، يرجع إلى قوة وإنسانية المصادرة، ونفعها العام.

3- الأسلمة والمعرفة المعاد صياغتها:

بعد أن أمعنا في قراءة المفهوم ظهر لنا أنها ليست خطرات تنمّ عن عبقرية متفردة، بل هي طموح يتجاوز قصور الوعي الإسلامي المعاصر كثيرًا، خاصة إذا استصحبنا المعنى المعرفي للقرآن الكريم، وسفرنا عن منهجيته الناظمة لقضاياه ومحتوياته المشكّلة لمضامينه، ليتسنى لها مسايرة الإبداع الإنساني والإسهام في تفتيقه وتوليده، إما بعمليات مصادرة وتوجيه إلى منطق الغائية الكونية المفتوحة، وإما بالإلماح إلى بنيويتها بقصد الإنشاء والإيجاد، "فإذا لم تستند أسلمة المعرفة إلى منهج، إلى ضابط قانوني للفكر تتحول فعلاً إلى خطرات تأملية انتقائية...وحين نقول بالأسلمة المنهجية للمعرفة فإننا لا نغفل هذا القانون الصارم، ونسد أمامنا، منذ البداية وأمام الباحثين، أيضًا ذلك النمط من [الراحة العقلية] التي تأخذ من الأمور أوسطها...فالمنهجية التي نعنيها هي خروج العقل من حالة التوليد الذاتي للمفاهيم إلى اكتشاف النسق المرجعي الذي يحاكم هذه المفاهيم نفسها ويؤطر لإنتاجها. بحيث يحكم التطبيقات في مختلف الحقول الأخرى، فالمنهج هو خلاصة قوانين تحولت إلى نظريات تحولت بدورها إلى إطار مرجعي وليس مجرد صياغة موضوعية للتفكير"([14])

إن التجاوب المنهجي السليم والقيام بإنتاج المعرفة على ضوء قواعد مؤطرة هو المهمة الإبستمولوجية للأسلمة التي تسعى إلى إقامة الممارسة العقلية على نواظم وجودية ومعرفية، مستمدة من إطار مرجعي يتحلى بالوحدة العضوية، ويقدر، بعد ذلك، على استيعاب النظريات المختلفة، ويعمد إلى إعادة تحريرها من الشروط الأولى القائمة خلف تكوينها، وتوفير أخرى أمتن وأوثق من الجهة الصورية المنطقية البحتة، أو من الجهة الأخلاقية والاجتماعية المؤثرة في السير العام. وعليه فإن "إسلامية المعرفة... أكبر من تخصص ديني عصبوي يجتزئ المعرفة الدينية ويصادرها، فهو تعبير معادل للمعرفة الكونية متى أدركنا مطلق القرآن وكونيته باعتباره مصدرًا [وحيدًا] لهذه المعرفة. وكل ما عداه مصدر جزئي...أو مصدر وضعي"([15]) يتماثل الوعي والوحي معًا في الدلالة على كونية الإنسان ومصدريته المتعالية، دلالة على أهمية إعادة دفع معارفه ونظرياته في الاتجاه نفسه، لتحقيق الحضارة السعيدة المستثمرة لما سخر، في غير اتكالية عاجزة، أو مغامرة طاغية. و"بهذا المعنى المطلق، فإن استعادة إسلامية المعرفة للعلم من براثن المادية والوضعية والعبثية والوجودية، لا يعني تكريسًا لشمولية مقابلة فيما يعرف بالنظام الديني اللاهوتي الذي ينبني على التراتب الكهنوتي واستلاب الإنسان واستلاب قوانين الطبيعة، فإسلامية المعرفة بمدادها الكوني هي أكبر من الشمولية، لأنها ليست وضعية، فكونيتها المطلقة تمنع شموليتها، ولهذا تستوعب إسلامية المعرفة كافة المناهج المعرفية ثم تتجاوزها، وكافة الأنساق الحضارية ثم تتجاوزها. وذلك بحكم عالمية الخطاب وكونية القرآن وحاكمية الكتاب وشرعة التخفيف والرحمة...فإسلامية المعرفة خصم لكل ما يستلب الإنسان خارج كونيته."([16])

إنها قواعد وخصائص ما أتينا على جلبه من مدونات حاج حمد، وقد كانت للتأكيد على التوجه المنهجي المضبوط والرغبة المنضبطة علميًا في التأسيس لعلم ومعرفة كونية مفتوحة مستوعبة للإنسانية في امتدادها، حفظًا من كل شمولية لاغية منكرة مبعّضة، تبعد هذا الجانب عن الحقيقة الأنطولوجية الثرية المتنوعة، مما يعني ضرورة اتصافها بالشاملية والكونية والامتداد، لتقدر على الاستيعاب المكين والتمثل الغائر، للإلهية المصدر، وكونية الغاية، وإنسانية الطابع...الخ بإلحاح شديد على ضرورة الوصل بين كل التراكمات التي أتينا على بنائها في خضم البحث كله، لتلمّس البنية المنهجية للطرح، وبغيتها المعرفية، وهي وسم، على كل حال، إزاء تشكيلات وضعية وعلمانية عدة، المهم أن تتاح لها أطر المعرفة المنظمة والمؤسسات الأكاديمية التي تأخذ على عاتقها تجسيد المشروع، وتحويله إلى مادة تعليمية يتلقاها الوعي المسلم والإنساني المعاصرين. لكن هل يتاح ذلك بغير تراكم معقول، وسجال طافح، وجدلية مثمرة؟

ويرغب حاج حمد بالتنبيه على عدم الربط بين بعض التجارب الشمولية الإسلامية، وبعض التفسيرات الفقهية المستلبة والمشدودة إلى أعراف أكثر مما هي مشدودة إلى دين، وبين مشروع الأسلمة، يقول: "إن ما يظهر للناس من شمولية أحادية في تطبيقات ما يعرف بالأنظمة الإسلامية والتي تدنت بالبشر إلى ما دون مستوى البهائم، إنما هو ثمرة التزاوج بين النصوص الدينية والإيديولوجيا والعرف وليست من حقيقة الدين المعرفية، فهذه الأنظمة تزن الشريعة الإسلامية القائمة على التخفيف والرحمة بميزان الشرائع السابقة...التي قامت على الإصر والأغلال...كما أنهم تحولوا بالخطاب الإسلامي العالمي الذي يستوعب التعددية والتنوع في الأنساق الحضارية إلى خطاب أحادي حصري، وربما عنصري، كما تحولوا بكونية القرآن التي تتسع وتستوعب كافة المناهج المعرفية الإنسانية وتتجاوزها لترقيتها إلى فكر أحادي يضيق حتى بأهله من ذوي التوجهات الأخرى تحت طائلة الردة والتكفير."([17])

امتزج التفسير والتناول البشري بالمصدرية الخالصة، فغشاها بركام من تاريخ مثقل بتقاليد متوارثة من أشكال حياتية متناقضة، جلبت من كل حدب أسلوب حياة ونمط معيشة، فغلب على صفاء المصدرية، ما قزّم خطابها وجعله إثنية تخاطب القوم والعائلة وتذهل عن الإنسانية الممتدة في المكان والزمان، واستمدت منه أحكام ومواقف تصرف منحتهم شرعنة لبعض مواقفهم المقيتة، فقسموا العالم إلى دار إسلام ودار حرب، حتى لو لم يتعدَّ نطاق قرية؛ فالكون كله في استنفار حتى يذعن، وأعجب الإذعان أن يتسمر عند حدود خيمة ويقف أمام عتبة بيوتات المدر القديمة، ويشنع على الباقين تمردهم باستحداث الحياة المفتوحة. وانعكس ذلك على تجاوبهم المعرفي الرؤيوي فانتهوا إلى رفض الاختلاف الفكري بدعوى الكفر والزندقة، وضاقوا بأساليب الجدة بمصادرة البدعة وأطروحتها الخطيرة في كبت الإبداع ووأده، واستحال القرآن الكريم إلى مدونة مهلكة عاجزة عن إنتاج المعارف الجديدة والمتجددة، وعن خلق آليات فهم متجاوبة مع المستوى النفسي والعقلي والتاريخي للأمة ثم للإنسانية، وهكذا أهدرت التجربة النبوية في جملة ممارسات شكلانية ذاهلة عن العمق الحضاري للنبي ووظيفته في التاريخ، لكن "إسلامية المعرفة وجدت لتكون نقيضًا لهذه الأحادية الشمولية المتخلفة التي تعيش خارج الزمان والمكان، وبذات الكيفية التي تتناقض بها إسلامية المعرفة مع الأنظمة الوضعية التي تعيش أحادية أخرى، تم بموجبها مصادرة العلم من كونية الدين ولم تستدرك الغائية الإلهية في الخلق."([18])

ونلاحظ أن ثمة معركة على جبهتين تأخذان شكلين ظاهرهما مختلف، لكن بمحتوى وحقيقة معرفية واحدة، هذه صادرت الحياة لصالح تفسيرات دينية ماضوية، وأبت عليها كل التجددات الطبيعية الواردة، وتلك أخذت العلم في حدود المحسوس واستغلته في تقريرات ثقافية مقصية للمعنى الإيماني والالتزام الخلقي النابع من الدين، ودفعت بخلاصات المعرفة العلمية في نطاق تفسيرات مذهبية جلبت مع الوقت على البشرية ويلات الفصام. "فإذا كانت إسلامية المعرفة تسترد العلم للدين، وتستوعب الوضعية وتتجاوزها تحريرًا للعلم من البوتقة الضيقة، فإنها تحرر الإنسان نفسه في ذات الوقت متآخية إلى حدود نسبية مع كافة الاتجاهات الإبستمولوجية التي حررت فلسفة العلوم الطبيعية من بناءاتها الجامدة الدغمائية وحتمياتها، وحررت فلسفة العلوم الإنسانية تبعًا لذلك من أغلالها المادية الحديدية، لتتجه إسلامية المعرفة بالإنسان إلى مقامه الكوني مستهدية بعالمية الخطاب وحاكمية الكتاب وشرعة التخفيف الرحمة استيعابًا وتجاوزًا إيجابيًا لكافة المناهج المعرفية مهما تباينت مصادرها وآلياتها، وذلك عبر قرآن يأخذ بالجمع بين القراءتين ويستهدي بجدلية الغيب والإنسان والطبيعة في صيرورتها الكونية."([19])

أقدّر أن الذي أتينا على إيراده مهم للغاية، لجمعه الوثيق لخصوصيات الأسلمة ولمهامها الإبستمولوجية، والوظيفة الرئيسية المتمثلة في تحرير العلم من براثن الفلسفات الوضعية، وإعادة تشكيله وتوظيفه وتحريكه ضمن منطق آخر يمتح من معين كوني، تتدامج معطيات وجودية ذات مراتب وتجليات متنوعة في تأليفه ونسجه، فنفضي إلى وعي كوني يأخذ أزمة الوجود ليعيد غرسها في تربة كونية مستهدية بقوانين الخلق ومنتظمة بأحكام التشيؤ، جاعلة الإنسان في مقام تكويني تكريمي عالٍ، بعيدًا عن القفص الحديدي الذي وضعته الفلسفات الغربية بماديتها العلمية فيه، لكن بغير افتراض أن الأسلمة بمرجعيتها المركبة تتجاوز تمامًا ما انتهت إليه خلاصة النظريات الغربية فلسفية كانت أم علمية، وإنما تعمد إلى استجلابها، ثم دفعها في خط أنطولوجي مفتوح، تتولد منه إبستمولوجيا خاصة، تحيط بالتجربة الإنسانية ومناهجها، فتضم المعنى الإلهي والقيم المتناسلة منه، مع التراكم الخبراتي للإنسان، وانظر ما الحضارة التي تأخذ بزمام التاريخ، وأين تتجه به؟

خلاصة:

نخلص إلى أن "إسلامية المعرفة منهجًا علميًا يتميز بتجديد نوعي مميز عن مناهج التراكمات السابقة، وموازٍ في جدته النوعية للعلوم والفلسفات الحديثة ومكافئ لها...يجمع بين الاستدلال والاستقراء، بمعزل عن ما يؤدي إليه الاستدلال من نهايات لاهوتية وخرافية، وبما يؤدي إليه الاستقراء من تفكيك مطلق ووضعية وعجز عن التركيب...العقل المطلوب في هذه الحالة لا يكون إلا كونيًا يستطيع التعامل، وبمنطق التركيب العلمي، مع كون لامتناهٍ في الكبر ولامتناهٍ في الصغر عبر نظرية مطلقة للوجود أو نظرية متعالية للوجود...تستوعب معطيات العقلين؛ الاستدلالي والاستقرائي، في إطار الموضعية الكونية التي أنتجهما وباتجاه الكونية."([20]) ونتراوح في سبر الأسلمة، بين كونها إطارًا رؤيويًا محيطًا بالوعي، وبين أنها منهج ومسلك معين على تفهّم نتاجات المعرفة البشرية، وتعيد تقييمها على ضوء الهدي الجمعي والجدلية الثلاثية، لتلافي المآل اللاهوتي والوضعي معًا، وتحقيقًا للعقل الكوني المستوعب الممتد إلى أغواره صغرًا وآفاقه كبرًا، معبرًا عن نظرية في الوجود متعالية، تكون الوحيدة القادرة على التأليف بين المناهج والدمج بينها، فتصل إلى نظرية النظريات، والعجيب أن هذا شأن إبستمولوجي في المقام الأول، فتتولد المعرفة المطلقة، من الوجود المطلق، فالقيم المطلقة المشعة، خارج حدود الجذب اللاهوتي والوضعي معًا، فيكون الكون مطلقًا، والإنسان مطلقًا، والغيب كذلك، وفوقهم إله أزلي رحيم، يرعى الخلق ويحفظه، برتق خلقي، وفتق تشييئي، واندماج بالوعي الكوني. وهنا أشير بإلحاح إلى أنني عمدت إلى الوجه المعرفي ولم أفصل في التطبيقات والتنزيلات العملية، مع ما حاولته من رصف النسق وجمع شتاته. "فحين تتحول إسلامية المعرفة بمنهجيتها الكونية إلى واقع تطبيقي، بعد أن تحل مشكلات الوعي الزائف، فإن مآلها العملي هو إعادة صياغة واقع الإنسان واتجاهاته ونظمه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بهدف تحريره من كافة الاستلابات اللاهوتية والوضعية والبشرية."([21])

إن المنهجية الكونية محتواة في الكون من جهة، وفي القرآن الكريم معادلاً، وبهما كان الوجود، والوعي مطالب بالولوج إلى عالمهما، باستصحاب الواحد للتمكن من الآخر، بمنطق جمعي يتدرج في الفهم، ويراعي الفارق المنهجي بين المراحل، من غير الغفلة عن المقصد الوجودي الأساس؛ وهو الكشف عن الحق في الخلق، وتعريف العقل على مسالك التسخير المتوازن للكون، بقصد تحقيق الخلافة الوجودية المنوطة بالإنسان مكرمًا، تجاوزًا لكل استعلاء وطغيان وانسحاق. "فمهتنا ليست سهلة، ولكن كل ألف ميل يبدأ بخطوة."([22])


[1] - حاج حمد، إسلامية المعرفة، المفاهيم والقضايا الكونية، مجلة تفكر، مجلد 3، عدد 2، السودان، 2001، ص ص 9-10

[2]- حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية، ص 31.

[3]- عبد الجبار الرفاعي، مناهج التجديد، حوار مع طه جابر العلواني، دمشق، دار الفكر، ط1، 2000، ص 119

[4]- حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية، ص 33

[5]- حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية، ص 31

[6]- عبد الوهاب المسيري، إشكالية التحيز، محور العلوم الطبيعية، فرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1998، ص 9

[7]- آلان شالمرز، نظريات العلم، تر: الحسين سحبان وفؤاد الصفا، المغرب، دار توبقال، ط1، 1991، ص 169

[8]- أبو يعرب المرزوقي، الإبستمولوجيا البديل، مراس العلم وفقهه، تونس، الدار المتوسطية للنشر، ط1، 2007، ص 44

[9]- توبي هف، فجر العلم الحديث، تر: محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، العدد 260، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، ط2، 2000، ص27

[10]- ريتشارد إي نسبت، جغرافية الفكر، كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف ولماذا ؟ تر: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، العدد 312، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، ط 01، 2005، ص 21

[11]- مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، تر: عبد الصبور شاهين، الجزائر، دار الفكر، ط4، 1984، ص 50

[12]- المرجع نفسه، ص 56

[13]- حاج حمد، إسلامية المعرفة، المفاهيم والقضايا الكونية، مجلة تفكر، مجلد 3، عدد 2، السودان، 2001، ص ص 9-10

[14]- حاج حمد، منهجية القرآن المعرفية، ص ص 33-35

[15]- حاج حمد، إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص 229

[16]- المصدر نفسه، ص 241

[17]- حاج حمد، إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص 242

[18]- المصدر السابق، ص ص 242-243

[19]- حاج حمد، إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص 247

[20]- حاج حمد، إبستمولوجية المعرفة الكونية، ص 241

[21]- المصدر نفسه، ص 392

[22]- المصدر نفسه، ص 395