إطلالة على كتاب (من مكة إلى لاس فيغاس: أطروحات في العمارة والقداسة)

فئة :  قراءات في كتب

إطلالة على كتاب (من مكة إلى لاس فيغاس: أطروحات في العمارة والقداسة)

التشابه العمراني بين مكة المكرمة بصفتها مدينة مقدسة holy city وبين لاس فيغاس بصفتها مدينة مدنسة sin city، هو ما دعا الباحث "علي عبد الرؤوف" إلى تأليف كتابه (من مكة إلى لاس فيغاس: أطروحات نقدية في العمارة والقداسة)[1]. فالمدينتان (مكة المكرمة holy city و لاس فيغاس sin city) تشتركان، "أو بالأحرى ـ يُفضي الكاتب- تشترك منطقتا الاستثمار العقاري بهما اشتراكاً لافتاً في مفهوم حاكم لمنطق التنمية، وهو أيضاً مرتبط بالنقطة الأولى: القيمة العقارية، وهذا المفهوم يمكن تلخيصه في أنّ الحل المثالي للتنمية هو الهدم ثم الهدم ثم الهدم. أو اتباع نموذج البلدوزر في البناء، والذي يعتمد على إزالة كل ما هو قائم والتمهيد لبناء الجديد والمبهر. من هذا المنطلق، فإن تتبع المشروعات المحيطة بالحرم أو المشروعات المحيطة بشارع مدينة لاس فيغاس الرئيس يوضح جلياً ظاهرة تكرار هدم مشروعات عملاقة لم يمرّ على بنائها سوى سنوات معدودة تمهيداً لبناء مشروعات أكثر ضخامة وبالتالي أكثر ربحاً وإدراراً لملايين الدولارات. وعلى سبيل المثال، فإنّ حوالي 7000 من الوحدات العقارية تمّ هدمها في مكة المكرمة فقط في عام (2012م) لإفساح المجال أمام أعمال التوسيع للمسجد الحرام والتنمية المستقبلية للمدينة المقدسة، بما فيها من مواقع تاريخية ومقدسة... ومفهوم الهدم هنا وثيق الصلة بالقيم العقارية غير المسبوقة في كلتا المنطقتين. الهدم هنا يعني أنّ الدورة الحياتية للمبنى محدودة للغاية".[2]

إنَّ القيمة العظمى للمدينة المقدّسة (مكة المكرمة) لدى مئات الملايين من المسلمين هي في امتداداتها الروحية التي حَلَّت في المكان عبر تاريخ طويل؛ فالمخيال الروحي الجمعي للذات المسلمة تعبّأ منذ القِدَم بعبق المكان والإحداثية البسيطة التي يقوم عليها، فعبر هذه البساطة تكمن عبقرية الدهشة، إذ كيف تمكن –بالتقادم وعبر تعبئة روحية مُتعاظمة ومُتنامية- المكان البسيط المُحاط بالجبال الصخرية أن يُوائم بين الشرط الزمكاني النهائي للإنسان والقيمة الروحية اللانهائية التي يحملها بين طياته؟

واليوم إذ تعلو الأبراج وتُطاوِل عنان السماء، وما يُرافق ذلك من انتباه الحاج أو المعتمر لها على حساب الكعبة، إذ تبدو صغيرة ومتواضعة أمام هذه الأبراج العملاقة، فإن الإنسان المسلم يستسلم للقيمة الدنيوية ورأس المال البشري المُتعملق، على حساب القيمة الأخروية اللانهائية التي تمثلها الكعبة المشرفة وتحملها بين طياتها، عبر تفجير الصاعق الإيماني لدى الحاج أو المعتمر (لا سيما ساعة دخول الحرم المكي ومعاينة الكعبة المشرفة وجهاً لوجه)؛ تحديداً بين مخياله الإيماني واندفاعه الحماسي ناحية البقعة المُقدسة التي يتقرب بها زلفى إلى الله.

"والتبرير الدائم الذي تسوقه السلطات السعودية لعملية الهدم والإحلال المستمرة، هو الرغبة في استيعاب الأعداد المُتزايدة من الراغبين في أداء مناسك الحج. الأكيد أن هذا التبرير يتوافق مع لقب الملك وهو خادم الحرمين الشريفين، ومن ثم تسهيل مهمة المسلمين القادمين إليهما. وأمّا ما لا يمكن إعلانه، والذي يصرح به كثير من المواطنين والمخططين وبعض موظفي الحكومة السعودية عند اطمئنانهم لعدم نشر أسمائهم، هو أنّ الدافع وراء كل هذه العمليات هو دافع مالي استثماري بحت. إنها الرغبة في تعظيم الربح من أكثر مناطق الاستثمار العقاري في العالم قيمة. لقد تمّ تفسير الإسلام والحجيج تفسيراً يمكِّن من تعظيم الدورة المالية والربحية والاستثمارية للنطاقات العقارية حول الحرم، مع تغليفها الدائم بالغلاف الذي يثير العواطف ويدغدغ المشاعر خدمة زوار بيت الله.[3]

إذن، تساوت مكة المكرمة بصفتها مدينة مقدسة ولاس فيغاس بصفتها مدينة مدنسة، من الناحية العمرانية، إذ طغى الطابع العمراني بأبراجه العالية على كلا المدينتين، فأصبح المدى البصري واحداً، في حين كان يتمتّع بتمايزية لا مثيل لها في مكة المكرمة، لا سيما ما تعلّق بالكعبة المشرفة، إذ كانت مثار دهشة بصفتها بؤرة ارتكاز بصري أفقياً وعمودياً، لكنها الآن ـ ويا للأسف- تحت وطأة أبراج مُتعاظمة، لم تعد كذلك.

وإذا كانت إرهاصات هذا الكتاب ـ بحسب ما أفضى المؤلِّف في مقدمة كتابه- قد انْبَنَت على انطباع ذاتي كان المؤلف قد عاينه بنفسه عبر صدمات أربع: صدمة مزدوجة في مكة إذ "لم أنجح [يقول المؤلف] أن أخرج من مجالي البصري تلك الأبراج الخرسانية ومجمعات الإقامة العالية وأوناش البناء المتقافزة". فقد "شعرت بالضآلة والقلة، بل بالمهانة الإنسانية والعقائدية... عندما شوش مجالي البصري تماماً الكتل الخرسانية الأسطورية لأبراج متوحشة، تم تسميتها أبراج البيت، تشق السماء بقسوة يتراجع معها كل شيء ويصغر ويتضاءل ويُهمّش، بما في ذلك الكعبة ذاتها".[4]

الصدمة الثالثة بحسب المؤلف"كانت في زيارتي لدولة الفاتيكان، والمقرّ البابوي وكنيسة سان بيتر الشهيرة، حيث يكتنف المحيط كله جو روحاني فريد. كما تتضاءل كل السياقات المحيطة لتصبح الكنيسة وملحقاتها وساحاتها الأمامية الكبرى هي العلامات الفارقة في المحيط البصري للمكان".[5]

أما الصدمة الرابعة "المنبّهة اللافتة حين ذهبت إلى مدينة لاس فيغاس الشهيرة بولاية نيفادا، إحدى ولايات الجنوب الأمريكي، لحضور مؤتمر يناقش قضايا دولية في مجالات العمارة والعمران. وفي أثناء تحركي واستكشافي للمدينة، وجدت نفسي أكثر من مرّة متورطاً بصرياً وعاطفياً وذهنياً ونقدياً، في عقد مقارنات بين المدينتين: مكة المكرمة المقدسة مهد الدين الإسلامي ومولد الرسول الكريم وقبلة المصلين والحجّاج، ولاس فيغاس المدينة المدنسة قبلة المقامرين، أو مدينة الخطيئة كما يحلو لمرتاديها أن يلقبوها".[6]

إنّ هذه الانطباعات الفردية الذاتية تصبّ ـنهاية المطاف- في نهرين: أولهما نهر الذات الجمعية وثانيهما نهر الموضوعية؛ فالأول يستنطق الهاجس الروحي لدى الذات الإسلامية الجمعية، لناحية تعرّضها لضربة قاصمة في مقتل، فالجانب الروحي، الشغف الحماسي للمكان المقدس وارتباطاته العلوية يتعرض الآن إلى تدمير منهجي، سيقود ـ إن استمر الوضع على ما هو عليه الآن، وبالسرعة ذاتها- إلى تعميق الحس الدنيوي الفاني والقيمة الزمانية للأبراج العالية، على الحس الأخروي الدائم للكعبة المشرفة. والثاني يستنطق غياب وتغييب الطابع الزمكاني لمكة المكرمة والطبيعة الجغرافية لها، على حساب الرساميل العملاقة ومحاولة استثمارها في بقعة تُشكّل بؤرة مركزية -على المستوى العالمي- للاستثمار وجني الأرباح الطائلة، وهذه المرة مُعزّزاً بفتاوى تحمي من الغضب والنقد.

وإذا كان لي أن أُنوِّه بالكتاب، فإني ألفت النظر إلى خُلاصته المُتركزة ـ على نحو مخصوص- في مقدمته وفصله الأخير، وإن دُعمَّت هذه الخلاصة بالعديد من الفصول التي ساهمت في بلورة أرضية انْبَنَت عليها أطروحة الكاتب حول العمارة والقداسة، وربط ذلك فيما يتعلق بموضوعته الرئيسة ألا وهي: الخطر الداهم الذي تتعرّض له مدينة المسلمين المقدسة (مكة المكرمة) وتهديد روحانيتها، عبر مدّ عمراني مادي طاغٍ، نظراً لتجاسره وتعاليه على بناء الكعبة المشرفة.

إذن، نحنُ أمام كتاب تحذيري، لا يكتفي بقرع جرس الإنذار الذي يتهدّد روحانية مكة المكرمة، بصفتها قادمة على محنة عمرانية شديدة ستضرب مهد الديانة الإسلامية في مقتل، بل يعمد إلى دقّ ناقوس الخطر الآني الذي يطال المدينة المقدسة، فنحن لسنا بحاجةٍ إلى انتظار الغد لمشاهدة ومعاينة الخراب الذي يطالها، بل نحن الآن، اليوم، في هذه اللحظة بالذات، على موعد مع حفلة التخريب التي يُشرف على تنظيمها النظام الملكي في المملكة العربية السعودية، مدعوماً بحماية دينية آتية من فتاوى مُعزّزة ومُبرّرة لهذه الحفلة التخريبية ومُشرفة عليها وحامية لها من الداخل.


[1]- عبد الرؤوف، علي، من مكة إلى لاس فيغاس: أطروحات في العمارة والقداسة، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، جمهورية مصر العربية، ط1، 2014

[2]- المرجع السابق، ص 113

[3]- المرجع السابق، ص 117

[4]- المرجع السابق، ص ص 24/ 25

[5]- المرجع السابق، ص 25

[6]- المرجع السابق، ص 25