إنصاف الآخر؛ إنصاف الإسلام من خلال كتاب: "الخوف من البرابرة"

فئة :  قراءات في كتب

إنصاف الآخر؛ إنصاف الإسلام من خلال كتاب: "الخوف من البرابرة"

إنصاف الآخر؛ إنصاف الإسلام

من خلال كتاب: "الخوف من البرابرة"[1]

للمفكر الفرنسي تِزفيتان تودوروف


من الأدب والنقد إلى الفلسفة والفكر:

اشتهر تِزفيتان تودوروف في العالم العربي بكونه واحدًا من جهابذة الأدب والنقد المعاصرين، إلى جانب أسماء لها وزنُها، كجوليا كريستيفا، وإمبرتو إيكو، وبول ريكور، وجيرار جينيت، وجان كوهن، وغيرهم. تعرّف عليه طلبة وباحثو اللغة العربية في المغرب من خلال الترجمات المبكرة لنظرياته الأدبية والنقدية، التي كانت تصدر إما في شكل كتب أو مقالات، أو تُضمّن بعض قراءاته وحواراته التي كانت تنقل وقتئذ من اللغة الفرنسية، وتنشر في الملاحق الثقافية لبعض الجرائد الحزبية المعروفة، التي كانت يومها بمثابة بوابة القراء الوحيدة نحو رحاب الأدب العالمي والثقافة الكونية، فكان الجميع ينتظرون وصول الجريدة بشغف كبير وشوق عارم.

ولا يمكن الاختلاف حول كون تودوروف مفكرًا ذا اهتمام موسوعي، يشتغل على تيمات أو أغراض متنوعة من حقول اللسانيات، والسيميولوجيا، وعلم الأدب، والتاريخ، والسياسة، كما أن تحليلاته تتجذر في علوم السوسيولوجيا، والسيكولوجيا، والأنتروبولوجيا، وهو فرنسي الجنسية من أصل بلغاري، ولد في فاتح مارس 1939 بالعاصمة صوفيا، وهاجر إلى فرنسا عام 1963، حيث درس واستقر، وهو يدير اليوم المركز الوطني للبحوث العلمية الذي عمل فيه منذ 1969.

اشتغل تودوروف في بداية مساره العلمي على الترجمة من اللغة الروسية إلى الفرنسية، إذ كان يميل إلى الشكلانية الروسية ويدعو إليها، ولا سيما في نظريته حول الأدب، ثم سوف يعيد صياغة ذلك بطريقته الخاصة في بحوثه حول البنيوية والسردية. علاوة على ذلك، فإنه استرعى اهتمامًا عالميًا من خلال خلحلته لجملة من المفاهيم وإعادة تعريفها من جديد، كما يصنع مع مصطلح الأدب أو الفن، الذين عادة ما يحدد بأنه محاكاة، غير أن تودوروف يرى أننا لا نحاكي الواقع ضرورةً، بل نحاكي كذلك كائنات وأفعالاً ليس لها وجود، لذلك فإن الأدب تخيّل.[2]

وقد تكللت جهود تودوروف الفكرية والفلسفية بحصوله عام 2004 على جائزة سبينوزا العالمية التي تُقدّم في هولندا، ويعتبر المفكر العربي إدوارد سعيد أول من حصل عليها عام 1999. وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على أن أعمال تودوروف الفكرية خلقت لها حيزًا معتبرًا في المشهد الثقافي والأكاديمي الهولندي، إذ تمت ترجمة بعض مؤلفاته المهمة، كالحديقة غير المكتملة، وذاكرة الشر، والفوضى العالمية الجديدة، والخوف من البرابرة، الذي اعتبر عام 2009 من بين أكثر الكتب الفلسفية مبيعًا على الصعيد الهولندي، مما يعني أن هذا الكتاب يستحق أن يُقرأ وتُنقل تجربته الموضوعية المحايدة إلى القارئ العربي والمسلم. لذلك، فإن هذا المقال لن يتعرض إلى تودوروف الأديب والناقد، الذي تعرّف عليه القارئ العربي منذ سبعينيات القرن الماضي، في "مفهوم الأدب"، و"الأدب والدلالة"، و"شعرية النثر"، و"الرمزية والتأويل"، وإنما إلى تودوروف المفكر والفيلسوف من خلال هذا الكتاب الذي لقي إقبالاً جماهيريًا كبيرًا ولفت انتباه العديد من النقاد والإعلاميين والباحثين.

الكتاب ومنطلقاته:

يرتحل تودوروف في هذا الكتاب عبر قرون ممتدة من التاريخ الأوروبي قصد تشريح جملة من المفاهيم، كالبربرية والحضارة والثقافة والهوية المشتركة والهوية الأوروبية والحروب الكونية، وهو يدرك بوعي فلسفي عميق أن التاريخ يحمل بين مراحله وأحداثه مختلف الدروس التي تزودنا بالآليات والميكانزمات التي تمكننا من أن نستوعب ونفكّك ونحل كثيرًا من مستجدات الحاضر وإشكالاته. ومما يسترعي النظر أن فصول الكتاب الخمسة يكاد يستقل بعضها عن البعض الآخر، كأن القارئ أمام بحوث مستقلة وقائمة بذاتها، غير أن ثمة خيطًا رفيعًا يجمع بينها منذ مبتدأ الكتاب إلى منتهاه، وهو يتشكل من مفاهيم الثقافة، والحضارة، والهوية، التي تتداخل فيما بينها عبر الوجود والزمن والحركة. وتصير هذه الرؤية أكثر عمقًا واستشرافًا، لا سيما عندما ينكبّ على حل عراها مفكر يحمل رؤية هرمينوطيقية وأنثروبولوجية تنطلق من التاريخ لتفهم الكثير من القضايا والإشكالات المعاصرة، وهو يأخذ بعين الاعتبار الشرخ الكائن بين الغرب والشرق، أو بين الغرب وبقية العالم، كما يعبر في أكثر من موضع، إذ يضع التصنيف أو التنميط المتداول الغرب في كفة وبقية العالم في الكفة المقابلة أو المضادة. ثم إنه لا يناقش العلاقات بين الدول وشتى أجزاء الكرة الأرضية فحسب، وإنما يتجاوز ذلك، كما هو الحال في الفصل الرابع، إلى مختلف الأحداث الجزئية المنفصلة، كمقتل ثيو فان خوخ في 2 نوفمبر 2004، والرسوم الدنماركية التي تم نشرها في 30 سبتمبر 2005، وخطاب البابا بنيديكتوس السادس عشر في 12 سبتمبر 2006، وهو يسعى بذلك إلى مناقشة هذه القضايا بروح نقدية عالية واستبانة مكامن خللها، ليس من أجل النقاش في حد ذاته، وإنما قصد تأسيس أرضية صلدة للتعايش السلمي بين مختلف ثقافات وأديان وشعوب الكرة الأرضية عن طريق استلهام مكتسبات التاريخ الأوروبي والإنساني.

ثم إن تودوروف يذهب إلى أنه لا يمكن اعتبار الثقافة الغربية وحدها ذات طابع حضاري، وأنها المعيار الذي يمكن أن تحدد به ثقافات الآخرين، فأي تدخل في ثقافات الآخرين يعتبر إساءة في استخدام السلطة، لأنه لا يمكن إرساء الحرية والمساواة عن طريق الإجبار، وإلا فإننا لن نختلف عن أولئك الذين نقول عنهم بأنهم برابرة. ولعل هذا المنطلق الفكري الذي يركز عليه تودوروف من شأنه أن يشكل ردًا مفحمًا على النظريات السياسية والفكرية التي تتأسس على منطق الصراع الحضاري، كما هو سائد لدى صموئيل هانتينغتون وبرنارد لويس وأوريانا فالاشي وغيرهم. (ص ص 74 – 76)

يرفض تودوروف مقولة صراع الحضارات رفضًا قاطعًا، لأنها تشطر العالم إلى قسمين متضادين يحكمهما الصراع التاريخي والواقعي. وقد تناول رؤية هانتينغتون بالنقد عبر فقرات طويلة من الفصل الثالث، يقول معبرًا عن رفضه لأطروحة صراع الحضارات: "إن المقصود بالحضارات المتصادمة الديمقراطيات الغربية من ناحية، والإسلام من ناحية أخرى. عالمان متجذران في اختلافاتهم التاريخية والثقافية والدينية، ومن ثم محكوم عليهما بالصراع فيما بينهما. فالتهديد يعني أنه ليس هناك حيز للحوار والتمازج، وإنما للمعالجة الصارمة أو بالأحرى للحرب؛ حرب بشتى وسائل القوة. إنه من الضروري أن ندافع عن الديمقراطية، غير أنه لا ينبغي أن نسمح لأنفسنا بأن يتحكم فينا الخوف ويجرنا إلى ردود أفعال غير عادلة. فالتاريخ يعلمنا أن الوسيلة قد تكون أخطر من المرض." وهكذا يمضي تودوروف، وهو يفسر مختلف الإشكالات والمسائل التي تمت بصلة إلى القضية الجوهرية للكتاب، وأركز في الفقرات الآتية على نظرة الكاتب المنصفة إلى الإسلام.

إنصاف الآخر؛ إنصاف الإسلام:

إن النظرة إلى كل أجنبي عن الحضارة الأوروبية والغربية على أنه بربري، وأن الإنسان الأبيض أفضل من الإنسان الأسود أو الأحمر، وأن الثقافة الأوروبية متحضرة وغيرها متخلف، هي في الحقيقة أحكام مسبقة وصور نمطية تكاد تنقلب إلى مسلمات في التاريخ الأوروبي، ويسعى تودوروف في هذا الكتاب إلى تقويض كثير منها عبر مساءلة العقل الأوروبي بتجرد علمي وصراحة صادمة، وهو يثبت بأنه ليس ثمة ثقافة متوحشة في حد ذاتها، وأن أية ثقافة لا تظل دومًا متحضرة. كما أن الذي يثمّن التعامل على أساس أخلاقي متحضر لا يمكن أن يسكنه الخوف من البرابرة، وهو يقصد بذلك الغرب الذي يعبّر دومًا عن خوفه من الآخر البربري، وما هذا الخوف إلا انعكاس لتعامله اللامتحضر مع من يسميهم البرابرة.

وقصد استيعاب هذه الرؤية ينبغي التريث عند تعريف تودوروف لمصطلح البربرية، أو الوحشية والهمجية، فبعد تفكيكه لمختلف معاني هذا المصطلح، ارتأى أن يعتمد المعنى الذي مؤداه أن البربرية هي إنكار الإنسانية الكاملة للآخر. ويعود أصل هذا التعريف إلى اليونان، إذ كان يُطلق مصطلح "البرابرة" على من ينكر إنسانية الآخرين الكاملة، وهذا هو الفارق الجوهري بينهم وبين الغير، فهم يخرجون بذلك الآخر من دائرة الإنسانية. (ص 39) ثم إن تودوروف يعتقد أن مقياس التحضر يتعلق بطبيعة سلوك الناس وليس بإنتاج المنتوجات الثقافية والآليات التكنولوجية، لأنها ترتبط بالرفاهية وليس بالفضيلة والأخلاق. ويدعم تفسيره هذا بوقائع من التاريخ الأوروبي كالإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود على يد النازية، والقنابل الذرية التي راح ضحيتها الأبرياء، ليؤكد بأن الوحشية أو البربرية انبثقت من قلب الحضارة الأوروبية، وهكذا يفند حجج أولئك الذين يرون أن الغرب متفوق على أساس ما هو ثقافي.

ويدل هذا، إن دل على شيء، على أن تودوروف يظل كعادته متمسكًا بمبضع النقد التاريخي، وهذا ما يسلكه في هذا الكتاب، حيث يخلخل العديد من المفاهيم والمسلمات الغربية المتداولة في السياسة والإعلام، وهو يرى أن القيم الإنسانية كالحرية والمساواة والعلمانية وحقوق الإنسان التي تتبجح بها الأنظمة الغربية لا يمكن أن تُنزل على أرض الواقع عن طريق الإكراه. فإذا كان الغرب يريد فعلاً تحقيق هذه المبادئ، يجب عليه أولاً أن يبدأ بسحب جيوشه من أفغانستان والعراق، وغلق السجون والمعتقلات السياسية، ودعم الفلسطينيين لإنشاء دولتهم المستقلة. وحتى يتسنى لنا توجيه اهتمام شعوب هذه البلدان إلى قضاياهم الداخلية، ينبغي رفع مختلف الأسباب الخارجية عنهم، التي يعتبر الغرب هو المسؤول عنها. (ص 286).

ويمضي الكاتب، على النحو نفسه، في معالجته لعلاقة الإسلام بالغرب، إذ يمكن اعتبار كتاب الخوف من البرابرة شهادة إيجابية أخرى بحق الإسلام، خطها قلم مفكر غربي من العيار الثقيل لينصف بها المجتمع الإسلامي الذي يتعرض منذ عقود لضربات الإعلام والسياسة. وتعتبر هذه الشهادة سيفًا ذا حدين؛ أولهما يحمل ردًا مفحمًا على صناع نظرية الصراع الحضاري ومروجيها وداعيمها، من أمثال هانينغتون وبرنارد لويس وفالاشي، الذين يرون في الإسلام خطرًا أخضر وتهديدًا "بربريًا" يحدق بالمجتمعات الغربية المتحضرة، لذلك يتحتم اجتثاث الجذور التي تُغذي ذلك التهديد عن طريق مختلف آليات المواجهة الحادة والمحتدمة. وثانيهما يرد الاعتبار للإسلام دينًا وأتباعًا. يقول تودوروف في هذا الصدد: لقد تم اختزال المسلمين الذين يصلون إلى المليار نسمة ويسكنون في عشرات البلدان في الإسلام فحسب، (وهو يقصد بذلك البعد الديني دون غيره من الأبعاد) كأن المسلمين مختلفون كليًا عن الشرائح الإنسانية الأخرى، ولا يمكن فهم سلوكياتهم إلا من خلال نظّارة الدين. ثم إن الإسلام يُختزل كذلك في الإسلام السياسي والإرهاب، فابن لادن يعبر بشكل أقل عن حقيقة الإسلام، بالضبط كما يعبر هيتلر عن حقيقة الغرب، بل ويعبر عن ذلك أقل بكثير من المسلمين كلهم. ثم يستطرد مؤكدًا أنه لا داعي لهذه الهجمات على الإسلام، فهي غير ضرورية إذا كنا نطمح إلى الاندماج في مسار الديمقراطية، كما أنه يكفي أن نفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي، هذا الفصل الذي ليس بغريب عن الدين الإسلامي. وأكثر من ذلك، فإن القرآن يتضمن العديد من النصوص التي لا تتعارض والديمقراطية. (ص 198)

ولا يقف تودوروف عند هذا الحد، بقدر ما يشير إلى أنه يمكن المراهنة على فئة مهمة داخل المجتمع الإسلامي، تدعو إلى إسلام منفتح ومتنور يستثمر مختلف الإمكانات النصية والثقافية والاجتماعية التي تحضّ على التسامح والاحترام والحوار. فهو يستكنه أن الإسلام ليس واحدًا، وأنه لا يمكن اختزال كل المسلمين في كتلة متجانسة. إن خطر التعميم وارد فعلاً، غير أن الدلائل التاريخية تفند ذلك من الأساس، إذ إنه سبق للمسلمين أن استقروا في كثير من البلدان غير الإسلامية، فتفاعلوا مع القوانين المعتمدة هناك واحترموها دون أي مشكل.

خلاصة القول، إن كتاب الخوف من البرابرة يستحق وصفه بـ "القيّم"، لأنه يعتبر من الدراسات العلمية النادرة التي اشتغلت بجرأة نقدية على النرجسية الغربية، فعملت على تشريح مختلف قضاياها، سواء على المستوى التاريخي الممتد من المرحلة اليونانية إلى العصر الحديث، أم على المستوى الواقعي بما ينطوي عليه من إشكالات ويسفر عنه مستجدات، وقد حظي الإسلام بحيز عريض عبر معظم فصول ومباحث وفقرات الكتاب، ما دام يشكل اليوم الهاجس الأكبر الذي يشغل بال الدوائر السياسية والإعلامية والأكاديمية الغربية، إلا أن تودوروف لم يؤول الإسلام على أنه مدعاة للخوف، بقدر ما دعا إلى التعامل بموضوعية مع المكوّن الإسلامي داخل المجتمعات الغربية، فأنصف بذلك الإسلام والمسلمين في أكثر من مناسبة وموضع، وهو يركز على الدور الحضاري الذي أداه الإسلام ولا يمكن إنكاره أو تجاهله، كما يتضح من خلال الفقرة الآتية التي يرد فيها على بابا الفاتيكان السابق: "إن الفضل يرجع إلى ابن رشد وغيره من العلماء المسلمين في نقل تراث الفكر اليوناني إلى اللاهوتيين والفلاسفة الأوروبيين، وخصوصًا توما الإكويني الذي وفق في القرن الثالث عشر ما بين الفلسفة (الأرسطية) والدين (المسيحي). إن بنيديكتوس السادس عشر (يقصد البابا) يستلهم توما الإكويني، غير أن توما الإكويني لم يكن يجهل ابن رشد المسلم." (ص 225)


[1] نشر هذا الكتاب في الأصل باللغة الفرنسية عام 2008 في باريس تحت عنوان: La peur des barbares: au-delà du choc des civilisations، وقد ترجم إلى اللغة العربية عام 2009، غير أنني سوف أعتمد في هذه القراءة الترجمة الهولندية:

Tzvetan Todorov, Angst voor de barbaren, transl. Frans de Haan, Uitgeverij Atlas, Amsterdam/Antwerpen 2009

[2] تزفيتان تودوروف، مفهوم الأدب ودراسات أخرى، تر: عبود كاسوحة، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 2002، ص 8