ابن عربي: ايمان بلا حدود...

فئة :  مقالات

ابن عربي: ايمان بلا حدود...

حياته:

قد يستغرب القاريء كيف أبدأ حديثي عن التنوير الإسلامي بابن عربي وليس بالمعتزلة أو الكندي أو الفارابي أو ابن رشد وبقية العقلانيين. ومعه حق إلى حد ما، لأن ابن عربي إذا لم يفهم على حقيقته قد يؤدي بالمسلم إلى الإنقطاع عن الوجود الواقعي، والدخول في ضبابيات الميتافيزيقا والشطحات الصوفية. ولكن إذا وضعناه داخل منظور واسع "أي منظور التسامح وعلم الأديان المقارنة" فإننا سوف نعجب به حتماً وسوف نفهم تلك الصفحة المشرقة من تاريخنا بشكل أفضل.

ينبغي العلم بأني أحترم التصوف الإسلامي وأتغذى منه روحانياً ولكن الغرق فيه قد يؤدي إلى الإنفصال عن هموم الحياة العربية وما أكثرها، وهي هموم ملحة تتطلب تحليلاً علمياً عقلانياً لا صوفياً باطنياً. ونحن بحاجة إلى المزيد من العقلانية العلمية والفلسفية، لا الإغراق في التصوف والغياب عن العالم. ومحي الدين بن عربي لم يكن متصوفا كبيراً فقط، وإنما كان أيضاً عالماً وفيلسوفاً كبيراً.

ويعرف أنه ولد في الأندلس ثم استقر لاحقاً في المشرق، بل ومات في دمشق حيث لا يزال قبره يزار هناك ويتبرك الناس به. وهو معظّم جداً في عاصمة الأمويين. لقد ولد في مرسية بالأندلس عام 1165 وترعرع في إشبيلية حيث بقي هناك فترة عشرين سنة. وقد درس خلال هذه المدة الطويلة كل العلوم الكلاسيكية للإسلام من لغة وعروض ونحو وصرف وفقه إسلامي وأدب وتاريخ، الخ... ثم انطلق بعد ذلك لزيارة كبرى المدن الأندلسية والمغاربية بحثاً عن العلم أو تكملة له. وقد توقف مطولاً في فاس عاصمة العلم والدين والحضارة في ذلك الزمان. ويبدو أنه كان "يعشقها ويعتبرها ذات مقامات استثنائية" كما يقول عزيز حدادي. وكان أماماً للمسجد الأزهر في عاصمة الأدارسة طيلة خمس سنوات. وجدير بالذكر أنه قد ورد ذكر مدينة فاس في الفتوحات المكية (أربعين مرة)، أي جاءت في المرتبة الثانية بعد مكة المكرمة التي ذكرت (129 مرة)، في حين لم يرد ذكر اسم قرطبة أو دمشق أكثر من (16 مرة) كما يقول محمد مصباحي.

ثم غادر المغرب بعد عام 1201 وكان قد تجاوز الخامسة والثلاثين، لقد ذهب إلى المشرق للإطلاع على أحواله وعلومه. والواقع أن المغاربة والأندلسيين كانوا قد ابتدأوا يشتبهون به وبتوجهه الصوفي الباطني فاضطر للسفر إلى مكان آخر لعله يجد في المشرق تفهماً أكثر لمواقفه وتوجهاته الروحية والعلمية.

وقد زار مصر أولاً ثم سوريا فالعراق فتركيا، حيث أغدق عليه الأمراء عطاياهم وهداياهم وشملوه بحمايتهم ونعمتهم. ويبدو أن أمراء السلاجقة أعجبوا به وبعلمه الغزير وفهمه العميق للإسلام الحنيف فلم يبخلوا عليه بالغالي والنفيس.

وفي عام 1225 غادر منطقة الأناضول وذهب إلى دمشق لكي يستقر فيها نهائياً. وقد مات بعد خمسة عشر عاماً من ذلك التاريخ، أي عام 1240. وكان قد تجاوز الخامسة والسبعين تقريباً. في الواقع أن عقيدة ابن عربي تتألف من عدة تيارات: دينية، وفلسفية، وصوفية. وبالتالي يصعب تحديدها بشكل نهائي ودقيق. لإنها تعتمد على نظرية وحدة الوجود، وهي نظرية تقول أن الكون كله يصدر عن الله كما تصدر الجزئيات عن الكليات.

مثوى إبن عربي في دمشق

رؤيته عن الإسلام:

يرى ابن عربي أن كل الأديان السابقة على الإسلام لم تكن إلا مساراً طويلاً للوصول إليه، وإنه خاتمة المطاف وجوهر الجواهر.

ينتج عن ذلك أن الإسلام هو الدين الكوني الذي يشتمل على جميع الأديان، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين.

ولهذا السبب فإن ابن عربي أسس التسامح في الدين الإسلامي، لأنه اعتبر أن جميع الأديان تؤكد على حقيقة واحدة هي الحقيقة التي جاء بها الإسلام. وهي أنه دين التوحيد الإلهي ومكارم الأخلاق. وبالتالي فلماذا نكرهها أو نحتقر أتباعها؟.. لماذا لا يتسع قلبنا لكل البشر الطيبين حتى ولو اختلفوا عنا في الطقوس والشعائر والعقائد؟.. جوهر الدين واحد، ولكن الاختلاف في أشكال تجلياته الخارجية.

بناء على هذا التصور الواسع جداً أسس ابن عربي الإيمان الجديد والعميق. إنه "ايمان بلا حدود" يشمل كل مخلوقات الله وعباده الصالحين. وضمن هذا المنظور نفهم قصيدته الشهيرة التي تقول:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه دان

وقـد صـار قـلبي قابـلاً كل صورة فــمـرعـى لـغــزلان وديـر لــرهــبـان

وبــيــت لأوثـــان وكـعــبـة طـائـف وألــواح تــوراة ومــصـحـف قـــرآن

أديــن بــديــن الـحب أني تـوجـهـت ركــائــبــه فـالــحـب ديـنـي وإيـمـانـي

هذه الأبيات الخالدة كافية لوضع ابن عربي على قمة الشعر والفكر العربي، بل والإنساني قاطبة. إنه يستبق على الحداثة وما بعد الحداثة.. إنه يؤسس علم الأديان المقارنة (دون أن يدري) تماماً كما فعل المعري من قبل، و لكن للأسف لم يفهمه الفقهاء على حقيقته، ولم يدركوا أبعاد هذا التفكير الكوني الواسع الذي دشنه. ولذلك انتقدوه بشدة، بل وكفّروه. ولا يزالون يشتبهون به حتى الساعة بسبب هذه الأبيات بالذات.

موقف السلفيين من ابن عربي:

انظر إلى موقف السلفيين منه. وهنا تكمن مشكلة الفلاسفة والمفكرين الأحرار في الإسلام، فالعامة لا تستطيع فهمهم والفقهاء الصغار أو الكبار يكرهونهم نظراً لاتساع أفقهم العلمي والعقلي الذي يتجاوز مداركهم. وبالتالي فإنهم يتعرضون للمحاربة العنيفة باستمرار. لقد هاجمه كبار الفقهاء من أمثال العز بن عبدالسلام، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي. حتى أن الأمام برهان الدين البقاعي ألف كتاباً بعنوان: "تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي". ووصل الأمر بالإمام ابن الجزري إلى حد القول: "هو أنجس من اليهود والنصارى"! هنا يتجلى لنا الفرق واضحاً جلياً بين الإيمان الضيق، والإيمان الواسع بالمعنى الحديث للكلمة. ابن عربي كان أكبر من أن يفهموه في عصره. وكذلك الأمر ذاته عند التوحيدي وابن رشد وابن سينا والمعري الذي قطعوا رأسه مؤخراً!

لاحظ مدى الفرق بين انغلاق الفقهاء وانفتاح ابن عربي. كيف يمكن أن يلتقيا؟ أو كيف يمكن أن يفهموه؟ وهي نفس المشكلة التي يعاني منها المثقفون العرب المعاصرون. فهم أيضاً يتعرضون للتكفير من قبل كبار الفقهاء: ماذا فعل الشيخ الكبير محمد الغزالي مع فرج فودة؟ أو الشيخ يوسف القرضاوي مع رجاء النقاش؟ أو الخميني مع المثقفين الايرانيين، الخ..

وبالتالي فمحنة ابن عربي أو المعري لا تزال تتكرر حتى اللحظة. وهي تذكرنا بمحنتنا حتى نكاد نصرخ: "ما أشبه الليلة بالبارحة!" لم يتغير شيء ولم يتبدل على مدار القرون، بل لقد أصبحنا أكثر انغلاقاً وتزمتاً من العصور السابقة. فابن تيمية مثلاً حتى ولو كفر ابن عربي في كتابه "فصوص الحكم"، إلا إنه اعترف بأنه كان أقرب المتصوفة إلى الإسلام.. يضاف إلى ذلك أن ابن تيمية كان عالماً كبيراً ولا يهاجم الفلسفة عن جهل كما يفعل مشايخنا اليوم. كان يعرف عمّ يتحدث على الأقل.

ينبغي العلم بأن الفلسفة العربية الإسلامية لم تمت مع ابن رشد، وإنما استمرت في الوجود من خلال ابن عربي في المغرب والسهروردي في المشرق. ولكن الحيوية الفكرية في الأندلس ماتت بسبب انتصار الفقهاء المالكيين على الفلاسفة: أي انتصار الفهم المنغلق والحرفي الأعمى للعقيدة، ثم بسبب نسيان جوهر الدين والتركيز على القوالب الخارجية القسرية والطقوس الشكلانية الجافة. ولهذا السبب ماتت الفلسفة بعد أن ازدهرت لعدة قرون في الأندلس والمغرب الكبير. ومعلوم أن ابن عربي لم يكن يعتبر تأدية الفرائض والطقوس أساسية، في حين أن الدين كله يختصر بها بالنسبة للفقهاء. وهنا تكمن حداثته أيضاً. فالتدين الحديث روحاني داخلي لا خارجي استعراضي، على عكس التدين القديم الذي لا يزال سائداً حتى الآن.

حديث ابن عربي عن لقائه مع ابن رشد:

هذا وقد تحدث ابن عربي عن اللقاء الوحيد الذي جمعه بابن رشد الذي كان قد بلغ أوج مجده في نهاية عمره، في حين أن ابن عربي كان لا يزال في أول شبابه. وقال بما معناه: "لقد زرت أبا الوليد ابن رشد في بيته بقرطبة بناءً على رغبته في رؤيتي والاستماع إليّ. وكان قد سمع بالإلهام الذي حباني الله به في عزلتي الروحية. وقد أبدى دهشته مما سمعه عني. ولهذا السبب فإن والدي الذي كان صديقه الحميم أرسلني إليه في أحد الأيام لكي يراني ويعرف من أنا بالضبط.

وما إن دخلت البيت حتى نهض ابن رشد من مجلسه وأقبل عليّ بكل ترحاب وعززني وكرمني بل وقبّلني. ثم أجلسني إلى جانبه لكي يتحدث معي ويرى ما أملكه من علم. ثم قال لي: نعم؟ (أي نحن متفقان)، فقلت له: نعم...وعندئذ شعر بالارتياح وبدا الإنشراح على وجهه، واعتقد أني من تلامذته وأتفق معه في كل شيء. ولذلك استدركت قائلا: لا!.. فاغتمّ وبان الحزن على وجهه وتغير. وبدا وكأنه يشك في تفكيره والعقيدة الفلسفية التي توصل إليها. وعندئذ سألني: ما هو الحل الذي توصلت إليه عن طريق الإشراق والإلهام الرباني؟ وهل هو متوافق مع ما نتوصل إليه نحن عن طريق الفلسفة أو الفكر البرهاني؟ فأجبته: نعم، ولا!.. وذلك لأنه بين "النعم، واللا" تنطلق الروح حرة خارج مشروطية المادة وتنفصل الأعناق عن أجسادها!.. وعندئذ، أصفرّ وجه ابن رشد ورأيته يرتجف وهو يتمتم قائلاً: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والواقع أنه فهم مقصدي العميق وما أشير إليه وعرف أنه يتجاوز فلسفته العقلانية المنطقية أو يفترق عنها بعد أن يهضمها ويستوعبها". هكذا نلاحظ أن ابن عربي الذي يصغر ابن رشد بأربعين سنة كان أحد تلامذته الذين استفادوا منه في البداية ثم خرجوا عليه. لقد استفاد من علمه وعقلانيته البرهانية وفلسفته، ولكنه تجاوزها بعد ذلك إلى ما هو أبعد وأعمق؛ أي الفكر الإشراقي، الصوفي، الروحاني.

بهذا المعنى فإن ابن عربي كان يمثل التيار الآخر في الفكر الأندلسي والعربي الإسلامي في مجمله. كان يمثل التجربة الروحية والصوفية الكبرى في تاريخ الإسلام، في حين أن ابن رشد كان يمثل التيار العقلاني المحض. ولهذا السبب قال له أولاً: نعم، ثم أردف قائلاً: لا! (بنعم) كان يقصد أنه متفق معه على أهمية العقل وضرورة استخدامه، و(بلا) كان يقصد أن العقل وحده لا يكفي للوصول إلى الحقيقة الإلهية وإنما ينبغي أن نفتحه أيضاً على الخيال الخلاق والإلهام والتجربة الروحانية العميقة. بمعنى آخر فهناك "عقل فوقي" يتجاوز العقل البشري ويعلو عليه. وهذا ما لم يدركه ابن رشد أو الذي لا يتفق مع توجهه العقلاني الأرسطوطاليسي. ويرى ابن عربي أنه لا يمكن التوصل إلى العالم الآخر الذي يقبع خلف العالم الظاهري المحسوس إلا عن طريق هذا العقل الفوقي. وهذا ما أهمله ابن رشد بسبب استغراقه بفلسفة أرسطو الواقعية والمادية أكثر من اللزوم كما ذكرنا.

لقد اعتقد ابن عربي أن فلسفة ابن رشد ماتت أو وصلت إلى نهايتها بعد أن استنفدت كل إمكانياتها وطاقاتها. وبالتالي فإن الفكر العربي الإسلامي بحاجة إلى انطلاقة جديدة، وهذه الانطلاقة الرائعة سوف يكون رائدها وزعيمها محيي الدين بن عربي.

وعلى هذا النحو ظهرت كتبه الأساسية: كالفتوحات المكية، وفصوص الحكم، وترجمان الأشواق، وغيرها من روائع الأدب والفكر العربي ـالإسلامي. ذلك أن ابن عربي كان أديباً ضخماً وليس فقط مفكراً عميقاً أو روحانياً متصوفاً فذاً. وهنا يتفوق على ابن رشد الذي لم يكن شاعراً على الإطلاق. بهذا المعنى فإن ابن عربي كان وريثاً للأنبياء طبقاً للكلام المأثور "العلماء ورثة الأنبياء".