الآدمي القرآني والتلبيس الشيطاني: جدلية الحرية والحتمية

فئة :  مقالات

الآدمي القرآني والتلبيس الشيطاني: جدلية الحرية والحتمية

1- إذا كانت مسألة "الشيطان" مشكلة شيطانيّة، تستتر بحجب اللغة وشحناتها الرمزية، فليس من المبالغة القول بأن الشيطان في الفكر الإسلامي يمكن أن يُعتبَر أحد الأبعاد المؤسسة لمنزلة الآدمي الوجودية.

لا أدل على هذا المعنى من الآية الكريمة، التي تقرن بين سعي الشيطان وحرية الإنسان: "وما كان لي عليكم من سلطان إلاّ أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسَكم". أكثر من آية قرآنية تؤكد ضعف كيد الشيطان، وأن وسواسه لا يؤثر إلا في النفوس المستكينة والعقول الساذجة.

ما يعنينا في هذا الجانب الأول، أن التوجه الذي ساد في أدبيات الفكر الإسلامي قديما وحديثا، نادرا ما كان يعالج الحضور الشيطاني وفق ما أكده السياق القرآني الذي اهتم به أساسا من زاوية دلالته البيداغوجية لتربية الجنس البشري.

أغلب ما انساق فيه الباحثون عند معالجة الموضوع، كان قد اعتمد وجهة مغايرة لما أسسه الخطاب القرآني في تركيزه لحرية الآدمي، قيمةً أساس لاستخلافه في الأرض.

بتعبير آخر، ظل موقع الشيطان يفضح مفارقة انساقت فيها عموم أدبيات الفكر الإسلامي، إذ صار هذا الكائن شديدَ الالتصاق بالمسحة العجائبية المروّعة التي طبعته بها الوثنية العربية، وما ركّزه فضاء التصورات القديمة لشعوب ما بين النهرين، وما رفدها من رؤى وافدة من الهند.

بذلك تضاءل المقصد الأخلاقي القرآني، المفيد بذم الشيطان ودحره وأنه خنّاس يتراجع، رغم تحالفه مع نظرائه من الإنس، ليتضخّم على حسابه خنوع مفزع، يستهين بالذات الآدمية وإرادتها، وحاجتها إلى روحية إيجابية تدعم مسيرتها الاستخلافية.

لقد ساهم في هذا النكوص عدد من أصحاب المعاجم اللغوية، الذين اعتبروا لفظة الشيطان مشتقة من الجذر "ش ط ن"، وأن الشطن هو "الحبل الطويل الشديد الفتل". لم يعتنوا بأن الكلمة دخيلة على العربية، فلا حاجة إلى هذا التعسّف في إرجاعها إلى ثلاثي يتضمن دلالة القوة والشدة.

بذلك، لم ينتشر القول بالطابع السلبي للشيطان المقلّلِ من أهميته، القاصرِ أمره على كونه أحد الحوافز لحياة روحية وأخلاقية، تواجه نزعات الضعف والتخاذل. لم يبرز في فكرنا الأخلاقي- التربوي عامل التصادم البنائي مع الشيطان، على اعتبار أنه عقبة يجب على الإنسان تجاوزها، وأنه الافتراض الضروري الحافز للإرادة، للتغلب عليه.

2- مع ذلك، فقد حرص قديما عدد من العارفين والمفكرين والأدباء المجددين على الخروج من خطاب التثبيط والتخويف، متمثلين بوعي قولة : عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ذلك كان شأن جلال الدين الرومي في المثنوي، حين اعتبر أن الشيطان وأنانية الآدمي ليسا إلا شيئا واحدا، قبله كان رجل كابن سينا قد قلّل من أهمية الشيطان، ولم ير له سلطة فعلية. لم تختلف معالجة هذه المسألة عند أبي عثمان الجاحظ في كتابه الحيوان، فقد تناولها بأسلوبه المتميّز المُذكي للعقلية النقدية المتلمّسة في الواقع الاجتماعي والثقافي، ما يعتمل في نسيجه من تباين ومفارقات.

مثل هذه النماذج -على أهميتها وفعالية جهودها-، لم تفلح مع توالي نكسات الحواضر الإسلامية، في الصمود في وجه الذهنية الاتباعية، المتوجسة من الانخراط في المسيرة الاستخلافية للآدمي.

نقرأ مثلا، ما كتبه الحافظ بن الجوزي البغدادي (القرن السادس الهجري) في "تلبيس إبليس"، فنجد عجبا. من الاستعراض الحاشد للأحاديث والآثار والروايات المتعلقة بالشيطان، نقف على انقلاب مفهومي خطير في هذه القضية. مرجع هذه الخطورة يعود إلى طريقة التعامل مع مسألة ليست من أصول الاعتقاد، لكنها تحوّلت مع ذلك إلى عنصر تأثير بالغ في المجالات الحيوية من الشخصية الإسلامية. تحقق هذا الانزلاق المفهومي نتيجة ذهنية، وتصورات فرضت علاقة سلبية بالنصوص القرآنية والنبوية الصحيحة، المتصلة بهذه القضية.

يقول ابن الجوزي في مقدّمة التلبيس، معللا اختياره لطرق هذا الموضوع: "وضعتُ هذا الكتاب محذّرا من فتنة (الشيطان)، ومخوفا من محنه، وكاشفا عن مستوره ...ورأيت أن أحذّر من مكايده، وأدل على مصائده، فإن في تعريف الشر تحذيرا عن الوقوع فيه ..."

وراء هذه النوايا الحسنة يكمن صميم الإشكال الذي هو ليس في النصوص المعتمَدة، ولكن في الطريقة التي يستند إليها الكاتب عندما يتعامل مع تلك النصوص وينتقيها. جوهر الموضوع يتحدد في المنهج الفكري الذي يؤسَّس عليه الفهم، ويُلتَزَم به فيما يقع استنتاجه من جملة النصوص.

إذا كان مفهوم العداوة المُعلَنة بين الشيطان والآدمي أمراً قارًّا، فإن الفرق شاسع بين من ينزّله ضمن معنى دفاعي متوجس، وبين من يفهم تلك العداوة في سياق بنائي، يتحوّل فيه التحدّي إلى عامل إبداع وتجاوز.

بتعبير آخر، هناك اختلاف كامل بين من يعالج أمر الشيطان بمعزل عن كل بُعد فكري وجودي، وبين من ينزّل ذات الوجود ضمن دائرة الصراع بين حرّيتين: حرية تحوّلت إلى جبرية أحادية، عندما تبنّى الشيطان الشرَّ خيارا واحدا أبديا، وحريّة الإنسان الذي يخطئ دون أن يتحوّل خطأه إلى خيار نهائي.

3- ما فعله ابن الجوزي، وإن بدا من قبيل النصح الذي يراه البعض محمودا، فهو في الحقيقة تعبير عن تسطيح في الفكر الديني، لا يمكن أن يفضي إلاّ إلى تهافت نظرية التربية عند المسلم، وشحوب للنموذج الذي يُراد أن تتمّ تنشئة الأجيال عليه.

يتجلّى هذا القصور بما نلحظه في الاتجاه الآخر عند أبي حامد الغزالي في كتابه "أيها الولد المحبّ"، الذي ينطلق من رؤية مغايرة لذات الآدمي، وضرورة الاهتمام بما تحمله من مكامن القوّة ومواهب الحريّة. بذلك تكون التربية عنده أوّلا شحذاً وإبرازاً لقيمة الأفراد وطاقاتهم ضمن المجتمع. أما التحذير والتنبيه إلى المخاطر، فلا يكون إلا بالتبعية والعرض؛ لذلك فأوّل ما افتتح به رسالته في التنشئة قوله: "إن النصيحة سهلة والمشكل قبولُها"؛ ذلك أن التحدّي الرئيس في العمل التربوي هو الوعي بجدلية الحريّة، التي تمكّن المعلِّم من الوصول بالمتعلّم، إلى أن يكتشف نفسَه بنفسه. بناء الذات في ضوء هذه الجدلية لا يكون تلقينا أو تخويفا، بقدر ما هي رهان على المتعلّم، يصل به إلى امتلاك زمام ذاته بنفسه، "لأن العلم بلا عمل جنون، والعمل بلا علم لا يكون".

في هذا المستوى الأوّل، يقترن البحث في مسألة الشيطان بتصوّر للتوحيد، وفهم لمسألة الشرّ وما يتولّد عنهما من نظرية في التربية؛ أي أن إشكال بناء الذات الإنسانية هو أعقد من أية نزعة حمائية وقائية، لأنه يتطلّب وعيا يؤسس لمعنى الوجود، وتمثّلا شاملا لوحدانية الله وعدله، ومتطلبات موقع الآدمي المتميّز بالعقل، والحريّة في الاختيار التربوي.

إجرائيا، يؤكد الدكتور المهدي المَنْجَرَة- أحد كبار المهتمين بالدراسات المستقبلية في العالم الإسلامي- هذا المعنى بقوله: إن سرَّ الابتكارات التكنولوجية الغربية التي تحقق زيادة ضخمة في الكفاءة الإنتاجية، يكمن في مدى النجاح الذي تحققه كل أمة في إقامة التربية والتعليم، الملائمين للتغيير المجتمعي الذي تريده.

مثل هذا التأكيد يثبت عمق العلاقة بين نظرية التربية وخلفيتها العقدية، وما تؤدي إليه من تصوّر للإنسان، ضمن جدلية الخير والشر، وتبعاتها على أرض الواقع وآفاق المستقبل.

لكننا إذا أردنا أن نفحص مسألة الشيطان بصورة أكثر تدقيقا، فإننا نجد أنها تتجاوز المجال العقدي- التربوي، وما اعتراه في عالم المسلمين من ارتباك.

المسألة في جانبها الثاني، تعود إلى النظرية المعتمدة في التفسير. ذلك أن ما أعان على تفكك نظريتنا التربوية، وقوّى فيها عنصر الترهيب، ذلك المنهجُ السائدُ في تعاملنا مع النص القرآني.

4- كيف يمكن اعتبار مسألة الشيطان مثالا كاشفا، يمكن من خلاله الوقوف على جانب ثانٍ من جوانب تعثر تصوّرنا العقدي، ومنظومتنا الفكرية، وأثر ذلك في قصور فاعليتنا الحضارية؟

ما يبرز في الخطاب القرآني، هو أن الشيطان له حضور محدود في كامل النص المؤسس، وأن دلالات الورود كلها تربطه بالفعل الإنساني وقَدَرِه الاستخلافي. الشيطان مخلوق منعدم التأثير على العالَم ومسيرة الكون والشرُّ – من ناحية ثانية- لا يصدر عنه بقدر ما يصدر عن النفس الإنسانية الحرّة والمسؤولة. مؤدى هذا أن مكانة إبليس في الخطاب القرآني هامشية جدا، مقارنة بالموقع المحوري للآدمي في المسيرة الكونية. هذا التشخيص يعطي الخطاب القرآني طابعا مميَّزا، لا يمكن أن يخفى مقارنةً ببعض الديانات الأخرى، التي اعتنت بالشيطان عناية بالغة، بلغت حدّ الإقرار بوجود أصلين أزليين: النور والظلمة أو الروح والمادة، يكونان دائما في حالة تصارع متواصل.

أصالة الخطاب القرآني، إذن، في مسألة الشيطان، تتحدد أوّلا في ضوء عقيدة التوحيد التي تنطلق من الأصل الواحد للوجود، وأنه تعالى في مفارقته للعالَم يظلّ حَفيًّا به فاعلا فيه. بذلك تحققت إرادة استخلاف الآدمي، التي تقتضي حريّته سُـنَّةً لخلقه ضمن سيرورة الزمن. في هذه الدائرة التي تكرّس اختيار الإنسان، وقدرته على الاهتداء بين سبل الخير والشر، يتأكد أن طرد الشيطان عن مقام القرب لم يكن اعتباطا أو عفوا، بل جاء نتيجة اختياره للشر مسلكا ثابتا لا يتحوّل عنه، بينما تكون دائرة استخلاف الآدمي لا تعني خيارا نهائيا لا رجعة فيه، بل انفتاحا على احتمالات مختلفة. وهذا ما يؤكده الخطاب القرآني المتعلّق بالشيطان، من إثبات لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر، وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثار التنازع والتخاصم في الأرض، ومبدأ تحقق خيار الآدمي المستخلَف.

5- أهم ما يعنينا في هذا المستوى، هو أن عدم الاتفاق على نظرية في التعامل مع الخطاب القرآني، وعلى أصالة هذا الخطاب، دفعت بعدد من المفسرين إلى طرح أسئلة نأت بالفكر الإسلامي عن المعاني والدلالات التي أسبغها القرآن على الإنسان أساسا، من خلال استدعاء الشيطان.

ذلك أدّى إلى ذهول فاضح عن "كليات القرآن" المكوّنة لوحدته الأساسيّة، والتي تجعل له نظرة للعالَم موقفا محدّدًا من الحياة.

إنه القصور الذي يفضي إلى تشظّي الوعي، وإلى العجز عن الاهتداء لأنجع الحلول، التي يتطلبها الواقع المتجدد والأحوال المتغيّرة.

الحاجة إلى نظرية في التفسير تغدو - على ذلك - مطلبا معرفيا وحضاريا، تعيد الاعتبار للتصوّر القرآني، مما يُنَسِّب أفهام القدامى ومعالجاتهم، وما أحاط بهم من مناخ ثقافي واجتماعي خاص.

هذا ما نحسب أنه انتهى إليه فضل الرحمن في مطلع كتابه "الإسلام وضرورة التحديث"، حين أكّد في دراسته عن التغيّر الاجتماعيّ وعلاقته بالنزعة العقليّة الإسلامية، أنّ الأمر موصول بأسلوب تفسير القرآن، وأنّ تعثّرات الحاضر وعدم نجاعة الأدوات الفكريّة المعتَمدة، إنّما يرجع إلى الافتقار إلى المنهج الصالح لفهم القرآن نفسه.