الأمراض الاجتماعية المتوطنة

فئة :  مقالات

الأمراض الاجتماعية المتوطنة

كما توجد أمراض متوطنة، مثل (البلهارزيا) و(الملاريا) في مناطق في العالم؛ فهناك من الأمراض الاجتماعية المستحكمة في مفاصل المجتمع بأشد من الروماتزم الخبيث.

وإذا كان المرض يولد المرض، ويهيء الجو لمرض لاحق، مثل السكري والسل، كذلك تفعل العواطف؛ فالإحباط يولد العدوانية.

وإذا كانت الأمراض تحلق معاً، مثل سرب الطيور؛ فتغتال الجسم، كذلك تفعل الأمراض الاجتماعية.

والمجتمع العربي اليوم يعاني من حزمة من عشرة أمراض تشكل حلقة تتبادل التأثير الخبيث، هي:

(1)(إجازة الغدر).

و(2)(تأليه القوة).

و(3)(احتقار العلم).

و(4)(تبرئة الذات واتهام الآخرين).

و(5)(الإيمان بالخوارق).

و(6)(تقديس السلف).

و(7)(ظن أن النص يغني عن الواقع).

و(8)(الاهتمام بفضائل الجهاد من غير معرفة بشروط الجهاد).

و(9)(ورفض الديمقراطية مع أنها أقرب إلى الرشد من كل ما عليه المسلمون) .

و(10)(ظن أن الأحكام لا تتغير بتغير الأزمان أي كأن العدل لا يمكن أن ينمو أكثر فأكثر).

نحن نحتفل في (أعياد الغدر) وجعلناها (مناسبات وطنية) تعطل فيها المدارس والدوائر الرسمية، وهي ذكريات الانقلابات في الظلام، وسرقة الشرعية من الأمة.

وأما (تأليه القوة)، فهو مرض أموي منذ أن رفع معاوية السيف؛ فقال من لم يبايع هذا، وأشار إلى يزيد، فله هذا وأشار إلى السيف.

وما زال السيف يحكمنا، حتى إشعار آخر.

أما (احتقار العلم)، فشاهده عقم الإنتاج العلمي وشح التآليف والدوريات.

أما(تبرئة الذات)، فنحن نرى أن مشكلتنا هي إسرائيل وأمريكا، ولا يخطر في بالنا أن نراجع أنفسنا لنطرح السؤال المزعج ما الذي يسبب المرض؟ هل هو وجود الجرثوم أم انهيار الجهاز المناعي؟

أما(الإيمان بالخوارق)، فالجو عابق بالخرافة، ينتظر الزعيم المخلص، وما زالت الجن ناشطة في ربوعنا، وهناك من يوزع البطاقات الانتخابية، مثل الحروز والتمائم، ويتحول الزعيم السياسي إلى (شيخ طريقة) يبايع على السمع والطاعة في بيعة أبدية، ويرقص الأتباع طرباً ليس على ضرب الصنج والطبل، بل الزعيق بالروح بالدم نفديك يا أبا الجماجم... إلى الأبد إلى الأبد، في تظاهرات لو رآها الألمان في فرانكفورت، لظنوا أنها مجموعة ضلت طريقها من مصح الأمراض العقلية.

نعم، إن الوطن تحول إلى مصحة كبرى بقضبان وهمية بدون علاج وأطباء، في وطن يمشي على رأسه إلى الخلف. ولكن من يمشي على رأسه يخسر رأسه ورجليه معاً....

أما (السلف الصالح)، فهو يحترم ولا يقدس. ويستأنس به ولا يوقف عنده. ويستفاد منه ضمن خطة نقدية. والعلم يمثل حالة تراكمية من تبادل عمليتي الحذف والإضافة.

وفوق كل ذي علم عليم.

وأفكار الرازي حول معالجة الأنورزما (أمهات الدم) جيدة، عندما نصح بعدم (بطها) وربطها بخيطان حرير؛ فهي معالجة سليمة في وقتها، ولكن طرائق تصنيع الأوعية في الجراحة حالياً من وضع أنابيب داخلية بخطافات معدنية (Stenting) بدون شق البطن، تجعل ما أوصى به الرازي ذو قيمة تاريخية.

وإذا كان هذا ينطبق على كتاب الرازي الجراحي، فهو يصلح لفهم القرآن؛ فلا يمكن إضاءته بتفاسير قديمة، مثل ابن كثير، كما لا يمكن فتح جمجمة بأدوات فرعونية إلا إذا رجعنا إلى عصر بيبي الثاني، ولا يمكن تدريس السيرة على شكل مسلسل من (الغزوات والمعجزات) فلا بد من إعادة تصنيع الثقافة. وكما كان للطب أدوات من مشرط وملقط؛ كذلك كان الأمر مع العلوم الحديثة والأدوات المعرفية المساعدة.

وأما (فك ارتباط النص عن الواقع)، فهو يجعل أحدنا معلقا في الهواء، أو تهوي به الريح في مكان سحيق؛ فلا قيمة للنظريات بدون ممارسة، والطبيب لا يكون ناجحاً بدون تردد حي بين النظرية والممارسة.

وجدلية من هذا النوع تقود إلى تصحيح التصور ودفعه باتجاه التطوير.

ونحن نرفض (الديموقراطية) لأنها غربية لا تناسبنا، ولكن لم يخطر في بالنا أن نقول أن السيارة غربية، وعندما نقلنا البرلمانات بنينا عمارات شاهقة بصالونات فخمة، ولكنها كما وصف الإنجيل القادة العميان، "مثل القبور خارجها أبيض مطلي ومن الداخل نجاسات وعظام أموات"، إنها حكاية بئيسة ينقلها أخرس عن آخر مهمته الكلام.

وأما (الجهاد)، فحصرناه بالقتال، ويمكن لأي مجموعة ناقمة أن تنظم نفسها وتنقض على أي نظام حكم وتقول عن عملها أنه جهاد في سبيل الله، كما لو أجرى جراح عملية جراحية كبرى في سوق الخضار بدون تهيئة الشروط ، ودخول الجراحة بشروط تعقيمية مشددة.

الكثير يعتبر (الديموقراطية) كفرا، ولا يخطر في بالنا أن قضية التوحيد سياسية وليست تيولوجية، وأن الأنبياء نادوا بكلمة السواء، ألا يتخذ البشر بعضهم بعضا أربابا. إذن، كانت مهمة الأنبياء سهلة ومريحة.

وعندما نقرأ آية (ملك اليمين) لا يخطر في بالنا أنها آية نسخها الواقع، وليس لها سوى قيمة تاريخية، وأن كمية العدل غير قابلة للنكس والتوقف.

إن حزمة الأمراض هذه في العالم العربي واحدة في النوعية، ومختلفة في درجة السمية، مثل التيفوئيد؛ فهو يتظاهر عند مريض بارتفاع الحرارة، أو قد يضرب القلب والشغاف عند مريض ثان، أو قد يثقب الأمعاء بنزف خطير عند ثالث.

وفي السياسة نرى دولاً نزفت، مثل الجزائر والعراق ومصر وأفغانستان، وأخرى تئن من الديون الخارجية، وثالثة في حالة اختناق سياسي، مثل سوريا.

وخشعت الأصوات للحاكم فلا تسمع إلا همسا.

وأمام المرض العاشر وجب الاستفاضة بالبحث وضرب، مثل صارخ عليه هي إشكالية كلمة فاضربوهن التي حاول النيهوم الليبي أن يقول إنها تصحيف كتابي، وهي فاعزبوهن، ولكن مثل هذا يدخل الخلل إلى كل بنية القرآن، في الوقت الذي ذهب محمد قطب إلى أنه علاج سيكولوجي، ولكن لم يخبرنا لماذا لا تضرب المرأة زوجها إذا كان للعلاج.

* خالص جلبي كاتب سوري