الإسلام السياسي وتخليق الدولة الناقصة بالدين

فئة :  مقالات

الإسلام السياسي وتخليق الدولة الناقصة بالدين

ثمّة في إيديولوجيا الإسلام السياسيّ بعض الصلاحيّة، قد يجوز ردّها لا إلى النسبيّة التي في كلّ إيديولوجيا وحدها - ذلك أمر مفروغ منه، وهذه الحقيقة تجعلها واحدة من الإيديولوجيّات بصفتها معارف عمليّة، مادام الإشكال موجوداً، نقصد إشكال السياسيّ عامّة والدولة خاصّة- وإنّما يجوز ردّها أيضاً إلى نسبيّة كلّ معرفة نظريّة.

وقد تردّ أيضاً إلى شروط المنوال الديمقراطيّ المكونن قسراً بالعولمة، وما يستتبعه من تعدّديّة قيميّة تكاد توقع في الفوضويّة أو العدميّة. ففي هذا المنوال لا يجوز نظريّاً وعمليّاً الحديث عن الرّأي الواحد، أو العقلانيّة الواحدة، أو الرؤية الواحدة للعالم و الحياة.

الأسباب عديدة في الواقع لتشريع حقّ الإسلام السياسيّ في أن يوجد، ويفكّر منظّروه. ودون الدخول في عمليّة تقييم للصلاحيّة النظريّة للطرح السياسي الذي يتقدّم به ممثّلوه، ودون الرجوع إلى جملة الأسباب الاجتماعيّة التي يحصيها دارسوه دوافع ممكنة لنشوئه، يمكن الحديث من منظور علم السياسة عن سببين رئيسين على الأقلّ، يبدوان أهمّ من غيرهما.

السبب الأوّل يعود إلى إرث العمليّة التأسيسيّة التي أنجزها ماكيافال للدولة؛ فمنذ أن قدّم لها الأساس النظريّ الذي حوّلها إلى مقرّ مجرّد للقيمة، استقلّت الدولة بسلطة الإلزام، و تحرّرت من كلّ إكراه للأخلاق أو للدّين. لقد استنّ ماكيافال للدولة منهجها الذي سيلازمها باستمرار، رغم المساعي المستمرّة لتلطيف الطاعة، وإعادة وصل السياسيّ بالإنسان. فمن ههنا استمرّ الهاجس قائماً: كيف السبيل إلى ترويض هذا اللّوفياتان الذي صنعه الإنسان بيديه، و فكّ قيوده،فصار يهدّد بالتهام صانعه؟

يجوز توصيف هذا الإشكال بطرق شتّى، أبرزها أنّه في النهاية إشكال تخليق السياسة الناقصة من جديد بعد أن وضح أنّ تحريرها من قيد الأخلاق يسبّب خسائر بالجملة.

أمّا السبب الثاني، وهو متّصل بالسابق، فهو الوضع الذي صارت عليه الدولة في الحاضر، بعد أن نظر إليها الحلّ الأمثل لمشكلة الاجتماع البشريّ، مشكلة تعارض النزعات والأهواء والمصالح هي المشكلة الأصليّة للسياسيّ، التي تحدّث عنها بعبارات الوازع، أو السلطان القاهر، أو الإرادة الطيّبة، أو الإرادة العامّة، مشكلة الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة الاجتماع، أو من حالة الفرديّة إلى حالة الجماعيّة.

كثيرون تصدّوا لهذه المشكلة، قبل ماكيافال وبعده، وأنتجت آراؤهم شتّى الحلول الممتدّة من أقصى درجات التقوية لكيان الدولة (توماس هوبس، جيهان بودان، غيورغ هيغل..) إلى أقصاها إضعافاً لهذا الكيان ( كما مع الفوضويّة : جوزاف برودون، ميخائيل باكونين...).

لكنّ الواقع أنّ الدولة صارت الحقيقة الموضوعيّة التي نعيش بها ونعيشها، وتكتسح كلّ مناحي حياتنا، حتّى منحاها الخاص، هي تدخل علينا في كلّ أماكننا التي نعرفها، والتي لا نعرفها، وتتحكّم في صياغة أذواقنا نفسها.

وصفت حنّا آرندت ذلك، وجمّعته تحت عنوان التوتاليتاريّة هي حسب مارسيل غوشي صفة الدولة المهيمنة على عصرنا الحالي، وهي حسب فلهالم رايش صفة كلّ الأجهزة التي تسيّر المجتمعات الإنسانيّة. وحسب آخرين هي من الخصائص المتولّدة عن الحداثة نفسها التي يراها أنطونيو نيغري في السلطة الممأسِسة ( بصيغة اسم الفاعل) للمجتمع المقولبة له، فما لا يطحن في آلتها يلفظ.

لوصف هذا الوضع الذي صارت عليه الدولة، وضعت أيضاً مفاهيم كثيرة تسمّيها، كالدولة الراعية أو دولة الرعاية، والدولة العالمة، ومجتمع اللاّ دولة. كلّ هذه المفاهيم نعت لخصائص مجرّدة، دورها تعيين مسالك الهيمنة (السياسيّة) والاستغلال (الاقتصاديّ) الملازمين للدولة والمخترقين للحياة الاجتماعيّة في كليّتها.

من ههنا يبدو أنّ للإسلام السياسيّ عندنا، كما لسائر الأحزاب الدينيّة في العالم، وكما لكلّ من وضع الدولة في موضع سؤال، الحقّ في الاحتجاج على الدولة. ومن ههنا أيضاً حقّه في أن يدعوها إلى استعادة علاقتها بالأخلاق، بل إلى أن تتخلّق هي نفسها، بصرف النظر عن كلّ ما يتبع ذلك من توق لمعاندة تطوّر التاريخ والاحتفاظ بنموذج حضاريّ فقد صلاحيّته التاريخيّة.

ليس الإنسان آلة تعامل بميكانيكيّة. ينبغي لتأطير حياته، ومساعدته على تحقيق خلاصه، ههنا وهناك، أن نحسن تعريفه. وما أصعبها من مهمّة ! قد يصلح لوصف هذه الصعوبة أن نعرّف الإنسان بأنّه وجهة نظر مفتوحة إلى ما لا نهاية له، فكيف يصحّ حصره في وجهة نظر واحدة، وممارسة ذلك عليه قسراً بآلة في ضخامة آلة الدولة؟ أليست الدولة نفسها وجهة نظر في سياسة الناس وإدارة حيواتهم؟

لكنّ الإشكال في الإسلام السياسيّ أنّه بدل أن يواجه الدولة بعلاج أسوأ ما فيها يقع في حبائلها، يحدث له ما يحدث للفارس الذي يريد أن يسرق نار التنّين : يعارض منظّرو الإسلام السياسي الدولة، وينعتونها بأبشع الصفات، فهي في نظرهم الدولة التي دخلت علينا بالحديد والنار، ودولة الغرب الاستعماريّ، والدولة العلمانيّة الملحدة. لذلك ورغم كلّ الجهد المبذول لتوضيح حسن النوايا تجاهها، فهي تبقى في النهاية دولة الضرورة التي يهون في سبيلها أن تراق الشورى في قالب الديمقراطيّة، حفظاً لكيان الأمّة من الفتنة المهدّدة لوجودها، ولكن حرصاً على نيلها للنيل منها. مهما قدّم من تلفيقات تركّب جهاز الدولة على فكرة المشروع المجتمعيّ الإسلاميّ، فإنّ الدولة تمثّل عند دعاة الإسلام السياسي في الغالب الهدف المستهدف الذي ينوى ابتلاعه في السياق الخلافيّ الذي يبقى كما قال البنّا "مهوى الأفئدة".

تنتقد الدولة من قبل دعاة الإسلام السياسيّ أيّما انتقاد، ولكنّ البدائل التي تقترح لتنوب عنها تكرّر أسوأ ما في أخصّ خصائصها : الامتثاليّة (conformisme) المرتبطة بما يسمّيه أنطونيو نيغري بالسلطة الممأسِسة (بصيغة اسم الفاعل) (le pouvoir constituant)، لا بمعنى المأسسة المقصود في القانون الدستوري، إنّما بالمعنى الذي يشرحه نيغري بصفته السّمة الرئيسة للعقلانيّة الأداتيّة المميّزة للحداثة. هذه السّمة يفسّرها نيغري أوّلاً بكليانيّة تستولي على الإبداع الفرديّ والجماعي الذاتي وتدمجه في العقلانيّة الأداتيّة الخاصّة بنمط الإنتاج الرأسماليّ المعولم. ومن هنا تكون الدولة كما الحداثة نفياً لكلّ إمكانيّات تعبير الكثرة عن ذاتيّاتها من داخل الوحدة التي تعيشها في الدولة. وثانياً بسعي الحداثة إلى إبقاء التعدّد والتنوّع في المستوى الاجتماعيّ، واستبعاده من المستوى السياسي، من خلال عزل السلطة الممأسسة للاجتماعي في المستوى الاجتماعيّ، وتكريس تعالي السياسيّ عن الاجتماعيّ.

يرجع إلى كتاب الإيطالي أنطونيو نيغري، السلطة الممأسسة...، المطبعة الجامعيّة بفرنسا، ص 425-429 ( Antonio Negri, Le pouvoir constituant…, P.U.F, 1992, p425-429)

حين كان نيغري يصف الحداثة، كان في الواقع يقدّم لنا سياق الدولة؛ فالكليانيّة النافية للتعدّد بالسلطة الممأسسة للعقلانيّة الأداتيّة الحداثيّة، والعازلة له في المستوى الاجتماعي عن المستوى السياسيّ، هي عين الامتثاليّة التي تفرضها الدولة. هذه الامتثاليّة التي تمارس في سياق الدولة على معاملات الإنسان الخارجيّة تكرّر دون وعي من قبل دعاة الإسلام السياسيّ في تصوّرهم للدولة الإسلاميّة البديلة. ولكنّ الأسوأ من ذلك أنّ ما كان هناك يتوقّف في السطح من حياة البشر، يريد له دعاةالإسلام السياسي أن يغوص إلى ضمائرهم أيضاً. فحين يعتبر هؤلاء أنّ خلاص الإنسان بعديّ، وأنّ دور الدولة خلف دورها السياسيّ المباشر - في شبه بولاية الفقيه الشيعيّة- الإعداد له، وحين يعتبرون أنّ الحكم سياسة للدنيا بالدين كما يوضّحه تعلّقهم بالمقولة المفتوحة على كلّ احتمالات التفسير؛ أي مقولة تطبيق الشريعة، هم يوشكون بقوّة على منح الدولة سلطة أخرى، هي قدرة إضافيّة على أن تتدخّل في تشكيل الإنسان، ومحاصرته وتوجيهه، لا بسبب ضيق الشريعة، إنّما بسبب الضيق الذي يفرض على رحابة الدين لمّا يصبّ في قالب الدولة الممأسسة.

يبقى مطلب تخليق السياسة الناقصة بالدين من الممكنات الجائزة لكلّ تفكير في تخليق السياسة الناقصة اللاّ أخلاقية، إلاّ أنّ البحث فيه عند دعاة الإسلام السياسيّ بآليّات تفكير الدولة نفسها، وبأدواتها نفسها، وإدراجه في وجهة نظر وحيدة عن الدين، يوشك أن يضاعف المشكلة لا أن يقدّم الحلّ.