"الإسلاميون بين الدين والسلطة"

فئة :  قراءات في كتب

"الإسلاميون بين الدين والسلطة"

"الإسلاميون بين الدين والسلطة"

إدريس الكنبوري، منشورات طوب بريس، الرباط، 2013، 178 ص


1- في مقدمة هذا الكتاب، يقول المؤلف: "لقد عكفت الكثرة الكاثرة من التحليلات والكتابات التي واكبت موجة الربيع العربي وبروز الإسلاميين، على التفكير في التحولات السياسية التي يمكن أن تنشأ بسبب صعود تيار الإسلام السياسي إلى السلطة في عدد من البلدان العربية، وبعضها، وهو قليل، عكف على ملاحظة التحولات الاقتصادية المرافقة للتحولات السياسية. وكان السؤال الأساسي الذي يسيطر على جميع تلك الكتابات هو: ماذا سيفعل الإسلام السياسي في السياسة والاقتصاد"؟

ويتابع الكاتب: لقد "كانت وجهة نظري، وما زالت، أنّ مثل هذه الأسئلة نابع من البراديغم الذي تشكل في عقولنا عن الإسلام السياسي طيلة العقود الماضية. فقد قدّمت الأنظمة الحاكمة هذا التيار على أنه طالب سلطة، وقرأه الجميع باعتباره طالب سلطة، وكان هو نفسه يركز على السلطة بشكل كبير، حتى لم يعد من الممكن رؤية أي بعد آخر من أبعاد الإسلام".

ونتيجة لهذا الواقع، يقول المؤلف: "نتج ما يلي: أننا صرنا ننظر إلى الإسلام السياسي على أنّه مجرد حركة سياسية في الواقع السياسي، ممّا ضخّم التعاطي السياسي معه، وقلص من التعاطي الفكري والثقافي والعقدي. ولأنّ البعد الفكري والثقافي والعقدي غاب في معالجة ظاهرة الإسلام السياسي، فقد ساد التقليد الذي يقول إنّ هذا التيار لا يهمّ الأمّة، بجميع مكوناتها الفكرية، بقدر ما يهمّ السياسيين، ولذلك، بدل طرح السؤال: ماذا سيفعل الإسلام السياسي في السياسة والاقتصاد؟ يتوجب أولاً طرح السؤال الآخر: ماذا سيفعل هذا التيار في الإسلام نفسه؟".

2- ينقسم كتاب "الإسلاميون بين الدين والسلطة" للباحث إدريس الكنبوري، إلى ثلاثة فصول كبرى، حاول الباحث خلالها تلمّس الإشكالية البنيوية الكبرى التي عرض لمفاصلها بالمقدمة أعلاه:

ـ في الفصل الأول "الإسلام والتحوّل التاريخي الكبير في العصر الحديث"، يلاحظ المؤلف أنه "طوال التاريخ الإسلامي ظلّ العلماء الفئة التي أُوكلت إليها مهمة الإصلاح، وهي مهمة كانت تعمل في اتجاه مزدوج: اتجاه السلطة السياسية عبر النصيحة أو النقد أو حتى الدعوة إلى التمرد أو الخروج بالمصطلح الفقهي في حال انسداد القنوات مع السلطان، واتجاه المجتمع عبر التربية والتعليم والإفتاء والخطابة" وما سواها.

إلا أنّ القضاء على سلطة العلماء في العصر الحديث، أي في مرحلة ما بعد الاستعمار في البلدان العربية، كان في جزء منه أحد العوامل المساعدة على ظهور الحركات الدينية الإسلامية، لسد فراغ لم يكن مقبولاً أن يظلّ شاغراً. لقد "أغلقت الدولة الوطنية الحديثة باب حرية القول والكلام أمام العلماء، ومنعتهم من أداء دورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فوق المنابر، فكان من الطبيعي أن تظهر جماعات تريد القيام بالدور نفسه، لكن من تحت الدهاليز وفي إطار العمل السرّي والمسلح".

إنّ النقاش حول الإسلام عموماً، وحول موقعه من الدولة على وجه التحديد، قد أريد له الغياب منذ ميلاد هذه الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد الاستعمار. يقول الكاتب: لقد نشأت الدولة العربية الحديثة على عجل. وارتبط ذلك الاستعجال بهدفين أساسيين: الهدف الأول هو الإسراع في رسم الحدود السياسية بشكل لا يتمّ المساس بها لاحقاً، والهدف الثاني هو الحيلولة دون صعود أو إشراك أي قوى اجتماعية/سياسية في السلطة، لا سيما علماء الدين أو "النخبة التقليدية" بمنطوق البعض.

وبخلاف الدولة في أوروبا، التي حصل حولها الإجماع، ونتجت عن توافق بين مختلف التيارات، بقيت الدولة العربية الحديثة تعبيراً عن مصالح فئة معينة وخارج أي إجماع، ولذلك "ظلت هويّة هذه الدولة محل صراع طيلة العقود الماضية، وهذا هو السبب في ظهور قوى سياسية تحاول كل منها الانتصار لهويّة معيّنة للدولة، ما بين دولة اشتراكية أو دولة ليبرالية أو دولة إسلامية، بحيث لم يكن الصراع حول سياسات الدولة واختياراتها كما هو الأمر في الغرب، بل حول هويّة هذه الدولة وشرعيتها من الأصل".

لقد أنشأت الدولة العربية الحديثة نخبة دينية خاصة بها، عبر خلق مؤسسات دينية تحت مراقبتها، وفرضت سقفاً معيّناً للنقاش في الإسلام، من خلال إلزام مواطنيها بخط مذهبي معين، ووجهة نظر محددة في الشؤون الدينية، ولكن ذلك زاد من تعقيد المشكلة، بدل حلها أو التخفيف منها. فقد أصبحت تلك النخبة العلمية محل شبهة في أعين القوى الاجتماعية الأخرى، سواء كانت دينية أو غير دينية (علماء السلطان يقول هؤلاء، قوى الرجعية يقول أولئك).

بالتالي، فقد أدّى ظهور ما يُسمّى بالإسلام الرسمي، الذي هو "دين الدولة"، إلى نتائج سلبية تضرّر منها الإسلام نفسه ضرراً كبيراً، وأبرز هذه الأضرار هو أنّ الإسلام المعارض لإسلام الدولة، تقلص إلى أن أصبح مجرّد برنامج صغير للحكم والسلطة، لكنه بات رويداً رويداً كنه ما يُسمّى بـ"الإسلام السياسي".

وعبارة "الإسلام السياسي" فيها الكثير من الغموض والالتباس برأي الكاتب. فقد يكون المقصود بالبداية إدخال الدين في السياسة، وعليه نقول إنّ الإسلام كان دائماً سياسياً، بل إنّ القرآن لم ينزل لكي يُقرأ في البيوت، وإنما لكي يقود المجتمع، ولكي تكون الدنيا مزرعة للآخرة. لكن المقصود اليوم عندما يتم الحديث عن الإسلام السياسي، هو "تقليص الدين إلى مجرد أدبيات سياسية، أو برنامج حزب سياسي فحسب. وحتى عندما يقول أصحاب الإسلام السياسي إنّ الإسلام دين شامل، فهم يأخذون منه الشق السياسي ويتخطون الباقي".

إنّ الإسلام السياسي المعارض لم ينشأ إلا بعدما استغلت الدولة العربية الحديثة الدين لأهدافها السياسية، وحوّلته إلى أداة للحكم، ومصدرٍ للمشروعية السياسية، ومبررٍ لمحاربة المعارضين لها باسم الدين نفسه. وبهذا الاعتبار فليست الحركات الإسلامية، كما هي معروفة اليوم، هي "المسؤولة عمّا آل إليه الإسلام، بقدر ما هي مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى".

لقد أدّت مأسسة الدين تحت كنف الدولة وفي ظل توجيهها، إلى توحيد الفهم للدين لدى العموم، ومن ثمّ القضاء على التعددية في فهم النص الديني، وتفسيره وتنزيله، وقد شكّل ذلك "قطيعة كبرى ومفصلية في تاريخ المسلمين، وطريقة تحصيل العلم التي كانت سائدة في الماضي، كالتتلمذ على الشيوخ مثلاً، واختيار المتعلم للشيخ الذي يريد تلقي العلم عنه والسفر في طلبه"، لا سيما أنّ هؤلاء الشيوخ كانوا في الماضي بمثابة مدارس للعلم، وكان الأخذ عنهم بمثابة التخرّج في مدرسة معيّنة، لديها مناهجها في التعامل مع النصوص وفي فهم الواقع.

إنّ هذا التحوّل المفصلي الكبير في موقع الإسلام ومركزيته، قد برز بقوة منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، "ويمكن القول إنّ هذا التحول ربما كان الأكبر من نوعه منذ ما يُعرف بإغلاق باب الاجتهاد. وزاد من تعميق هذا التحول أخذ الدولة العربية المعاصرة بالتشريعات الغربية التي بدت كأنها قطيعة مع التشريع الإسلامي، الذي تمّ تضييقه في نطاق محصور ضمن الأحوال الشخصية وقضايا الميراث".

إنّ سقوط الخلافة قد أصاب العرب والمسلمين في المقتل، إذ "وجدوا أنفسهم لأول مرّة منذ وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عراة تماماً من أي مرجعية، كما أنهم وجدوا أنفسهم لأول مرّة يفكرون من خارج إطار الخلافة، ومن داخل إطار جديد هو الدولة الوطنية الضيقة الحدود"، لكن المهيمنة والمستبدة سياسياً وعلى مستوى توظيف الدين.

ـ في الفصل الثاني (الدين والسياسة: إعادة التأسيس) يقول الكاتب: "كان السؤال الجوهري، في الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن الذي يليه، هو كيف يتمّ الحفاظ على الوضع القائم، أي الخلافة العثمانية، مع إدخال إصلاحات عميقة في بنيتها الداخلية، بحيث لا يسقط البنيان من أساسه. وقد اهتدى المصلحون الأوائل إلى أنّ الجواب الطبيعي على هذا السؤال الدقيق هو تحقيق الشورى وتجاوز الاستبداد، سواء كان استبداداً سياسياً باسم الدين، أو كان استبداداً عارياً. ونظراً لأنّ السياسة كانت بيد الحاكم، ونظراً إلى أنّ الحاكم تمثله مؤسسة الخلافة، وهذه الأخيرة ذات مشروعية دينية، فقد كان من الطبيعي أن يثار النقاش حول علاقة الدين بالسلطة، أي حول المشروعية الدينية للخلافة، من أجل وضع أداة عملية لنقل هذه المشروعية إلى السلطة، دون أن يكون الأمر مجرد اختطاف لها، وكانت هذه الأداة هي الشورى".

يذهب محمد رشيد رضا، برأي الكاتب، إلى أنّ المسلمين لم يدركوا في بداية القرن العشرين مبدأ الشورى القرآني إلا بعدما فتحوا أعينهم على الديمقراطية في الغرب، وهذا يعني أنّ "آيات الشورى في القرآن والسُنّة إمّا كانت مغيّبة تماماً في الوعي الجماعي، أو أنها كانت تُفسّر تفسيراً استبدادياً لإدامة سلطة الحاكم، عبر علماء فاسدين كانوا يتعمّدون تفسير النصوص، لانتزاع المزيد من الخضوع من العامّة، ومنح المزيد من الطاعة للحاكم".

المعركة كانت إذن معركة إعادة تفسير النصوص الدينية، أو لنقل معركة استعادة النصوص الدينية من يد الحاكم، بعد أن صادرها لحسابه طيلة قرون من الزمن، من أجل إعطائها معانيها الحقيقية، التي تقف إلى جانب ذوي الحقوق، أي الرعية، قبل ميلاد مفهوم المواطن.

لم يكن التركيز على الشورى مجرّد إعادة إحياء وتأصيل لمبدأ قرآني وسنّي فحسب، بل كان أيضاً "بمثابة إعادة إحياء لدور الأمّة في صياغة المجال السياسي. فبقدر ما كان التراث الهائل حول الطاعة في الفقه السياسي يرمي إلى تقوية مركز الحاكم مقابل تقزيم موقع الأمّة، كان تركيز الحديث على مبدأ الشورى محاولة لنقل المبادرة إلى الأمّة مقابل تقليص دور الحاكم، ومن ثمّة إحداث التوازن بين الطرفين، بعد قرون طويلة من تغييب دور الأمّة عن القرار".

بالتالي، فإنّ هدف روّاد الإصلاح في الموجة الأولى، إنّما كانت غايته تصحيح هذه المعادلة التاريخية بين النص والسلطة، وهو ما تمّ من خلال الإلحاح على مبدأين جوهريين في الدين، من وجهة نظر هؤلاء الرواد: مبدأ مشاركة الأمّة في السلطة، ومن هنا الحديث عن آلية الشورى، ومبدأ مدنيّة السلطة في الإسلام، ومن هنا نزع الصفة العقائديّة عن الدولة.

فإلى جانب المطالبة بالمشاركة في الحكم وبتطبيق الشورى، كان هناك مطلب آخر يتمثل في الدعوة إلى فصل الدين عن السلطة، وليس عن السياسة، بما أنّ الإجماع كان قائماً على أنّ الإسلام ليس ديناً خالياً من السياسة كما هو الأمر في المسيحية. وقد قصد هؤلاء بذلك الفصل تجريد الحاكم من سلطان الدين، الذي يمكن أن يلجأ إليه لتبرير سياساته والتعالي على الأمّة، ونزع القداسة عن الحكم، والقضاء على المبدأ الكسروي الموروث القاضي بأنّ "السلطان ظلّ الله في الأرض".

ونرى الكواكبي، في نقده للاستبداد السياسي والديني معاً، يذهب إلى أبعد مدى فيجعلهما قرينين للخروج من الدين نفسه، ويمثلهما بتكذيب الرسالة، وليس حتى بمجرد انحراف عن الدين. وقد سار محمد عبده أيضاً في المنحى نفسه المتعلق بتجريد السلطة السياسية من الرداء الديني، فأكّد على مدنية السلطة في الإسلام، وحارب تستّر الحاكم وراء شرعية دينية، يغطي بها على أخطائه في حق الرعية.

إنّ مساهمة الكواكبي ورشيد رضا ومحمد عبده وغيرهم، إنما كانت محاولة جريئة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدين والسياسة، على أساس أنّ السياسة هي تدبير شأن الرعية، وأنّ الدين يوفر مهمّة الرقابة عليها لا مهمّة تسويغها، "لأنّ تحوّل الدين إلى بوق يبرّر ممارسات السلطة يفرغه من مضمونه، وينفي عنه رسالته التاريخية المستمرة".

ولعل من أخطر التناقضات التي سقط فيها الإسلاميون هي أنهم في الوقت الذي يدعون فيه إلى مفهوم شمولي للدولة، يجمع بين الدين والسياسة، بمعنى أن يكون الدين تابعاً للدولة وخاضعاً لها، فهم يرفعون في الوقت نفسه أصواتهم بالتشنيع على المؤسسات العلمية الرسمية في الدولة المعاصرة، وينعتون العلماء الذين يشتغلون فيها أو يدورون في فلك الدولة بـ"علماء الدولة" أو "علماء السلطان"، وكأنّ تبعية المؤسسات العلمية للدولة الحالية غير جائزة فيما هي جائزة بالنسبة للدولة المنشودة لديهم.

- في الفصل الثالث "من الخلافة إلى الدولة"، يلاحظ الكاتب أنّ ثمّة تزامناً بين ميلاد الحركة الإسلامية في العصر الحديث، مع الانقلاب الكبير الذي حصل في تفسير الدين والتعامل معه والاجتهاد فيه. "فقد دخل العالم العربي والإسلامي مع بداية القرن العشرين، مرحلة جديدة لم تكن لها سابقة في التاريخ. فبعد أن كان المسلمون أمّة تحت سلطان واحد، أصبحوا متفرقين تحت سلاطين متعددين. وبعد أن كان الإسلام هو الذي يحكم من أعلى هرم السلطة، على الأقل علنياً، أصبحت هناك دعوات تجهر بنزعات عرقية أو قومية، أو نقل تجارب الغرب ووضع القوانين المدنية مكان الشريعة الإسلامية".

لكنّ هذه الموازنة بين الإسلام والتجارب الغربية لم تكن انعكاساً لواقع داخلي في العالم الإسلامي أملاه النضج والحاجة إليه، وكانت أطرافه داخلية وسيدة نفسها، بل "فرضه الغرب، الذي كان يدرك أنّ المعركة التالية بعد تفكيك الإمبراطورية العثمانية، هي أن يجعل الدين الإسلامي يلقى نفس مصير المسيحية. ولم يكن من الصعب أن ترى الحركة الإسلامية في هذا النقاش غير المؤسس نوعاً من الهجوم على الإسلام أو صليبية جديدة، كما لم يكن من الصعب أن ترى في الدولة الوطنية الحديثة رديفاً للاستعمار، وهي تسلم مقاليدها للغرب، دون أن تقوم بأي دور لصدّ هذا الهجوم، ودون أن تعمل ما فيه الكفاية لحماية الدين".

لقد وجدت الحركة الإسلامية في البداية صعوبة في التعامل مع الدولة الوطنية الناشئة، لأنها كانت تعني أمرين: الأول أنها نتيجة التفكيك الاستعماري الذي حصل داخل الأمة، والثاني أنها نتيجة القضاء على الخلافة.

لذلك استأثر مفهوم الدولة الإسلامية بالقسط الوافر من اهتمامات الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، حتى أصبح يغطي على ما عداه من المفاهيم الإسلامية الأخرى. ومن كثرة تكراره والإلحاح عليه، تكرس لدى شباب الصحوة والجيل الجديد من الإسلاميين وهم يقول إنّ الدولة الإسلامية كانت قائمة طيلة تاريخ الإسلام، وإنّ الإسلام جاء فقط من أجل بناء دولة يحكم من خلالها.

ولا غرو أنّ الحركات الإسلامية أضاعت جهود الكثير من أبنائها في مراودة حلم هذه الدولة، والوصول إلى الحكم حتى جمّدت العديد من المستويات الأخرى الأهم في الدين وصبّت كلّ تلك الجهود في مستوى وحيد فقط هو السلطة.

يقول الكاتب: لقد جاء وهم الدولة الإسلاميّة من القراءة السياسيّة السطحيّة لتاريخ الإسلام؛ تلك القراءة التي اختزلت التاريخ الإسلامي كله إلى مجرد صراع بين حكام على السلطة والدولة وأهملت تاريخ المجتمع الإسلامي، ممّا جعل جانب السياسة يتضخّم في تفسير التاريخ. وقد نرى لهذا التوجه جذوراً لدى المؤرخين المسلمين أنفسهم. فغالبية كتب التاريخ الإسلامي هي كتب سياسة لا كتب تاريخ للحضارة الإسلامية أو تاريخ تلاطم الأفكار، ويكفي القول إنّ أكبر كتاب للتاريخ وهو كتاب الطبري وضع له صاحبه عنوان "تاريخ الرسل والملوك". ورغم أنّ الإسلام قد وصل إلى الهند والصين حتى أغوار آسيا، بقي المؤرخون قريبين من السلطة المركزية، ولم يترك لنا أحد شيئاً ذا بال عن هذه الشعوب التي اعتنقت الإسلام، وعن التحولات الثقافية العميقة للدين في نفوس الناس ومناخات الحضارات، فما كان يهم هو السلطة.

بالتالي، فإنّ "التسييس المفرط للإسلام لدى الإسلام السياسي طيلة العقود الماضية، قد أدى إلى مجموعة من المظاهر السلبية التي قضت على جوهر الدين وأضعفت حضوره في مختلف الجوانب الأخرى. ويمكن القول إنّ الإنتاج السياسي لهذه الحركات منذ نشأة الإخوان المسلمين في مصر في العشرينات من القرن الماضي، يشكل أكثر من ثلاثة أرباع الإنتاج العام، وكان هذا الكم الكبير من الإنتاج يصبّ في تمجيد الدولة والتفسير السياسي للدين، ولعن الأنظمة القائمة والأطراف المخالفة، والرد على النظريات والأفكار التي يعتقد هؤلاء أنّ أصحابها ما وضعوها إلا لمعاداة الإسلام عن سبق الإصرار والترصد، دون البحث عن مواطن العطاء البشري فيها ونقاط الضوء".

ونتيجة للانغلاق التنظيمي هذا وحالة الانعزال هاته، "تمّ هدر طاقات كبيرة كان يمكنها أن تغني الإسلام الحديث، بدل أن تصرف جهودها في نسج نظريات سياسية كرد فعل ظرفي سرعان ما كان يتمّ التخلي عنها سريعاً، لأنها أقرب إلى المناشير السياسية. .. أكثر منها إلى قضايا قابلة للحياة".