الإسلاميون في تجربة الحكم

فئة :  مقالات

الإسلاميون في تجربة الحكم

تضافرت عوامل تاريخيّة متنوّعة على خروج قوى الإسلام السياسي فائزة بالانتخابات التي عقبت ظاهرة "الربيع" العربي، فانتقلت بعض الحركات أو الأحزاب الدينيّة من المعارضة إلى مراكز صنع القرار (تجربة تونس ومصر أنموذجان). وفي تونس خصوصا واكب هذه التحوّلات رواج أفكار وشعارات وأقوال تحاول إقناع الناس بأنّ تونس عادت إلى ضرب من الجاهليّة، وأنّها ابتعدت عن الصراط المستقيم، وتحتاج بالتالي إلى أسلمة جديدة. وقد بدا الإسلاميون منذ بداية مباشرتهم للسلطة، وبحكم الصبغة الانتقاليّة لهذه الأخيرة، في عجلة من أمرهم من أجل تثبيت أقدامهم في نظام الحكم عن طريق التسرّب إلى مفاصل الدولة، حيث يؤمّنون لحكمهم الدوام والاستمراريّة.

وقد ذهبت مكوّنات عريضة في الرأي العام إلى تفسير الوضع الناجم عن الانتخابات على النحو التالي: فالإسلاميون إنّما فازوا، لأنّهم يخافون الله. أمّا الآخرون، فهم النُخبة. والنُخبة بجميع طوائفها (مفكّرون وأدباء وباحثون وجامعيون وحقوقيون ومستشارون وفنّانون وغيرهم) لا أهمية تُذكر لها بالنسبة للشعب؛ فكثيرا ما تُوصم بـ"اليساريين" و"الشيوعيين" و"العملاء" و"الماسونيين" و"العلمانيين" و"اللائكيين" و"الليبراليين". ورغم أنْ لا أحدَ من الشعب يفهم هذه المصطلحات حق الفهم، فإنّ الجامع بين هذه الصفات كونها تُرادف الكفر، فأصبحت النخبة بذلك ""عدوّة الله". وعلى هذا النحو، لاحت بوادر استقطاب ثنائي غير مألوف في المجتمع التونسي الحديث يتمثّل في قسمة الناس إلى معسكريْن: كفّار ومسلمين.

إنّ ما تقدّم، يطرح على الباحث أسئلة كثيرة: كيف يفسّر صعود الإسلاميين؟

ألأنّهم أنصار الله دون سواهم؟ ولماذا عادت الأفكار القديمة لتستبدّ بعقول الناس؟ ولِمَ ظلت النخبة في عزلة عن المجتمع؟ إنّ هذا الوضع يستوجب البحث في مشكلات فكر الحداثة ذاته؛ فقد وُجد ولكنّه لم يهتد إلى المسالك التي تمكّنه من التأثير في الواقع فضلا عن إشكاليّة علاقته بجذوره الغربيّة ومدى قابلية انفتاحه على الكونية إلى غير ذلك، ممّا لا يتّسع له مبحثنا هذا. أمّا الخطاب الإسلامي عموما، فعلى خلاف ذلك، إذ أنّه، ودون اعتبار تعدّد فصائله وتيّاراته، استطاع أن يُؤثّر ويُحدث تحوّلات تاريخيّة كبرى من الثورة الإيرانيّة (1979) إلى "الربيع" العربي.

فكيف يُفَسَّر صعود الإسلاميين؟

ذهب في ظنّ الكثيرين أنّ القوى الإسلاميّة كانت الأكثر تنظيما على الساحة السياسيّة، فنجحت في ملء الفراغ السياسي. والواقع، أنّ ظروفا عديدة ساعدت، إلى حدّ كبير، الإسلاميين على تشكيل كتلة سياسيّة وازنة ومؤثّرة، ممّا مهّد الطريق إلى فوزهم في الانتخابات، من ذلك:

أوّلا، ليست للشعب العربي تقاليد مع الانتخابات؛ فهو يفتقد إلى ثقافة سياسيّة. ففي ظلّ استبداد الحزب الواحد دائما والتنكيل بالمعارضة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ظلّت ثقافة المواطن السياسيّة محدودة، إنْ لم نقل منعدمة في أحايين عديدة، وحتى مؤسّسات المجتمع المدني ودورها المهم في تثقيف المواطن كانت السلطة دائما لها بالمرصاد، إمّا بإقصائها أو بتحديد مهامها ومراقبتها بشكل مستمر أو باحتوائها والمتضرّر الوحيد في كلّ هذا هو المواطن. لهذا، حينما توجّه هذا الأخير إلى مكاتب الاقتراع في 23 أكتوبر (في تونس) كان، حتى وإن حدّد مسبقا من سينتخب، على جهل بالغاية التي على أساسها فضّل هذا الحزب على ذاك. ولعلّ أكثر الانطباعات المسجّلة في تلك المرحلة هو أنّ المواطن كان دائما يردّد عبارة: "سأنتخب من يخاف من الله". من المؤكّد أنّ الدعاية السياسيّة والدينيّة والمال السياسي أسهما إلى حدّ كبير في ترجيح هذا الحزب عن ذلك. إذن، كان الخوف من الدوافع الرئيسة لانتخاب المواطن؛ ففي النهاية هو يبحث عن حكومة تُشعره بالأمان والاستقرار والحماية والرخاء والعدل، وهل يوجد أفضل من حكومة تخاف الله؟

ثانيا، فاز الإسلاميون أيضا بحكم ما لهم من الإرث الثقافي والديني في البيئة التي يتحرّكون فيها وينشطون وبالقياس إلى غيرهم من أحزاب سياسيّة أخرى، وهذا ما يمكنّهم من اختراق الواقع في العمق.

ثالثا، نجحوا بحكم تاريخهم النضالي الطويل الذي أكسبهم قدرات تنظيميّة ومالية ضخمة، أهلتهم للتعبئة السهلة لأنصارهم وقواعدهم.

رابعا، وُجدت أزمة سياسيّة تاريخيّة بلغتها الدول الوطنيّة الناشئة عن حركات التحرّر الوطني بسبب بلوغ مشاريعها وتجاربها التنمويّة حدودها القصوى، فأصبحت مفلسةً سياسيّا. فمنذ أربعينيات إلى ستينيات القرن الماضي، شهدت الدول العربيّة تحررا من الاستعمار الأوروبي، رافقته روح وطنيّة وقوميّة، ممّا أدى إلى استقطاب جماهيري. لكن تلك القوميات تصدّعت، فأوْرثت الشعب العربيّ الإسلاميّ إحساسا بأنّها ليست سوى دكتاتوريات، خاصة أنّها عجزت عن تحقيق التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والحفاظ على الأمن والعدالة والحريّة من ناحية، وكونها حاربت الإسلام السياسي (تجربة الإخوان المسلمين في مصر مثلا) من ناحية أخرى. ولم يبق في أرشيف ذاكرة الشعوب العربيّة الأثر الطيب لتلك الحكومات خاصة في ظلّ محدوديّة دورها في الصراع العربيّ الإسرائيليّ.

خامسا، تنامى الفكر الجهادي في الحياة السياسيّة العربيّة منذ السبعينيات من القرن العشرين، وبلغ أَوْجَه بانتصار المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفياتي. وشكّل ذلك حدثا دعائيّا مهمّا، وفخرا للدعوة الجهاديّة السلفيّة. فذلك، يعني نصرا لدعوة إسلاميّة مقابل هزيمة خصم شيوعي "كافر"، وهو أيضا هزيمة لفكر وضعي أمام نظام إلهي، الأمر الذي يعزّز مكانته ويستقطب المزيد من الأنصار.

وفضلا عن ذلك، كان لانتصار الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة على نظام شاه إيران دور في تعزيز قناعات الفكر الجهادي، هذا إلى جانب تمكّن الحكم الإسلامي في السودان وسقوط أنظمة دول أوروبا الشرقيّة. كل هذه الأحداث التاريخيّة، خلقت، وبنسب متفاوتة، مناخا دعائيّا مهمّا لتقبّل أفكار جديدة تتبنّى الأنموذج الإسلاميّ. ورغم انحسار المد الجهاديّ بعد الهزيمة السوفياتية وتواصل الحرب بين المجاهدين الأفغان أنفسهم في صراعهمعلى السلطة، والصعوبات والتقلّبات التي مرّت بها الثورة الإيرانية في تحقيق الأحلام والطموحات (حربها مع العراق مثلا)، فإنّ ذلك لم يؤثّر في شعبيّة الدعوات الجهاديّة السلفيّة، ولم يمنع من العمل على إحياء الأنموذج الإسلاميّ.

سادسا، نأتي الآن، ودائما في إطار ذكر أهم العوامل التي كانت وراء فوز الإسلاميين في الانتخابات، إلى اليسار العربيّ. ففي البدء يمكن القول، إنّ ثمّة تنافرا بين العروبة والشيوعيّة، إذ العروبة مرتبطة في الأذهان بالإسلام، وإضافة إلى ذلك رغم نضال اليسار العربي الطويل ضد السلطة، ورغم التصفيات الجسديّة لرموزه وتعذيبهم في السجون والتنكيل بهم، ورغم أنّه يتبنّى دائما قضايا الشعب الاجتماعيّة من فقر وبؤس وبطالة وتنمية وعدالة ومساواة وغيرها من المسائل، فإن شعبيته، وهذا من المفارقات، ظلّت محدودة، ويمكن إرجاع ذلك إلى أسباب عديدة، منها:

أوّلا، في دلالة اليسار ذاته نقول إنّها في ذهن معظم الجماهير العربيّة المسلِمة مشحونة بدلالات سلبية؛ فصفات من قبيل: اشتراكي، شيوعي، ماركسي (إذا ما أضفنا إليها طبعا صفتيْ علماني ولائكي) وكلمة "رفيق" جميعها يخلق "حساسيّة" في ذهن المسلم، فهي مرادفة للكفر في المتخيّل الجمعيّ الإسلاميّ. وبما أنّهم وفقا لهذا التصوّر لا يؤمنون بالله، فإنّ الشعب المؤمن لن يثق بهم؛ فالعرب في النهاية شعوب مسلمة. هذا فضلا عن شعارهم الذي هو شعار الثورة السوفياتية في عهد لينين، ولا أعتقد أنّ هذا الشعار أو اسم ماركس أو أنجلز أو لينين، يحظى بالاحترام لدى المسلمين.

ثانيا، عندما ندرس تاريخ الأحزاب الشيوعيّة في الوطن العربي، وما يتعلّق بنشأتها وتطوّرها، فإنّنا نجده تاريخا متوّترا مثيرا للريبة من عدّة وجوه، فلا يُطمأّن إليه في الغالب. أوّلا، لأنّ تأسيس الحزب الشيوعي في مصر[1] وفلسطين[2] مثلا، ارتبط بالعديد من الأسماء اليهوديّة. ثانيا، طُرحت قضايا عديدة مثل علاقة الكثير من الشيوعيين اليهود بالصهيونية ومسألة مصادر تمويل الأحزاب وغموض حياة بعض الأشخاص الفاعلة في تلك الأحزاب. ثالثا، موقف الأحزاب الشيوعيّة العربيّة بشكل عام من سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا ومن قرار تقسيم فلسطين الذي أجمعت عليه معظم الأحزاب الشيوعيّة العربيّة. هذا فضلا على أنّ اليهود المؤسّسين للأحزاب الشيوعيّة، وإنْ كان منهم من يناهض الصهيونيّة، لا يمكنهم النضال إلى جانب العرب في تلك الأحزاب، وفي الآن نفسه يتبنّون مسألة الهجرة إلى فلسطين.

ثالثا، نأتي الآن إلى علاقة الاتحاد السوفياتي بالأقليات، لقد كان حضورها لافتا للانتباه في الأحزاب الشيوعية في الشرق، ويمكن فهمه إذا ما نحن ربطنا اهتمام فرنسا وبريطانيا وروسيا بالأقليات بكونه يندرج ضمن مخطّط التوسّع الاستعماري؛ فبدل التوسّع العسكري الترابي، تنتهج بعض الدول ذات النوايا الاستعمارية سياسة الاختراق الإيديولوجي. ولعل من أبرز مظاهر هذا الاختراق ممارسات بعض المدارس الاستشراقيّة، وذلك بالتركيز على الجانب المعرفي (صدور دورية بعنوان: "الشرق المسيحي" ثم أصبح اسمها "الشرق الجديد"، احتضان الجامعة الشيوعية لكادحي الشرق لطلبة الشرق الشيوعيين، ومن خلالهم تنتصب داعية لسياستها ومروّجة لها. ومثل هذا التصوّر، يّعزّز عدم الثقة باليسار العربي.

وجليّ أنّ بعض المنشقّين عن الأحزاب الشيوعيّة كان لهم دور بارز في تعزيز النفور، ونستدل على ذلك بما قاله قدري قلعجي، وهو شيوعي لبناني منشق رأى أنّ الشيوعية ليست سوى مؤامرة ضد القوميّة العربيّة، وقد وجدت في صفوف الأقليات الحاقدة أعوانا لها، وقد لخّص قلعجي مسيرة الحركة الشيوعية في المشرق العربي بأنّها موبقات وجرائم وأخلاق منحلة وخيانات متعاقبة وتواطؤ صريح مكشوف مع الأجنبي المستعمر وتمجيد لكل ما هو شعوبي، وكل ما هو غريب عن مفهوم هذه الأمة وتاريخها وتقاليدها. والحقيقة، أنّ مثل هذا الموقف كاف كي يكون للمسلم موقفا من الشيوعيّة التي يراها خطرا على دينه وهويته.

وعلى العموم، ولهذه الأسباب وغيرها، وفي إطار الصراع العربيّ الإسرائيليّ، فإنّ تبنّي الفكر الشيوعيّ عدّ آنذاك مجازفة كبرى، ثمّ أصبح غير ذي موضوع بما أنّ الأحزاب الشيوعيّة انقرضت أوتحوّلت إلى أحزاب بأسماء جديدة أو دخلت في تكتّلات حزبيّة.

في هذا الظرف العام، جاءت هزيمة 67 فكانت الضربة القاضية للمشروع القومي، وخلقت ظروفا مناسبة فكانت التيارات الدينيّة ملائمة، خاصة وأنّ تعذيب مناضليها في السجون وتاريخها، كان شفيعا لها فوطدّ شعبيتها في قلوب الجماهير التي منحتهم الثقة قبل التجربة دون أنّ نغفل عن كون الشعب العربي يمرّ بأزمة هويّة. لهذا كان اليقين بأنّ الإسلاميين هم البديل المناسب. هل هم حقا "فرسان" هذه المرحلة؟ وهل يمثّل صعودهم إلى الحكم مؤشّرا على بدء مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة العربيّة؟

قد تكون "شعارات الإسلاميين" منسجمة فعلا مع طبيعة المرحلة، ممّا يعزّز القولَ إنّ القوى الإسلاميّة الصاعدة تشهد تطوّرا فكريّا عميقا، تفاعل مع واقع المجتمع العربيّ المترديّ سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا ومنسجما مع الواقع الإقليمي والدولي، وقد تكون أيضا دعاية لاعتلاء كراسي الحكم، وبعدها تشرع في بناء دولة بمقاييس مخالفة لما وعدت به. هذا الأمر يدعونا للتساؤل عن بعض المسائل نُجملها في التالي:

-تصوّرهم لشكل الدولة الإسلاميّة الحديثة والدستور، هل سيكون على شاكلة الأنموذج التركي أم السعودي أم الأفغانستاني مثلا؟

-موقفهم من الحريّات الفرديّة.

-موقفهم من المرأة ولباسها.

-سبل تحقيق تنمية اجتماعية ما هي الأولويات في نظرهم؟.

-كيف ستكون سياسة التعليم وموقفهم من الثقافة؟

-تصوّرهم للاقتصاد الإسلاميّ: موقفهم من البنوك وقضايا الاستثمار والسياحة، باعتبارها قطاعا حيويّا في الحركة الاقتصاديّة وتوفير فرص العمل وجذب الاستثمارات، هل سيكون موقفا عمليّا أم العكس؟

-مدى قدرتهم على تنزيل نظريّة الاقتصاد الإسلاميّ في الواقع بوصفها حلاّ للأزمات الاقتصاديّة التي تعانيها الأمة الإسلاميّة على ما يُعلنون.

-تصوّرهم للمشاكل الإقليميّة والصراع العربيّ الإسرائيليّ وقضيّة فلسطين، هل ستتبنى سياسة ثوريّة أم سياسة تغيير تدريجيّة لانشغالها أوّلا بحلّ المشاكل الداخليّة؟

-سياستها الدوليّة بشكل عام

-مشكلة الأقليات

-موقفها من الجهاد.

فهل حكومة دينيّة صاعدة، تملك حقّا الخبرةَ السياسيّةَ الكافية كي تدير دواليب دولة بكافة مؤسّساتها؟ وهل للمناضلين السياسيين الذين قضوا سنوات طوالا من التعذيب في السجون من الخبرة السياسيّة ما يؤهّلهم لإدارة الحكم؟ فليس كلّ من يحسن الحديث في السياسة يحسن ممارستها وإدارتها.

كل هذا وغيره، يمثّل اختبارا لوعود الحركات الإسلاميّة، عندما تجابه الواقع ومدى نجاحها في الوفاء بالوعود وفي تحقيق رؤية حضاريّة إسلاميّة تتجاوز حدود المرجعيّات الفقهيّة التقليدية، وتنسجم مع النظام العالمي.

لكنّ واقع الأمور في ممارسة الإسلاميين للسلطة في تونس على امتداد حوالي سنتين، وفي مصر بعد سنة من انتخاب الرئيس محمّد مرسي، يثبت أنّ الإنجاز دون الوعود، وأنّ التحدّيات أعتى وأكبر من أن ينفرد حزب أو جبهة بالقدرة على حلّها، فضلا عن أنّ هاجس السلطة والهيمنة يبدو فاعلا إلى حدّ بعيد. فكانت الحصيلة عدم استقرار الحكومات نفسها، إما بإعلان فشلها صراحة (حكومة الجبالي في تونس) وإما بإسقاط شرعيتها بتدخّل الجيش في مصر.

على أنّ التشخيص المتقدّم في الفقرات السابقة، مهما تكن وجاهته إجمالا بالنسبة لعامة الأقطار العربيّة الإسلاميّة، فإنّه ينبغي ألا يصرف انتباهنا عن الخصوصيات والمعطيات والملابسات الخاصة بكل قطر. فزيادة على ما تقدّم بصدد تونسَ ومصرَ، تميّز المشهد السياسي في تونس اليوم ببروز التيار السلفي من بين باقي التيّارات، وهذا ما يقودنا إلى تخصيص الحديث عنه. فلقد طُرحت، وتحديدا في تونس، وفي إطار الأزمة السياسيّة والبحث عن مرتكزات الشرعيّة والبديل السياسي مسألةُ سنّ دستور جديد يتماشى مع جمهوريّة ديمقراطيّة، وفي مقابل هذا ثمة من دعا إلى ضرورة سن دستور على منهاج النبوة، يُستلهم من أنموذج الخلفاء الراشدين، باعتبارهم السلف الصالح بدل "بدعة" الدستور الديمقراطي بما أنّه "نظام كفر"[3].

وإضافة إلى هذا التداول المكثّف لفكرة أنموذج السلف الصالح، تواترت كلمات "سلف" و"سلفي" و"سلفيون" و"سلفيّة" إلى حدّ فقدت فيه هذه المصطلحات وجاهتها من فرط تعميمها. فعبارة "سلف" قد تحيلنا إلى معان عديدة: فهي تجربة السلف الصالح. والدعوة اليوم إلى إحياء تلك التجربة، يعني توظيفها في واقعنا المعيش وفق القول المأثور: لا يصلح آخر الأمة إلا بما صلُح به أوّلها.

وكلمة "سلفي" يُمكن أن نفهم منها ذلك المؤمن الذي يخاف الله ،ويعظ الناس من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بالتغيير باللسان والكلمة الطيّبة، مثلما فعل "أصحاب الدعوة" في شهر رمضان في صائفة 2012 (في تونس) مثلا. فَهُمْ مجموعة من الرجال ينتقلون من مدينة إلى أخرى، وفي كل مدينة أو قرية يتعشّون كل ليلة عند عائلة و"يُفقّهونهم" في الدين، ثم ينصرفون إلى حال سبيلهم. لكن من هؤلاء الناس؟ هل هم متطوّعون حبا في الله وابتغاء لرضاه من منطلق إيماني بحت أم منتمون إلى حركة أو حزب دينيين لا نعرفهما، فيصبح حينئذ عملهم مُنخرطا في السياسية بغطاء ديني؟

وكلمة "سلفيّة" تُحيلنا إلى حركة محمّد بن عبد الوهاب (1703-1791م) التي عُرفت بالحركة الوهابيّة؛ فمرجعيتها سلفية يمثّلها أساسا فكر ابن تيمية (تـ 728هـ/1328م) المرتبط بفكر ابن حنبل (تـ 241هـ/855م). ومضمون الفكر الوهابي مضمون دينيّ قوامه محاربة الشرك بالله و"البدع"، مثل الحلف بغير الله وزيارة القبور والأضرحة للتبرّك والتوسّل بمن دفن فيها وغير ذلك. وخصوم الدعوة الوهابية بالأساس، عند ظهورها، هم: الدولة العثمانيّة من ناحية، والصوفية الطرقية من ناحية أخرى، وكلتاهما من "دار الإسلام".

والكلمة نفسها تُحيل إلى الحركة الإصلاحية للمفكّريْن جمال الدين الأفغاني (تـ 1897م) ومحمّد عبده (تـ 1905م)؛ فهي سلفيّة الطابع بما أنّها نادت بالاقتداء بالسلف الصالح، وهذا النداء يهدف إلى مقاومة الغزو الاستعماري في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. والدعوة "السلفية" هذه، يُمكن اعتبارها نقدا ذاتيا آنيا للمسلمين ولواقعهم المتردي، فهي مسألة حضاريّة في المقام الأوّل في مواجهة خصم من خارج "مملكة الإسلام". بيد أنّ هذين المفكّريْن اختلفا في المنهج، فـ"سلفيّة" الأفغاني هي ثوريّة وجهاديّة في حين هي عند محمّد عبده أقرب إلى الوسائل السلميّة وسياسة المراحل.

وتحيل العبارة أيضا إلى "السلفيّة الجهاديّة"، مثل تنظيم القاعدة، وهي حركة لها مفهومها للجهاد وفلسفة في الدفاع عن الإسلام والتصدي لمناوئيه في إطار صراع خطير هو "صراع الحضارات". ومَن ليس من أتباعها يراها حركة متشدّدة في الدين.

و"السلفيون" كما ساد في التصوّر العام، اليوم، هم "أصحاب اللحي" بالأزياء الأفغانيّة أو الباكستانيّة، يراهم الكثير من الناس متعصّبين متشدّدين في الدين وسياستهم قائمة بالأساس على العنف، فلا تكاد تقع جريمة في أي مكان إلا وتُوجّه أصابع الاتهام مباشرة إليهم، حتّى وإنْ كان المجرمون حينها بلحي مصطنعة ولا تربطهم بالدين أيّة صلة.

أمام هذا التنوّع، التبس علينا الأمر إلى حدّ يجعلنا لا نطمئن إلى أحد لادّعائهم أنّ الإيمان الحقّ حكر عليهم، وعلى هذا الأساس فما هو واضح الآن أنّ هذا "التيار السلفي" كان له ضلع كبير في أحداث الاستقطاب الثنائي المذكور أعلاه، والقائم على تقسيم الناس إلى أهل إسلام الحقّ وأهل الردّة والكفر. وعلى هذا الأساس، فتحت تونس للدعاة السلفيين من شتى المدارس، وراجتفكرة أنّ تونس بلد كافر يحتاج فتحا جديدا.

فما مصير هذا المشروع السلفيّ؟ وما حقيقة العلاقة بين السلفيّة وسائر الأحزاب الدينيّة وخاصة الحاكمة؟ وكيف يمكن أن تتطوّر العلاقة بين هذه الأطراف في مستقبل الأيام؟

إنّ ما يمكن تأكيده في هذا المستوى من التحليل، أنّ علاقة "السلفيّة" بسائر الأحزاب الدينيّة الحاكمة علاقةٌ غير مستقرّة قوامها مدّ وجزر. فإذا ما تقاربت المصالح جمعتهم سياسة مشتركة، فيدعم الطرف منهم الآخر في الانتخابات أو في غيرها من المصالح، ويمكن لتلك العلاقة أيضا أن تتوتّر فيحصل الانفصال. وهذا الوضع ينطوي على قدر كبير من التعقيد والتحوّل ورهين المناخ السياسي العام الداخلي والخارجي؛ فالغرب مثلا أسهم ويسهم، بقدر كبير في دعم التطرّف من منظور اقتصادي سياسي؛ فهو لا يتردّد عند المصلحة في تبنّي إحدى الحركات الإسلامية وتمويلها، وضرب حزب بآخر كي يزعزع النظام الداخلي لبلد ما.

أمّا إذا نظرنا إلى باقي الأحزاب السياسية الأخرى غير الدينيّة، وعلى كثرتها؛ فالملاحظ، ونظرا لما يعتريها من انقسامات كثيرة وعدم وضوح برامجها السياسيّة، أنّه لم تتمكّن هذه الأحزاب، إلا في حالات نادرة، من أن تَحظى بشعبيّة توفّر لها حظوظا جديّة في الانتخابات القادمة، وأن تكون منافسا حقيقيّا للأحزاب الإسلاميّة التي لها، وبقطع النظر عن فشلها إلى الآن، الكثير من الشعبيّة بفضل حيوية خطابها الدينيّ التي تراهن عليه وقدرته على التأثير والتجييش.

والملاحظ أنّ التحديات التي تواجهها الأحزاب الدينيّة التي وصلت إلى الحكم كثيرة، فإلى جانب ضرورة وعيها بمفهوم الدولة الحديثة التي هي في أمس الحاجة إلى التسيير بواسطة تكنوقراطيين ومختصين في السياسة والاقتصاد والاجتماع مطالبة أيضا بتجاوز التصوّر السائد المتمثّل في تكفير الحداثة، باعتبارها فكرا غربيّا مناهضا للإسلام، وإلا سيستمر الدوران في حلقة مفرغة تنتهي من حيث بدأت. ولئن كان شعار الإسلاميين: "الإسلام هو الحل"، فإنّهم مطالبون بالانفتاح على الواقع والتعمّق في المشاكل والأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة والبحث عن حلول لتلك المشاكل والأزمات التي تهدّد الاستقرار والأمن، وتعطّل مسيرة التنمية مع الوعي أيضا بأنّهم في مواجهة نظام عالمي معقّد، إذ لا يمكن تجاهل عصر العولمة وثورة الاتصال والانفتاح الضروري للدول على بعضها نظرا لارتباط المصالح الاقتصاديّة والتجاريّة وتقاطع المصالح السياسيّة. إنّ الوعي بكل هذا ضروري أمام تحديات مرحلةِ ما بعد سقوطِ الأنظمة السابقة، والتي أدخلت الطبقة السياسيّة بحكامها ومعارضيها في نفق مظلم وطويل.

والحاصل، أنّ ما قدّمه الإسلاميون منذ أن تولّوا مناصب الحكم لا يجعلنا إلا في رِيبة وشكّ في قدرتهم على تفعيل خطابهم والوفاء بالتزاماتهم ووضوح برامجهم السياسيّة. فالبرنامج السياسي الانتخابي ضروري، إذ تُحدّد من خلاله الأهداف والتوجّهات والأولويات في إدارة الدولة، خاصة البرامج الاقتصاديّة التنموية وإعادة هيكلة مؤسّسات الدولة وأجهزتها.

اليوم يمكننا القول، إنّ ما أبرزته تجربة الإسلاميين في الحكم هو كثرة العثرات والفشل، ولكن انطلاقا من إيماننا بالديمقراطيّة ووعينا بحجم التحدّيات الكثيرة المطروحة، فإنّنا لا نملك إلا أنْ نقرّ بضرورة عدم التسرّع في إصدار حكم نهائي على تجربتهم واستمرارهم في إدارة الدولة؛ فالفترة الزمنيّة التي توّلت فيها الأحزاب الدينيّة الحكمَ، اتسمت بكثرة الاضطرابات الاجتماعيّة وتزعزع الوضع الأمني. وفي إطار هذا الوضع المعقّد بين سياسة الإسلاميين التي بيّنت التجربة محدوديّة خبرتها السياسيّة وما نتج عنها، وما سينتج، ومعارضة لا ثقل سياسيّ لها ويمين هو إلى التطرّف أقرب، تبقى بلدان "الربيع" العربيّ في راهن حرج في انتظار ما سيأتي به قادم الأيام.


[1]- من هذه الأسماء، نذكر هلّل شوارتز (H. Shwartz) ومارسيل إسرائيل (Marcel Israel) وجاكوب دي كومب (Jacob de Compte في مصر، فضلا عن أنّ الزعيم الشيوعي هنري كورييل (Henri Curriel) ودوره في الحزب الشيوعي المصري وحياته ككل كانت مثيرة للجدل.

[2]- وولف أفبرباخ (Wolf Averbach) يهودي روسي. وكان من أهم قادة الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ، وظل اليهود يسيطرون على قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني إلى أن تمكّن مجموعة من الشيوعيين العرب من تأسيس حزبا شيوعيّا عربيّا سمي بـ"عصبة التحرّر الوطني" سنة 1943.

[3]- هذا موقف أحد الأحزاب الدينية قرأناه في منشور وُزّع بين الناس.