الإسلاميون وقضايا المواطنة والحريات: من المعارضة إلى السلطة

فئة :  مقالات

الإسلاميون وقضايا المواطنة والحريات: من المعارضة إلى السلطة

الإسلاميون وقضايا المواطنة والحريات*:

من المعارضة إلى السلطة


أصبح الإسلاميون لاعبا رئيسا في المنطقة العربية، خاصة بعد انتقال عديد الحركات الإسلامية في دول الربيع العربي من دائرة المعارضة المقموعة إلى منصة الحكم وإدارة شؤون الدولة.

كشفت الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا عن مفاجأتين من العيار الثقيل؛ أولهما انهيار أنظمة الحكم في هذه الدول أمام إصرار شعوبها وإرادتها في تغيير الأوضاع القديمة التي طالت واستفحلت أزماتها. أما المفاجأة الثانية، فقد تمثلت في صعود الإسلاميين إلى الركح السياسي والاجتماعي بشكل قوي وغير مسبوق، وذلك بعد أن فازوا بالمرتبة الأولى في انتخابات ديمقراطية وشفافة إلى حد كبير، مما مكنهم من الانتقال إلى السلطة في تونس ومصر والمغرب التي استفادت من رياح التغيير دون أن تقع فيها ثورة، كما شكل الإسلاميون رأس المعارضة داخل البرلمان في ليبيا، واقتسموا الحكومة مع التيار الليبرالي. كما أنّ الإسلاميين يحتلون مكانة أساسية في اليمن ضمن عضويتهم في تحالف أحزاب اللقاء المشترك، ويلعبون من خلال ذلك دورا لا يستهان به في إدارة المرحلة الانتقالية. كما أنّ الإخوان المسلمين يشكلون طرفا أساسيا في الثورة السورية التي لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وذلك إلى جانب التنظيمات السلفية التي يزداد حجمها ودروها ميدانيا بشكل متسارع. كذلك يقود الإسلاميون الشيعة المعارضة في البحرين، إلى جانب الأحزاب الوطنية العلمانية، وفي الأردن يشكل الإخوان وذراعهم السياسي ممثلة في جبهة العمل الإسلامي القوة الرئيسة في المعارضة التي تحاول أن تستثمر أجواء الربيع العربي، لتحقيق الحد الأدنى من الإصلاحات.

كل هذه المعطيات والمؤشرات، جعلت من حركات الإسلام السياسي المستفيد الأساسي من رياح التغيير، التي هبت فجأة وبدون تخطيط مسبق على العالم العربي، وجددت الأمل في إمكانية الخروج من منظومة الاستبداد والفساد إلى احتمال قيام أنظمة ديمقراطية تستند على قيم الموطنة والحريات، وتوفر فرصة لتأسيس دول مدنية وديمقراطية وعادلة؛ فهل يمكن لهذه الحركات أن تسهم بخصوصياتها الأيديولوجية والسياسية في تعزيز قيم المواطنة، وبناء أنظمة ديمقراطية تضمن حقوق الإنسان والحريات الأساسية ؟

الإسلاميون من هم؟ وماذا يريدون؟

قبل الخوض في تفاصيل الإشكالية المركزية التي تدور حولها هذه الورقة، سيكون من المفيدالإشارة إلى عدد من الملاحظات الأولية :

· المقصود في هذه الورقة بالإسلاميين، الجماعات والأحزاب والأفراد الذين يؤمنون بشمولية الإسلام، ويرون فيه منظومة متكاملة ومنهجا للحياة؛ فلا يفصلون بين الدين والدولة، أو بين الروحي والسياسي، ويعتقدون بوجوب اعتماد الشريعة كمرجعية للحكم وتنظيم المجتمع.

·الإسلاميون ليسوا كتلة متجانسة، وإنما هم مختلفون في أشياء كثيرة بعضها أساسي وكثير منها فرعي، ولهذا سيكون من الخطأ طمس الفروق وتعميم الأحكام على الجميع ووضعهم في كيس واحد. إن التعميم في هذا المجال نتائجه وخيمة على أكثر من صعيد، إلى جانب كونه خطأ منهجي وتعامل غير موضوعي مع هذه الظاهرة الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تتميز بالكثير من التعقيد.

· اختلف وضع الإسلاميين بشكل جذري بعد الثورات نتيجة وصولهم الى السلطة ومواقع القرار؛ أي أنهم في هذه الدول لم يعودوا في موقع الضحية، وإنما هم في موقع الحاكم الذي يخطئ ويصيب، وقد يعدل كما قد يظلم، ولهذا فإن محاسبتهم ستكون أكثر صرامة من الذين سبقوهم، بحكم الشعارات التي رفعوها والوعود التي قدموها؛ أي أنهم انتقلوا من الحقل النظري إلى المجال العملي، ومن الاحتجاج إلى الممارسة وتحمل المسؤولية.

الإسلاميون والحكم:

رهان عموم الإسلاميين على الحكم رهان أساسي واستراتيجي؛ فحسن البنا أسس حركة الإخوان المسلمين، ووضع لها خارطة طريق وخطة عمل، وجعل في مقدمة أهدافه الوصول إلى السلطة، رغم تأكيده على مبدإ التدرج والتركيز على الجوانب التربوية والاجتماعية.

إن محورية الحكم في المشروع السياسي للحركات الإسلامية، يحيلنا مباشرة إلى المنطلقات، بل والفرضيات التالية التي يرتكز عليها هذا الرهان :

- تتعلق الفرضية الأولى بالتسليم بوجوب إقامة الدولة الإسلامية التي يرى فيها عموم الإسلاميين فريضة شرعية وهدفا محوريا استراتيجيا، إلى جانب كونه بمثابة قاعدة مشروعهم الحركي. ومن أجل هذا الهدف، خاضوا معارك كثيرة، وتعرضوا للاضطهاد طيلة مساراتهم السابقة، وبقيت شغلهم الشاغل الذي يعملون من أجله والذي تصارعوا بسببه في كثير من الساحات، مثلما حصل في السودان.

- ثانيا: يعتقد الكثير من الإسلاميين بأنّ السلطة أداة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحتى السلوكي والأخلاقي. شعارهم في ذلك " يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ". صحيح هم ينطلقون من الفرد، فالأسرة فالجماعة، فالمجتمع، ويعتمدون على التربية والتثقيف والعمل الاجتماعي، لكن التتويج النهائي لكل تلك الجهود هو الوصول إلى السلطة، ولهذا عندما تتوفر لهم الفرصة كما حصل بعد الثورات، فإنهم لا يترددون في الإمساك بها، اعتقادا منهم بأنه الوسلية الأنجع لتنفيذ مشروعهم القائم في جوهره على الأسلمة؛ أي أسلمة القوانين والتشريعات، وأسلمة مناهج التعليم والاقتصاد والإعلام والأخلاق العامة والفردية.

- ثالثا: يفترض الإسلاميون وجود نظام حكم جاهز، على الأقل في خطوطه العريضة، ويلخص الإخوان المسلمون ذلك في شعارهم المعروف " الإسلام هو الحل " إنهم واثقون بأن المنظومة التشريعية الإسلامية جاهزة وقادرة على معالجة معظم المشكلات المطروحة، لا ينقصها سوى إثراؤها ببعض الاجتهادات، وحسن تنزيلها على الواقع.

- رابعا: تشكل "الجماعة" عند الإسلاميين العمود الفقري لوجودهم ولقوتهم. فالتنظيم هدف في حد ذاته، وهو أداة الوصول إلى الحكم، ويحتل مكانة محورية في خططهم ونمط حياتهم إلى درجة جعلت البعض منهم يربط بين الإسلام والجماعة، ويذهب بهم الاعتقاد بأن التزامه بالولاء للتنظيم يكاد يصبح شرطا من شروط المحافظة على انتمائه الإسلامي.

سنحاول في الفقرات القادمة، التوقف عند الفرضيات السابقة لاختبارها ومناقشة مضامينها ودلالاتها.

الدولة الإسلامية بين الوهم والحقيقة:

عندما تهاوت الخلافة الإسلامية بقرار من الجنرال كمال أتاتورك، تحولت مسألة استعادة الخلافة إلى حلم يراود الكثيرين، ولهذا عندما نشأت حركة الإخوان كان من بين أهدافها البعيدة استئناف الخلافة، وذلك عن طريق بناء الدولة الاسلامية. لكن ما هي هذه الدولة؟ وبماذا تختلف عن غيرها من أنظمة الحكم؟.

لقد كتب الكثير عن هذه الدولة، لكن كلما تم التأمل في مقوماتها ومضامينها وطبيعتها، إلا وتأكد بأن المصطلح "ساحر" وجذاب لكنه غامض وغير دقيق، هو يحيلك إلى مسألة السلطة، لكنه يبقى مصطلحا فضفاضا بشكل جعل الإسلاميين أنفسهم يتفاوتون في تحديد دلالاته، ويختلفون في ضبط معناه وصفاته ومرتكزاته.

الدولة الاسلامية مقولةتاريخية، لكنها وصفت بدولة الخلافة، قبل أن ترتبط بالعائلات الرئيسة التي تعاقبت على الحكم، مثل بني أمية والعباسيين وغيرهم. ومع الإسلاميين تحولت إلىمقولة أيديولوجية قائمة على مجموع الآيات التي وردت في القرآن ومتعلقة بالقضاء، مثل قوله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" و "الفاسقون" و "الظالمون". وهكذا ارتبطت الدولة بالشريعة، واستمدت منها طبيعتها ووظيفتها؛ فالدولة لا تصبح إسلامية إلا عندما تطبق أحكام الشريعة، كما أنها تفقد هذه الصفة وتفقد معها الشرعية عندما لا تلتزم بذلك. وهكذا تم إسقاط الرغبة الأيديولوجية على التجربة التاريخية للدولة في سياقها الإسلامي.

"الدولة الإسلامية" نماذج متعددة، وهي حتى عند الإسلاميين، ليست نموذجا موحدا؛ فهي في إيران مختلفة عن نموذج طالبان أو السودان. وعند حزب التحرير ليست الدولة الإسلامية متطابقة مع التصور الذي وضعه أبو الأعلى المودودي، أو ما دافعت عنه الجماعات الإسلامية التي انبثقت عن أفكار السيد قطب، وإن تقاطعت معهما في جوانب كثيرة. لكن مع وجود هذه الاختلافات، تلتق جميع صور الدولة الإسلامية حول مركزية مسألة تطبيق الشريعة؛ فحتى الشيخ يوسف القرضاوي، الذي قدم الحرية على الشريعة، إنما قصد من وراء ذلك اشتراط توفير شروط جاهزية المجتمعات قبل الشروع في تطبيق الأحكام.

عندما توصف الدولة بكونها محكومة بأيديولوجية ما، فإنها بذلك تكون نسخة من نسخ الدول العقائدية القائمة على عقيدة تسعى إلى الدفاع عنها والعمل على تجسيدها على جميع الأصعدة، ولا تسمح بأي تجاوز من شأنه أن يمس من مكوناتها هذه العقيدة. وهذا ما يؤكد عليه الكثير من الإسلاميين، الذين يحرصون على تقييد بعض الحريات الأساسية في الدساتير، حتى لا تتعارض مع أحكام الشريعة وعقائد الإسلام. وبالتالي، فإن الدولة الإسلامية من هذه الزاوية لا تؤمن كل الحقوق والحريات، وإذا ما تبنت هذه الحقوق، فهي تضع لها حدودا لا يجوز تجاوزها، ومن ينتهكها يعرض نفسه لعقوبات قد يصل بعضها إلى الإعدام في بعض القضايا، مثل حكم الردة الذي لا يزال يقول به الكثيرون. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى وجود اختلافات بين الإسلاميين حول الحقوق والحريات التي يمكن الاستناد عليها والدفاع عنها. فمثلا لا يقر حزب التحرير في ما يسميه ب "دستور الخلافة" بحق الأحزاب العلمانية في النشاط في ظل الدولة الإسلامية التي يسعى إلى إقامتها. وقد علل الفرع التونسي للحزب ذلك بما يلي: "نحن نرحب، بل ونشجع على إنشاء أحزاب أخرى في ظل الدولة الإسلامية، ولو خالفتنا هذه الأحزاب في الرأي والمنهج والطريقة طالما قامت هذه الأحزاب على أساس إسلامي...أما الأحزاب الأخرى العلمانية واللائكية والشيوعية وغيرها من الأحزاب القائمة على أفكار غربية دخيلة من إفراز حكم الاستعمار وأذياله، فهذه لا يسمح لها، إذ أنها أفكار تناقض الإسلام مناقضة صريحة وتستخدم لضرب الدولة الإسلامية وإضعافها".

يلتق حزب التحرير في هذه المسألة مع دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي ينص بدوره في مادته السادسة والعشرين على أنّ "الأحزاب، والجمعيات، والهيئات السياسية، والاتحادات المهنية، والهيئات الإسلامية، والأقليات الدينية المعترف بها، تتمتع بالحرية بشرط أن لا تناقض أسس الاستقلال، والحرية، والوحدة الوطنية، والقيم الإسلامية، وأساس الجمهورية الإسلامية". في حين تحدد المادة الثانية أساسنظام الجمهورية الإسلامية الذي يقوم أولا على"الإيمان بالله الأحد (لا إله إلا الله) وتفرده بالحاكمية والتشريع، ولزوم التسليم لأمره؛وثانياالإيمان بالوحي الإلهي ودوره الأساس في بيان القوانين"؛ وثالثا "الإيمان بالمعاد ودوره الخلاق في مسيرة الإنسان التكاملية نحو الله". إلى جانب المادة الخامسة التي تؤكد على أنه "في زمن غيبة الإمام المهدي تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل". وبالتالي، فإنّ أي حزب أو جمعية أو هيئة لا تقر بهذه المسلمات والمرتكزات لن يكون مسموح لها بالنشاط العلني والقانوني.

وقد سبق للجبهة الإسلامية للإنقاذ في السودان بقيادةحسن الترابي أن ألغت الأحزاب والجمعيات بعد توليها السلطة مباشرة، لكنها تحت الضغط والمعارضة في الداخل والخارج اضطرت للتراجع عن ذلك بعد سنوات، وسمحت بعودة الحياة الحزبية. كما سبق للشيخ حسن البنا أن شن حملة قوية ضد النظام الحزبي في مصر خلال المرحلة الليبرالية الأولى، ولم يبدأ الإخوان في تصحيح موقفهم من هذه المسألة إلا في مرحلة التسعينيات من القرن الماضي.

هذه ليست سوى بعض الأمثلة التي قصدنا من خلالها التأكيد على أن وجهات النظر المتعلقة بمسألة الحريات داخل الإطار الإسلام الحركي لا تزال متعددة، وإن كان العديد من الحركات الإسلامية، قد اتخذ مواقف متقدمة في السنوات الأخيرة بعد أن تبين لقادتها بأنّ الدولة التي تصادر الحق في التنظيم وتشكيل الأحزاب هي دولة مستبدة وغير شرعية، حتى ولو وصفت نفسها بكونها إسلامية.

المسائل المعلّقة:

بناء على ما سبق، فإنّ عديد المسائل لا تزال معلّقة، ومن بينها:

-استمرار معضلة تحديد العلاقة بين الدين والدولة؛ فالثورات العربية التي وفرت فرصة تاريخية للإسلاميين مكنتهم من الانتقال إلى السلطة في أكثر من بلد، أعادت في الآن نفسه الجدل من جديد بشكل عاصف حول ضبط طبيعة هذه العلاقة، أي متى يبدأ تدخل العامل الديني في تكييف شؤون الدولة وتسييرها؟ ومتى ينتهي؟. إنّه ليس نقاشا نظريا فقط، وإنّما هو أيضا سياسي واجتماعي وحقوقي، لأنّه يترجم عمليا إلى قرارات وسياسات، من شأنها أن تمس مختلف جوانب الحياة الفردية والجماعية، وهي تبدأ من صياغة الدستور، وتصل إلى نمط العيش وحرية الأفراد في لباسهم ومعاشهم وتقاليدهم والعلاقة بين الجنسين، وكيفية تربية الأبناء وبرامج التعليم وغيرها من الكليات والجزئيات.

-تتضمن مقولة الدولة الإسلامية استبطان إشكال نظري وقانوني، يقوم على احتمال الوقوع في خلط مفاهيمي يربك العلاقة بين المؤمنين والمواطنين. فالمواطنة مفهوم حديث، ارتبط ظهورها بتطور خصائص الدولة الأمة. وبما أنّ هذه الدولة يفترض فيها تجاوز الإطار العقائدي، والارتقاء إلى مستوى الحياد بالنسبة للانتماء الديني والمذهبي؛ فقد أصبحت علاقتها بأعضاء المجتمع ترتكز على قيمة المواطنة وليس على عنصر الولاء الديني أو المذهبي والأيديولوجي. وقد كانت الدولة الإسلامية بالمعنى التاريخي تضم أقليات عديدة، ولم تعمل على محاربتها أو طردها من الدائرة الإسلامية، وذلك التزاما بتوجهات الإسلام في هذه المسألة الحيوية، إلا أنّ الدولة الإسلامية في صبغتها الأيديولوجية قد تربك هذه العلاقة، وتخلق حالة من التمييز بين من يشترك مع الحاكمين في عقائدهم، وبين الذين لا يشاطرونها تلك العقائد أو حتى التوجهات السياسية والاختيارات المذهبية. ولهذا، فإنّ فكرة المواطنة تقتضي حيادية الدولة في المجال العقائدي والديني لمنع الوقوع في التمييز بين المواطنين. والحياد هنا لا ينفي أن تكون للدولة خلفية تاريخية وثقافية، لكن مهمتها المركزية تبقى في حماية الحق في الاعتقاد وضمان حرية الضمير لجميع مواطنيها بدون تمييز، ولا تتدخل في كل ما من شأنه أن يمس من حرية الأفراد والجماعات، إلا عندما يترتب عن ذلك تهديد لهذه الحرية عن طريق استعمال العنف. فتاريخيا، تمت حماية حقوق الأقليات من غير المسلمين في ظل الدول الإسلامية المتعاقبة، وهو ما يفسر استمرار بقاء هذه الأقليات إلى اليوم في كامل المنطقة العربية والإسلامية، إلا أنّ المدارس الفقهية لم ترق إلى مستوى ضمان المساواة الكاملة بين أفراد الرعية، وهو ما أخّر التوصل الى مفهوم المواطنة، الذي رسخته الدولة الوطنية على الأصعدة المحلية، وإن لم تحترمه في عديد المسائل والتشريعات والسياسات نتيجة نزوعها نحو الهيمنة والاستبداد.

-في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ المواطنة هي نتيجة للتطور التاريخي الذي خضع له مفهوم الدولة وعلاقتها بالفرد والشعب أو الأمة. ولهذا السبب، لا يزال جزء مهم من الإسلاميين يواجهون علاقة إشكالية، وأحيانا صراعية مع الدولة الوطنية التي نشأت وتجذرت في كل البلدان الإسلامية على إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية. إنّهم يرون فيها نبتة استعمارية يجب العمل على إلغائها في سبيل استعادة الخلافة الضائعة. يتجلى ذلك بأكثر وضوحا في أوساط السلفيين أو أنصار حزب التحرير،غير أنّ هذا الموقف يتراجع لدى الحركات التي وجدت نفسها في السلطة، وإن كانت لا تزال تجد صعوبة في تشرب خصائص الدولة نتيجة عدم خبرة كوادرها من جهة، ولكن الأهم من ذلك تواصل تأثير المفاهيم الأيديولوجية السابقة التي لم يتم التخلص منها بشكل عميق؛ فعموم الإسلاميين قبلوا بمبدإ المواطنة بحجة عدم تعارضه مع الشريعة، لكنّ ذلك لم يضع حدا للجدل حول عديد المسائل المتعلقة بالحريات الفردية والجماعية، لأنّ التجربة التاريخية الإسلامية قامت على مركزية الأمة والجماعة وترسيخ الولاء للحاكم والأسرة الحاكمة، ولم تول اهتماما بارزا لاستقلالية الفرد التي بقيت معلقة أو مؤجلة، وذلك بالرغم من أنّ الإسلام أعطى للفرد قيمة مهمة من خلال مخاطبته مباشرة عبر قوله تعالى: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك فملاقيه"، كما أنّ الشريعة الإسلامية قد أقرت بالمسؤولية الفردية "ولا تزر وازرة وزر أخرى".

وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى دلالات استمرار النقاش داخل حركة الإخوان المسلمين حول أهلية غير المسلم للترشح الى رئاسة الدولة، وقياس ذلك بمنصب " الولاية الكبرى " التي تخص منصب الخليفة؛ فالذين لا يزالون يعترضون على حق المصري القبطي في أن يكون رئيسا، وفي مقدمتهم مرشد الجماعة محمد بديع، لا يعتقدون بأنّ ذلك يتعارض مع مبدأ المواطنة، لأنّه من وجهة نظرهم تقدم العقيدة على الانتماء للوطن، وبالتالي لا يجوز أن يقود مواطن مسيحي مجتمعا تسوده أغلبية مسلمة، في حين يسعدهم كثيرا أن يتولى مسلم رئاسة بلد تكون أغلبية سكانه من ديانات أخرى. تلك مفارقة فكرية، تبين أنّ مفهوم المواطنة لم يستقر عند البعض بمعناه العميق والأصيل، حتى بعض الذين قبلوا بحق غير المسلم الترشح للرئاسة وتولي إدارة شؤون الدولة، رغم أنّ موقفهم يعتبر متقدما مقارنة بالذين لا يجيزون ذلك، غير أنّ هؤلاءيعتبرون المسألة ليست سوى فرضية نظرية وليست أمرا واقعيا، لأنّهم يعتقدون بأن أغلبية الشعب المسلم لن يقبل بالتصويت لمرشح مسيحي. وبالتالي، فإنّ القول بجواز الترشح قد يريح أصحابه من حرج سياسي وحقوقي، لكنّه لا يلغي الإشكال، لأنّ التعامل مع مثل هذه القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان من منطق براغماتي من شأنه أن يلغم المفاهيم أو يميعها. فالأصل في ذلك هو إثبات هذا الحق في الدستور، وتوفير الضمانات القانونية التي تمكن من ممارسته لتجسيد المساواة بين كل المواطنين دون تمييز قائم على أساس الدين، بما في ذلك تجريم التحريض الديني والسياسي ضد مرشحي الديانات الأخرى،وهو ما لم تفعله الحركات الإسلامية التي وجدت نفسها في الحكم أو أنّها تتمتع بأغلبية في مجالس صياغة الدساتير.

ما قيل عن تولي غير المسلم رئاسة الجمهورية، ينطبق أيضا على من لا يجيز تولي المرأة نفس المسؤولية، بحجة أنّها لا تصلح لذلك، وهو اعتراض صريح على مبدإ المساواة بين الجنسين.هذا أيضاً وجه آخر من اختلال مبدإ المواطنة عند جزء من الإسلاميين،الذي يعتقدون بأنّ المساواة بين النساء والرجال "مقولة غربية متعارضة مع الإسلام".

السلطة أداة للتغيير:

بعد مناقشة إشكالية الدولة الإسلامية، نتوقف عند مسألة السلطة في المنظور الاستراتيجي للإسلاميين. ونبدأ بملاحظة أنّ الحركات الإسلامية هي أحزاب سياسية، وبالتالي، فإنّ سعيها للوصول إلى السلطة يعتبر أمرا مشروعا من حيث المبدأ. لكن هذه الحركات ليست أحزابا عادية؛ فصفة الإسلامية التي تحرص عليها تجعل من الدين أرضية سياسية وأيديولوجية لها؛ بمعنى أنّها تحول الإسلام إلى جزء أساسي من المعركة حول السلطة ومن أجلها، ولهذا كلما دخلت معركة لاستقطاب الرأي العام، أو لمخاصمة طرف منافس لها، إلا وربطت أهدافها الحزبية بخطاب ديني يقوم على الحرام والحلال، والمنكر والمباح. وبذلك، يصبح نجاحها أو فشلها مرتبطا في أذهان أنصارها وخصومها بتداعيات محتملة على الدين والتدين. وهذه إشكالية معقدة تحتاج إلى تأمل عميق ومسؤول، لأنّ الأصل في الأشياء أنّ الإسلام دين فوق الأشخاص والأحزاب، لا يجوز احتكاره من قبل أي كان، أو التحدث باسمه في أي معركة، خاصة إذا كان الهدف من ذلك وصول طرف من الأطراف إلى الحكم.

من ناحية، هناك خشية من أن تتحول السلطة عند الإسلاميين إلى هدف في حد ذاته، بدل أن تكون وسيلة لخدمة الناس وحماية عدد من القيم والمبادئ الكبرى، مثل الحرية والعدالة والمساواة. لقد سبق أن وقعت في هذا المطب تيارات وأحزاب كثيرة حملت في البدايات شعارات جميلة ودفعت عن قضايا عادلة، لكنها بعد أن أمسكت السلطة، أصيبت بالغرور، وانفتحت أمامها أبواب الاستئثار بالثروة والقوة، فأعادت إنتاج الاستبداد، وأفسدت في الأرض مثلما أفسد غيرها، لأنّ للسلطة مغانمها وعالمها الساحر المخرب للقيم وأخلاق الحكام. وتكفي الإشارة في هذا السياق إلى ما فعلته السلطة بالحركة الإسلامية السودانية، حين قسمت أبناءها، وسجنت زعيمها، وجعلت بأسهم بينهم شديدا.

كذلك يقتضي هذا الأمر مناقشة إشكالية منهج التغيير؛ فالإسلاميون في مرحلة سابقة كانوا يؤكدون على أولوية العمل القاعدي، الذي يقتضي العمل مع الناس ومن أجل الناس؛ أي التغيير من تحت. لكن، كلما توفرت لهم فرصة الاشتراك في الحكم أو الانفراد به إلا وعادوا إلى شعار قديم يعطي الأولوية للتغيير من فوق، وهو أسلوب تتبناه كل الأحزاب أو على الأقل معظمها، لكن نتائجه ليست مضمونة، بل في بعض التجارب يكون الحصاد عكسيا، لأنّ القيم لا تتحول إلى قناعات عند الناس بمجرد أن تتحول إلى شعارات ترددها الأجهزة الرسمية ومؤسسات الدولة. القيم والمبادئ تنبع من المواطنين، وتتطلب تفاعلا تلقائيا وراسخا من قبلهم، وإلا ساد النفاق، وضاع المعنى، وتحولت العملية السياسية إلى لعبة تغيير الأقنعة. لا يعني هذا التقليل من أهمية السلطة وأجهزتها، ولكن التغيير الاجتماعي يجب أن يكون ثمرة علاقة جدلية وتكاملية بين الدولة والمجتمع. فإصلاح السياسات أمر مهم وأساسي، ويحتاج إلى كفاءات عالية وبذل جهود ضخمة من أجل تحويل الشعارات والوعود إلى ممارسات جماعية حقيقة وتشاركية، لكن في المقابل، يجب أن تكون هناك قوى وتيارات وجمعيات مستقلة عن الدولة والأحزاب، تعمل من أجل نشر ثقافة جدية وعميقة ترمي إلى إعادة الاعتبار للقيم الأساسية الموحدة للمجتمع والمجددة لرؤيته لنفسه ودوره في الإصلاح؛ فالتغيير من فوق والرهان على " أسلمة " المجتمع انطلاقا من الإمساك بالسلطة هو أشبه بببناء هرم مقلوب سرعان ما ينهار ويتحطم؛ أي التضحية بالفكرة والمشروع مقابل الحصول على مصلحة مؤقتة، والتمتع بحكم لن يدوم.

النظام الإسلامي والكنز المفقود:

الفرضية الثالثة هي القول بجاهزية "النظام السياسي الإسلامي" لتأطير الواقع الراهن وتغييره، وهي الفرضية التي تختزل عادة في شعار "الإسلام هو الحل". ولنا حول هذه المسألة ملاحظات نسوقها بإيجاز.

أولا: الإسلاميون بقوا فترة طويلة يرفضون الإقرار بأنّه لا يجود نظام حكم إسلامي جاهز وواضح. هناك شذرات متفرقة وآراء متناثرة لا تشكل منظومة متجانسة ومتكاملة؛فكل من اطلع على كتب السياسة الشرعية إلا وعاين أنّ ما ورد فيها لا علاقة له بالعصر الحديث، وإنما هو انعكاس لمرحلة تاريخية انتهت. أمّا فيما يتعلق بكثير من أدبيات الخطاب الحركي في مجال التنظير السياسي؛ فهي إمّا محاولات لإحياء تراث قديم، أو أنّها أفكار عامة وإسقاطات على واقع افتراضي، وهي في كل الأحوال تدل على حجم الفقر المعرفي الذي يعاني منه "الفكر السياسي الإسلامي المعاصر"، باستثناء بعض المحاولات الجادة هنا أو هناك. فجزء من هذا الخطاب لم يتحرر بعد من الإطار النظري للفقه السياسي الكلاسيكي برموزه ومرجعياته ومصطلحاته ودلالاته. في حين يتضمن الجزء الآخر من هذه الأدبيات محاولات ترقيع شكلي، تجمع الفكرة ونقيضها، بعيدا عن أي منهج تأصيلي يقوم على الإبداع والتجاوز للمنطق القديم.

ثانيا: عندما وصل الإسلاميون إلى الحكم، لم يجدوا عمليا منظومة سياسية مرجعية يستندون عليها لإصلاح الدولة وإدارتها، وهو ما دفعهم إلى الأخذ بالنماذج الغربية الجاهزة، بدءا من مؤسسات الدولة، والفصل بين السلطات، وصياغة دساتير، والاعتراف بالأحزاب والجمعيات، إلى آخر ما توصلت إليه الأنظمة الديمقراطية الغربية من ابتكار في مجال الحوكمة والتنظيم السياسي والإداري. لم يبتكر الإسلاميون أنظمة سياسية مغايرة، كما أنّهم لم يستطيعوا إحياء النظام السياسي القديم الذي ساد طيلة المرحلة التاريخية السابقة. وإنّما دار ولا يزال الجدل والصراع حول حجم الاقتباس من مختلف التجارب الواردة، وكيفية تنزيلها، ومحاولة التحكم فيها من خلال إخضاعها للشروط المحلية من أجل ضمان إدارة الصراع السياسي. وبالتالي، يمكن القول إنّ الفكر الحركي لم يبدع حتى الآن في مجال الثقافة السياسية، ووجد نفسه، مثل غيره من التيارات والأحزاب يقتات من الفكر السياسي العالمي.

ثالثا: نتيجة للملاحظتين السابقتين، فإنّ الممارسة عند الإسلاميين لا تزال سابقة للفكر؛ أي أنّهم يمارسون ثم يفكرون، وبالتالي فإن العمل السياسي اليومي هو الذي أصبح يحدد سلوكهم في انتظار تبلور ثقافة سياسية جديدة يؤسسون في ضوئها ممارستهم السياسية. وبذلك، هم يكرّرون تجارب من سبقوهم، مثل القوميين وغيرهم من الذين عندما مسكوا السلطة، واعتمدوا في إدارتهم للحكم وإدارة الشأن العام على منهج " التجربة والخطأ "؛ أي يجربون، وعندما يخطئون يتوقفون لإصلاح الخطأ، قبل الدخول في تجارب جديدة تزيد من حجم الكلفة. لقد هيمن الشأن اليومي على حساب مصالح المجتمعات، وأيضا على حساب رصيد الإسلاميين ومصداقيتهم. ويعود ذلك إلى تعجلهم في ممارسة السلطة قبل أن تكتمل مراجعاتهم النظرية، وتنضج أطروحاتهم البديلة. وإذا كانت سنوات القمع قد اتخذت مبررا لتعليل عدم الانشغال بالمسائل الفكرية الجادة؛ فقد جاءت مرحلة السلطة لتزيد من تعميق الفجوة بين الثقافة والسياسة عند الإسلاميين.

رابعا: لا يزال النقاش مستمرا في أوساط الإسلاميين حول العلاقة بين ما يسميه بعضهم بالديمقراطية الإجرائية والديمقراطية كمنظومة. العديد منهم كتب في هذا الأمر، وكثير منهم يعتقد في قرارة نفسه بأن الديمقراطية تختزل في كونها آلية للوصول إلى السلطة، وتحقيق التداول السلمي عليها. وبالتالي، فإنّ هذه الآلية يمكن فصلها حسب اعتقادهم عن الديمقراطية كمنظومة فلسفية وثقافية وحقوقية وسياسية.

الجماعة أداة الوصول الى السلطة:

تتعلق المسألة الأخيرة بالاعتقاد بأنّ "الجماعة" هي الآلية الفعالة للوصول إلى الحكم، وهي فكرة سليمة في حد ذاتها، نظر لها كثيرا لينين في كتابه "ما العمل" الذي أصبح بمثابة إنجيل الشيوعيين لفترة طويلة، كما آمن بها البعثيون وغيرهم. لكن أولوية التنظيم عند الإسلاميين ولدت لديهم عديد الإشكاليات العملية والفكرية والتربوية.

فهم لا يزالون يواجهون إشكالية عدم التمييز بين الجماعة والحزب، أو بين الحركة والحزب؛ فللجماعة مفهوم محدد ارتبط بمسارات الحركة الإسلامية وتطورها. في حين أن الحزب مفهوم مختلف وحديث. عدم التمييز هذا هو الذي لا يزال يربك الحركات الإسلامية ويوقعها في الخلط بين الأدوار الوعظية والاجتماعية وبين الأدوار السياسية والحزبية. إشكالية العلاقة بين الدعوي والسياسي، حاول الإسلاميون في المغرب المرتبطون بتجربة حزب العدالة والتنمية معالجتها ولو جزئيا، وذلك من خلال فصل المجال الوعظي التربوي عن الحقل الحزبي، دون الفصل بينهما نهائيا، لكن الكثير من الحركات، بما في ذلك حركة النهضة، تستمر في الجمع بين الحقلين، حرصا منها على توظيف ذلك في معاركها السياسية.

من جهة أخرى، تتميز الكثير من الحركات الإسلامية بانضباطها الحزبي، وهو ما عرف به الإخوان المسلمون في مصر على سيل المثال، حيث لا تزال الجماعة هي التي تقود كل شيء بما في ذلك " حزب الحرية والعدالة " الذي يعتبر الذراع السياسي للإخوان. ومن المفارقات أنّ الجماعة تحرص من جهة على تعميق الانضباط الداخلي الذي تتراجع فيه الممارسة الديمقراطية، وهو ما تؤكده الكثير من شهادات المنسحبين من الجماعة أو المطرودين منها، ومن جهة أخرى يؤكد الإخوان وفي مقدمتهم أعضاء مكتب الإرشاد على التزامهم بالعمل من أجل تعزيز الديمقراطية على الصعيد الوطني، وهو ما يجعل الكثيرين يتساءلون عن كيفية الجمع بين انضباط حزبي وتنظيم مركزي قوي يقوم على الولاء للقيادة من جهة، وبين العمل في ظل نظام سياسي يفترض فيه أن يكون ديمقراطيا، تمارس فيه الحريات بشكل واسع، وتدار به تعددية حزبية ودينية وثقافية شديدة التنوع والتعقيد، من جهة أخرى.

أما الإشكالية الأخرى التي بدأت تتضح في أكثر من تجربة، وتخص العلاقة بين الحزب والدولة، إذ كيف لإسلامي يعمل من أجل إقامة دولة إسلامية أن يميز بين حدود الحزب الذي ينتمي إليه والذي يرى فيه الجماعة التي احتضنته وربته، ليكون ولاؤه لها وليس لغيرها، وبين احترام خصوصيات الدولة وتقديم مصالحها على المصالح الحزبية، بما في ذلك مصالح الجماعة التي ينتمي إليها؛ أي كيف يمكن للإسلاميين تجنب إعادة إنتاج تجارب الحكم السابقة عندما تماهى الحزب بالدولة، من خلال الإمساك بكل مفاصلها ومؤسساتها.

خلاصات ومعالم:

في ضوء ما تقدم من ملاحظات، يمكن استخلاص ما يلي:

أولا: يخضع الخطاب السياسي للإسلاميين لحالة ملاحقة مستمرة لمسارين متداخلين؛ المسار الأول يخص الواقع المحلي الذي يتسم بالتعقيد، والذي شكلته عوامل عديدة تاريخية وثقافية متعددة المصادر وكذلك اقتصادية واجتماعية، سابقة لوجود الإسلاميين، وفي أحيان كثيرة تكون هذه العوامل مستقلة عنهم. أما المسار الثاني، فهو خارجي، تحكمه مصالح إقليمية ودولية، ويقوده الفكر السياسي والاقتصادي العالمي القائم على ليبرالية متعددة الأوجه. وبالتالي، نعيد القول بأن الإسلاميين لم يبدعوا في المجال السياسي، وإنما وجدوا أنفسهم يلاحقون تطورات مهمة سبقتهم بمسافات شاسعة، ويسعون لتقمص نماذج كانوا من قبل يحاربونها، ويصفونها بكونها غير إسلامية. وهذا يعني أنه لا يوجد إلى حد الآن نموذج سياسي قابل للتنفيذ خارج دائرة الفكر الديمقراطي الغربي.

ثانيا: من مفارقات المرحلة الراهنة وصول الإسلاميين إلى الحكم في لحظة تاريخية لم تستكمل فيها مراجعات الفكر الديني الإسلامي. ولهذا، يلاحظ حاليا من خلال رصد الجدل العام الدائر حول تداخل عديد الأفكار والخطابات، بعضها ينتمي إلى القرن الرابع أو السادس الهجري، وأخرى هي من نتاج المرحلة المعاصرة. هذا التداخل بين العصور والمراحل التاريخية، يلاحظ في مختلف الأقطار والتجارب الجارية بما في ذلك في تونس رغم الحركة الإصلاحية الطويلة،، وذلك في غياب منهجية واضحة، تحقق التراكم، وتؤرخ للأفكار، وتؤسس العلاقة بين المفاهيم والتحولات المحلية والعالمية.

ثالثا: لا يعني ما تقدم عرضه، أنه لم يتحقق تقدم خلال المرحلة الطويلة السابقة وخاصة في السنتين الأخيرتين، بل على العكس من ذلك هناك عديد المسائل السياسية المتعلقة بالحريات العامة والفردية قد حسمت، ويتجلى ذلك في عديد المظاهر من بينها مجموع الحقوق التي لم يعترض عليها الإسلاميون في دساتير كل من المغرب ومصر وتونس التي لا يزال النقاش مستمرا. حصل ذلك بفضل المخاض التاريخي الذي يعيشه الإسلاميون في صلب هذه الثورات المفتوحة، لكن ذلك لم يمنع استمرار الجدل حول حدود بعض هذه الحريات وكيفية تحقيق التوافق بينها، وبين عديد المسائل الشرعية التي لا تزال عالقة، مثل الجدل الذي دار في تونس وفي مصر حول اعتراض الإسلاميين على التنصيص على المرجعية الكونية لحقوق الإنسان في الدستور. لكن مع ذلكتبقى الممارسة هي الأساس لتقييم أداء الإسلاميين، والتأكد من مدى إخلاصهم وتسليمهم المبدئي بهذه الحقوق والحريات. وهنا، يمكن ملاحظة أن الممارسة قد بدأت تكشف عن وجود إشكاليات عميقة لا تزال قائمة فعليا لدى الإسلاميين.

رابعا: الإسلاميون أنواع وتيارات ومسارات يتفاوتون في درجات النضج والفهم والاستفادة من الأخطاء والدروس، إلا أنه كلما حصل تقدم في خطابهم السياسي، إلا وبرزت على يمينهم حركات محافظة ذات نزوع راديكالي، تعمل على إعادة النقاش حول مسائل ظن الجميع بأنها قد حسمت، فتعيد بذلك الكرة من جديد إلى نفس المربع. وهذا ما يلاحظ بالخصوص مع تنامي الظاهرة السلفية، التي كلما علا صوتها، إلا ومارست مزيدا من الضغط على قواعد وكوادر بقية الحركات الإسلامية التي تمكنت من تعديل خطابها السياسي، متهمة إياها بخيانة المشروع الإسلامي لمجرد تسليمها بقواعد اللعبة الديمقراطية، أو تبني بعض الحقوق والحريات؛ فالخطاب الحركي لا يزال مهددا من قبل الذين يعتقدون بأنهم حراس العقيدة والمدافعين عن "الإسلام الصافي"، وهو ما يفسر وجود حركات يتحدث قادتها بلغة تتسم بالانفتاح السياسي، في حين تردد قواعدها خطابا مناقضا ومتشددا في مضامينه وشعاراته. هذه الظاهرة وصفها الباحث الفقيد حسام تمام ب "تسلف الإخوان"، وهي ليست فقط ظاهرة مصرية، وإنّما يمكن ملامستها أيضا في الحالة التونسية. وبالتالي صار المسار عكسيا؛ أي بدل أن يؤثر الإسلاميون المعتدلون في التيارات السلفية،أصبح هؤلاء أكثر عرضة للتأثير المضاد.

خامسا: العديد من القادة السياسيين للحركات الإسلامية يمارسون البرغماتية في خطاباتهم وتحالفاتهم، وهو ما جعل أنصارهم وكل المراقبين والرأي العام لا يميزون بين المواقف المبدئية التي يؤمن بها هؤلاء وبين المواقف التكتيكية التي تمليها عملية التكيف السياسي، لأنّ الوصول إلى السلطة حاليا أو الاحتفاظ بها أصبح مرهونا إلى حد كبير بمدى القدرة على كسب أصوات الناخبين. فإذا كان الجمهور المستهدف محافظا، فإنّه يلاحظ أن قادة هذه الحركات يظهرون حرصا شديدا على استرضائه وكسبه، حتى ولو تم ذلك على حساب التخلي عن ثوابتها الإصلاحية، أو بالتخلي عن مهمة تطوير الخطاب الديني، وهو ما يؤدي في النهاية إلى حالة حركية وحزبية منشطرة بين قيادات منفتحة وقواعد سلفية. كما يؤسس ذلك إلى نوع ازدواجية الخطاب داخل الساحة الإسلامية بشكل يفقدها الوضوح والمصداقية.

سادسا: اختلف اليوم وضع الإسلاميين. هم يعيشون حالة مخاض وتجاذبات شتى. لقد خرجوا من عزلتهم، ليجدوا أنفسهم في صلب الحراك الاجتماعي والسياسي. إنّهميواجهون حاليا كما هائلا من قضايا الدولة والمجتمع، كما أنّهم محاصرون اليوم بمطالب عالية تتعلق بالحريات والحقوق الأساسية للمواطنين، ولا شك في أنّ هذا الواقع الجديد سيعيد صياغة هذه الحركات، وسيؤثر فيها بالضرورة. لكن التطور الديمقراطي للإسلاميين لن يتحقق بنسب متقدمة وبنسق سريع، إلا بشروط. فالتحول المأمول للإسلاميين يبقى مرهونا بعوامل عديدة من أهمها وجود معارضات ديمقراطية قوية ونشيطة، وكذلك مجتمع مدني فاعل ومستقل. فهذه الأطراف ستدخل بالضرورة في علاقة جدلية مع هذه الحركات، وقد يأخذ ذلك طابع الصراع كما هو حاصل في مصر وتونس، وهو ما من شأنه أن يسهم في تنضيج الخطاب الإسلامي، ويدفع نحو تأسيس ثقافة سياسية جديدة تقترب من الديمقراطية، وتضفي بعدا أخلاقيا على العمل السياسي. لكن في غياب معارضات ناضجة ومتجذرة في واقعها، وفي ظل مجتمعات مدنية غير فعالة ونخب غير مستوعبة لتحديات المرحلة وللخصوصيات الثقافية والاجتماعية، فإنّ الإسلاميين قد يتغولون ويعيدون إنتاج المنظومة الاستبدادية السابقة، وإن بشعارات مختلفة، وربما بأساليب أكثر خطورة؛ أي تحويل الدولة إلى أداة صلبة لضبط المجتمع وإخضاعه وتطويعه.


*- نص المداخلة الذي ألقي في الندوة التي نظمتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان: "الدين والسياسة: نحو رؤى متجدّدة في سياق الربيع العربي"، بتاريخ 15و16 فبراير2013، تونس.